الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
نظرية قريبة من نظرية كوبر: يرى بأن الشمس والقمر يدوران حول الأرض، أما بقية الكواكب فتدور حول الشمس، ويذكر "برنال" بأنها في الحقيقة تنتسب إلى نظرية كوبرنيكوس (1).
وبهذا العمل يقدم "براهي" الأدلة المادية المحسوسة بحسب إمكانيات ذلك الزمان؛ أي: أن الدعم يتواصل لنظرية "كوبر" التي أُعدم بسببها "برونو".
4 - كبلر: للسعي للتوفيق واكتشاف القوانين:
وقد قاد هذه المعركة من بعد "براهي" تلميذه ومساعده كبلر: (1571 - 1630 م)، الذي انصرف من تدريسه اللاهوت إلى الرياضيات لحبه لها، وما يرى فيها من كمال وإلى الفلك، وقد استفاد كثيرًا من أستاذه "براهي"، وقد كان ميّالًا إلى التنجيم، وذلك أنه يرى أن الله هيأ التنجيم للفلكيين (2)، وقد بدأ نشاطه الفلكي بمحاولة التوفيق بين النظرية الكوبرنيكية وبين نظرية العقول المحركة للكواكب الموروثة عن الفلسفة الأفلاطونية، ثم ترك تلك وآثر العلل الطبيعية، واستعاض بالقوة عن العقل المحرك. ومن أهم إنجازاته استعاضته بالمدار الإهليجي بدل المدار الدائري، وتخليه عن عقيدة كون الدائرة أكمل المخلوقات وهي عقيدة موروثة عن الفلسفة الأرسطية وقال بها كوبرنيكوس قبله، إلى غير ذلك.
- محاولات التوفيق:
ومما يهمنا في عمله تصوره بإمكانية التقريب بين النظرية والدين وإقامة علاقة بينهما تقوم على الوفاق بدل الصراع، ففي أول كتاب له خصص فصلًا للتوفيق بين نظرية كوبرنيكوس والتوراة، فلما راجع المخطوط أساتذة اللاهوت بجامعة توبنجن البروتستانتية -وكان بروتستانتيًا- حذفوا منه ذلك الفصل، فلم يظهر في الكتاب المطبوع، بل رفض لاهوتيون بروتستانت أن ينشر دراسة حول مذنب ظهر في زمنه (3).
(1) انظر: العلم في التاريخ 2/ 63، وتاريخ الفلسفة الغربية السابق ص 63 أيضًا.
(2)
انظر: تشكيل العقل الحديث، برينتون ص 138، والعلم في التاريخ 2/ 63.
(3)
انظر: تاريخ الفلسفة الحديثة، يوسف كرم ص 19.
وعملية التوفيق هي منهج تاريخي مشهور، فقد كانت مشكلة التعارض قبل ظهور العلم الحديث تقوم بين ما يتوهم تعارضه بين الدين والعقل، وهو الآن ينتقل إلى ما يتوهم تعارضه بين الدين والعلم. ولم يكن "كبلر" الأول أو الوحيد في هذه المحاولة، وقد سبقه إلى ذلك "رتكس"(1514 - 1574 م) أول أتباع كوبرنيكوس وأشدهم حماسة له، حيث كتب رسالة "حاول فيها التوفيق بين الكتاب المقدس والنظام الكوبيرنكي الجديد. وهذا يعني باختصار أن الصدام بين النظام الجديد للعالم والآراء اللاهوتية المعتمدة -وهي مزيج من النصوص المقدسة والأرسطية التقليدية- شكل عقبة كَأْدَاء أمام قبول النظام الكوبيرنكي، وكان لا مفر من أن يصل هذا الصدام إلى لحظة المواجهة الحاسمة -إما في أثناء حياة كوبيرنكس أو بعد ذلك بقليل- كما حدث فعلًا مع غاليليو. ."(1).
وستبرز أيضًا جهود التوفيق في آخر المطاف مع "جاليليو" في عدّة محاولات، والملاحظ هنا بأن أصحاب المحاولات ليسوا رجال الكنيسة أو من المدافعين عن الدين، بل هم رجال الفلك المدافعون عن العلم، بعكس ما يُرى من صور حديثة بعد الانتصار الذي حققه علم الفلك ومن بعده انتصار النظام العلماني في الغرب، وهذا الانتصار قاد الكنيسة إلى عزلة، مما دفع البابا ليون الثالث عشر (1893 م) والبابا بنوا الخامس عشر (1921 م) في رسالتين لهما إلى
قصر "تطبيق نصوص الكتاب المقدس على الأمور الدينية"(2).
وفشل منهجية التوفيق من الطرفين -علماء الفلك وغيرهم أولًا ورجال الكنيسة ومن في حكمهم ثانيًا- يعبر عن مشكلات خاصة في منهجية التوفيق؛ لأنها في الغالب تعبر عن حالة الضعيف أمام القوي، وليست ميزانًا بين الحق والباطل أو الصواب والخطأ أو بين الأمور المشتبهة؛ ولذا لا يلجأ إليها إلا من كان مُستضعفًا، بخلاف القوي الواثق من مبدئه وما هو عليه، وهناك دون شك إلى جانب المشكلات الداخلية بمنهجية التوفيق مشكلات خارجية ترتبط بالتطورات الخاصة بالمجتمع الغربي أسهمت في فشل مشروع التوفيق، وجعلت كل طرف يتحرك في مجاله دون تدخل في الطرف الآخر.
(1) فجر العلم الحديث، هف ص 356.
(2)
انظر: غاليليه أو مستقبل العلم، فيلما فريش ص 98.
وسيأتي بإذن الله فصل خاص عن هذه المنهجية التي كثُرَ استخدامها لدى بعض الشخصيات الإسلامية لمحاولة الدفاع عن الدين أمام النظريات العلمية، وبيان مدى مناسبتها، وإنما وقفت معها في هذا الموطن؛ لأنها أشهر مرحلة برزت فيها منهجية التوفيق.
لم يكن رجال الدين على شاكلة واحدة إذ كان فيهم بعض العقلاء المعتدلين مثل الكردينال "بلارمينوا" الذي قال في رسالة له "ترجع إلى سنة (1615 م) موجهة إلى أحد الرهبان المناصرين لمذهب كوبرنك: "لو كان هناك برهان حق على دوران الأرض وثبات الشمس، إذن لتعين الحذر الشديد في تفسير آيات الكتاب المقدس، ولكان أحرى بنا أن نقول: إننا لا ندرك معناها، من أن نكذب ما قام عليه البرهان. ولكني لن أعتقد بقيام هذا البرهان قبل أن يبين لي" وهذا ما حدث بالفعل فيما بعد، إذ لم تعد الكنيسة تحرم الاعتقاد بمذهب كوبرنك، بل صارت تحمل الآيات على محمل التعبير بالظاهر، كما نقول نحن الآن: طلعت الشمس وغربت"(1). فهذا الموقف يعطي ثالث موقف من مواقف الكنيسة: ففي وقتِ قوتها كان رأيها الصواب وتهدد المخالف، ثم في مرحلة متوسطة عند ثبوت أدلة برهانية فيكون هناك حذر شديد في تفسير النصوص المقدسة وسلوك مسلك التفويض، وفي المرحلة الثالثة كأنه يشير إلى ترك التفويض وسلوك المذهب الظاهري مع النصوص مع ما يحويه من اعتراف مبطن بأن الظاهر لا يعني الحقيقة، والحقيقة هي في علم الفلك، وهذا الموقف الذي وقعت فيه الكنيسة ما كان ليحدث لولا اشتمال ما عندهم على باطل ومعلومات غير صحيحة، وما نجح فيه العلم وانتصر به على الكنيسة هو في جزء الحق الذي معه، لا أنه يملك كل الحق.
ومما يجدر التنبيه إليه في هذا المقام هو غرابة موقف "كبلر": فبينما يقال عنه بأنه صاحب ديانة صادقة على الطريقة البروتستانتية، فإنه مع ذلك له ميل إلى التنجيم، وإلى القول بالعقول الفلكية وأنه كان ميالًا إلى عبادة الشمس (2)، وهناك من يربط بين هذا الميل إلى عبادتها وبين وضعها مركزًا في نظريته، فإذا تركنا
(1) تاريخ الفلسفة الحديثة، يوسف كرم ص 22.
(2)
انظر: العلم في مواجهة المادية. . . .، د. عماد الدين خليل ص 27.
هذه العجائب وهي لا تنقضي مع هؤلاء، فإن له في المقابل كشوفًا علميةً مهمة كان لها أثرها في حل مشاكل في علم الفلك والفيزياء الكونية.
- اكتشافه ثلاثة قوانين وبروز مفهوم القانون الطبيعي:
وأهم ما قدمه للفلك اكتشافه لثلاثة قوانين عن حركة الأجرام السماوية (1)، وربك أعلم بعباده حيث قال سبحانه:{يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (7)} [الروم: 7]، حيث استطاع بعدد قليل من القوانين تفسير كثير من حركات الأجرام السماوية، وهذه ميزة منهجية للقانون أو القاعدة أو الأصل في أنها جملة صغيرة تفسر عددًا كثيرًا من الجزئيات، والوصول لمثل هذا العمل ليس سهلًا، ويندر في تاريخ البشرية من يكتشف مثل هذه القوانين والقواعد والأصول وما في بابها. إلا أنه سيصبح لمفهوم القانون أثر كبير في بناء النظريات العلمية الحديثة والعلم الحديث، ونظرية "كوبرنيكوس" عندما صاغها "كبلر" في قوانين نجح في إقناع الفلكيين بها، وفي فرضها على العلم رغم ما سيحدث لها من تحسينات مع اللاحقين إلا أن التحسين ليس مثل الإبداع.
وبقدر فائدة القوانين للتطور العلمي، إلا أن هناك خللًا ما صاحب ازدهار مفهوم القوانين لاسيّما مع عالم أوروبا في القرن الحادي عشر/ السابع عشر "إسحاق نيوتن"، وحاصل هذا الخلل: أنه عن طريق مذاهب علمانية سادت في أوروبا تمّ الاستعاضة بفكرة القانون عن الإيمان الحقيقي الكامل بربوبية الرب سبحانه وتقديره لكل شيء، فهؤلاء عندما استنتجوا الحوادث من أسبابها، والتغيرات من عللها، اكتفوا بها (2)، وصاغوها في قوانين، وقطعوا النظر في تدبير الله سبحانه لهذا الكون وتصريفه له وإمساكه للسماوات والأرض وتسخيره للمسخرات، فمنهم من يرى أن الله قد أوجد هذا الكون بقوانينه، وتركه بعد ذلك، وهذا غالبٌ على الربوبيين، ومنهم من لا يبحث عما خلف هذه القوانين بحجة أنها قضايا ميتافيزيقية ماورائية أسطورية غيبية دينية على اختلاف في تعليلاتهم، وهذا غالب على الملاحدة الخلص. وهناك في المقابل من رأى بأن
(1) انظر عرضًا مبسطًا لها في: الطريق إلى المريخ، سعد شعبان ص 31.
(2)
انظر نموذجًا من الاستثمار المادي لفكرة القوانين: موجز تاريخ الفلسفة، مجموعة كتاب سوفييت ص 149 - 150.
إثبات هذه القوانين يعدّ انتقاصًا لقدرة الله سبحانه ولربوبيّته فمن هذا المنطلق كذب بها مطلقًا.
ودين الله الحق المنزل من السماء وسط في ذلك قال -تعالى-: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [البقرة: 143]، فالكون كله مدبر لله سبحانه مسخر له، يصرّفه سبحانه كيف شاء، وهو سبحانه قد وضع في الكون أسبابًا ومسبباتها وعللًا ومعلولاتها كما ورد في كثير من النصوص، ولذا فمذهب أهل السنة عدم إنكار الأسباب، ولا يقال: يفعل عندها أو معها وإنما بها، فهي مؤثرة، والسبب والمسبب من خلق الله سبحانه ولا يخرج عن تقديره سبحانه. فما ثبت صحته من هذه القوانين، وهو ناتج عن التأمل في علاقة عوالم الكون الكبرى والصغرى، فلا يخرج عن هذه القاعدة، وما كشف من التأمل في هذه العلاقات ما هو إلا مما وضعه الله سبحانه من تأثير بعض عوالم الكون في أخرى، وسيأتي لهذه النقطة مزيد بحث في فصل قادم بإذن الله، وما كانت هذه الوقفة إلا من أجل تتبع الصور المنهجية أو النمطية التي ترسّخت مع أول نظرية علمية ظهرت في العصر الحديث.
- دخول الأجهزة الحديثة في مضمار العلم وأثرها في تقدمه:
من الأمور شبه المتفق عليها بأن للأدوات التي اكتشفها المسلمون ونقلت إلى الغرب أثرًا مهمًّا في مساعدة علماء الغرب في تطوير علومهم، كما أن للأرقام العربية التي يُعبر بها عن أثر المسلمين في تطور علم الحساب وأثر تطويرهم لعمل الصفر، ومن ثمّ أثرها في ترويض العلوم؛ أي: جعل أغلب العلوم ذات صورة رياضية دقيقة، دورها المهم في تطور العلم.
وقد بني علماء أوروبا على المنقول إليهم مع سعيهم الحثيث لمواصلة تطويرها، ووجدوا بأن العلم المعتمد على المنهج التجريبي في حاجة إلى أجهزة، وأن نتائجه في حاجة لعلوم الحساب، وهما مما قد سبق للمسلمين فيهما شق الطريق.
لقد كانت مشكلة رؤية البعيد أو الصغير أو المختفي أمرًا يعيق أيّ تطور علمي حقيقي، فمن البعيد الأجرام السماوية، ومن الصغير الكائنات المجهرية، ومن المخفي أعضاء جسم الإنسان الداخلية أو ما في جوف الأرض وما في حكمها.
وقد يسّر الله سبحانه للبشر اكتشاف أجهزة تسهم في رؤية ما يصعب رؤيته مما سبق، وكان أولها اكتشاف المقرّب "التلسكوب"، وباكتشافه قفز علم الفلك قفزة كبيرة، ولحقه اكتشاف المجهر الذي يكبر ما لا تراه العين المجردة حتى تراه بوضوح، وأخيرًا اكتشاف الأشعة التي تتخلل الحواجز، وتتجاوزها لتظهر المخفي خلفها أو بداخلها، وما زالت هذه الأنواع الثلاثة في تطور مستمر، وكان أثرها في تقدم العلم كبيرًا.
وهذه ميزة ميّزت العلوم المادية في العصر الحديث، وهي ارتباطها بالأجهزة، وكلما كان العلم قادرًا على صنع أجهزته كان تطوره وتقدمه ودقته أسرع وأفضل، ومن أهمها الأجهزة التي تساعد العين في رؤية ما لم تكن تستطيع رؤيته، والعين هي إحدى وسائل ووسائط التعلم، وبقوتها ودعمها تزداد إمكانية التعلم والتحقق.
وإذا عدنا إلى أجواء أوروبا في قرنها السادس عشر بعد إحراق برونو وإدانة غيره، وحاجة الكنيسة وأصحاب النظرية الأرسطية إلى منُقذ لها من المأزق الذي هي فيه، ومع قوانين كبلر وكتاباته، ومع الحديث الدائر في أوساط المجتمع المختلفة، وحاجة الفلكيين أيضًا إلى الدعم الإضافي للخروج من هذا الصراع ومن المسبّة التي ألحقتها بهم الكنيسة وأصحاب أرسطو، في هذه الأجواء يُيسر الله سبحانه لأحد الناس اكتشاف المقرب "التلسكوب" من شخص ليس له علاقة بكل هؤلاء، ولا علاقة له بكل هذه الأحداث.
وما من شك بأنه في فترات زمنية مختلفة كان هناك من تمنى لو يرى الأشياء البعيدة على الأرض أو في السماء ولكن لم يصل أحد إلى حلّ لهذه الأمنية، وفي هولندا وبطريقة غامضة توصل أحد الصُنّاع إلى اكتشافه، وكان صانعًا للنظارات (1).
وبدأ الناس يتداولون هذا الجهاز الغريب بإعجاب كبير، فها هو يقرب البعيد على هذه الأرض، ويقرب بعض ما نراه في السماء، وبدا الآن ممكنًا دخول جهازٍ مادي ليفك هذا الصراع الدموي والحدث الكبير الذي دام أكثر من مئة سنة وذهب ضحيته العديد من الناس، وكان أشهر من استخدمه العالم الإيطالي جاليليو.
(1) انظر: العلم في التاريخ 2/ 67، وتاريخ الفلسفة الغربية (الحديثة) 3/ 69.