الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مسيرة العلم، فالأنظمة والقوى الحريصة على سلطاتها ومكاسبها كانت تتعرض أكثر من الكنيسة لخطر الفئة العلمية الجديدة الناشئة، وهي فئة بقدر ما اختلفت مع الكنيسة بقدر ما اختلفت مع القوى المسيطرة على المجتمع وربما أكثر.
وربما يفسر لنا هذا التحليل سبب ما نجده عند مجموعة من علمائهم المشهورين من رفض للسلطة الدينية وحاكمية الدين مع عدم رفضهم للدين ذاته، بل يرون في الدين أهمية كبيرة لحياة الناس وأرواحهم، فلو كان الدين يمثل عندهم مشكلة حقيقية ويمثل تعارضًا بينًا مع علومهم لرفضوه كله، ومع ذلك فرواد الثورة العلمية لم يرفضوه؛ ولكنهم رفضوا سلطة رجاله بعد أن عاشوا في ظل طغيانهم وتآمرهم مع القوى المسيطرة، ورفضوا سلطتهم بعد أن خذلوهم في صراعهم ضد الجهل والتخلف وساندوا خصومهم عليهم، ولا شك أن تلك كانت جناية كبيرة لرجال الدين النصراني أساءت كثيرًا في تصورات الناس حول أهمية شمولية الدين لحياة الناس.
ب - الحل العلماني من كونه فصلًا إلى كونه رؤية:
كان الحل للمشكلة الذي تلوكه ألسنة المثقفين والعلماء ويظهر في كتابتهم يتمثل بالفصل بين النشاط العلمي وبين السلطات السياسية والكنسية، وقد كان الحل مطروحًا قبل تبلور مصطلح العلمانية الذي عُبّر به فيما بعد عن ذلك الطرح.
مصطلح الفصل مصطلح مسالم في الظاهر، فكل ما يوحي به على المستوى العلمي هو أن يتحرك العلماء في بحوثهم ومختبراتهم وتجاربهم وتحليلاتهم ونظراتهم خارج السيطرة الكنسية، كما يحدث مثلًا في الصناعات والأعمال الحرفية، ولكن يصعب تخيل هذا الموقف المحايد؛ فالعلم لا يستطيع الحركة دون أن يكون هناك تصورات تظله وأسوار تحميه وأخلاقيات تحيطه وغايات كلية توجهه.
وقد وجد المبغضون للدين فرصتهم الثمينة في إعطاء هذه الأبعاد للعلم بعد أن كان الدين هو الذي يقدم للعلم تلك الأبعاد، وبدأ عملهم تدريجيًا، وبلغ ذروته في القرن الثالث عشر/ التاسع عشر الميلادي في الطرح الوضعي، وله حديث في فقرة أخرى.
فتحول الحل المقترح وهو العلمنة من كونه عملية فصل مسالمة ذات منحى موضوعي في الظاهر، ليصبح مذهبًا فكريًا ورؤية بديلة عن الدين، نقف مع بعض معالمها وآثارها فيما تبقى من هذه الفقرة.
ربما يحرص بعض العارضين للعلمانية على عرضها وكأنها صنو العلم، كيف لا، وهي في نظرهم التي ناصرت العلماء ووقفت في صفهم، ولكن الحقيقة غير ذلك، فالعلمانية ما هي إلا مذهب من المذاهب التي ظهرت في أوروبا، وهي كغيرها تسابق على الظفر بالسلاح الجديد والفرس السريع وهو العلم. والدليل على أنها مذهب يستغل ثمار العلم كغيرها من المذاهب أن رواد الثورة العلمية لم يكونوا من الدهريين أو المحاربين للكنيسة وإن اختلفوا معها. وربما كانت دعوة بعض العلماء إلى الفصل بين الكنيسة والعلم مرادهم منها مجرد الفصل، بخلاف دعاة العلمانية الذين يدعون للفصل مع استبدال الرؤية الدينية برؤية دنيوية. وهذه المسألة قد وصل إليها أحد العلمانيين العرب، حيث يقول بعد تحليله للمسألة:"نستنتج من ذلك أن الكنيسة لم تكن على صورة منهجية ولا كانت بالضرورة عائقًا في وجه البحث العلمي، وأن العلمانية ليست بالشأن المرتبط ضرورة بالفاعلية العلمية"(1)، ومما يدل على ذلك أن أغلب علماء الطبيعة كانوا أهل تدين بدينهم.
العلمانية إذًا ليست موقفًا محايدًا تجاه الحياة تقصد الفصل فقط؛ بل هي رؤية للكون والحياة، ومذهب شامل ومتكامل، فالحيادية أمر مزعوم حتى في المظهر البسيط في ظل الجوّ العلماني، ولنضرب مثلًا عن صعوبة الحيادية في هذا الجوّ العلماني بجملة نجدها عادة في الكتب والوسائل الإعلامية العلمانية أو غيرها من مثل:"تعد نظرية التطور آخر ما قاله العلم عن وجود الحياة"، فاستخدام كلمات مثل:"آخر" و"العلم" رغم أن ظاهرها الحيادية والصيغة الإخبارية الموضوعية؛ إلا أنها في الجوّ العلمي العلماني محمّلة من الدماغ إلى أخمص القدم بالدعائية العلمانية لتلك النظرية، وتحمل أعلى درجات التحسين والمدح والتقويم والإيجابية؛ ذلك أن الأصل الثابت عند الناس في الغرب وأغلب بلاد العالم بأن العلم قوي ويقيني، وأنه "متقدم" و"متطور" نحو الأعلى
(1) العلمانية من منظور مختلف، العظمة ص 28.
والأوثق والأصدق، فهو في خط صعود مستمر وليس خطًا متذبذبًا بين الأعلى والأسفل، هذا الأصل الثابت عند الكثير من الناس يمثل قالبًا من القوالب الصلبة والقابل للتعبئة باستمرار واستقبال النماذج المختلفة، وعندما تأتي كلمات مثل "آخر والعلم"؛ تنصرف الرؤية مباشرةً عند المتلقي إلى أن هذا يعني أنه أحسن ما وجد إلى الآن، لاسيّما مع عدم تقبل هذا القالب لأي مزاحمة دينية مهما كانت.
ويكذِبُ أولئك الداعون إلى علمنة العلم عندما يزعمون بأن العلمنة ما هي إلا فصل بين الدين والعلم؛ فهي تتجاوز الفصل إلى التأطير للعلم والإحاطة به وفق رؤيتها، فهي "في واقع الأمر إعادة صياغة للمجتمع ككل عن طريق تفكيكه واستبعاد سائر العناصر المركبة التي تستعصي على القياس، العناصر الإنسانية أو الربانية، التي يتركب منها، وإعادة تركيبه على هدي المعايير العقلية والعلمية الواحدية المادية، ومن ثم يتوافق هذا الواقع الاجتماعي مع القوانين العلمية الواحدية الصارمة، ويخضع للاختبارات والإجراءات الكمية وللقياس، فهو يمحو سائر الثنائيات التي تفترض وجود أكثر من جوهر وأكثر من قانون، ويستبعد كل الخصوصيات والمنحنيات الخاصة للظاهرة، التي تتحدى القانون العام، ويرفض كل المطلقات التي تشكل تجاوزًا للقانون المادي الواحد العام وخرقًا له وتشكل عدم استمرار في الكون، وينكر كل المعايير الأخلاقية الثابتة فهي خارجة عن الظاهرة المادية موضع الدراسة، ويتعامل مع المحدود ومع ما يقاس، فاللامحدود وغير المقيس لا يمكن تطبيق النماذج الكمية عليه"(1). فهي إذًا جهاز خطير له آلياته في التفكيك والتركيب وإعادة التشكيل وفق رؤاها وقواعدها، وهذا يعني أنها مذهب فعّال له آلياته التنفيذية، هي مذهب ذو أوجه مختلفة كما يوضحها لنا أحد أقطاب الفكر العلماني العربي -العظمة- فلها وجه معرفي "يتمثل في نفي الأسباب الخارجية على الظواهر الطبيعية أو التاريخية"، ومثل هذا النفي يتجاوز فكرة الفصل بين العلم والدين إلى إعطاء تفسير شامل غير ديني لتلك الظواهر، ولها وجه مؤسسي "يتمثل في عزل الدين عن
(1) الفلسفة المادية وتفكيك الإنسان، د. عبد الوهاب المسيري ص 130 - 131، والمؤلف يعبر عن العلمانية بمصطلح "الترشيد".