الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ومن المهم للمسلمين الاعتبار بما يجري في تلك الأمة من حولهم؛ لأننا نشاهد من يتبنى بعض مواقف تلك الأمة حرصًا منه بحسب زعمه على التوافق مع العصر وقبول النظريات العلمية، ولكن مواقفهم كان سببها الأساسي عدم صحة ما بين أيديهم في الأساس أو عدم الفهم السليم للصحيح منه، وهما أمران تمّ تجاوزهما لعدم قدرة الكنيسة على إيجاد سند تاريخي يوثق دينهم، وعدم وجود منهج سليم يحتكمون فيه إلى فهم ما صح منه. وانسياق بعض المسلمين في تقليد أحد مواقفهم لا يستقيم لاختلاف الحالين؛ لهذا السبب نطيل الكلام في مثل هذه الفقرات لكي تنتبه أمتنا فلا تقع فيما وقع فيه غيرها.
حالة المعاناة من الكنيسة وظهور العلمانية:
يلخص لنا أحد علماء أوروبا المعاصرين قصة هذا الدور -بول جورمان- فيتساءل: "هل تؤدي الاكتشافات العلمية التي حققها الإنسان في مختلف المجالات الفيزيائية والفلكية والرياضية والبيولوجية والتكنولوجية إلى فقدان الإيمان أو التشكيك بوجود الله؟ هذا ما اعتقده بعضهم في الغرب طيلة القرنين الماضيين، بل وهذا ما لا يزال يعتقده الكثير من معاصرينا اليوم، وكل ذلك يعود إلى سوء التفاهم الذي حصل بين الكنيسة المسيحية وبين الاكتشافات العلمية بدءًا من غاليليو وانتهاء بداروين. ."(1). ثم يؤكد دور الكنيسة فيقول: "لا ريب في أن العلماء المسيحيين المعاصرين يشعرون بالخجل تجاه ما فعلته الكنيسة سابقًا ضد العلماء واكتشافاتهم، فقد لاحقتهم طيلة العصور الوسطى وحتى أواسط العصور الحديثة، وحاكمتهم وأعدمتهم أحيانًا؛ لأنهم تجرؤوا على اكتشاف قوانين الطبيعة والكون، واعتبرت أن ذلك يمثل تحديًا للقدرة الإلهية أو تطاولًا عليها. نقول ذلك ولاسيّما أن الاكتشافات العلمية كانت تناقض ما جاء في كتب اليهود والمسيحيين عن تركيبة الكون والمادة. ولهذا السبب حارب البابا العلماء واشتبه بهم واعتبر أنهم يشكلون خطرًا على الإيمان. ولم تنته المعركة بين الطرفين إلا بعد تأويل الكتب الدينية مجازيًا لكي تستطيع التأقلم مع مكتشفات
(1) العلم والإيمان في الغرب الحديث، هاشم صالح ص 43 - 44، وهو مختص بالرياضيات والميكانيك النظري، كما أنه عضو في الأكاديمية البابوية للعلوم، والتغميق من قبل الباحث.
العلم. وبمعنى أن ما تقوله هذه الكتب عن نشأة الكون وتشكل الظواهر الطبيعية لا ينبغي أن يؤخذ على حرفيته الظاهرية، وإنما ينبغي أن يقرأ على سبيل المجاز الرمزي، فالكتب الدينية ليست مختصة بالفيزياء والكيمياء والبيولوجيا والرياضيات، وإنما هدفها هداية الإنسان إلى الطريق المستقيم. . . ."، إلى أن قال: "نعم لقد عانت الشعوب الأوروبية في الماضي من محاكم التفتيش السيئة الذكر وملاحقة رجال الدين للعلماء واشتباههم بهم واضطهادهم؛ ولهذا السبب دفعت الأصولية المسيحية الثمن غاليًا فيما بعد وتخلى الناس عنها واتبعوا طريق العلم. وإذن فإن التزمت المسيحي هو الذي دفع الناس إلى الابتعاد عن الإيمان" (1).
فهذه صورة عما يشعر به عالم من علمائهم تجاه كنيستهم، وأنها كانت السبب في سوء العلاقة، ومحاكم التفتيش التي يتحدث عنها كانت نموذجًا للطغيان المعرفي والعلمي، فهي تمنع من أي معرفة تخالف ما في لاهوتهم الضال وكتبهم المحرفة، وهي المحاكم التي أسسها البابا "أنوسنس" الرابع عام (1252 م) وبقيت تعمل لأكثر من خمسة قرون (2)، وتُذكر أعداد كبيرة ممن أحرقتهم أحياءً أو عذبتهم حتى عادوا إلى طريقتها الضالة. ومع أن رواد الثورة العلمية وأصحاب نظرية الفلك الجديدة كانوا من رجال الكنيسة أو من العاملين في بلاطها أو من المعتنقين للنصرانية وبحماس ظاهر؛ إلا أنهم مع ذلك كله قد عانوا منها ومن محاكمها فكيف بغيرهم، ومنهم من أحرق كـ"برونو"، ومنهم من تعرض للمحاكمات المطولة، ومنهم من تعرض للتعذيب والسجن مثل "جاليليو"، وقد سبق الحديث عن معاناتهما في الفصل الأول، وهناك معاناة من نوع آخر تعرض لها "كبلر" أحد علماء الفلك المشهورين، فرغم حبه للكنيسة وأمنيته أن يكون أحد قساوستها وأحد رجال دينها وبذل كل ما يستطيع لتحقيق ذلك الحلم؛ إلا أن ذلك لم يشفع له عند الكنيسة، فالبلاد الكاثوليكية لم تقبله لاعتناقه البروتستانتية، والمناطق التي عاش فيها: مرّة ينتصر فيها الكاثوليك على البروتستانت فيطرد منها، ومرة ينتصر أهل مذهبه فينشط، وكانت أصعب لحظات
(1) العلم والإيمان في الغرب الحديث ص 55، 56.
(2)
انظر: الإيمان والتقدم العلمي، خالص جلبي وَهاني رزق ص 164 - 165، 204.
حياته تلك المحاكمة التي تعرضت لها والدته بتهمة السحر وهي كبيرة في السن، وانشغاله بمتابعة تلك المحاكمة والدفاع عن والدته، وتنقله من بلد إلى بلد، وفي أوقات المعارك بين الكاثوليك والبروتستانت، مع ما يظهر في تلك المحاكمة من دخول أهواء قوم لهم خصومات مع "كبلر"(1). كل هذه الصور تجعل مثل هؤلاء العلماء ينفرون من الدين بسبب نفورهم من الكنيسة، فهي لم تساند علومهم ومعارفهم ولم تسمح لهم بالاستقرار الاجتماعي، وكانت شهرة هؤلاء العلماء سببًا لملاحقتهم وإلصاق التهم بهم وزرع المشاكل في طريقهم. وهي وللأسف لا تمثل نفسها فقط بل تمثل الأديان، فهي في نظر أهلها الدين الأعلى والأصوب، فإذا كان على هذه الحال عندهم فهم يرون غيره أشد سوءًا، فأحدثت كما يقول "جلبي""شرخًا بين الإيمان والعلم، خلّف ظلاله الكئيبة على كل الجنس البشري، على كل مساحات التفكير، على كل أحرار الفكر، على كل من يكتب بشكل وآخر، فأصبح الفكر والدين في تضاد وتناقض وتنافر وحرب. . . ."، و"قامت بخطيئة تاريخية رسمت فيها صراعًا وإشكالية، لم يتحرر منها العقل الإنساني ويتعاف حتى هذه اللحظة"(2).
وقد أسهمت هذه الخطيئة فيما بعد في صرف النشاط العلمي بعيدًا عن الدين وخارج أسواره، ونظرًا لحاجة كل نشاط إلى روح تحركه وتصورات تظلّه وغايات توجهه، فقد ظلّ العلم يبحث عن بديل عن الدين، عندها سنحت الفرصة لتيارات مبغضة للدين في تمثيل آيديولوجيا علمانية تكون بديلًا عن الدين، تحركت في القرن الثاني عشر/ الثامن عشر، كتيار التنوير الداعي للدين الطبيعي، وهو دين أبرز ما فيه رفض النبوات، وهو الجانب السالب أو جانب النفي في ذاك الدين، ومعلوم أن الأديان إنما هي الإقرار بالنبوات، وظهر في هذه المرحلة أيضًا النشاط الكثيف والقوي للتيارات الماسونية (3) ممثلة دينًا جديدًا يتناغم مع الدين الطبيعي ومع أهواء فئات خبيثة خفية تريد الانتقام من الدين، وقد ولدت
(1) انظر تفاصيل هذه الأحداث في: يوهانزكبلر وعلم الفلك الجديد، جيمس آر. فويلكل، ولاسيّما الفصل الخامس، تعريب محمد حسن شموط.
(2)
الإيمان والتقدم العلمي، السابق ص 163، 164.
(3)
انظر مثلًا: حول "أصحاب الدين الطبيعي" و"الماسونية" التي نشطت في هذه المرحلة كتاب عبد الرحمن بدوي، إمانويل كنت ص 76 - 79.