المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌أولا: النظرية العلمية - النظريات العلمية الحديثة مسيرتها الفكرية وأسلوب الفكر التغريبي العربي في التعامل معها دراسة نقدية - جـ ١

[حسن الأسمري]

فهرس الكتاب

- ‌المقدمة

- ‌أهمية الموضوع:

- ‌أسباب الاختيار:

- ‌أهداف الموضوع:

- ‌الدراسات السابقة حول الموضوع:

- ‌أولًا: الكتب الإسلامية التي تكون بعنوان:الدين والعلم، أو القرآن والعلم، أو الإِسلام والعلم، وما في معناها وبابها

- ‌ثانيًا: الكتب التي تناولت بعض موضوعات البحث:

- ‌ثالثًا: "منهج المدرسة العقلية الحديثة في التفسير

- ‌رابعًا: الكتب التي تدور حول الفكر العربي المعاصر ومذاهبه:

- ‌خامسًا: الكتب المتخصصة في مشكلة البحث:

- ‌منهج البحث

- ‌خطة البحث:

- ‌التمهيد

- ‌أولًا: النظرية العلمية

- ‌ثانيًا: أسباب نشأة الاتجاه التغريبي

- ‌ثالثًا: الموقف الإسلامي من العلوم التجريبية وأمثالها

- ‌الباب الأول نشأة الانحرافات المرتبطة بحركة العلم الحديث وظهورها في العالم الإسلامي

- ‌الفصل الأول تعريف موجز بالثورة العلمية الحديثة وما ارتبط بها من نظريات مخالفة للدين وأثرها

- ‌أولًا: مصطلح أو مفهوم "الثورة العلمية

- ‌ثانيًا: ما قبل الثورة العلمية الحديثة "ممهدات الثورة العلمية

- ‌[1] التركة الأرسطية المتغلغلة في أواخر العصور الوسطى الأوروبية ومحاولتهم تجاوزها:

- ‌[2] الأمر الداخلي: أثر عصر النهضة والإصلاح الديني:

- ‌أ- عصر النهضة وحركة الإنسانيين:

- ‌ب- الإصلاح الديني:

- ‌[3] الأمر الخارجي: أثر العلم المنقول من بلاد المسلمين في ظهور الثورة العلمية:

- ‌ثالثًا: الثورة العلمية

- ‌معالم الحدث في الكتابات الفكرية

- ‌[1] البداية من علم الفلك:

- ‌أ- علم الفلك القديم:

- ‌ب - علم الفلك الجديد وشخصياته:

- ‌1 - مولد النظرية مع كوبرنيكوس:

- ‌2 - إحراق برونو يُشهر النظرية:

- ‌3 - براهي والبحث عن الأدلة:

- ‌4 - كبلر: للسعي للتوفيق واكتشاف القوانين:

- ‌ج- دور جاليليو:

- ‌1 - استعمال جاليليو للتلسكوب وآثار ذلك:

- ‌2 - صراعات جاليليو والمظهر الفكري الذي تبعها:

- ‌[2] قنطرة بيكون وديكارت والتأسيس المنهجي للثورة الفكرية والعلمية:

- ‌أ- فرانسيس بيكون:

- ‌ب- ديكارت:

- ‌[3] نيوتن وظهور أشهر ثاني نظرية في العلم الحديث:

- ‌أ- كتاب "المبادئ الرياضية للفلسفة الطبيعية

- ‌ب- القوانين والنظرية:

- ‌ج- النقاش حول علاقة العلم بالدين:

- ‌د- أثر نيوتن في الفكر الغربي:

- ‌رابعًا: ما بعد الثورة العلمية (1) "القرن الثاني عشر الهجري/ الثامن عشر الميلادي

- ‌[1] أبرز التطورات العلمية:

- ‌[2] التحول إلى العلمنة:

- ‌[3] تيارات الفكر المشهورة وعلاقتها بالعلم:

- ‌أ- التياران الموروثان "العقلاني والتجريبي

- ‌ب- الفلسفة النقدية الكانطية:

- ‌ج- الاتجاه المادي:

- ‌د- التنوير:

- ‌[4] الثورة الفرنسية العلمانية (1789 م):

- ‌خامسًا: ما بعد الثورة العلمية (2) "القرن الثالث عشر الهجري/ التاسع عشر الميلادي

- ‌[1] تيارات الفكر المشهورة:

- ‌أ- اليسار الهيجلي:

- ‌ب- نقاد الدين ونصوصه الجدد:

- ‌ج- الوضعية:

- ‌[2] النشاط العلمي في القرن الثالث عشر/ التاسع عشر:

- ‌[3] نظرية التطور الدارونية وأبعادها الفكرية والاجتماعية:

- ‌أ- مصطلح التطور:

- ‌ب- تشارلس داروين (1809 - 1882 م):

- ‌ج- من إشكاليات النظرية الدارونية في مفهوم العلم:

- ‌د- من النظرية إلى المذهب:

- ‌هـ - موقف الكنيسة والعلماء من النظرية:

- ‌[4] البحث عن حدود النظرية العلمية والدين:

- ‌أ- مفهوم النظرية:

- ‌ب- مع الدين وضدّه:

- ‌سادسًا: ما بعد الثورة العلمية (3) (القرن الرابع عشر الهجري/ العشرون الميلادي)

- ‌[1] المستجدات في العلوم الاجتماعية "علم الاجتماع وعلم النفس

- ‌أ- علم الاجتماع:

- ‌ب- علم النفس:

- ‌ج- العلاقة بين الدين والعلوم البشرية من جهتي الخبر والشرع:

- ‌[2] نظريتا النسبية والكوانتم وثورة جديدة في الفيزياء:

- ‌أ- تحولات في الفيزياء "أشياء صغيرة تدفع العلم نحو التواضع

- ‌ب- تجربة مايكلسون ومورلي ومولد النظرية النسبية

- ‌1 - الأثير لا يصمد أمام التجربة:

- ‌2 - من التجربة إلى النظرية النسبية:

- ‌3 - علاقة النظرية بالواقع المعاصر:

- ‌ج- اكتشاف الذرة ومولد نظرية الكم:

- ‌1 - قصة عالم الذرة:

- ‌2 - من آثار النظرية:

- ‌د- خاتمة حول الفيزياء المعاصرة:

- ‌[3] علاقة العلم بالفكر في القرن "الرابع عشر/ العشرين م

- ‌أ - طبيعة النظرية العلمية وحدودها "طبيعة المعرفة العلمية وحدودها

- ‌1 - نقاد العلم:

- ‌2 - فلسفة العلوم أو الإبستمولوجيا:

- ‌3 - الوضعية المنطقية:

- ‌4 - فلسفة العلم في الفكر العربي:

- ‌5 - نحو نظرية معرفة جديدة:

- ‌ب- انقلاب فكري ضدّ الوضعية العلموية وتيارات المعرفة المادية:

- ‌ج - عصر جديد لعلاقة العلم بالايمان في الفكر الغربي:

- ‌الفصل الثاني أسباب وجود الانحراف المصاحب للتطور العلمي الحديث

- ‌الفرق بين أسباب تقدم العلم وبين أسباب الانحراف به وأهمية بحثها

- ‌أمثلة تبين المقصود بمفهوم الانحراف بالعلم

- ‌المثال الأول: إنسان بِلتْداون:

- ‌المثال الثاني: التولد الذاتي:

- ‌ما بين الرؤية الكنسية والرؤية العلمانية للعلم وأثر ذلك في الانحراف بمسيرة العلم

- ‌الأول: دور الكنيسة في إفساد العلاقة بين الدين والعلم

- ‌دخول النصرانية للغرب واحتواء لاهوتها على معارف علمية:

- ‌العداء بين الكنيسة وطوائف اجتماعية جديدة:

- ‌تمثيل الكنيسة للموقف الديني في الصراع بين الدين والعلم وأثره:

- ‌المواقف الأربعة للكنيسة من العلم الحديث وما تضمنته من إشكالات:

- ‌حالة المعاناة من الكنيسة وظهور العلمانية:

- ‌المثال الأول: باب المعجزات:

- ‌المثال الثاني: اعتقادات النصارى حول الأرض:

- ‌الثاني: دور العلمانية في الانحراف بمسيرة العلم

- ‌التحول نحو العلمنة في أوروبا:

- ‌أ- العلاقة المشبوهة:

- ‌ب - الحل العلماني من كونه فصلًا إلى كونه رؤية:

- ‌ج - ظهور الدولة العلمانية القومية، وأثرها في الانحراف بمسيرة العلم:

- ‌د - التيار العلمي في ظل السيطرة العلمانية:

- ‌1 - أثر نشأة العلم في البيئة العلمانية:

- ‌2 - قناعة التيار العلمي بأهمية الفصل بين الدين والعلم:

- ‌3 - ظهور طائفة من العلماء الماديين والملحدين وأثرهم:

- ‌الثالث: دور الفكر المادي في انحراف العلم

- ‌أ - ما المادية

- ‌ب - التطور العلمي والتوسع في التصورات المادية:

- ‌ج - صورة العلاقة بين المادية والعلم الحديث:

- ‌مادية القرن الثامن عشر والتاسع عشر:

- ‌د - المنهجية المادية للانحراف بالعلم:

- ‌أولًا: آلية الربط للحصول على السند العلمي:

- ‌ثانيًا: آلية التعميم لاستغلال العلوم الحديثة:

- ‌ثالثًا: نماذج من انحرافات الاتجاه المادي بالعلم "الفيزياء - الأحياء - الرياضيات

- ‌1 - مفهوم القانون العلمي في الفيزياء:

- ‌2 - ظاهرة الحياة في الأحياء:

- ‌3 - إقحام المادية في الرياضيات:

- ‌هـ - التوظيف المادي للعلم من أجل إلغاء الدين:

- ‌الرابع: دور المذهب التجريبي الحسي والوضعي

- ‌الاتجاه التجريبي والعلم التجريبي -وهم التسمية وحقيقة الاتجاه:

- ‌المؤسسون للمنهج وتصورهم للعلم:

- ‌ما بين الميتافيزيقا والعلم عند الاتجاه التجريبي:

- ‌كونت والدعوة الوضعية:

- ‌الوضعية المنطقية في القرن الرابع عشر/ العشرين:

- ‌مبدأ التحقق

- ‌الخامس: دور اليهود

- ‌الأحداث الثلاثة التي مكنت لليهود في الفكر الحديث:

- ‌يهودي دون ديانة يهودية

- ‌نموذج للدور اليهودي في الانحراف بمسيرة العلم الحديث:

- ‌نموذج فرويد ونظرياته في علم النفس:

- ‌أ- من داروين إلى فرويد:

- ‌ب- فرويد وظاهرة "اليهودي الملحد

- ‌ج- علاقة فرويد باليهود واليهودية:

- ‌أولًا: العلاقة باليهود:

- ‌ثانيًا: علاقته باليهودية:

- ‌د- جماعة التحليل النفسي: جماعة علمية أم جماعة يهودية

- ‌حادثة انشقاق كارل يونغ:

- ‌هـ - النظرية العلمية -صورة للاستثمار اليهودي:

- ‌1 - علاقة الفرويدية باليهودية وكتبها المقدسة:

- ‌2 - استثمار النظرية العلمية في إنكار العقائد والقيم:

- ‌الفصل الثالث تاريخ تكون الانحرافات المصاحبة لحركة العلم الحديث في العالم الإِسلامي وتأثيرها في الفكر التغريبي العربي المعاصر

- ‌أولًا: تغير العالم ببعثة الرسول محمَّد صلى الله عليه وسلم

- ‌ظهور أمة الإِسلام ودورها في إنقاذ العالم:

- ‌ثانيًا: موجز لصورة العلوم في الحضارة الإِسلامية

- ‌القسم الأول: العلوم النقلية:

- ‌القسم الثاني: العلوم الحكمية:

- ‌العلوم السبعة:

- ‌خلاصة صورة التعرف الأولي علي علوم الأمم السابقة:

- ‌ثالثًا: الضعف والتخلف وانحسار مفهوم أمة العلم وظهور الدعوات الإصلاحية

- ‌1 - الانكسار في خط المسار:

- ‌2 - المخاض العسير لدخول العصر الحديث:

- ‌3 - البحث عن مخرج لأزمتي الانحراف والتخلف:

- ‌رابعًا: تجارب الولايات الإِسلامية للتحديث وطلب العلوم العصرية "المرحلة الأولى

- ‌1 - تجربة الدولة العثمانية:

- ‌2 - تجربة الهند الإِسلامية:

- ‌خامسًا: تجارب الولايات الإِسلامية "المرحلة الثانية

- ‌1 - الحملة الاستعمارية الحديثة الأولى لبلاد المسلمين "الحملة الفرنسية

- ‌الحملة العلمية المصاحبة لجيش بونابرت ومجمعها العلمي:

- ‌مواقف جديدة لبعض شيوخ الأزهر من العلوم العصرية:

- ‌أ - عبد الرحمن الجبرتي:

- ‌ب- حسن العطار:

- ‌2 - ولاية محمَّد علي باشا، ثم أولاده من بعده:

- ‌أدوات محمَّد علي في تحصيل العلوم العصرية:

- ‌أ- الاستعانة بالأجانب

- ‌ب- مشروع الابتعاث لأوروبا:

- ‌ج- إنشاء المدارس الفنية في مختلف التخصصات:

- ‌د- المدارس الأجنبية "مدارس الإرساليات

- ‌هـ - مشروع الترجمة:

- ‌و- المطبعة وما ارتبط بها من ظهور الصحافة العلمية والفكرية:

- ‌خلاصة التجربة:

- ‌3 - السلاطين الشباب في الدولة العثمانية ومغامرات الإصلاح:

- ‌1 - السلطان محمود الثاني:

- ‌2 - السلطان عبد المجيد:

- ‌3 - السلطان عبد العزيز:

- ‌سادسًا: تجربة بلاد المغرب

- ‌1 - تجربة تونس:

- ‌أ- المدرسة الحربية والصادقية:

- ‌ب- خير الدين التونسي:

- ‌2 - تجربة المغرب:

- ‌أ- تنبيه النخبة بأهمية العلوم العصرية:

- ‌ب- إصلاح التعليم أو توسيع دائرته:

- ‌سابعًا: تجربة فارس

- ‌تكوين نظام علمي موازي للنظام القديم:

- ‌ثامنًا: تعرّف المجتمع الإسلامي على العلوم العصرية ونظرياتها

- ‌1 - طُرق تعرف المجتمع على العلوم العصرية وما ارتبط بها من مشكلات:

- ‌2 - تاريخ دخول النظريات العلمية ذات الإشكالات للعالم الإسلامي:

- ‌الفصل الرابع أسباب دخول الانحرافات المصاحبة لحركة العلم الحديث إلى البلاد الإسلامية

- ‌أولًا: ضعف مؤسسات الأمة العلمية

- ‌الاحتياجات المعرفية الجديدة وعدم قدرة المؤسسات التعليمية على تلبيتها:

- ‌نموذج الأزهر:

- ‌قصة الوالي العثماني مع الأزهر ودلالاتها:

- ‌مشكلات ذاتية للمؤسسات العلمية الإِسلامية:

- ‌الاحتلال الفرنسي ثم ولاية محمَّد علي وآثار ذلك على الأزهر:

- ‌بوادر الاختلاف داخل الأزهر ومطلب التحديث:

- ‌أثر جمال الدين الأفغاني:

- ‌دار الدعوة والإرشاد والمشاريع الجديدة:

- ‌ثانيًا: المدرسة الحديثة ومدارس الأقليات

- ‌الفصل والانفصال: الفصل بين المجالين الديني والدنيوي، والانفصال عن هوية الأمة:

- ‌دور مدارس الأقليات:

- ‌ثالثًا: دور الصحافة (نشأتها وتمكن النصارى منها وتوجيههم التغريبي لها)

- ‌ظروف نشأة الصحافة وأثر ذلك على الانحراف بمسيرة العلم الحديث:

- ‌النموذج الأول، مجلة المقتطف -النظريات الجديدة:

- ‌المثال الأول: نظرية الفلك الجديدة ومسألة دوران الأرض:

- ‌صدى المشكلة عند بعض المسلمين:

- ‌المثال الثاني: داروين ونظرية التطور:

- ‌النموذج الثاني: مجلة الجامعة العثمانية "الجامعة" لفرح أنطون -الإطار العلماني:

- ‌رابعًا: التيارات الفكرية الوافدة وتنظيماتها كالماسونية والسيمونية

- ‌[1] الدور الماسوني:

- ‌[2] أتباع سان سيمون

- ‌خامسًا: دور الاستعمار

- ‌سياسة التعليم الاستعمارية:

- ‌1 - تهيئة بيئة تسمح بتسرب الانحرافات وتغذي حركتها:

- ‌2 - صناعة الازدواجية في التعليم وعلمنته:

- ‌3 - ترسيخ الهزيمة النفسية في مجال التعليم:

- ‌4 - تحول المؤسسة العلمية في منبع لتوليد التيارات التغريبية:

- ‌5 - فتح الباب للنظريات الاجتماعية:

- ‌سادسًا: بيئة ثقافية جديدة وحضور التيار التغريبي فيها

- ‌الفصل الخامس أبرز المواقف العلمية والفكرية في العالم الإسلامي من العلوم الحديثة ومناهجها

- ‌تمهيد الأصول الثقافية للوضع المعاصر

- ‌فترة التحولات واضطراباتها ومشروع الشيخ حسين الجسر

- ‌المبحث الأول موقف الاتجاه السلفي الداعي للتأصيل الإِسلامي للعلوم الحديثة

- ‌أولًا: الشيخ محمود شكري الألوسي

- ‌1 - الموقف من النظرية الجديدة في الهيئة:

- ‌2 - السعي إلى التأصيل الإِسلامي لهذه العلوم:

- ‌ثانيًا: الشيخ عبد الرحمن السعدي

- ‌1 - تأكيد دخول العلوم الصحيحة النافعة العصرية في الإِسلام، وأثر إدراك هذا المقصد

- ‌2 - خطورة ابتعاد العلوم الصحيحة النافعة العصرية عن الدين وحاجتنا إلى تقريبها من الدين:

- ‌ثالثًا: الشيخ محمَّد الشنقيطي

- ‌موقف الشيخ من الحضارة الغربية والعلوم الدنيوية التي برعت فيها:

- ‌1 - القرآن فيه تبيان كل شيء وهو يهدي للتي هي أقوم:

- ‌2 - الموقف من العلوم الدنيوية وكيف نحولها إلى أشرف العلوم:

- ‌رابعًا: الشيخ عبد العزيز بن باز

- ‌دعوة التأصيل الإِسلامي للعلوم الحديثة

- ‌1 - الوعي باختلاف أرضيات العلوم:

- ‌2 - الوعي بمشقة المشروع:

- ‌3 - قوة التماسك في منهج التنظير وفي العمل التطبيقي:

- ‌المبحث الثاني موقف الاتجاه العصراني الداعي لتأويل ما توهم تعارضه من النصوص الشرعية مع العلم الحديث

- ‌أولًا: ما الاتجاه العصراني

- ‌ثانيًا: ظهور الاتجاه العصراني وحقيقة منهجه:

- ‌ثالثًا: النموذج الهندي العصراني:

- ‌رابعًا: النموذج العربي العصراني:

- ‌المبحث الثالث موقف الاتجاه التغريبي الداعي لتقديم العلم وعدم ربطه بالدين

الفصل: ‌أولا: النظرية العلمية

‌أولًا: النظرية العلمية

يُعدّ العلم أحد أشهر النشاطات الإنسانية، فقد خلق الله الإنسان بأعضائه المختلفة، ويحقق الإنسان بكل عضو وظيفة معينة؛ فالرجل للمشي، واليد للعمل. . . . وهكذا، إلا أن هناك أعضاء خُلِقت للتعلم والمعرفة فجاء معها العلم، وأصبح العلم فعالية لا تنفك عن الإنسان، وهذه الأعضاء هي الأذن والعين والقلب، قال -تعالى-:{وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (78)} [النحل: 78]، وقال -تعالى-:{وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (36)} [الإسراء: 36]، وقال -تعالى-:{وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (78)} [المؤمنون: 78]، وقال -تعالى-:{ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (9)} [السجدة: 9]، وقال -تعالى-:{قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (23)} [الملك: 23].

قال الشيخ السعدي رحمه الله في تفسير آية النحل: "أي: هو المنفرد بهذه النعم حيث {أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا} ولا تقدرون على شيء ثم إنه {وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ} خص هذه الأعضاء الثلاثة لشرفها وفضلها ولأنها مفتاح لكل علم، فلا وصل للعبد علم إلا من أحد هذه الأبواب الثلاثة وإلا فسائر الأعضاء والقوى الظاهرة والباطنة هو الذي أعطاهم إياها، وجعل ينميها فيهم شيئًا فشيئًا إلى أن يصل كل أحد إلى الحالة اللائقة به، وذلك لأجل أن يشكروا الله، باستعمال ما أعطاهم من هذه الجوارح في طاعة الله،

ص: 29

فمن استعملها في غير ذلك كانت حجة عليه وقابل النعمة بأقبح المقابلة" (1).

قال شيخ الإِسلام ابن تيمية رحمه الله: "ثم إن الله سبحانه وتعالى خلق القلب للإنسان يعلم به الأشياء، كما خلق له العين يرى بها الأشياء والأذن يسمع بها الأشياء، كما خلق له -سبحانه- كل عضو من أعضائه لأمر من الأمور وعمل من الأعمال. فاليد للبطش والرجل للسعي واللسان للنطق والفم للذوق والأنف للشم والجلد للمس، وكذلك سائر الأعضاء الباطنة والظاهرة"(2)، إلى أن قال:"ثم هذه الأعضاء الثلاثة هي أمهات ما يُنال به العلم ويُدرك، أعني العلم الذي يمتاز به البشر عن سائر الحيوانات دون ما يشاركها فيه من الشم والذوق واللمس، وهنا يدرك به ما يحب ويكره، وما يميز به بين من يحسن إليه ومن يسيء إليه إلى غير ذلك"(3)، "ثم إن العين تقصر عن القلب والأذن وتفارقهما في شيء وهو أنها إنما يرى صاحبها بها الأشياء الحاضرة والأمور الجسمانية مثل الصور والأشخاص، فأما القلب والأذن فيعلم الإنسان بهما ما غاب عنه وما لا مجال للبصر فيه من الأشياء الروحانية والمعلومات المعنوية، ثم بعد ذلك يفترقان: فالقلب يعقل الأشياء بنفسه إذ كان العلم هو غذاءه وخاصيته، أما الأذن فإنها تحمل الكلام المشتمل على العلم إلى القلب، فهي بنفسها إنما تحمل القول والكلام، فإذا وصل ذلك إلى القلب أخذ منه ما فيه من العلم، فصاحب العلم في حقيقة الأمر هو القلب، وإنما سائر الأعضاء حجية له توصل إليه من الأخبار ما لم يكن ليأخذه بنفسه. . . ."(4).

ويمكننا استخراج أمر في غاية الأهمية من النص السابق، وهو أن العلوم الدنيوية الحسية ترتبط غالبًا بالعين، ومن هنا جاءت أهمية "الملاحظة والتجربة" للعلوم التجريبية البشرية، وأصبحتا مكوِّنين مهمِّين من مكونات المنهج التجريبي، أما العلوم المعنوية -ولاسيّما الدينية- فهي ترتبط بالأذن والقلب؛ فالأذن طريق الخبر، وتوصله إلى القلب، والقلب إن كان على الفطرة وسلم من الشبهة والهوى وبقية الصوارف تَحَقَّقَ له العلم الأسمى وانتفع به، ومن هنا تأتي أهمية

(1) تفسير السعدي ص 445.

(2)

فتاوى ابن تيمية 9/ 307.

(3)

المرجع السابق 9/ 309 - 310.

(4)

المرجع السابق 9/ 310 - 311، ولكلامه بقية مهمة.

ص: 30

السمع للعلوم الدينية؛ لأن مصدرها الوحي، والمقصود هنا الحال الأغلب، "وعند هذا تستبين الحكمة في قوله -تعالى-:{أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا} حتى لم يذكر هنا العين كما في الآيات السوابق فإن سياق الكلام هنا في أمور غائبة وحكمة معقولة من عواقب الأمور لا مجال لنظر العين فيها، ومثله قوله:{أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ} وتتبين حقيقة الأمر في قوله: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (37)} . . . ." (1).

° ما المراد بالعلم؟

ربما يكون من العجب كثرة الاختلاف في تعريف العلم إذ نجد اختلافات كثيرة في كتب اللغة وغيرها حول تعريفه، قال الزبيدي اللغوي:"ووقع خلاف طويل الذيل في العلم حتى قال جماعة إنه لا يحد؛ لظهوره وكونه من الضروريات، وقيل: لصعوبته وعسره"(2)، وقال الرازي في تفسيره بعد ذكره لعدد من التعريفات:"ولما ثبت أن التعريفات التي ذكرها الناس باطلة، فاعلم أن العجز عن التعريف قد يكون لخفاء المطلوب جدًا، وقد يكون لبلوغه في الجلاء إلى حيث لا يوجد شيء أعرف منه ليجعل معرفًا له"(3).

ثم ذكر الزبيدي بعض التعريفات فقال: "قلت: وقال الراغب: العلم إدراك الشيء بحقيقته. . . . وقال المناوي في التوقيف: العلم هو الاعتقاد الجازم الثابت المطابق للواقع، أو هو صفة توجب تمييزا لا يحتمل النقيض، أو هو حصول صورة الشيء في العقل، والأول أخص"(4).

وقال الجرجاني في تعريفه: "العلم: هو الاعتقاد الجازم المطابق للواقع. وقال الحكماء: هو حصول صورة الشيء في العقل، والأول أخص من الثاني. وقيل: العلم هو إدراك الشيء على ما هو به. وقيل: زوال الخفاء من المعلوم،

(1) فتاوى ابن تيمية 9/ 311.

(2)

تاج العروس من جواهر القاموس، الزبيدي، مادة (علم)، 17/ 495.

(3)

تفسير الرازي، في المسألة السابعة من تفسيره لآية [البقرة: 31] 2/ 420، وانظر: قريبًا منه عند ابن حجر في فتح الباري 1/ 140 - 141 من كتاب العلم.

(4)

تاج العروس، الزبيدي، مادة (علم)، 17/ 495 - 496.

ص: 31

والجهل نقيضه. وقيل: هو مستغنٍ عن التعريف. وقيل: العلم: صفة راسخة تدرك بها الكليات والجزئيات. وقيل: العلم وصول النفس إلى معنى الشيء. وقيل: عبارة عن إضافة مخصوصة بين العاقل والمعقول،. . . . وينقسم إلى قسمين: قديم، وحادث، فالعلم القديم هو القائم بذاته تعالى، ولا يشبه بالعلوم المحدثة للعباد، والعلم المحدث ينقسم إلى ثلاثة أقسام: بديهي، وضروري، واستدلالي. . . ." (1).

وقال الشيخ محمَّد العثيمين رحمه الله: "العلم لغة: نقيض الجهل، وهو: إدراك الشيء على ما هو عليه إدراكًا جازمًا. اصطلاحًا: فقد قال بعض أهل العلم: هو المعرفة وهو ضد الجهل، وقال آخرون من أهل العلم: إن العلم أوضح من أن يعرف.

والذي يعنينا هو العلم الشرعي، والمراد به: علم ما أنزل الله على رسوله من البينات والهدى" (2).

ولا شك في أن التعريفات وإن اختلفت إلا أنها تعطينا المعنى التقريبي، ومما يهم من هذه التعريفات حول هذه الفعالية الإنسانية أمران: أنه فعالية ترفع الجهل الذي وُلد عليه الإنسان والوارد في آية النحل، وأنه فعالية تساعدنا على إدراك الأشياء، وإن اختلفت التعريفات حول درجة هذه المعرفة.

فبإدراك الأشياء يرتفع الجهل ويتحقق العلم، وعمدته على الدليل، قال شيخ الإِسلام رحمه الله:"إن العلم ما قام عليه الدليل، والنافع منه ما جاء به الرسول، فالشأن في أن نقول علمًا وهو النقل المصدق، والبحث المحقق، فإن ما سوى ذلك -وإن زخرف مثله بعض الناس- خزف مزوق وإلا فباطل مطلق"(3)، وقال رحمه الله:"والعلم ما قام عليه الدليل، والنافع منه ما جاء به الرسول. وقد يكون علم من غير الرسول؛ لكن في أمور "دنيوية" مثل الطب والحساب والفلاحة والتجارة"(4).

(1) كتاب التعريفات، الجرجاني ص 155، وانظر: الكليات، الكفوي ص 610 - 616.

(2)

كتاب العلم، محمَّد العثيمين، من الفصل الأول (تعريف العلم) ص 13.

(3)

الفتاوى 6/ 388.

(4)

الفتاوى 13/ 136.

ص: 32

فبالدليل يكون الفرق بين العلم وغيره؛ وذلك أن هناك نشاطات إنسانية ارتبطت بالعقل، مثل العلوم الدينية والعلوم الدنيوية والفلسفة والفنون والآداب، فما كان له دليل فهو العلم، وما سوى ذلك فليس من العلم، والذي قام عليه الدليل بوضوح ثلاثة أبواب: الدين ومصدره الخبر، والرياضة ومصدرها الاستنباط، والطبيعة ومصدرها الاستقراء، فهذه تسمى علمًا لوجود الدليل عليها، وأعلاها العلم الديني؛ لأن مصدره الوحي، ويأتي بعده في الدرجة العلوم المفضولة من رياضية وطبيعية وما نتج عنها من صناعات وما في بابها (1).

وإذا كان العلم من أهم الفعاليات الإنسانية فإن منه ما يكون مصدره الوحي، وهو العلم الإلهي، وإن كان العقل يستطيع الوصول إلى بعض موضوعاته، ولكنه يضلّ وحده إن لم يعتصم بالوحي، وهذا العلم قد بلغ كماله ونهايته في الحضارة الإِسلامية. ومنه ما يكون مصدره العقل والحس، وهو العلم الذي يوفق الله البشر إليه بما أعطاهم من السمع والبصر والعقل، وهذا حال العلم الدنيوي، وهو علم قد تطور كثيرًا في الحضارة الغربية الحديثة. قال شيخ الإِسلام رحمه الله:"فصارت العلوم بهذا الاعتبار: إما أن تُعلم بالشرع فقط، وهو ما يعلم بمجرد إخبار الشرع مما لا يهتدي العقل إليه بحال، لكن هذه العلوم قد تعلم بخبر آخر غير خبر شارعنا محمد صلى الله عليه وسلم. وإما أن تُعلم بالعقل فقط؛ كمرويات الطب والحساب والصناعات. وإما أن تُعلم بهما"(2)، ويقول ابن خلدون رحمه الله:"اعلم أن العلوم التي يخوض فيها البشر ويتداولونها في الأمصار -تحصيلًا وتعليمًا- هي على صنفين: صنف طبيعي للإنسان يهتدي إِليه بفكره، وصنف نقلي يأخذه عمن وضعه. والأول. . . . يقف عليها الإنسان بطبيعة فكره، ويهتدي بمداركه البشرية إلى موضوعاتها ومسائلها وأنحاء براهينها ووجوه تعليمها، حتى يَقِفَه نظره وبحثه على الصواب من الخطأ فيها، من حيث هو إنسان ذو فكر. والثاني هي العلوم النقلية الوضعية، وهي كلها مستندة إلى الخبر عن الواضع الشرعي، ولا مجال فيها للعقل، إلا في إلحاق الفروع من مسائلها بالأصول"(3)

(1) انظر: الفتاوى 19/ 233.

(2)

الفتاوى، 19/ 231، وانظر: نفس المرجع 4/ 210 - 211.

(3)

مقدمة ابن خلدون 3/ 1025 - 1026

ص: 33

ثم قال عن الثاني: "ثم إن هذه العلوم الشرعية النقلية قد نفقت أسواقها في هذه الملة بما لا مزيد عليه، وانتهت فيها مدارك الناظرين إلى الغاية التي لا شيء فوقها، وهُذبت الاصطلاحات ورُتبت الفنون، فجاءت من ورا الغاية في الحسن والتنميق"(1)، أما البشري منه فهو الذي يواصل البشر فيه جهدهم من أجل الانتفاع به في شؤون دنياهم.

° العلم الحديث ونظرياته:

يدخل العلم الحديث في باب العلوم البشرية العقلية التي مصدرها العقل البشري، ومن قَدَر الله أن جعل لهذا النوع شأنًا كبيرًا في القرون الثلاثة الأخيرة، وأن يجعل لأوروبا شأنًا كبيرًا في رعايته وتطويره بصورة لم يعرف البشر لها مثيلًا، لدرجة أن أصاب طائفةً منهم غرورٌ عظيم فكفروا بكل دين، ووقعوا في أعظم صور الإلحاد، وأصاب طائفة فتنةٌ عظيمةٌ فأهملوا الدين وأهملوا شأن الآخرة، فانطبق فيهم قول الحق -تعالى-:{يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (7)} [الروم: 7].

تعود جذور العلم الحديث إلى عدد من الحضارات ولاسيّما الحضارة الإِسلامية، فكما أن علماء الحضارة الإِسلامية قد بلغوا في العلوم الدينية ذروتها فقد وضعوا أيضًا بصماتهم المهمة على العلوم الدنيوية، فطوروا بعضها وصححوا بعضها، وصاغوا منهجها في صورته التجريبية، وأصبحت لغة العلم في عدد من القرون هي العربية (2)، قال شيخ الإِسلام رحمه الله:"فما من خير يوجد عند غير المسلمين من أهل الملل: إلا عند المسلمين ما هو أكمل منه، وعند أهل الملل ما لا يوجد عند غيرهم، وذلك أن العلوم والأعمال نوعان: "نوع" يحصل بالعقل كعلم الحساب والطب، وكالصناعة من الحياكة والخياطة والتجارة ونحو ذلك، فهذه الأمور عند أهل الملل كما هي عند غيرهم؛ بل هم فيها أكمل، فإن علوم المتفلسفة من علوم المنطق والطبيعة والهيئة وغير ذلك من متفلسفة الهند واليونان، وعلوم فارس والروم؛ لما صارت إلى المسلمين هذبوها ونقحوها؛ لكمال عقولهم وحسن ألسنتهم، وكان كلامهم فيها أتم وأجمع وأبين، وهذا

(1) المرجع السابق 3/ 1027.

(2)

موسوعة تاريخ العلوم العربية، إشراف رشدي راشد 1/ 16.

ص: 34

يعرفه كل عاقل وفاضل. . . ." (1). وهذا الدور المهم قد أهملته دراسات كثيرة، ومع ذلك فإن الغرب قد كان له شأن يختلف عن الشأن الذي كان للمسلمين، فقد وقعت أحداث كبار داخل الحضارة الغربية الحديثة تسببت بوقوع ذاك الفصام النَّكِد بين علوم الدين وعلوم الدنيا، ومن ثمّ الاعتناء فقط بعلوم الدنيا، ونبذ العلوم الدينية أو النظر إليها من منظور علماني، كما أن العناية بالعلوم الدنيوية كانت وفق رؤية علمانية لا دينية، مما أثر كثيرًا على مسيرة العلم الحديث، وأثر أيضًا على الدين (2).

لقد بدأت النظرة إلى مفهوم العلم ودوره تتغير، ولاسيّما بعد التطورات المهمة التي لحقت بالعلم الطبيعي والرياضي داخل أوروبا، فقد أصبح العلم الذي يصح أن يطلق عليه اسم العلم هو العلم العقلي الدنيوي -ولاسيّما الرياضي والطبيعي- "حتى طار في الناس أنه لا عقلانية إلا بتحصيل الوصفين التاليين:"التجريب" و"الترويض"" (3)، وأصبح مصدر المعرفة هو الاستنباطي والاستقرائي مع استبعاد الوحي، واكتُفي بالشهادة المرتبطة بالبصر مادةً علميةً، وأُهمل الغيب المرتبط بالسمع، وفُعِّلَ منهج التجريب، يقول كارناب: "من أهم الملامح التي تميز العلم الحديث، بالمقارنة بعلم العصور المبكرة، هو تأكيده على ما يمكن أن نطلق عليه اسم "المنهج التجريبي"" (4) من أجل السيطرة على الطبيعة، وأُهمل شأن التوجيه الديني والقيمي لطريقة هذه السيطرة، وظهرت مفاهيم المنهج العلمي مثل الملاحظة، والتجربة، والفرضية، والقانون العلمي، والنظرية العلمية، والتفسير العلمي، والاستقراء، والاستنباط، والعلية، والحتمية، والطبيعة. . . . وغيرها من المفاهيم، وتُعد النظرية العلمية الأكثر أهمية في هذا الباب والأكثر إشكالًا.

عند البحث في الكتابات العربية المعاصرة حول تعريف العلم نجد كثيرًا

(1) الفتاوى 4/ 210 - 211 وانظر: العمل المهم الذي أشرف عليه رشدي راشد بعنوان: (موسوعة تاريخ العلوم العربية) بأجزائه الثلاثة، وانظر: أسس المنهج القرآني. . . .، د. منتصر مجاهد ص 90 - 120، وانظر: الإِسلام والعلم التجريبي، د. يوسف السويدي ص 20 وما بعدها.

(2)

سيكون هذا -بإذن الله- موضع تفصيل في الفصل الأوّل من الباب الأوّل.

(3)

سؤال الحداثة. .، طه عبد الرحمن ص 113.

(4)

الأسس الفلسفية للفيزياء، رودلف كارناب ص 55، ترجمة د. السيد نفادي.

ص: 35

منها قد انساق مع الفهم السائد في فلسفة العلم الغربية، من جهة حصر العلم في باب العلوم العقلية البشرية، وإغفال الحديث عن العلم الديني وكأنه قد خرج من مفهوم العلم، بل إن عددًا منها يبدأ بتعريف العلم على أنه اشتقاق من لفظته الإِنجليزية أو الفرنسية أو جذوره القديمة في لغاتهم، ويندر من يعود إلى المعاجم العربية والمكتبة الإِسلامية، وهذا مؤشر لافت عن سعة تغرب المفاهيم والمصطلحات الحديثة في الفكر العربي المعاصر.

فماذا نجد من تعريفات للعلم في المكتبة العربية المعاصرة؟ هذه بعض النماذج من تعريفات العلم: "العلم بحث بمنهج ولهدف، فهو معرفة الشيء على ما هو به. وهو بمعنى المعلوم"(1)، ومنها:"العلم نسق من المعارف التي ترتبط بعضها ببعض ارتباط النتائج بالمقدمات في الاستدلال السليم. ففي العلم إذن نستخلص قضايا كلية أو جزئية من عدد قليل من المبادئ والقوانين التي نفترض صدقها أو نتحقق منه"(2)، ومنها:"العلم هو إدراك القانون؛ أي: التوصل إلى كنه العلاقات الشاملة والضرورية فيما بينها مما يتيح تفسير سبب حدوث الظاهرة على هذا النحو. ."(3).

وقد ارتبطت بالفكر الحديث -ولاسيّما في مجال الفلسفة- مجموعة مجالات تهتم بالعلم مع غيره أو بالعلم وحده مثل: "نظرية المعرفة" و"الميتودولوجيا - علم المناهج" و"فلسفة العلوم، مثل: الوضعية، والوضعية المنطقية، والتطورية، والمادية وغيرها" و"الإيبستيمولوجيا" و"تاريخ العلم"(4).

° العلم الحديث "منهجه والطريق إليه وإلى نظرياته":

تُرجِع فلسفة العلم الحديثة العلمَ إلى نوعين: العلوم الرياضية بمنهجها

(1) مفاتيح العلوم الإنسانية. .، د. خليل أحمد ص 289.

(2)

الموسوعة الفلسفية العربية، مادة (علم) من قسم الاصطلاحات والمفاهيم، كريم متى ص 608، وانظر: المعجم الفلسفي، د. جميل صليبا 2/ 99 وما بعدها.

(3)

في فلسفة العلوم، د. إبراهيم مصطفى ص 23، وانظر: فلسفة العلم، د. صلاح قنصوه ص 56 - 57، وانظر: مشكلة الفلسفة، د. زكريا إبراهيم ص 95 وما بعدها.

(4)

انظر حول تعريفها والفروق بينها وعلاقتها بالعلم: مدخل إلى فلسفة العلوم. . . .، د. محمَّد الجابري ص 17 وما بعدها، وانظر حول الفرق بين العلم وفلسفة العلم: الموسوعة الفلسفية العربية، مادة (علم) من قسم الاصطلاحات والمفاهيم، كريم متى ص 608.

ص: 36

الاستنباطي، والعلوم الطبيعية بمنهجها التجريبي، وتُعد العلوم التجريبية هي الأهم في باب حياة الناس وإن اعتمدت على الرياضيات؛ وذلك بسبب ما حققته من منافع كبيرة، ومن هنا جاء دور المنهج العلمي التجريبي (1).

ومع أن عمدة العلم الدنيوي على المنهج التجريبي الاستقرائي إلا أنه لا يعني هذا وجود اتفاق على طبيعة هذا المنهج، فلابد أن تجد الاختلاف حول كل قضية من قضاياه "وهكذا نلاحظ أنه بالرغم من أن مئات الكتب قد تم تحريرها ونشرها عن المنهج العلمي، وكان من المفترض أن يكون هناك اتفاق بوجه عام حول طبيعة النشاط المنهجي، إلا أن هذا الاتفاق ظل بعيدًا عن أن يتحقق. . . ."(2).

توجد صورة عامة للمنهج العلمي بخطوات قد لا يُشترط فيها التتابع دائمًا، وهذه الخطوات هي: الملاحظة، التجربة، الفرضية، القانون والنظرية (3).

والملاحظة هي المشاهدة الحسية الدقيقة لظاهرة من الظواهر عن طريق الحواس وبالاستعانة بالأدوات والأجهزة والأساليب، ولا شك في أن الأجهزة الحديثة المكتشفة التي تساعد العين قد كان لها دور كبير في تطور الملاحظة ونجاحها، والملاحظة العلمية تأخذ أشكالًا حى توصل إلى نتائج. أما التجربة فتأتي بعد أن تسجل حال الظاهرة كما هو عن طريق الملاحظة، فكأن الباحث التجريبي وهو في طور الملاحظة قد أنصت للطبيعة وسجل ما سمع كما هو، بينما في التجربة يقوم الملاحظ بالتدخل فيها، فيقوم بإخضاع الظاهرة لظروف جديدة، وتفيد التجربة في تحقيق اكتشافات جديدة لم تحققها الملاحظة، وقد لا

(1) انظر: الموسوعة الفلسفية العربية، مادة (علم)، الاصطلاحات والمفاهيم، كريم متى ص 609 - 611، وانظر: نحو فلسفة علمية، د. زكي نجيب، الفصل السابع، وسيأتي لهذا مزيد حديث في الفصل الأول من الباب الأول من هذا البحث.

(2)

التفكير العلمي -الأسس والمهارات، مجموعة مؤلفين ص 75 - 76.

(3)

انظر: العالم بين العلم والفلسفة، جاسم العلوي ص 32 - 33، وانظر: فلسفة العلم، د. صلاح قنصوه ص 182 - 205، التفكير العلمي -الأسس والمهارات، مجموعة مؤلفين ص 77 - 85، أسس المنطق والمنهج العلمي، د. محمَّد الشنيطي ص 127 وما بعدها، وانظر عرضها من وجهة نظر إسلامية: أسس المنهج القرآني في بحث العلوم الطبيعية، د. منتصر مجاهد ص 63 - 77.

ص: 37

تتيسر التجربة كما في علم الفلك فحظه الملاحظة، والتجربة أساسية في علوم أخرى كما في الكيمياء (1).

تأتي الفرضية "أو التفسير العلمي المؤقت للظاهرة" بعد الملاحظة والتجربة، والفرض العلمي هو عبارة عن وضع علّة تكون الظواهر أو الأشياء الملاحظة، أو موضوع التجربة معلولة لها وأثرًا من آثارها. إنه جهد عقلي للبحث عن علاقة عامة بين مجموعة من الظواهر، وهو محاولة لإعطاء تفسير للظاهرة المشاهدة، فمثلًا عندما يلاحظ أحدهم تكسر كوب من الزجاج على النار وسجَّل كل ملاحظاته، ثم قام بتجارب يغير فيها من الحرارة أو من الزجاج أو من الظروف، وسجل كل ذلك، يأتي هنا دور التفسير "وهو الفرض" في تبيين سبب تكسر الكأس الزجاجي عند وضعه على النار، فيكون أن الحرارة تزيد من أبعاد الأجسام الصلبة (2). ومن المهم بعد صياغة الفرض العلمي وضع طرق للتحقق منه، ولأهل العلوم والمناهج طرق مقترحة في التحقق من الفروض العلمية (3).

ويُعد الفرض الطريق إلى القانون العلمي والنظرية العلمية، "يقوم الفرض بمهمته وهو غفل من الاسم والعنوان، ويظل كذلك حتى يعمّد بالتحقيق والإثبات، فيصير قانونًا أو نظريةً ويتسمى بهما"(4)، فالقانون العلمي هو تفسير نهائي للظاهرة قد تحقق منه، مع خلاف في فلسفة العلم: هل هو تفسير لها؟ أم

(1) حول (الملاحظة والتجربة) انظر: أسس المنطق والمنهج العلمي، د. محمَّد الشنيطي ص 127 - 136، فلسفة العلم، د. صلاح قنصوه ص 200 - 205، التفكير العلمي -الأسس والمهارات، مجموعة مؤلفين ص 77 - 84، الاستقراء والمنهج العلمي، د. محمود زيدان ص 60 - 63، المنطق ومناهج البحث، د. ماهر عبد القادر ص 159 - 181.

(2)

حول (الفرض العلمي) انظر: الاستقراء والمنهج العلمي، د. محمود زيدان ص 36 - 71، العالم بين العلم والفلسفة، جاسم العلوي ص 32، وانظر: فلسفة العلم، د. صلاح قنصوه ص 187 - 189، التفكير العلمي -الأسس والمهارات، مجموعة مؤلفين ص 81 - 83، أسس المنطق والمنهج العلمي، د. محمَّد الشنيطي ص 137 - 143، المنطق ومناهج البحث، د. ماهر عبد القادر ص 185 - 216.

(3)

انظر مثلًا: أسس المنطق والمنهج العلمي، د. محمَّد الشنيطي ص 144 - 149، الاستقراء والمنهج العلمي، د. محمود زيدان ص 126 - 135.

(4)

فلسفة العلم، د. صلاح قنصوه ص 189.

ص: 38

هو فقط مجرد وصف مفيد؟ (1)، وهناك من يشترط في العلم الوصول إلى قانون، وهناك من يرى هذا الشرط مؤديًا إلى تضييق دائرة العلم، ولهذا يتسامحون مع العلم ويكتفون بأن ما حوى الدراسة المنظمة القائمة على منهج واضح والمستندة إلى الموضوعية يمكن أن نسميه علمًا (2).

يمثل النموذج السابق الصورة الأشهر للمنهج العلمي حتى نهايات القرن الثالث عشر/ التاسع عشر، وعمدته على الاستقراء، يقول د. محمود زيدان:"ونلاحظ أن الاستقراء هو منهج البحث في العلوم التجريبية كالطبيعة والكيمياء والأحياء كما تستخدمه بعض العلوم الإنسانية كعلوم النفس والاجتماع والتاريخ. وهدف المنهج الاستقرائي أن يوصلنا إلى كشف القوانين، فالنتيجة الاستقرائية هي صيغة القانون العلمي؛ ومن ثم سُمِّي الاستقراء منهج الكشف أو منطق العلوم التجريبية"(3)، ومراحل الاستقراء التقليدي ثلاث:" (1) الملاحظة والتجربة. (2) وضع الفروض. (3 ضض) تحقيق الفروض"(4).

ولكن مع نمو المعرفة العلمية وظهور نظريات جديدة وتقدُّم الأجهزة وقع بعض التحولات في المنهج مع عدم إلغاء القديم، ويتبع ذلك تجديد مسمى الفرض العلمي، فتكون ثلاثة فروض، هي: التفسير العلمي ويمثله المنهج السابق، والتفسير الوصفي بحيث تبتعد عن العلية التي يمتاز بها النوع الأوّل، مثل نظريات علم الفلك، فهي لا تصل إلى مفهوم القانون العلمي العلي، وهي فروض مؤقتة تقبل التطوير (5). أما الثالث فهو التفسير الفرضي الذي يعطي تصورًا جديدًا للمفاهيم السابقة في المنهج التقليدي ولاسيّما من جهة تخفيف الاعتماد على العلية، كما أن الملاحِظ يدخل مشاركًا فيه، ومن هنا تدخل الاستنباطات الرياضية والرؤى الفلسفية (6)، وبهذا تكون النظريات المعاصرة أكثر تعقيدًا

(1) انظر: المرجع السابق ص 189 - 195، وانظر: التفكير العلمي -الأسس والمهارات، مجموعة مؤلفين ص 84.

(2)

انظر في: فلسفة العلوم، د. إبراهيم مصطفى ص 27.

(3)

الاستقراء والمنهج العلمي، د. محمود زيدان ص 30.

(4)

المرجع السابق ص 59.

(5)

انظر: الاستقراء والمنهج العلمي ص 206.

(6)

انظر: المرجع السابق ص 216 - 254، وانظر: التفكير العلمي -الأسس والمهارات، =

ص: 39

وغموضًا، وربما تختلط فيها الفلسفة بالعلم، والذاتية بالموضوعية، ويصبح العالم مشاركًا بعد أن كان يطلب استقلاله (1).

وتأتي النظرية العلمية في نهاية المطاف، فما هي؟ وما دورها في العلم الحديث؟ وما سبب إثارتها للمشكلات الفكرية والاجتماعية؟

° النظرية "مكانتها في المنهج العلمي، وتعريفها":

تأخذ النظرية العلمية مكانًا مميزًا في المنهج العلمي الحديث وفي فلسفة العلم الحديثة، ففي المنهج العلمي تُعد "الخطوة النهائية هي إنشاء النظرية العلمية"(2)، وهي تُعد "التتويج النهائي للمنهج العلمي، وحصاد خطواته الأخيرة. فكل ما يهدف إليه المنهج العلمي نجده دومًا في النظرية العلمية، فهي التي تحشد الوقائع والمفهومات والفروض والقوانين في سياق ملتئم واحد"(3).

ويقول د. عادل عوض عن أهميتها: "النظريات العلمية ضرورة من ضروريات العلم، فالحقائق التي نصل إليها عن طريق التجارب العلمية أو عن طريق الملاحظة لا يمكن أن نتركها مبعثرة غير متماسكة، بل إن الفكر البشري يدأب على الجمع بينها ولمّ شعثها في نظام واحد متناسق يربط أجزاءها ويجعل منها وحدة متصلة من التفكير. هذه الوحدات المتصلة من الحقائق والأقوال هي ما يسمى بالنظرية العلمية، والنظريات العلمية في تطور مستمر، فهي تنمو بنمو المعرفة البشرية وترتقي بارتقائها"(4)، وكذا عن أهميتها في فلسفة العلم يقول د. بدوي عبد الفتاح:"حظيت النظرية العلمية باهتمام فلاسفة العلم، باعتبارها نموذجًا للمعرفة العلمية بمعناها الدقيق"(5).

يوجد تنوع في تعريف النظرية العلمية، ويشير هذا التنوع في التعريفات إلى

= مجموعة مؤلفين ص 84 - 86، وانظر: أسس المنهج القرآني. . . .، د. منتصر مجاهد ص 177 وما بعدها.

(1)

انظر: من: نظريات العلم المعاصر إلى المواقف الفلسفية، د. محمود زيدان ص 82 - 100.

(2)

التفكير العلمي -الأسس والمهارات، مجموعة مؤلفين ص 90.

(3)

فلسفة العلم، د. صلاح قنصوه ص 195.

(4)

فلسفة العلم في فيزياء أينشتين. . . .، د. عادل عوض ص 180.

(5)

فلسفة العلم، د. بدوي عبد الفتاح ص 175.

ص: 40

صعوبة الاتفاق على صورة موحدة، ولكنها تعطي السمات العامة لمفهوم النظرية باعتبارها: مجموعة قوانين، أو باعتبارها مجموعة فرضيات محققة، أو مجموعة وقائع، صيغت في بنية فكرية تجمعها وهي أعلى منها درجةً في التعميم، ويكون التعميم قادرًا على تفسيرها مجتمعة، وقادرًا على توليد القوانين الجديدة ويتنبأ بمشاهدات جديدة.

وهذه بعض التعريفات والتقريبات للنظرية العلمية:

"النظرية العلمية مجموعة من القوانين العامة التي يرتبط أحدها بالآخر ارتباطًا متسقًا يعتمد بعضها على بعض وهي جميعًا متعلقة بنوع واحد من الظواهر، بحيث إن مجموعة تلك القوانين المؤلِّفة للنظرية العلمية تفسر تلك الظواهر من كل جوانبها"(1).

"وليست النظرية في العلم تخمينًا أو اقتراحًا كما هو شائع عن تعريف كلمة "نظرية"، إن النظرية العلمية هي تفسير موحد ومتسق ذاتيًا لعمليات أو ظواهر طبيعية أساسية، وهذا التفسير يتم تشكيله من مجموعة من الفروض التي تم تأييدها. فالنظرية العلمية إذن تُبنى من المعرفة الموثوق فيها وهي الوقائع العلمية. فالنظرية العلمية تفسير الطبيعة بتوحيد الكثير من الوقائع غير المترابطة أو الفروض التي تم تأييدها. . . ."(2).

"النظرية هي بنية فكرية تتضمن مفهومًا يستطيع أن يفسر المشاهَدات الموجودة، ويستطيع أن يتنبأ بمشاهدات جديدة"(3).

"فالنظرية هي "نشاط إبداعي ومنطقي موجَّه لفهم أو تفسير صور الارتباط المنطقي بين مجموعة من القوانين الاستقرائية الصادقة الخاصة بمجال ما من مجالات الطبيعة. وذلك عن طريق ربطها معًا بمنظومة من المفاهيم النظرية المبتكرة، على نحو يوسع من دائرة التعميم، ويجعل في المستطاع استنباط قوانين جديدة بطريقة رياضية". بهذا المعنى تكون النظرية بالنسبة للنشاط التجريبي هي "خطة العمل، وهي الشروط والهدف الذي نرجو منه""(4).

(1) الاستقراء والمنهج العلمي، د. محمود زيدان ص 102.

(2)

التفكير العلمي -الأسس والمهارات، مجموعة مؤلفين ص 90.

(3)

العالم بين العلم والفلسفة، جاسم العلوي ص 32.

(4)

فلسفة العلم، د. بدوي عبد الفتاح ص 179.

ص: 41

وقد سبق في مسارات المنهج العلمي أنه يبدأ بالملاحظة والتجربة، ثم الفرضية، ثم القانون العلمي والنظرية، ففي مرحلته النهائية يأتي القانون والنظرية، فالقانون هو عبارة عن فرض تم التحقق منه، والفرق بينه وبين النظرية أن "القانون العلمي هو الذي يقبل التحقق، ويمكن أن يوصف بالصدق أو بالكذب؛ لأنه يمثل قضية تجريبية تبدأ من الواقع وتنتهي إليه. أما النظرية فلا شأن لها بالواقع المباشر لأنها ببساطة غير مشتقة منه. . . . فالنظرية العلمية هي بناء نظري مكون من عدد من القوانين الصادقة. . . ."(1).

وأختم هذه الفقرة بذكر وظائف النظرية العلمية، وهي أربع وظائف:

الأولى: التفسير "أو الفهم" بإدراك الأسباب التي بمقتضاها تحدث الظواهر، أو إدراك العلاقات بين الظواهر.

الثانية: إثراء العلم بعلاقات ومفاهيم وقوانين جديدة تنبع من النظرية العلمية.

الثالثة: التحقق من صدق القوانين الجديدة المنبثقة استدلالًا عن البناء المنطقي للنظرية، فبعد خروج قوانين جديدة منها نرجع إليها للتحقق من صحة الجديد.

الرابعة: بيان الحدود التقريبية لصدق القوانين التي جاءت النظرية من أجل تفسيرها، فالنظرية مركبة من مجموعة قوانين، قد لا تُعلم حدودها إلا بالنظرية العامة (2).

صحة النظرية العلمية وقضية التحقق منها:

الوضع المعرفي للنظرية العلمية:

من المناسب الابتداء بذكر الوضع المعرفي للنظرية العلمية في تيارات الفكر الحديثة، وتظهر ثلاثة مواقف، هي:

الأول: الموقف الواقعي: يرى أصحابه أن للنظرية مضمونًا معرفيًا، ولذا فنحن نتحقق من نتائجها، ونصفها بالصدق أو الكذب.

(1) المرجع السابق ص 178 - 179.

(2)

انظر: فلسفة العلم، د. بدوي عبد الفتاح ص 188 - 189، مع الاختصار.

ص: 42

الثاني: الموقف الأداتي: ويرى أنه ليس للنظرية العلمية أي مضمون معرفي، فلا توصف بالصدق أو الكذب، وإنما هي أدوات تؤدي وظائف هي: تفسير المعطيات الحسية وتقديم تنبؤات جديدة، لذلك فالأجدر أن نسأل: هل نجحت النظرية في القيام بوظائفها؟ بدلًا من أن نسأل: هل صدقت النظرية؟ فهي وسيلة إلى أفضل استثمار لمعرفتنا بالطبيعة، فليس ما يهمُّ أصحابَ هذا الموقف الحقيقة، وإنما كل ما يهمهم هو العائد العلمي.

الثالث: الموقف التجريبي: وهو قريب من الواقعي، إذ يشاركه الاعتقاد بوجود مضمون معرفي للنظرية، ويخالفه بأن الواقعي يقول بوجود أنطولوجي للمفاهيم النظرية، بينما الطبيعة عند التجريبيين هي خبرتنا أو إدراكنا الحسي لها. وللموقف الأخير شهرة في الفلسفة الإِنجليزية التي ترى أن الطبيعة مجرد ظواهر تقع في خبرتنا، أما الواقعي فيرى وجودًا عقليًا -مثلًا- لتلك الظواهر الطبيعية (1).

وهذا الاختلاف حول الوضع المعرفي للنظرية يحيلنا إلى صعوبات في إمكانية التحقق من النظريات العلمية، وسيجد الباحث مواقف مختلفة، وهذا التنوع يسمح لكل طرف أن يوجه النظرية العلمية إلى المعتقد أو الأيديولوجيا التي يتبناها، بما في ذلك أصحاب المواقف الدينية، ومن أسباب ذلك هذا المجال الواسع لمفهوم النظرية.

فهذا أحد المهتمين بهذا المجال وهو "فرانك" يرى أن صحة النظرية ترتبط بالهدف منها، "ومن ثم فإنه لا يمكن الحكم على صلاحية النظرية بواسطة المعايير العلمية بالمعنى الدقيق: أي باتفاقها مع المشاهدات، وبتماسكها المنطقي. وبعد تطبيق كل هذه المعايير، يبقى في غالب الأمر أن نختار بين عدة نظريات. . . . ونجمل ما سبق فيما يلي: إن مشكلة الاختيار بين النظريات المختلفة في العلوم الفيزيائية لا يمكن حلها في نطاق هذه العلوم إذا كنا بصدد

(1) انظر: فلسفة العلم، د. بدوي عبد الفتاح ص 204 - 211، والأنطولوجيا (أي: علم الوجود) قسم من الفلسفة يبحث في الموجود في ذاته مستقلًا عن أحواله وظواهره، ومنه -مثلًا- البحث عن الأشياء في ذاتها، من جهة ما هي جوهر بالمعنى الديكارتي، انظر: المعجم الفلسفي، جميل صليبا 2/ 560 - 561.

ص: 43

النظريات ذات التعميم العالي" (1). فمثل هذا المهتم بفلسفة العلم نراه يبتعد عن البحث في صحة النظرية -ولاسيّما ذات التعميم العالي- ويكتفي بوضع هدف يتم من خلاله قبول النظرية أو رفضها.

وغالب النظريات العلمية لا يناسبها التحقق؛ ذلك أن التحقق يناسب الأمور التجريبية، ويغلب على النظرية العلمية ألا تكون تجريبية، "فلا يجوز منطقيًا أن نتحقق من نظرية نيوتن في الجاذبية لأنها بناء نظري خالص، بل من القوانين التجريبية المستنبطة منها، مثل قانون المد والجذر. وبنفس المنطق لا يجوز التحقق من النسبية العامة لأينشتاين، بل نتحقق من النتائج التجريبية المستنبطة منها، مثل انحراف الضوء المنعكس من كوكب عطارد القريب من الشمس نتيجة لجاذبية الشمس"(2).

وقد كان التحقق من الأساسيات عند طائفة، ولكن التعقيدات التي صحبت النظريات المعاصرة جعلت بعضهم يحوّل مبدأ التحقق من الإيجاب إلى السلب، فبدل أن نطلب من صاحب النظرية أن يثبت صحتها أصبح المطلوب ألا توجد تجارب تنفيها (3)، فإذا سلمت النظرية من وجود تجربة تنفيها فهي نظرية مقبولة.

ويُعدّ مبدأ التحقق -الذي يمكن من خلاله إثبات صحة نظرية أو إثبات بطلانها- أحد الموضوعات الكبرى في فلسفة العلم ولاسيّما عند الوضعيين، وقد دارت نقاشات كبيرة حول هذا المبدأ، إذ كانت الوضعية المنطقية تصر على مبدأ التحقق شرطًا لقبول المعرفة العلمية، وكان أهم المعترضين عليهم "بوبر" الذي ركّز على الاكتفاء بأهمية عدم وجود ما يكذب النظرية (4).

ومن بين أسباب صعوبة التحقق الإيجابي أن هناك فروضًا علميةً يستحيل التحقق منها، مثل القانون الأوّل من قوانين الديناميكا الحرارية الذي يقول: إن كمية الحرارة في الكون في تناقص تدريجي، ومن ثم سوف يأتي على الكون يوم

(1) فلسفة العلم. . . .، فيلب فرانك ص 431، ترجمة أ. د. علي ناصف.

(2)

فلسفة العلم، د. بدوي عبد الفتاح ص 212.

(3)

انظر: المرجع السابق ص 213.

(4)

انظر مثلًا: الأسس الميتافيزيقية للعلم، د. حسين علي ص 72 - 85، وانظر: فلسفة العلوم -المشكلات المعرفية، د. ماهر عبد القادر، بكامله، وانظر: رودولف كارناب. . . .، وداد الحاج ص 86 وما بعدها.

ص: 44

تنعدم فيه الحرارة تمامًا ويتم فناؤه. فهذا فرض يقبله العلماء منذ قرابة قرن ونصف قرن تقريبًا، ومع ذلك فالتحقق منه مستحيل (1)، ويقول باحث آخر:"فليست كل النظريات يمكن اختبارها مباشرة، مثل قوانين الجاذبية والحركة عند "نيوتن" ونظرية التطور عند "دارون" ونظرية النسبية، إلا أنه من الضروري أن تكون هذه القوانين وتلك النظريات قابلة للاختبار بشكل غير مباشر. . . ."(2). وهذا هو حال أغلب النظريات العلمية المعاصرة، فمن الصعب التحقق منها، وبعضها لا يمكن التحقق منه أصلًا (3).

° طبيعة الحقيقة العلمية:

فإذا كانت النظرية العلمية مما يصعب التحقق منه غالبًا، وكانت الحقيقة العلمية ذات وضع نسبي، فهذا يدفع إلى السؤال عن موقع الحقيقة العلمية من هذه المنظومة المعقدة؟ وهو سؤال مهم، ولاسيّما عند البحث عن المشكلات التي تقع بين العلم والدين.

تكون الحقيقة أوضح في الجانب المادي، ولاسيّما في الموضوعات الجزئية مثل مكتشفات علماء الكيمياء من العناصر ومكوناتها، ولكن عند تجاوز الجزئيات إلى الكليات والعموميات، أو تجاوز الشهادة إلى الماضي البعيد أو المستقبل البعيد تأتي الصعوبات حول مفهوم الحقيقة، فضلًا عن النقاش الفلسفي والفكري الكبير حول مفهوم الحقيقة الذي لم يعد في الدراسات المعاصرة يعني المطابقة دائمًا، ولاسيّما بعد تأثير نظريات الفيزياء المعاصرة ونظريات العلوم الاجتماعية، مما جعل المفكرين يتكلمون عن مفهوم جديد للحقيقة، ولهذا أصبح مفهوم الحقيقة داخل الفكر الحديث في غاية التعقيد. وستبقى الحقيقة -بهذه الحال- ملتبسة عند أي مجتمع لا يملك مصدرًا موثوقًا وميزانًا مطلقًا يحكم به ويحتكم إليه، والذي هو في النهاية الوحي من رب العالمين، وهو القرآن الكريم، فهو المحكم والحاكم، وأما غير ذلك فستبقى الحقيقة ملتبسة فيه حتى داخل العلم، ولاسيّما بعد التحول من المنهج الاستقرائي إلى المنهج الفرضي

(1) الاستقراء والمنهج العلمي، د. محمود زيدان ص 125.

(2)

فلسفة العلم في فيزياء أينشتين. . . .، د. عادل عوض ص 185.

(3)

انظر: المرجع السابق ص 194.

ص: 45

المعاصر. وعلى هذا، فكل من تحدَّث عن الحقيقة العلمية فلابد أن يكون مستوعبًا لمثل هذه المستجدات حول مفهوم الحقيقة أولًا، ثم حول مفهوم الحقيقة العلمية ثانيًا.

وهذه بعض الآراء من داخل فلسفة العلم حول مفهوم الحقيقة العلمية، يقول جاسم العلوي:"علينا أن ننبه إلى أن الحقائق العلمية ليست حقائق مطلقة، ولا أدل على ذلك من تحول العلماء من نظرية إلى أخرى، بل هي حقائق صحيحة ونسبية في حدود دقة وتطور الأجهزة المستخدمة. إن تغيّر النظريات العلمية لا يعني أن الكون حقائقه متغيرة بقدر ما يعني أن الزاوية التي نرى بها الواقع قد تغيّرت"(1)، ويقول أيضًا:"ولكن ليس كل نظرية تمكّنت من إعطاء نتائج عملية أو ملائمة مع التجارب أصبحت صحيحة على نحو مطلق، فقد استطاع القدماء أن يفسروا حادثة الخسوف والكسوف بالاعتماد على هيئة بطليموس التي جعلت من الأرض مركزًا للكون، ورغم النتائج العلمية الصحيحة التي تمخضت عنها. . . . إلا أن نظام بطليموس الفلكي لم يكن صحيحًا. . . . إذن من الممكن أن نسير بالفرضية في الطريق الخاطئ ونصل في النهاية إلى الهدف الصحيح"(2).

ويقول د. صلاح قنصوه: "الحقيقة العلمية ليست هي الواقع " reality"، بل ما يقرره العلماء عن هذا الواقع، وليس ثمة حقيقة علمية نهائية،. . . . وما يزال العلم حتى اليوم مجازفات ومخاطرات، وكل "حقائقه" موقوتة لا تبقى كذلك إلا إلى حين. فلا يتملكنا الخوف إذن. . . ."(3).

(1) العالم بين العلم والفلسفة، جاسم العلوي ص 33.

(2)

المرجع السابق ص 33 - 34.

(3)

فلسفة العلم، د. صلاح قنصوه ص 170.

ص: 46