الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
إن لم يكن معارضًا ومنافسًا له، وهذه المشكلة طبعت ببصماتها السلبية على علاقة العلم والفكر بالدين في الفكر الغربي.
أ- فرانسيس بيكون:
فيلسوف إنجليزي (1561 - 1626 م) فأما حياته العامة فكان صاحب طموحات سياسية قدم من أجلها صورة سيئة لصورة العالم والفيلسوف، حيث عُرف بالخسة والسفالة وتعامل مع غيره بالخيانة والغدر كما ذكرت كتب التراجم، وكان أشدّها خسة ما فعله بصديقه الحميم "أسكس"، فقد كان أسكس مقربًا من الملكة فحاول توفير منصب رفيع لبيكون ولكنها لموجدتها على بيكون رفضت ذلك، فقام أسكس بمنح بيكون إحدى ضياعه. وبعد سنوات فقد أسكس حظوته عند الملكة واتهمته بالخيانة، وطلبت من بيكون أن يُعدّ صحيفة الاتهام ضد صديقه ليقدم للمحاكمة، فحكم عليه بالإعدام وأعدم (1). وبيكون يعترف بأنه "ضعيف الإرادة" في مقاومة الشر والفساد، وأنه "شارك في مفاسد أهل العصر"(2)، وهذا الانحطاط الخلقي عند أهم رموز الفكر الغربية تُلقي بظلاله على صورة العالم والمفكر في العصر الحديث، وصورة ما يقدمه عندما يقدمه بِرِقة خلق مع الابتعاد عن الدين.
ودون أدنى شك بأن لذلك أثره على صورة العلم والفكر النابع عن أمثاله، وهذه مشكلة العلم والفكر الحديث بأن كثيرًا من رواده يعانون أزمة خلق أو أزمة دين أو أزمة هوية، وأن لهذه الأزمة بصماتها وآثارها على ما قدموه، يظهر عند بعضهم ويختفي عند آخرين، كل بحسبه. فأزمة الخلق كالذي شاهدناه هنا مع بيكون، وأزمة الدين كالذي نشاهده معهم جميعًا ولاسيّما التيار المادي الملحد الذي اشتهر في أوروبا، وأزمة الهوية مثل وضع اليهود داخل أوروبا النصرانية والشكوك حول نشاطهم العلمي، وهي قضايا أشكلت في الفكر الغربي الحديث.
دعا "بيكون" إلى الإصلاح العظيم للعلم، وأهم معالم هذا الإصلاح:
(1) انظر: موسوعة الفلسفة، د. عبد الرحمن بدوي 1/ 393، وانظر عرضًا آخر عند "ديورانت" يدافع فيه عن "بيكون" بأنه قد أنذر صديقه عدة مرات، والحقيقة أن ذلك لا يستقيم مع الصداقة لاسيما والجميع أهل فساد، انظر: قصة الفلسفة ص 139.
(2)
انظر: موسوعة الفلسفة، السابق 1/ 393.
تحديد معنى العلم الصحيح أولًا، فجعله القائم على "التجربة والملاحظة"، وغايته "تمكين الإنسان من السيطرة على الطبيعة" للاستفادة مما فيها. وأما المنهج المناسب فهو الاستقراء الناقص في مقابل الاستقراء الكامل الأرسطي (1). وذكر أنه بهذه الطريقة يمكن أن يحدث تقدمًا في العلم مثل ذلك الذي حدث في الاكتشافات الجغرافية المهمة، أو في المخترعات الجديدة مثل فن الطباعة والبارود، والاكتشافات العظيمة في علم الفلك بفضل كوبرنيكوس وجاليليو (2). ونبه إلى عائق أمام التقدم نحو العلم الجديد، وهو ما أسماه بالأصنام الأربعة المسيطرة على عقول المفكرين والناس وهي: أصنام القبيلة والكهف والسوق والمسرح، التي لابد من تحطيمها لنتقدم بالعلم.
فالصنم الأول ناشئ من طبيعة الإنسان، فهي مشتركة بين جميع أفراده، مثل التعميم لبعض الحالات دون النظر لحالات معارضة، وعدم الانتباه إلى التشابه وحدوده.
وأما أصنام الكهف فينتقل فيها من الأوهام التي يشترك فيها كل البشر إلى الأوهام التي يتميز كل فرد، فإن لكل فرد طبيعة بسبب التربية والبيئة، فتجد مثلًا بعض الناس يكشف الفروق وآخر يلاحظ التشابه، وتجد شخصًا يميل للتنقيب عن العيوب وآخر لا يرى إلا المحاسن وهكذا.
وأما أصنام السوق فهي مخصوصة بالألفاظ حيث يتخيل بعض الناس أن لتلك الألفاظ حقائق كالمصطلحات الفلسفية مثلًا، ويحدث بسببها مناقشات كثيرة، ثم إذا هي تدور فقط حول ألفاظ دون معنى.
وأما الرابع فأصنام المسرح وخصها بالنظريات والمذاهب المتوارثة، فكأنها مسرحيات يتم عرضها ويصدقها الناس، وهي أوسع من الثالثة؛ لأن تلك ألفاظ وهذه مذاهب (3)، ولن نتقدم في مجال العلم والفكر ما لم نتخلص من هذه الأصنام.
(1) انظر: موسوعة الفلسفة، السابق 1/ 394.
(2)
انظر: المرجع السابق، ونفس الصفحة.
(3)
كثير من الكتب التي تحدثت عن "بيكون" وقفت مع هذه الأصنام المنهجية التي دعا بيكون إلى التخلص منها. انظر مثلًا: تاريخ الفلسفة الحديثة، كرم ص 47 - 48، وموسوعة الفلسفة، بدوي 1/ 395 - 396، وانظر: فرنسيس بيكون -آراؤه وآثاره، د. محسن جهانكيري ص 136 - 147.
وقام أيضًا ضمن هذا المشروع بتصنيف جديد للعلوم يُعد من أهم التصنيفات في العصر الحديث، ولكن الأهم من ذلك كلّه هو صورة "المنهج العلمي" الذي دعا إليه.
يقوم المنهج العلمي عند "بيكون" على التجريب والملاحظة، وطلب من الباحث العلمي أن يكون كالقناص الباحث عن فريسة، والقنص يقوم في ثماني عمليات منها: تنويع التجارب وإطالتها وقلبها إلى غير ذلك. وفي كتابه "الأورغانون الجديد" تحدث عن الاستقراء المناسب لتطوير العلم، وعمدته على اللوحات الثلاث: لوحة الحضور ولوحة الغياب ولوحة الدرجات، وقد أخذ بها "مل" فيما بعد في قواعده، وأضاف عليها اثنتين (1). وبعد الانتهاء من عملياته بين تلك اللوحات يقوم بعملية الاستقراء، وعمدته بأنه إذا انتفى السبب انتفى المسبب. ومما لاحظه الدارسون لبيكون أنه لم يكن له عناية بالعلوم وإبداعها بقدر ما كانت عنايته بإصلاح منهجها؛ ولذا لم يحفظ عنه شيء كبير في العلوم ولا قام بتجارب حقيقية (2). كانت هذه أهم أدوار بيكون في العلم الحديث وسأختمها ببعض الوقفات حول بيكون وأمثاله:
1 -
كانت عناية بيكون منصبّة على رسم منهج جديد يساعد في اكتشاف الجديد، والتخلص من كل المناهج القديمة، وأهم مشروعاته هي في دعوته للمنهج التجريبي في الفكر الغربي ودفاعه عنه دفاعًا حارًا، وقد ظهر في دراسات حديثة عن جهات مختلفة ما يثبت بأن المنهج التجريبي لم يكن غائبًا عن الحضارات والأمم الأخرى، وأن أفضل من أصل أصوله وأبدع شروطه وقوانينه هم علماء في البلاد الإسلامية، وأن أوروبا بدأت تتعرف على هذا المنهج منذ نهايات عصورها الوسطى.
2 -
لا يختلف بيكون عن كثير ممن عاصرهم من المفكرين في الخلط بين العناية بالعلم والاحتفاظ ببعض المفاسد المخالفة للعلم علاوة على بعض المفاسد الخلقية عند أغلبهم، وقد سبق بيان شيء من صورة المفاسد الأخلاقية
(1) انظر: موسوعة الفلسفة، السابق 1/ 396 - 397، وانظر: فرنسيس بيكون -آراؤه وآثاره، د. محسن جهانكيري ص 167 - 186.
(2)
انظر: تاريخ الفلسفة الحديثة، كرم ص 45، وانظر: قصة الفلسفة، ديورانت ص 178.
التي لا تهمنا إلا بقدر ما لها من أثر على حركة العلم وأخلاقياته، أما ما يخالف العلم فمن الأشياء الغريبة ما نجده من اعتقاده بالكيمياء القديمة -الخيمياء السحرية- وبالتنجيم وبالسحر (1)، وهي وإن وقع فيها شيء من الحظ فهي محرمة في الدين الحق ولا تتفق مع المناهج العلمية، وقد سبق مثل ذلك مع رواد أول نظرية علمية وهم علماء الفلك من ميل بعضهم إلى أبواب التنجيم.
3 -
التمهيد للفصل بين اللاهوت والعلم: فقد كان أحد أهم الدعاة لذلك؛ ولذا جُعل من رواد حركة التنوير في القرن الثاني عشر/الثامن عشر (2)، وعادة ما يكون المقصود بالتنوير فصل الدين عن مناشط الحياة واستقلال العقل بإدارتها، وعندما نعرف شخصية بيكون نعرف بأن لدعوى الفصل أبعادًا أخرى غير القضية العلمية، وهذا يكشف بأن تلك الدعوى التي نجحت في الغرب لم تكن مبنية على قيمة منهجية وعلمية صافية، بل قد اختلط بها الهوى والميول الفاسدة البارزة عند دعاتها، وأنها مرتبطة بوضع تاريخي وصراع اجتماعي معيّن، ولا يمكن أن نجد من رجل لا يكترث بالأخلاق ولا بالدين همًّا في الإصلاح الديني أو المصالحة بين الدين والعلم أو جعل العلم في خدمة الدين.
أخيرًا فإن دور بيكون لم ينته بموته، فقد كان لفكره وللصورة التي رسمها عن العلم أثرها الكبير في الفكر الغربي الحديث، ونجد ذلك أوضح في التيار التجريبي المشهور والحسي والمادي، وذلك بحسب القسمة المشهورة في أغلب الكتب المؤرِّخة للفكر الغربي الحديث إلى:"تجريبي وعقلاني"، من أمثال:"هوبز" و"لوك" و"هيوم" و"مل" وغيرهم، بل ينتسب إليه التيار المادي الملحد الذي عرفته أوروبا في القرن الثاني عشر/الثامن عشر وما بعده، وهناك من يراه هو مؤسس الفكر الحديث لا ديكارت (3). وقد كان لحكايته "أطلانطا الجديدة"(4) -وهي قصة تخيلها عن مدينة يحكمها العلماء- أثر كبير في توجّه أهم مركز علمي وهو المعهد الملكي في بريطانيا للعناية بهذه العلوم.
(1) انظر: تاريخ الفلسفة الحديثة، كرم ص 45.
(2)
انظر: موسوعة الفلسفة، بدوي 1/ 398.
(3)
انظر: نقد نقد العقل العربي -نظرية العقل، جورج طرابيشي ص 196 مع هامش (6).
(4)
انظر: قصة الفلسفة، ديورانت ص 171.