الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أولًا: مصطلح أو مفهوم "الثورة العلمية
"
اعتاد المؤرخون والباحثون على إطلاق تسمية معينة على فترة أو ظاهرة أو حدث، ومن ذلك إطلاق مصطلح "الثورة العلمية" على الفترة التي شهدت تحولات جذرية في العلوم على أيدي مجموعة من علماء العلوم الدنيوية الأوروبيين في القرنين السادس عشر والسابع عشر -العاشر والحادي عشر من الهجرة تقريبًا- لاسيّما مع عالمين بارزين هما:"جاليليو" و"نيوتن".
ورغم شهرة مصطلح "الثورة العلمية"؛ إلا أن المعاجم العربية المتخصصة لا تسعفنا بتعريفه، وعندما يرد عنه الحديث في أغلب الموسوعات فلا تتطرق لتعريفه، وإنما تدخل في تفاصيل الثورة العلمية وموضوعاتها؛ ويظهر أن السبب في ذلك عائد إلى الحداثة النسبية لاستخدامه.
ومما وجدته من المحاولات العربية لتعريفها ما أورده أحد الباحثين بأنها: "ذلك التحول الشامل الذي طرأ على كل مرافق الحياة العلمية والاجتماعية والعقدية والمؤسسية، خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر"(1)، وهو بهذا التعريف يركز على شمولية الثورة وتوسيع دائرة مجالها، وإن كان الأقرب للذهن أن تنصرف صفة الشمولية إلى المجال العلمي أولًا، وأما بقية مرافق الحياة فتكون تحولاتها تابعة للتحول في العلم ومتأثرة به -لا معه- كما يشير الباحث. وقد ذكر أيضًا بأن أول من نحت هذا المصطلح هم فلاسفة الأنوار أواسط القرن
(1) مجلة فكر ونقد ص 13، العدد العاشر مقالة: كيف حصلت "الثورة العلمية" في أوروبا؟ لـ بناصر البعزاتي.
الثاني عشر/ الثامن عشر، ثم تضاءل تداوله فترة من الزمن، ثم عاد بقوة وشهرة في ثلاثينيات القرن العشرين (14 هـ) مع "ألكسندر كويري" و"هربرت بيترفيلد" وغيرهما (1).
ويعد ""كواريه" فيلسوف العلم الفرنسي المعاصر "أبرز من جعل لهذا المصطلح دلالته الخاصة في تاريخ العلم وفلسفته، ومنذ خروج كتابه "دراسات حول جاليلو" عام (1939 م) الذي صاغ فيه دلالات هذا المصطلح بدأت العناية بدراسة الثورة العلمية وبنيتها ومفاهيمها في الكتابات الفكرية المعاصرة، وقد كانت رؤية كواريه عن الثورة العلمية بأنها "استبدال لنسق فكري بنسق آخر"(2).
وجاء بعده بحوالي عشر سنوات كتاب "بيترفيلد -أصول العلم الحديث- (1948 م- 1367 هـ) " مركزًا على هذا المصطلح أيضًا، وكان للنتائج التي انتهى إليها أثرها في أغلب الدراسات المتخصصة في هذا المجال.
وسار في نفس الاتجاه "روبرت هول في كتابه: "الثورة العلمية" (1500 - 1800 م) صياغة الاتجاه الحديث، عام (1956 م- 1375 هـ)(3) وهكذا انتشر الحديث عن هذا المصطلح عند فلاسفة العلم، وأصبح موضوعًا مهما من موضوعات فلسفة العلم أو الإبستمولوجيا المعاصرة (4).
(1) انظر: المرجع السابق ص 15.
(2)
انظر: منطق التقدم العلمي، د. خالد قطب ص 131 - 133، وانظر: ظاهرة العلم الحديث، د. عبد الله العمر ص 5.
(3)
انظر: منطق التقدم العلمي ص 133 - 134.
(4)
تختلف المعاجم التي باللغة العربية حول تعريف (الإبستمولوجيا)، ويُعد محمد وقيدي من بين المفكرين العرب المهتمين بهذا المصطلح فعرّفه:(الإبستمولوجيا دراسة نقدية موضوعها المعرفة العلمية من حيث المبادئ التي ترتكز عليها والفرضيات التي تنطلق منها والنتائج التي تنتهي إليها، أما هدف الدراسة فهو البحث في الأصول المنطقية لهذه الفرضيات والمبادئ والنتائج من جهة وبيان قيمتها من جهة أخرى). من كتابه: ما هي الإبستمولوجيا ص 15، ونظرًا لارتباط هذا المجال ببحثي فسأعتمد ذكر هذا المصطلح بلفظته هذه لتعارف الباحثين باللغة العربية عليها، وانظر أيضًا: درس الإبستمولوجيا، عبد السلام بن عبد العالي وسالم يفوت، الفصل الأول ص 7 - 76، وانظر: برونشفيك وباشلار بين الفلسفة والعلم. .، د. السيد شعبان ص 122 - 124، وقد اقترح المناقشان جزاهما الله خيرًا تسميتها بـ (المعرفة).
ويحسن التنبيه في هذا المجال إلى أن مصطلح "الثورة العلمية" هو دلالة على تميّز تلك المرحلة التاريخية الأوروبية بإنجازات علمية معروفة، لكن دون تضخيم لذلك المصطلح وإكسابه قيمة مطلقة وتزكية نهائية؛ وذلك أن البحوث الحديثة في تاريخ العلم العالمي ما زالت تكتشف وجود إنجازات علمية كبيرة قبل تلك المرحلة، في أوروبا أو في خارجها (1) وإذا كان أول ما عُرفت به الثورة العلمية هو الكشوف الكبيرة في باب الفلك؛ فقد وجد أحد الباحثين معلومات مذهلة حول سبق علماء الفلك في الحضارة الإسلامية إلى تلك الكشوف بفترة كبيرة، بل يوجد تطابق كبير يُحيّر الباحث المنصف، وهذا مما دعا "نويل سويردلو لأن يسأل لا "عما إذا" كان كوبرنيكوس قد تعلم نظرية مراغة، "بل متى وكيف""، وذلك لأوجه التشابه الكبير بين نماذج "كوبرنيكوس" وبين مدرسة مراغة الفلكية في بلاد المسلمين (2).
ومصطلح الثورة العلمية وإن بقيت دلالته الواضحة على القرنين السادس عشر والسابع عشر ولاسيّما التاريخين المهمين -وما بينهما- التاليين: (950 هـ تقريبًا/ 1543 م) تاريخ صدور كتاب "كوبرنيكوس""عن الدوران في فلك السماء"، و (1098 هـ - 1687 م) تاريخ صدور كتاب "نيوتن""المبادئ الرياضية للفلسفة الطبيعية" الذي توّج جهود السابقين بإنشائه بناءً علميًا متكاملًا في نسق واحد، ومع ذلك هناك ثورات علمية حدثت بعد هذا التاريخ، وإن كان البعض يطلق عليها اسم:"الثورات في العلم" بدلًا من "الثورات العلمية"، جاعلًا الثورة في العلم أقرب للتطورات أو القفزات في بنية علم من العلوم بعيدًا عن مفهوم التحول الشامل الذي تميزت به الثورات العلمية، وتُعد الدراسة المشهورة لـ "توماس كون: بنية الثورات العلمية" هي من هذا النوع (3)، وبهذا يتسع الحديث لوجود أكثر من ثورة، كالثورة الكوبرنيكية والنيوتنية والدارونية وثورة الكوانتم (4) وهكذا.
(1) انظر: مجلة فكر ونقد ص 16، مرجع سابق.
(2)
انظر: فجر العلم الجديد: الإسلام -الصين- الغرب، توبي أ. هف ص 70.
(3)
انظر: منطق التقدم العلمي، السابق ص 122 - 123، وكتاب كون، ترجمه أكثر من واحد وأشهرها ترجمة شوقي جلال إلى العربية (بنية الثورات العلمية)، وصدر في سلسلة عالم المعرفة برقم (168)، الكويت.
(4)
انظر: المرجع السابق، (منطق. .) ص 121.