المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌رابعا: النموذج العربي العصراني: - النظريات العلمية الحديثة مسيرتها الفكرية وأسلوب الفكر التغريبي العربي في التعامل معها دراسة نقدية - جـ ١

[حسن الأسمري]

فهرس الكتاب

- ‌المقدمة

- ‌أهمية الموضوع:

- ‌أسباب الاختيار:

- ‌أهداف الموضوع:

- ‌الدراسات السابقة حول الموضوع:

- ‌أولًا: الكتب الإسلامية التي تكون بعنوان:الدين والعلم، أو القرآن والعلم، أو الإِسلام والعلم، وما في معناها وبابها

- ‌ثانيًا: الكتب التي تناولت بعض موضوعات البحث:

- ‌ثالثًا: "منهج المدرسة العقلية الحديثة في التفسير

- ‌رابعًا: الكتب التي تدور حول الفكر العربي المعاصر ومذاهبه:

- ‌خامسًا: الكتب المتخصصة في مشكلة البحث:

- ‌منهج البحث

- ‌خطة البحث:

- ‌التمهيد

- ‌أولًا: النظرية العلمية

- ‌ثانيًا: أسباب نشأة الاتجاه التغريبي

- ‌ثالثًا: الموقف الإسلامي من العلوم التجريبية وأمثالها

- ‌الباب الأول نشأة الانحرافات المرتبطة بحركة العلم الحديث وظهورها في العالم الإسلامي

- ‌الفصل الأول تعريف موجز بالثورة العلمية الحديثة وما ارتبط بها من نظريات مخالفة للدين وأثرها

- ‌أولًا: مصطلح أو مفهوم "الثورة العلمية

- ‌ثانيًا: ما قبل الثورة العلمية الحديثة "ممهدات الثورة العلمية

- ‌[1] التركة الأرسطية المتغلغلة في أواخر العصور الوسطى الأوروبية ومحاولتهم تجاوزها:

- ‌[2] الأمر الداخلي: أثر عصر النهضة والإصلاح الديني:

- ‌أ- عصر النهضة وحركة الإنسانيين:

- ‌ب- الإصلاح الديني:

- ‌[3] الأمر الخارجي: أثر العلم المنقول من بلاد المسلمين في ظهور الثورة العلمية:

- ‌ثالثًا: الثورة العلمية

- ‌معالم الحدث في الكتابات الفكرية

- ‌[1] البداية من علم الفلك:

- ‌أ- علم الفلك القديم:

- ‌ب - علم الفلك الجديد وشخصياته:

- ‌1 - مولد النظرية مع كوبرنيكوس:

- ‌2 - إحراق برونو يُشهر النظرية:

- ‌3 - براهي والبحث عن الأدلة:

- ‌4 - كبلر: للسعي للتوفيق واكتشاف القوانين:

- ‌ج- دور جاليليو:

- ‌1 - استعمال جاليليو للتلسكوب وآثار ذلك:

- ‌2 - صراعات جاليليو والمظهر الفكري الذي تبعها:

- ‌[2] قنطرة بيكون وديكارت والتأسيس المنهجي للثورة الفكرية والعلمية:

- ‌أ- فرانسيس بيكون:

- ‌ب- ديكارت:

- ‌[3] نيوتن وظهور أشهر ثاني نظرية في العلم الحديث:

- ‌أ- كتاب "المبادئ الرياضية للفلسفة الطبيعية

- ‌ب- القوانين والنظرية:

- ‌ج- النقاش حول علاقة العلم بالدين:

- ‌د- أثر نيوتن في الفكر الغربي:

- ‌رابعًا: ما بعد الثورة العلمية (1) "القرن الثاني عشر الهجري/ الثامن عشر الميلادي

- ‌[1] أبرز التطورات العلمية:

- ‌[2] التحول إلى العلمنة:

- ‌[3] تيارات الفكر المشهورة وعلاقتها بالعلم:

- ‌أ- التياران الموروثان "العقلاني والتجريبي

- ‌ب- الفلسفة النقدية الكانطية:

- ‌ج- الاتجاه المادي:

- ‌د- التنوير:

- ‌[4] الثورة الفرنسية العلمانية (1789 م):

- ‌خامسًا: ما بعد الثورة العلمية (2) "القرن الثالث عشر الهجري/ التاسع عشر الميلادي

- ‌[1] تيارات الفكر المشهورة:

- ‌أ- اليسار الهيجلي:

- ‌ب- نقاد الدين ونصوصه الجدد:

- ‌ج- الوضعية:

- ‌[2] النشاط العلمي في القرن الثالث عشر/ التاسع عشر:

- ‌[3] نظرية التطور الدارونية وأبعادها الفكرية والاجتماعية:

- ‌أ- مصطلح التطور:

- ‌ب- تشارلس داروين (1809 - 1882 م):

- ‌ج- من إشكاليات النظرية الدارونية في مفهوم العلم:

- ‌د- من النظرية إلى المذهب:

- ‌هـ - موقف الكنيسة والعلماء من النظرية:

- ‌[4] البحث عن حدود النظرية العلمية والدين:

- ‌أ- مفهوم النظرية:

- ‌ب- مع الدين وضدّه:

- ‌سادسًا: ما بعد الثورة العلمية (3) (القرن الرابع عشر الهجري/ العشرون الميلادي)

- ‌[1] المستجدات في العلوم الاجتماعية "علم الاجتماع وعلم النفس

- ‌أ- علم الاجتماع:

- ‌ب- علم النفس:

- ‌ج- العلاقة بين الدين والعلوم البشرية من جهتي الخبر والشرع:

- ‌[2] نظريتا النسبية والكوانتم وثورة جديدة في الفيزياء:

- ‌أ- تحولات في الفيزياء "أشياء صغيرة تدفع العلم نحو التواضع

- ‌ب- تجربة مايكلسون ومورلي ومولد النظرية النسبية

- ‌1 - الأثير لا يصمد أمام التجربة:

- ‌2 - من التجربة إلى النظرية النسبية:

- ‌3 - علاقة النظرية بالواقع المعاصر:

- ‌ج- اكتشاف الذرة ومولد نظرية الكم:

- ‌1 - قصة عالم الذرة:

- ‌2 - من آثار النظرية:

- ‌د- خاتمة حول الفيزياء المعاصرة:

- ‌[3] علاقة العلم بالفكر في القرن "الرابع عشر/ العشرين م

- ‌أ - طبيعة النظرية العلمية وحدودها "طبيعة المعرفة العلمية وحدودها

- ‌1 - نقاد العلم:

- ‌2 - فلسفة العلوم أو الإبستمولوجيا:

- ‌3 - الوضعية المنطقية:

- ‌4 - فلسفة العلم في الفكر العربي:

- ‌5 - نحو نظرية معرفة جديدة:

- ‌ب- انقلاب فكري ضدّ الوضعية العلموية وتيارات المعرفة المادية:

- ‌ج - عصر جديد لعلاقة العلم بالايمان في الفكر الغربي:

- ‌الفصل الثاني أسباب وجود الانحراف المصاحب للتطور العلمي الحديث

- ‌الفرق بين أسباب تقدم العلم وبين أسباب الانحراف به وأهمية بحثها

- ‌أمثلة تبين المقصود بمفهوم الانحراف بالعلم

- ‌المثال الأول: إنسان بِلتْداون:

- ‌المثال الثاني: التولد الذاتي:

- ‌ما بين الرؤية الكنسية والرؤية العلمانية للعلم وأثر ذلك في الانحراف بمسيرة العلم

- ‌الأول: دور الكنيسة في إفساد العلاقة بين الدين والعلم

- ‌دخول النصرانية للغرب واحتواء لاهوتها على معارف علمية:

- ‌العداء بين الكنيسة وطوائف اجتماعية جديدة:

- ‌تمثيل الكنيسة للموقف الديني في الصراع بين الدين والعلم وأثره:

- ‌المواقف الأربعة للكنيسة من العلم الحديث وما تضمنته من إشكالات:

- ‌حالة المعاناة من الكنيسة وظهور العلمانية:

- ‌المثال الأول: باب المعجزات:

- ‌المثال الثاني: اعتقادات النصارى حول الأرض:

- ‌الثاني: دور العلمانية في الانحراف بمسيرة العلم

- ‌التحول نحو العلمنة في أوروبا:

- ‌أ- العلاقة المشبوهة:

- ‌ب - الحل العلماني من كونه فصلًا إلى كونه رؤية:

- ‌ج - ظهور الدولة العلمانية القومية، وأثرها في الانحراف بمسيرة العلم:

- ‌د - التيار العلمي في ظل السيطرة العلمانية:

- ‌1 - أثر نشأة العلم في البيئة العلمانية:

- ‌2 - قناعة التيار العلمي بأهمية الفصل بين الدين والعلم:

- ‌3 - ظهور طائفة من العلماء الماديين والملحدين وأثرهم:

- ‌الثالث: دور الفكر المادي في انحراف العلم

- ‌أ - ما المادية

- ‌ب - التطور العلمي والتوسع في التصورات المادية:

- ‌ج - صورة العلاقة بين المادية والعلم الحديث:

- ‌مادية القرن الثامن عشر والتاسع عشر:

- ‌د - المنهجية المادية للانحراف بالعلم:

- ‌أولًا: آلية الربط للحصول على السند العلمي:

- ‌ثانيًا: آلية التعميم لاستغلال العلوم الحديثة:

- ‌ثالثًا: نماذج من انحرافات الاتجاه المادي بالعلم "الفيزياء - الأحياء - الرياضيات

- ‌1 - مفهوم القانون العلمي في الفيزياء:

- ‌2 - ظاهرة الحياة في الأحياء:

- ‌3 - إقحام المادية في الرياضيات:

- ‌هـ - التوظيف المادي للعلم من أجل إلغاء الدين:

- ‌الرابع: دور المذهب التجريبي الحسي والوضعي

- ‌الاتجاه التجريبي والعلم التجريبي -وهم التسمية وحقيقة الاتجاه:

- ‌المؤسسون للمنهج وتصورهم للعلم:

- ‌ما بين الميتافيزيقا والعلم عند الاتجاه التجريبي:

- ‌كونت والدعوة الوضعية:

- ‌الوضعية المنطقية في القرن الرابع عشر/ العشرين:

- ‌مبدأ التحقق

- ‌الخامس: دور اليهود

- ‌الأحداث الثلاثة التي مكنت لليهود في الفكر الحديث:

- ‌يهودي دون ديانة يهودية

- ‌نموذج للدور اليهودي في الانحراف بمسيرة العلم الحديث:

- ‌نموذج فرويد ونظرياته في علم النفس:

- ‌أ- من داروين إلى فرويد:

- ‌ب- فرويد وظاهرة "اليهودي الملحد

- ‌ج- علاقة فرويد باليهود واليهودية:

- ‌أولًا: العلاقة باليهود:

- ‌ثانيًا: علاقته باليهودية:

- ‌د- جماعة التحليل النفسي: جماعة علمية أم جماعة يهودية

- ‌حادثة انشقاق كارل يونغ:

- ‌هـ - النظرية العلمية -صورة للاستثمار اليهودي:

- ‌1 - علاقة الفرويدية باليهودية وكتبها المقدسة:

- ‌2 - استثمار النظرية العلمية في إنكار العقائد والقيم:

- ‌الفصل الثالث تاريخ تكون الانحرافات المصاحبة لحركة العلم الحديث في العالم الإِسلامي وتأثيرها في الفكر التغريبي العربي المعاصر

- ‌أولًا: تغير العالم ببعثة الرسول محمَّد صلى الله عليه وسلم

- ‌ظهور أمة الإِسلام ودورها في إنقاذ العالم:

- ‌ثانيًا: موجز لصورة العلوم في الحضارة الإِسلامية

- ‌القسم الأول: العلوم النقلية:

- ‌القسم الثاني: العلوم الحكمية:

- ‌العلوم السبعة:

- ‌خلاصة صورة التعرف الأولي علي علوم الأمم السابقة:

- ‌ثالثًا: الضعف والتخلف وانحسار مفهوم أمة العلم وظهور الدعوات الإصلاحية

- ‌1 - الانكسار في خط المسار:

- ‌2 - المخاض العسير لدخول العصر الحديث:

- ‌3 - البحث عن مخرج لأزمتي الانحراف والتخلف:

- ‌رابعًا: تجارب الولايات الإِسلامية للتحديث وطلب العلوم العصرية "المرحلة الأولى

- ‌1 - تجربة الدولة العثمانية:

- ‌2 - تجربة الهند الإِسلامية:

- ‌خامسًا: تجارب الولايات الإِسلامية "المرحلة الثانية

- ‌1 - الحملة الاستعمارية الحديثة الأولى لبلاد المسلمين "الحملة الفرنسية

- ‌الحملة العلمية المصاحبة لجيش بونابرت ومجمعها العلمي:

- ‌مواقف جديدة لبعض شيوخ الأزهر من العلوم العصرية:

- ‌أ - عبد الرحمن الجبرتي:

- ‌ب- حسن العطار:

- ‌2 - ولاية محمَّد علي باشا، ثم أولاده من بعده:

- ‌أدوات محمَّد علي في تحصيل العلوم العصرية:

- ‌أ- الاستعانة بالأجانب

- ‌ب- مشروع الابتعاث لأوروبا:

- ‌ج- إنشاء المدارس الفنية في مختلف التخصصات:

- ‌د- المدارس الأجنبية "مدارس الإرساليات

- ‌هـ - مشروع الترجمة:

- ‌و- المطبعة وما ارتبط بها من ظهور الصحافة العلمية والفكرية:

- ‌خلاصة التجربة:

- ‌3 - السلاطين الشباب في الدولة العثمانية ومغامرات الإصلاح:

- ‌1 - السلطان محمود الثاني:

- ‌2 - السلطان عبد المجيد:

- ‌3 - السلطان عبد العزيز:

- ‌سادسًا: تجربة بلاد المغرب

- ‌1 - تجربة تونس:

- ‌أ- المدرسة الحربية والصادقية:

- ‌ب- خير الدين التونسي:

- ‌2 - تجربة المغرب:

- ‌أ- تنبيه النخبة بأهمية العلوم العصرية:

- ‌ب- إصلاح التعليم أو توسيع دائرته:

- ‌سابعًا: تجربة فارس

- ‌تكوين نظام علمي موازي للنظام القديم:

- ‌ثامنًا: تعرّف المجتمع الإسلامي على العلوم العصرية ونظرياتها

- ‌1 - طُرق تعرف المجتمع على العلوم العصرية وما ارتبط بها من مشكلات:

- ‌2 - تاريخ دخول النظريات العلمية ذات الإشكالات للعالم الإسلامي:

- ‌الفصل الرابع أسباب دخول الانحرافات المصاحبة لحركة العلم الحديث إلى البلاد الإسلامية

- ‌أولًا: ضعف مؤسسات الأمة العلمية

- ‌الاحتياجات المعرفية الجديدة وعدم قدرة المؤسسات التعليمية على تلبيتها:

- ‌نموذج الأزهر:

- ‌قصة الوالي العثماني مع الأزهر ودلالاتها:

- ‌مشكلات ذاتية للمؤسسات العلمية الإِسلامية:

- ‌الاحتلال الفرنسي ثم ولاية محمَّد علي وآثار ذلك على الأزهر:

- ‌بوادر الاختلاف داخل الأزهر ومطلب التحديث:

- ‌أثر جمال الدين الأفغاني:

- ‌دار الدعوة والإرشاد والمشاريع الجديدة:

- ‌ثانيًا: المدرسة الحديثة ومدارس الأقليات

- ‌الفصل والانفصال: الفصل بين المجالين الديني والدنيوي، والانفصال عن هوية الأمة:

- ‌دور مدارس الأقليات:

- ‌ثالثًا: دور الصحافة (نشأتها وتمكن النصارى منها وتوجيههم التغريبي لها)

- ‌ظروف نشأة الصحافة وأثر ذلك على الانحراف بمسيرة العلم الحديث:

- ‌النموذج الأول، مجلة المقتطف -النظريات الجديدة:

- ‌المثال الأول: نظرية الفلك الجديدة ومسألة دوران الأرض:

- ‌صدى المشكلة عند بعض المسلمين:

- ‌المثال الثاني: داروين ونظرية التطور:

- ‌النموذج الثاني: مجلة الجامعة العثمانية "الجامعة" لفرح أنطون -الإطار العلماني:

- ‌رابعًا: التيارات الفكرية الوافدة وتنظيماتها كالماسونية والسيمونية

- ‌[1] الدور الماسوني:

- ‌[2] أتباع سان سيمون

- ‌خامسًا: دور الاستعمار

- ‌سياسة التعليم الاستعمارية:

- ‌1 - تهيئة بيئة تسمح بتسرب الانحرافات وتغذي حركتها:

- ‌2 - صناعة الازدواجية في التعليم وعلمنته:

- ‌3 - ترسيخ الهزيمة النفسية في مجال التعليم:

- ‌4 - تحول المؤسسة العلمية في منبع لتوليد التيارات التغريبية:

- ‌5 - فتح الباب للنظريات الاجتماعية:

- ‌سادسًا: بيئة ثقافية جديدة وحضور التيار التغريبي فيها

- ‌الفصل الخامس أبرز المواقف العلمية والفكرية في العالم الإسلامي من العلوم الحديثة ومناهجها

- ‌تمهيد الأصول الثقافية للوضع المعاصر

- ‌فترة التحولات واضطراباتها ومشروع الشيخ حسين الجسر

- ‌المبحث الأول موقف الاتجاه السلفي الداعي للتأصيل الإِسلامي للعلوم الحديثة

- ‌أولًا: الشيخ محمود شكري الألوسي

- ‌1 - الموقف من النظرية الجديدة في الهيئة:

- ‌2 - السعي إلى التأصيل الإِسلامي لهذه العلوم:

- ‌ثانيًا: الشيخ عبد الرحمن السعدي

- ‌1 - تأكيد دخول العلوم الصحيحة النافعة العصرية في الإِسلام، وأثر إدراك هذا المقصد

- ‌2 - خطورة ابتعاد العلوم الصحيحة النافعة العصرية عن الدين وحاجتنا إلى تقريبها من الدين:

- ‌ثالثًا: الشيخ محمَّد الشنقيطي

- ‌موقف الشيخ من الحضارة الغربية والعلوم الدنيوية التي برعت فيها:

- ‌1 - القرآن فيه تبيان كل شيء وهو يهدي للتي هي أقوم:

- ‌2 - الموقف من العلوم الدنيوية وكيف نحولها إلى أشرف العلوم:

- ‌رابعًا: الشيخ عبد العزيز بن باز

- ‌دعوة التأصيل الإِسلامي للعلوم الحديثة

- ‌1 - الوعي باختلاف أرضيات العلوم:

- ‌2 - الوعي بمشقة المشروع:

- ‌3 - قوة التماسك في منهج التنظير وفي العمل التطبيقي:

- ‌المبحث الثاني موقف الاتجاه العصراني الداعي لتأويل ما توهم تعارضه من النصوص الشرعية مع العلم الحديث

- ‌أولًا: ما الاتجاه العصراني

- ‌ثانيًا: ظهور الاتجاه العصراني وحقيقة منهجه:

- ‌ثالثًا: النموذج الهندي العصراني:

- ‌رابعًا: النموذج العربي العصراني:

- ‌المبحث الثالث موقف الاتجاه التغريبي الداعي لتقديم العلم وعدم ربطه بالدين

الفصل: ‌رابعا: النموذج العربي العصراني:

الطيور الأربعة، ويبحث لأخرى عن تأويلات مثل قصة انفلاق البحر لموسى عليه السلام في قوله -تعالى-:{اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ} [الشعراء: 63] أن معنى ذلك: المشي والذهاب كما نقول: ضرب في الأرض إلى غير ذلك (1).

وفي مقابل الإنكار، وبسبب النظريات العلمية الجديدة نجده لا يمانع من تصير خلق آدم عليه السلام وفق نظرية "داروين"، فمن خلال التفاعل الكيميائي تولدت خلية حية من الممكن أن تكون هي الأصل لكل الكائنات الحية، وآدم في القرآن هو رمز للإنسانية جمعاء، ولا حقيقة للمحاورة بينه وبين الرب سبحانه كما وردت في القرآن، وإنما عبر عنها بشكل قصصي أدبي ليقرب فهمه للناس (2).

فهذا النموذج من الهند السباق إلى العصرنة على حساب الدين، والمتطرف في إنكار كل نص يخالف أصول الحضارة الغربية أو تأويله تأويلًا متطرفًا لا يستسيغه العاقل، وأصبح المقدم هو الوافد لا الموروث، يمكن تغيير كل شىِء في الدين أما الوافد الغربي فلا يُمسّ بسوء. وقد كان لهذا المنهج خطورته على أتباعه، كما أنه كان سببًا في نفور بقية المسلمين من الحضارة الغربية لما شاهدوا من آثارها على هؤلاء لدرجة تضحيتهم بعقيدتهم مقابل سلامة المنقول من الغرب، فإنهم توقعوا أن كل ما عند الغرب مصبه إلى الكفر والإلحاد وتحريف الدين وإنكار أصوله وعقائده وشرائعه، بينما لو اكتفى هؤلاء بالنافع مما في الغرب وأصّلوا التفاعل الحضاري لأمة معتزة بدينها مع الغرب وحضارته لكان الصراع داخل المسلمين في الموقف من الغرب أخف.

‌رابعًا: النموذج العربي العصراني:

اشتهر القرن الثالث عشر/ التاسع عشر بأنه قرن التحديث، وبسبب انصراف التحديث إلى أبواب غير مفيدة فقد تسرب معه بذور التغريب. وبما أن النشاط كان مخصصًا للتحديث فالأصل عدم وجود تصادم داخل المجتمع؛ لأن التحديث

(1) انظر: مفهوم تجديد الدين ص 128.

(2)

انظر: مفهوم تجديد الدين ص 128 - 129، وعن مثل هؤلاء وأمثالهم في الهند جاء الرد في كتاب جمال الدين الأفغاني:(الرد على الدهريين)، وهو أحد أهم كتب الأفغاني في نقدهم بعد أن شاع أمرهم في الهند، وربما كان الوحيد الذي ناقشهم من منظور فكري عصري.

ص: 781

هو مطلب عام لكل التيارات، بخلاف التغريب فهو الشر الذي يهرب منه العقلاء. تمثل نموذج التحديث السياسي الأبرز في: محمَّد علي والي مصر، وباي تونس. وتمثل النموذج الفكري مع الطهطاوي في مصر، وخير الدين في تونس، وكانت العلاقة بين السياسي والمفكر علاقة تعاونية سلبية، المفكر موظف في التحديث وليس شريكًا حقيقيًا، مع أن قادة الأمة هم الأمراء والعلماء، وعندما يقع اختلال في دورهما والعلاقة بينهما يقع الضرر. ومن الطبيعي أن لا يقع رفض من قبل الطهطاوي والتونسي للثقافة الغربية أو اعتراض عليها، فهما ممن يتحمل عبء نقلها إلى العالم الإِسلامي، فكيف ينقدون ما يحاولون فهمه في وقت قصير ثم نقله؟؛ ولذا كانت حاستهما النقدية ضعيفة بخلاف جهودهما في النقل فقد كانت قوية ونشيطة.

ولكن جهود النقل التحديثي تنوعت مشاربها وأهدافها وغاياتها، مما جعل نهاية القرن الثالث عشر في غاية الفوضى الفكرية أخطرها ما له علاقة بالدين، ومن ذلك ما تسبب به نشاط التحديث من توتر في العلاقة بين الدين والعلم الحديث؛ أي: أن نشاط التحديث حرص على نقل العلم الحديث، ولكنه لم ينتبه للعلاقة بينه وبين الدين، كان مشروع التحديث يتوقع أن العلم موضوعي محايد، وحقائق لا جدال حولها، ولكن الذي ظهر بعد ذلك أنه نشاط بشري يعتريه ما يعتري أنشطة البشر.

أصبح الواقع ملتبسًا: فهناك تيار يرى السلامة في رفض كل شيء جديد، وتيار قوى ومتقدم يرى التحديث مرتبط بالتغريب، وكان الواقع ينتظر وجود اتجاه ثالث يعالج المشكلة. فظهر في الساحة المصرية رجل مؤثر غاية التأثير وهو الشيخ "جمال الدين الأفغاني"، فلم يرفض كل ما جاء من الغرب، وهاجم بشدة الموقف التغريبي، وتوقف مع المشكلة المهمة وهي مشكلة العلاقة بين الدين والعلم، وقد عرض "على المحافظة" المبادئ التي يقوم عليها تجديده الديني: بأن قوتنا لن تكون إلا بالدين، وبدعوته إلى فتح باب الاجتهاد وتحرير الفكر الديني من قيود التقليد، لنصل إلى التوفيق بين العلم والإيمان فهو "يعتقد أن لا خلاف بين ما جاء في القرآن والحقائق العلمية، أما إذا برز خلاف ما، فذلك دلالة على عجز في تفسير الآيات القرآنية. ويقترح حلّ هذا الإشكال باعتماد التأويل. يقول في هذا الصدد: "إن الدين لا يصح أن يخالف الحقائق، فإن كان

ص: 782

ظاهره المخالفة وجب تأويله، وقد عم الجهل وتفشى الجمود في كثير من المتردين برداء العلماء، حتى اتهم القرآن بأنه يخالف الحقائق العلمية الثابتة، والقرآن بريء مما يقولون. والقرآن يجب أن يجل عن مخالفة العلم الحقيقي خصوصًا في الكليات" (1)، ثم ذكر مثالًا لذلك يتعلق بنظرية الفلك الحديثة، فقد "أثبت العلم كروية الأرض ودورانها، وثبات الشمس دائرة على محورها، فهذه الحقيقة مع ما يشابهها من الحقائق العلمية لابد أن تتوافق مع القرآن -والقرآن يجب أن يجل عن مخالفته للعلم الحقيقي، خصوصًا في الكليات. فإذا لم نر في القرآن ما يوافق صريح العلم والكليات اكتفينا بما جاء فيه من الإشارة ورجعنا إلى التأويل. . . ." (2).

يبرز في موقف "جمال الدين" إصراره على رفض دعوى مخالفة الدين للحقائق العلمية أو دعوى مخالفة القرآن لها، القرآن يجب أن يجل عن مخالفته للعلم الحقيقي، فإن وقع تعارض فإما أنه من جهل وجمود بعض العلماء أو أن التعارض ظاهري في الجزئيات، وهنا نرجع إلى التأويل، فالتعارض ممنوع، ولاسيّما في الكليات، وإن وقع فالحل هو في التأويل. ولكن بسبب انشغال الأفغاني بالهمّ السياسي وانصرافه إلى ميدان العمل الميداني، فقد خفف من نشاطه الفكري والعلمي، بخلاف تلميذه البارز الشيخ "محمَّد عبده" الذي انصرف بعد انفصاله عن شيخه إلى الفكر والعلم وترك العمل الميداني. ولكن قبل الذهاب للشيخ محمَّد نتوقف مع أمرين مهمين للأفغاني حول مسألة العلوم العصرية:

لقد حُفظ للأفغاني مواقف في العلاقة بين الدين والعلم أهمها اثنان: ردّه على "رينان" ورده على "النشتيرين"، أما الأول، فقد ألقى "رينان" محاضرة بعنوان "الإِسلام والعلم" ألقاها في السربون، في وقتٍ كان طلاب الابتعاث من العالم الإِسلامي يكثرون في فرنسا، وكان من قضايا المحاضرة "أن الإِسلام لا

(1) الاتجاهات الفكرية عند العرب. . . .، علي المحافظة ص 74 - 75، ونصه الأخير عن أحمد أمين في زعماء الإصلاح في العصر الحديث ص 114، وأحيانًا أجد المرجع قد أحال إلى شواهد مما قد جمعته فأكتفي بإحالة المرجع مع تأكدي من مطابقة ما قاله لما بين يدي من مراجع.

(2)

خاطرات جمال الدين الأفغاني، محمَّد المخزومي ص 150.

ص: 783

يشجع على العلم والفلسفة والبحث الحر، بل هو عائق لها، بما فيه من اعتقاد للغيبيات وخوارق العادات والإيمان التام بالقضاء والقدر. . . ." (1). وقد شعر الطلاب المسلمون في فرنسا بالمشكلة، وتأثروا عندما جاء النقد من شخص مشهور مثل رينان، كما أن حماستهم لدينهم وثقافتهم لم يمحها إلى الآن الانبهار بالغرب، وفي ذلك يقول أحدهم: "لما كان الذب عن الدين فرضًا على الإنسان، وحب الوطن من الإيمان، اجتمع جمع غفير من طلبة العلم المصريين المقيمين بفرنسا، وكلفوا أخاهم العبد الفقير "حسن عاصم" بتعريب الخطبة التي ألقاها رينان. . . . طعنًا في دين الإِسلام والأمة العربية، وبتعريب ما كتبه الفيلسوف الكبير صاحب الفكر الصائب المسيو مسمر. . . . والغرض أن نقف على الطعن والرد، كلَّ من كان على دين الإِسلام أو من الأمة العربية، حتى يمكنهم تفنيد كلام المسيو رينان، فيفعلوا إظهارًا للحق" (2). وقد جاء في رد الأفغاني:"إن المحاضرة تشتمل على نقطتين أساسيتين: (1) أن الديانة الإِسلامية كانت -بما لها من نشأة خاصة- تناهض العلم؛ (2) أن الأمة العربية غير صالحة بطبيعتها لعلوم ما وراء الطبيعة ولا للفلسفة"(3). ورغم شهرة الرد والنقاش مع "رينان"، وما أثاره من آراء متعارضة داخل العالم الإِسلامي، فإنه قد لا يكون بالقوة المأمولة، ولاسيّما من رجل أميل إلى النشاط السياسي مقابل رجل ميدانه الفكر والفلسفة طول حياته. ولكن الحوار زعزع من مكانة قضية كان يراد ترسيخها آنذاك، وبدأت تؤثر في طائفة وتزعج طائفة، وهي أن الإِسلام ضد العلم والعقلانية والتفكير، ولذا كان موقف جمال الدين هنا موقف المدافع، بخلاف موقفه من النيشتيرين فقد كان مهاجمًا لهم، فاعتبر هذا الموقف جديدًا على الساحة الإِسلامية؛ أي: أن يوجد من يرد على الغربيين بمنطق فكري مؤثر يخفف على الأقل من تأثّر الشباب المسلم المثقف بالفكر الغربي.

ولكنه في دفاعه أبرز منهجية "التأويل"، وهذا ما لاحظه أحد المتأملين في تلك الحادثة حيث قال: "إن الأفغاني كان يرى أن المعاني الباطنة في القرآن

(1) زعماء الإصلاح في العصر الحديث، أحمد أمين ص 86، وانظر: أوروبا والإِسلام -صدام الثقافة والحداثة، هشام جعيط ص 33 - 39.

(2)

المرجع السابق ص 88.

(3)

المرجع السابق ص 89.

ص: 784

متعددة، ومن ثم يجب إعادة تأويله إذا تصادم مع العقل أو العلم، وهذه نفسها هي وجهة نظر ابن رشد، لكن الأفغاني توسع في ذلك حتى يفتح الباب للعلم الحديث، مؤكدًا على الحتمية المتجددة للاجتهاد في فهم الدين" (1).

أما الحدث الثاني فهو رده على "الدهريين" وعنوانه "رسالة في إبطال مذهب الدهريين، وبيان مفاسدهم، وإثبات أن الدين أساس المدنية، والكفر فساد العمران"، والمهم في هذه الرسالة أن الرد يرتبط بتيار له علاقة بالمذاهب العلمية ونظرياتها، حيث يرتبط بالمذهب الداروني صاحب نظرية النشوء والارتقاء، فيكون عمله من أوائل الأعمال الفكرية التي تواجه مثل تلك المذاهب المرتبطة بالعلم ونظرياته ومذاهبه. كما أنها تكشف عن خطورة الوضع، ولاسيّما عندما تنتشر مثل هذه الأفكار في بيئات ضعيفة فيها الجهل والضعف، فقد انتشر المذهب داخل الهند -والمقصود هنا الهند الكبرى قبل قسمتها- فجاءه سؤال من "محمَّد واصل" مدرس الفنون الرياضية بحيدرآباد:"يقرع سمعنا في هذه الأيام صوت "نيتشر" ويصل إلينا من جميع الأقطار الهندية، ولا تخلو بلدة من جماعة يلقبون بهذا اللقب "نيتشري" فما حقيقة النيتشرية. . . ."(2)، ومع ارتباط المذهب بشخصية علمية إلا أنه لم يرد على مذهب دارون في جانبه العلمي وإنما أثبت خطورة الإلحاد وحاجة الناس للدين في رده على من تأثر بمذهبه (3).

صحيح أن "الأفغاني" لم يؤسس منهجًا لحركة فكرية واضحة، وكما سبق فقد كان رجل حركة وعمل، ومثْلُ هذا الصنف من البارزين لا يمكنهم المكوث لكتابةٍ فكرية وصياغة منهجية، ولكن وجوده في مصر إحدى أهم حاضرات العالم الإِسلامي في القرن الثالث عشر قد تسبب في إيجاد حركة فكرية أهم شخصياتها الشيخ "محمَّد عبده"، الذي صاغ منهجًا واضح المعالم يطبع هذا التيار الجديد بطابعه، ومن ذلك الموقف من العلم الحديث، وهو ما أحاول الآن رصده ومعرفته والنظر في إيجابياته وسلبياته.

(1) الإِسلام والعلم بين الأفغاني ورينان، د. محمَّد الخشت ص 65.

(2)

زعماء الإصلاح في العصر الحديث، أحمد أمين ص 78، وانظر: الفكر الإِسلامي وصلته بالاستعمار الغربي، د. محمَّد البهي ص 68 وما بعدها.

(3)

انظر: الإِسلام والعلم. . . .، السابق ص 69.

ص: 785

إذا اكتفينا بالإنتاج المكتوب للشيخ محمَّد عبده فنجد أشهر كتبه هي التي لها علاقة بالصراع الفكري الدائر، فمؤلفاته المهمة كانت في هذا الميدان ولاسيّما العلاقة بين الدين والعلم، وقد سبق كلام الشيخ في مطلع البحث، واعترافه أن صلب مشروعه يقوم على التحرر من التقليد وفهم الدين على طريقة سلف الأمة ضمن موازين العقل، ويكون على هذا الوجه صديقًا للعلم، ويهمنا المنهج الذي يقرره.

نجد هذا المنهج مثلًا في رد الشيخ "محمَّد عبده" على "هانوتو" وزير خارجية فرنسا، وكذا في رده على "فرح أنطون" صاحب مجلة "الجامعة"، وهما يستعيدان فيما يظهر نفس إشكالية "رينان" حول موقف الإِسلام من العلم، فأخرج "الرد على هانوتو" و"الإِسلام والنصرانية بين العلم والمدنية"(1)، فكانت أعماله البارزة هي تلك التي ترد على المتغربين ومن خلفهم من الغربيين، وهي مما أكسبه مكانة داخل البيئة الإِسلامية، إذ تصدى للمشكلات الساخنة في زمنه، ولم يتهرب عن مواجهتها ولاسيّما بعد أن أغرقت الجيل المثقف آنذاك. وبقدر ما يُشكر وأمثاله على هذا الموقف بقدر ما يجب علينا الحذر من مزالق "مناهج الردود" لما تتصف به من ظرفية زمانية لا يصح جعلها منهجًا ثابتًا، فضلًا عن ضعف ينتاب أي منهج طموحه الرد ولاسيّما إذا بُني على أصول ضعيفة أو خطيرة تحمل في طياتها إمكانية الاستثمار السلبي لها مثل منهجية التأويل.

ففي رده -أولًا- على "هانوتو"، ذكر أصولًا للإسلام تبين حقيقته، وأنه يختلف عن تلك الدعاوى التي أثارها هانوتو وأمثاله، ومنها الأصل الأول:"النظر العقلي لتحصيل الإيمان: فأول أساس وضع عليه الإِسلام هو النظر العقلي. . . ."، ثم جاء الأصل الثاني الذي بيّن المنهج كما استقر عند مدرسة محمَّد عبده "تقديم العقل على ظاهر الشرع عند التعارض: أسرع إليك بذكر أصل يتبع هذا الأصل المتقدم قبل أن أنتقل إلى غيره: اتفق أهل الملة الإِسلامية -إلا قليلًا ممن لا ينظر إليه- على أنه إذا تعارض العقل والنقل أخذ بما دل عليه العقل، وبقي في النقل طريقان: طريق التسليم بصحة المنقول مع الاعتراف

(1) انظر: قائمة أعماله وكتاباته ومؤلفاته في: الإِمام محمَّد عبده. مجلد الدنيا بتجديد الدين، محمَّد عمارة ص 28 - 46.

ص: 786

بالعجز عن فهمه، وتفويض الأمر إلى الله في علمه، وطريق تأويل النقل مع المحافظة على قوانين اللغة حتى يتفق معناه مع ما أثبته العقل.

وبهذا الأصل الذي قام على الكتاب وصحيح السنة وعلم النبي صلى الله عليه وسلم مهدت بين يدي العقل كل سبيل، وأزيلت من سبيله جميع العقبات، واتسع له المجال إلى غير حد، فماذا عساه أن يبلغ نظر الفيلسوف، حتى يذهب إلى ما هو أبعد من هذا؟ وأي فضاء يسع أهل النظر وطلاب العلوم إن لم يسعهم هذا الفضاء؟ إن لم يكن في هذا متسع لهم فلا وسعتهم الأرض بجبالها ووهادها ولا سماء بأجرامها وأبعادها" (1).

هذا المنهج الذي حدده الشيخ في النص السابق وأعطاه في الوقت نفسه صفة التعميم وجعله منهج عامة المسلمين يكشف تحليله بعض الإشكالات التي يثيرها، ويثيرها المنهج عمومًا. لا أحد يخالف الشيخ في الدور الكبير الذي منحه الإِسلام للعقل، ولكن لا يصل ذلك إلى تقديمه على الوحي -وإن كان الشيخ كغيره يحتاط بقوله: ظاهر الشرع- إذ كيف يمكن أن نتصور أن الشرع الذي أعطى العقل كل هذا الدور، أنه يصل إلى أن يجعله حاكمًا عليه، كأن الشرع هنا يقول: لك أيها العقل الحرية حتى إذا وجدت أنك لا تستطيع قبولي فلا تقبلني، وهذا أمر لا يمكن تصوره. مع العلم أن "أهل الكلام" في تاريخ الفكر الإِسلامي قد جمعوا عشرات الحجج على هذه القضية ومع ذلك فلا يمكن أن تستقيم بمثل هذا السياق، أن يُقال بأن الشرع قد أعطى العقل حريته حتى لو وصل الأمر في تقديمه على الشرع ذاته، ولذا لم ترتح نفوس العقلاء، ولم تذهب المشكلة إلا بالموقف السلفي الذي أبرزه شيخ الإِسلام ابن تيمية في "درء تعارض العقل والنقل" وغيره من مؤلفاته، وخلاصته: أنه لا تعارض بين النقل الصحيح والعقل الصريح، وإن وجد تعارض فيقدم الأقوى منهما، وسيأتي بإذن الله بيان ذلك في الباب الثالث، لأكتفي هنا بإبراز مشكلة من مشكلات هذا المنهج، وهو أن جعل العقل مقدَّمًا بإطلاق لا يصح، كما أن هذا التقديم فتح الباب لمنهجية "التأويل" كمنهجية للهروب من المشكلة المتوهمة بدل مواجهتها،

(1) الإِسلام دين العلم والمدينة، الشيخ محمَّد عبده ص 130 - 131، تحقيق ودراسة د. عاطف العراقي.

ص: 787

والمزعج في كلامه ما ذكره من "اتفاق أهل الملة الإِسلامية إلا قليلًا ممن لا ينظر إليه"، مع العلم أن مزاعم التعارض وطريقة التأويل لم تظهر في الأمة إلا بعد القرون الفاضلة، وما اتسع أمره إلا في العصور الأخيرة، فضلًا عن أن سلف الأمة ومن سار على مذهبهم من أهل السنة يرفضون هذا المنهج، وليسوا بالقلة التي تجعل الشيخ يتجاهلهم إلى هذه الدرجة.

وقد سبق أن هذا التيار ينتسب في الأصل إلى تيار (كلامي / صوفي) كان السائد فيه هذا المنهج الذي تأصل مع الاتجاه المحافظ من هذا التيار، مكتفيًا بالتطبيق على ما هو منقول له من الماضي، ولا يتجاوز دوره دور الشرح والتكرير، دون أن يظهر دليل عقلي جديد، فجاء محمَّد عبده ليوسع ذلك ويخرجه عن الإطار المحافظ بتطبيقات جديدة، أهمها المعارف العلمية الجديدة التي كان الشيخ يواجهها بمثل هذا المنهج، وهو منهج يحيلنا إلى طريقين: إما "التفويض" وهو ما لا يناسب حال المتشككين والمرتابين والمتزلزلة قلوبهم من الشبهات التي حلّت بها، أو"التأويل" وهو الذي ارتاحت إليه بعض النفوس بما يحدثه من تسكين مؤقت لنفوسهم. هنا تظهر ثغرات المنهج فـ"التفويض" لا يرفع انزعاج القلوب المرتابة، بخلاف من أبطل المعارض وأثبت فساده، فإنه يريح قلب المتشكك المتألم، كما أن "التأويل" وإن هدأ القلب بعض الوقت، فإنه سرعان ما يذهب أثره مع انكشاف ضعفه أو ظهور تعارضٍ جديد.

بقي التأكيد مع الشيخ أن الإِسلام قد وجه العقل إلى مجالات كثيرة، وحرره من قيود كثيرة، ونشاركه أن العقل لم يبق له سوى الانطلاق في تلك المساحات الهائلة المتاحة أمامه، وهو إذا سار سيرًا صحيحًا فلا يتعارض مع الدين.

جاء المنهج في سياق الرد على الطاعنين في الإِسلام، وجاء أيضًا بصورة موسعة مع تطبيقات مختلفة في تفسيره، فبعد إلحاح كبير من تلميذه الشيخ "محمَّد رشيد رضا" وافق الشيخ محمَّد عبده على عقد درس للتفسير، كان الشيخ رضا يحضره ويسجل مع شيخه، ثم يبيضه ويضيف عليه ثم يخرجه في مجلة "المنار"(1).

(1) انظر: مقدمة تفسير المنار للشيخ محمَّد رشيد رضا 1/ 12 - 16.

ص: 788

يذكر "أحمد أمين" أن الشيخ محمَّد عبده "في تفسيره يحاول التوفيق بين الإِسلام ونظريات المدنية الحديثة ويتبع طرقًا من التأمل للتوفيق بين الدين والنظريات الحديثة"(1)، وبقول الدكتور "الذهبي":"كذلك نجد الأستاذ الإِمام رحمه الله يتناول بعض آيات القرآن فيشرحها شرحًا يقوم على أساس من نظريات العلم الحديث، وغرضه بذلك أن يوفق بين معاني القرآن التي قد تبدو مستبعدة في نظر بعض الناس، وبين ما عندهم من معلومات توشك أن تكون مسلمة عندهم أو هي مسلمة بالفعل وهو -وإن كان يرمي من وراء ذلك إلى غرض نبيل- يخرج أحيانًا بمثل هذا الشرح والبيان عن مألوف العرب وما عهد لديهم وقت نزول القرآن"(2)، ثم ذكر من الأمثلة على ذلك مثلين وردا في أول تفسير خرج له وهو تفسير جزء عم، وهما:

الأول: في تفسيره لانشقاق السماء وانفطارها وظهور الغمام: "وهو فساد تركيبها واختلال نظامها عندما يريد الله خراب هذا العالم، كأن يمر كوكب في سيره بالقرب من آخر، فيتجاذبا، فيتصادما، فيضطرب نظام الشمس بأسره، ويحدث من ذلك غمام وأي غمام، يظهر في مواضع متفرقة من الجو والفضاء الواسع، فتكون السماء قد تشققت بالغمام واختل نظامها حال ظهورها"(3).

الثاني: في تفسيره للطير الأبابيل التي ترمي بحجارة من سجيل في سورة الفيل، حيث قال: "فيجوز أن نعتقد أن هذا الطير من جنس البعوض أو الذباب الذي يحمل جراثيم بعض الأمراض، وأن تكون هذه الحجارة من الطين المسموم اليابس الذي تحمله الرياح، فيعلق بأرجل هذه الحيوانات، فإذا اتصل بجسده دخل في مسامه، فأثار فيه تلك القروح التي تنتهي بإفساد الجسم وتساقط لحمه، وإن كثيرًا من هذه الطيور الضعيفة يعد من أعظم جنود الله في إهلاك من يريد إهلاكه من البشر، وإن هذا الحيوان الصغير الذي يسمونه الآن بالميكروب لا يخرج عنها، وهو فرق وجماعات لا يحصى عددها إلا بارئها، ولا يتوقف ظهور أثر قدرة الله تعالى في قهر الطاغين على أن يكون في الطير ضخامة رؤوس

(1) زعماء الإصلاح في العصر الحديث ص 330.

(2)

التفسير والمفسرون، د. محمَّد الذهبي 2/ 567.

(3)

من تفسير جزء عم ضمن الأعمال الكاملة 5/ 351.

ص: 789

الجبال، ولا على أن يكون من نوع عنقاء مغرب، ولا على أن يكون له ألوان خاصة به، ولا على معرفة مقادير الحجارة وكيفية تأثيرها، فلله جند من كل شيء. ." (1).

يظهر هنا استفادته من الاكتشافات العلمية حول انتقال المرض عبر الجراثيم وعالم الميكروبات، ولا شك أن الله سبحانه قادرٌ على هذا وهذا، ولكن التساؤل: إذا صح التفسير المنقول على غير هذا الوجه، فلماذا الذهاب إلى هذا التفسير؟ كما أن القرآن خاطب من نزل فيهم بما يعرفونه من المعاني، وهم يعرفون معنى "الطير" ومعنى "الحجارة" ويصعب صرفها لو افترضنا عدم وجود تفسير صحيح منقول إلى هذا الوجه الذي قال به الشيخ (2). ويهمنا هنا السبب الذي لم يُصرّح به الشيخ: فكأن سبب ميله عن التفسير المأثور هو رفض الفكر الغربي الحديث مثل هذه المعجزات الخارقة وعدم تسليمه إلا بما يتوافق مع السائد في الكون وسننه، فكأنه يرى أن هلاك طائفة بمرض ينقله ميكروب معهود عند الناس ومعروف في العلم الحديث، كما يحدث عندما يذهب جيش إلى بلد آخر لم يعتد على حشراته وأجوائه، فيصاب بالمرض وينتقل بين أفراد الجيش عن طريق العدوى، فمنهم من يموت مع أن أهل البلد لم يصبهم هذا المرض. وهذا يُظهر لنا ميل الشيخ إلى تأويل ما يمكن تأويله من القرآن، بحيث يستفيد من معطيات العلم الحديث إذا كان النص يثير إشكالًا عند المتأثرين بشبهات العصر. والكلام نفسه يقال مع المثال الأول، فإن الفكر الغربي الرافض للدين يرفض وجود أحداث لا سببية كونية لها، فلا يقبل أن هذا العالم سيتغير بأمر من الله سبحانه، بخلاف ما لو أثبتت حساباتهم الفلكية أنه يمكن حدوث خلل، مثل ظهور فرضية نقص شعاع الشمس مع الزمن، ومن ثم تجمد الأرض، فهذا دلت عليه بعض حساباتهم، فيقبلونه، ولا يهمهم لماذا هي تنقص، ومن جعلها تنقص بهذا المقدار، وإنما يكفي أنه يوجد تعليل كوني لتجمد الأرض بعد زمن. ومثله أن الثبات بين مجموعات الكواكب بسبب الجاذبية التي بينها، والشيخ هنا يستثمر مكتشفات علم الفلك الحديث. ولكن مثل هذا الحلّ يُسكّن المشكلة عند بعض

(1) تفسير جزء عم ضمن الأعمال الكاملة 5/ 505.

(2)

انظر: نقد سيد قطب لهذا التفسير، في ظلال القرآن 6/ 3979.

ص: 790

الناس ولكنه لا يعالج أصلها، وهو الإلحاد والجهل بالرب سبحانه وصفاته وأفعاله.

لا يعني هذا أن الشيخ "محمَّد عبده" يريد تفسير القرآن علميًا (1)، فالظاهر من كلامه أنه لا يميل إلى هذا النوع من التفسير، ولكنه يميل إلى توضيح بعض المعاني وتقريبها إلى أذهان الناس بضرب أمثلة من المكتشفات العلمية، وهذا أمر مقبول، وبما أنه على معرفة ببعض المشكلات الفكرية الحديثة، فهي تظهر تلميحًا في تفسيره، دون أن يحاول الاصطدام بها، وربما أقرب الأمثلة لذلك موقفه الغامض من تفسير آيات خلق آدم عليه السلام من سورة البقرة، فهو على معرفة بالنظرية العلمية السائدة آنذاك، فلما جاء إلى تفسير قوله -تعالى-:{وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} [البقرة: 30]، قال الشيخ "محمَّد رشيد رضا":"وقد ذهب الأستاذ إلى أن هذه الآيات من المتشابهات التي لا يمكن حملها على ظاهرها؛ لأنها بحسب قانون التخاطب إما استشارة وذلك محال على الله تعالى، وإما إخبار منه سبحانه للملائكة واعتراض منهم ومحاجة وجدال، وذلك لا يليق بالله تعالى أيضًا ولا بملائكته. . . ."(2)، ثم ذكر أن موقفنا إما التفويض أو التأويل، وذكر أن التفويض هي طريقة السلف وأنه عليها "في وجوب التسليم والتفويض فيما يتعلق بالله تعالى وصفاته وعالم الغيب"(3).

ثم جاء تعليق الشيخ "محمَّد رشيد" فقال: "وأقول أنا مؤلف هذا التفسير: إنني ولله الحمد على طريقة السلف وهديهم، عليها أحيا وعليها أموت إن شاء الله تعالى. وإنما أذكر من كلام شيخنا ومن كلام غيره، ومن تلقاء نفسي بعض التأويلات لما ثبت عندي باختباري الناس أن ما انتشر في الأمة من نظريات الفلاسفة ومذاهب المبتدعة المتقدمين والمتأخرين جعل قبول مذهب السلف واعتقاده يتوقف في الغالب على تلقيه من الصغر بالبيان الصحيح وتخطئة ما يخالفه، أو طول ممارسة الرد عليهم، ولا نعرف في كتب علماء السنة أنفع في الجمع بين النقل والعقل من كتب شيخي الإِسلام ابن تيمية وابن القيم -رحمهما الله-

(1) لا تميل المدرسة عمومًا إلى هذا النوع وإن خالفوا في بعض التطبيقات، ولكنها قليلة للمتأمل، انظر: منهج المدرسة العقلية في التفسير، فهد الرومي ص 270 - 280.

(2)

تفسير المنار 1/ 251 - 252.

(3)

المرجع السابق 1/ 252.

ص: 791

تعالى، وانني أقول عن نفسي: إنني لم يطمئن قلبي بمذهب السلف تفصيلًا إلا بممارسة هذه الكتب.

فنحن قد سمعنا بآذاننا شبهات على بعض الآيات والأحاديث لم يسهل علينا دفعها وإقناع أصحابها بصدق كلام الله وكلام رسوله إلا بضرب من التأويل وأمثال تقربها من عقولهم ومعلوماتهم أحسن التقريب، وقد غلط كثير من علماء الكلام والمفسرين في بيان مذهب السلف وفي معاني التفويض والتأويل وتجد تفصيل ذلك لنا أوائل تفسير سورة آل عمران، كما أخطأ من قالوا: إن الدليل العقلي هو الأصل، فيرد إليه الدليل السمعي، ويجب تأويله لأجل موافقته مطلقًا، والحق كما قال شيخ الإِسلام ابن تيمية:. . . ." (1)، ثم جاء إلى موضع الشاهد، وهو الأقرب من الشيخ والأعرف بمراده فقال: "فظواهر الآيات في خلق آدم مثلًا مقدم في الاعتقاد على النظريات المخالفة لها من أقوال الباحثين في أسرار الخلق وتعليل أطواره ونظامه ما دامت ظنية لم تبلغ درجة القطع" (2).

اضطررت إلى نقل هذا النص رغم طوله لما يكشفه من أشياء منهجية مهمة حول شيخ هذا الاتجاه، أهمها: أن مصطلحات سائدة كالتفويض والتأويل، وهما ركنان مهمان في المنهج قد وقع فيهما غلط كبير، كما أن الغلط امتدّ إلى الموقف الصحيح من التعارض بين النقل والعقل: ما حقيقته؟ وكيف العمل معه؟ كما أنه يكشف -إلى حدٍ ما- عن سبب ميل الشيخ إلى مثل هذه التأويلات، ويعود ذلك في الغالب إلى تأثير النظريات الحديثة. وأخيرًا يكشف هذه العلاقة العجيبة بين الشيخ وتلميذه، فقد تغير التلميذ بعد اطلاعه على تراث الإمامين البارزين ابن تيمية وابن القيم -رحمهما الله-، وهذا التغير قد حدث في أغلب المتأثرين بمحمد عبده، فبقدر ما فتح محمَّد عبده آفاقهم الفكرية وحرر عقولهم وزاد من وعيهم بمشكلات عصرهم وواجبهم نحوها بقدر ما ورطهم في منهجيات غير سليمة. ووجدوا المخرج منها فيما اكتشفوه من علم ابن تيمية وابن القيم. ومع ذلك فقد بقي وفاؤهم للشيخ محمَّد عبده دون قبول منهجه بإطلاق، وكان أبرزهم علماء الشام المعاصرين، ولاسيّما الشيخ "محمَّد رشيد رضا"، حيث

(1) المرجع السابق 1/ 252 - 253.

(2)

المرجع السابق 1/ 253.

ص: 792

وسعوا استفادتهم من ابن تيمية بخلاف من سبقهم من "حسن الطويل" إلى "محمَّد عبده" وغيرهم من مشاهير دعوة الإصلاح في الأزهر، حيث كانت استفادتهم منه تقف على رفضهم البدع العملية المحدثة حول الأولياء والقبور وغيرها.

ذكر الدكتور "بلقاسم الغالي" بأنه قد (1) دبّ الخلاف بين الشيخ "صالح الشريف" من تونس والشيخ "محمَّد عبده" في أثناء زيارة الأخير لتونس سنة (1903 م)، وكان الشريف يخالف منهج عبده، وكان موضوع الخلاف ابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب في إنكارهما زيارة القبور وزيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم خاصة -هكذا، وإلا فهما لا ينكران زيارة قبر النبي، وإنما ينكران شدّ الرحال لذلك- ونهض الشيخ عبده للدفاع عن ابن تيمية مقررًا: أن خلاف ابن تيمية مع بعض أهل السنة لا يخرجه عن كونه منهم، وبأنه ينبغي أن تؤخذ آراؤه من كتبه لا من كتب أعدائه.

وبقدر ما تختلف وجهات النظر حول قيمة مشروع "محمَّد عبده" إلا أنه من أهم الشخصيات التي استشعرت المشكلات التي أثارها العلم الحديث، وأنه كان مستحضرًا لها في ردوده المشهورة، وظهرت واضحة في أثناء رده على "هانوتو" أو "فرج أنطون"، ومستحضرًا لها في أثناء تفسيره للقرآن، ونجد أحد المتحمسين للشيخ يقرر أن محمَّد عبده "أثبت أن القرآن لا يمكن أن يحتوي على تعليم يتعارض مع حقائق العلم، وأن هناك اتفاقًا بين القرآن وبين العلوم الطبيعية والكونية والفلكية، وأن هذا لا يشكل خوفًا ولا تهديدًا لقداسة القرآن بسبب واحد وهو أنه كتاب الكون والحياة والإنسان،. . . ."(2)، ولكن أقرب الناس إليه -وهو من أخرج تفسيره- كان أول من اعترض على بعض تأويلات شيخه، فلا نشك أن العلم الصحيح والعقل الصحيح لا يعارض كلام الله سبحانه أو كلام رسوله صلى الله عليه وسلم، ولكن هناك من يريد تحقيق التوافق بين القرآن والعلم عن طريق تأويل النصوص وليّها أحيانًا واعتسافها لتتوافق مع العلم، ومثل هذا العمل لا يُعد رفعًا للتعارض ودفعا له، ولاسيّما عندما يؤول الأعلى لصالح الأدنى، وإنما

(1) انظر: من أعلام الزيتونه: شيخ الجامع الأعظم محمَّد الطاهر ابن عاشور. حياته وآثاره، د. بلقاسم الغالى ص 45 - 46. وقد سبق الكلام عن "حسن الطويل" في الفصل الثالث.

(2)

الإمام محمَّد عبده ومنهجه في التفسير، د. عبد الغفار عبد الرحيم ص 284.

ص: 793

يكون المنهج السليم هو إبقاء النص الشرعي دون تحريف، مع إبطال كل ما يعارضه من أوهام البشر أو أوهام الأفكار والعلوم وظنياتها.

لقد اتجه القسم العلمي الشرعي من المتأثرين بالشيخ نحو التفسير، وكان كل عالم منهم عند التفسير يستشعر ما استشعره الشيخ من المستجدات الفكرية والعلمية، بحيث يمكننا القول: إن الشيخ "محمد عبده" قد أحدث منعطفًا في التفسير، وبرز ذلك في أتباعه أو مع المتأثرين به، حيث يظهر في تفاسيرهم استحضار مشكلة العلم الحديث ومكتشفاته ونظرياته، أولهم الشيخ محمَّد رشيد رضا الذي شارك الشيخ في وضع التفسير إلى [الآية: 125 من سورة النساء]، ثم واصل بعد وفاة الشيخ إلى أول سورة يوسف، وقد ذكر الدكتور "عبد الغفار" في منهج الشيخ عبده عدة أسماء تأثرت بالشيخ ومنهجه ومنهم (1):"عبد القادر المغربي"، "محمَّد المراغي"، "جمال الدين القاسمي"، "عبد الحميد بن باديس"، "محمَّد الطاهر عاشور"، "محمود شلتوت"، "محمد دراز"، "محمد البهي"، "بنت الشاطئ"، "سيد قطب"، مع أن بعضهم له تفسير لجزء من القرآن وبعضهم له وقفات مع الآيات فقط.

وأفرق هنا بين استحضار الأفكار الجديدة والعلوم الحديثة في أثناء قيام أحدهم بالتفسير فيراعي عدم مخالفتها، أو يستثمرها في توضيح المعاني القرآنية وهو حال أكثر رواد هذه المدرسة، حيث كان عندهم حذر من الانفتاح على هذا الباب، وهو موقف حسن منهم. ولكن هناك من توسع في ما اصطلح عليه بـ"التفسير العلمي"؛ أي: الاستفادة من العلم الحديث ومكتشفاته ونظرياته في فهم آيات القرآن الكريم، وهي مسألة ما زالت ميدان اختلاف شديد داخل الفكر الإِسلامي ما بين رافض لها أو مؤيد مع توسع أو مؤيد بضوابط شديدة، والمقصود هنا فقط أن هذا التوجه ظهر من داخل هذا الاتجاه مع أن أغلب أصحابه من المتحفظين جدًا ومن المتشددين جدًا في الموضوع، أي: أنهم لا يبادرون بوضع اكتشاف علمي أو نظرية علمية لتوضيح آية وإن كانوا في المقابل أثناء تفسيرهم على انتباه للأمور العلمية فلا يتوسعون في تفسير ما يظهر منه مخالفة للعلم الحديث.

(1) الإمام محمَّد عبده ومنهجه في التفسير، د. عبد الغفار عبد الرحيم، الباب الثالث ص 319 وما بعدها.

ص: 794

من بين المتوسعين نجد الشيخ "طنطاوي جوهري"(1287 - 1358 هـ) - (1870 - 1940 م) في تفسيره: "الجواهر في تفسير القرآن الكريم"، فيجتهد عند ورود أية كلمة أو جملة عن المخلوقات بذكر وصفها في العلوم الحديثة، مع أن له موقفًا من التعارض ذكره في أحد كتبه: أن توسعه إنما هو في باب بيان المعنى دون الوقوف مع ما يعارض الوحي، فأثناء حديثه عن النظرية الحديثة في الفلك، ذكر بأن النظريتين معروفتان في كتب المسلمين، وقد ذكرهما مثلًا "عضد الدين" في كتابه:"المواقف"، وذكر الاعتراضات على نفاة دوران الأرض والرد عليها، وعلى ذلك سار شارحه "علي الجرجاني"(1).

وبعد استعراضه لأقوال علماء الفلك المعاصرين قال: "ومع ذلك كله فالقرآن لا يعارض شيئًا من هذه الأشياء. على أننا لا نحتاج لتأويل القرآن إلا لليقينيات، وهذا ليس منها فإن نوع بني آدم لا يمكنه أن يحيط بشيء من علم الله تعالى إلا بما شاء. . . ."(2). وإذا كان الشيخ يتشدد في التأويل إلا أن تفسيره صورة واضحة ومثال نموذجي للتوسع في إدخال العلوم العصرية الحديثة في التفسير.

كانت شخصية الشيخ محمَّد عبده جاذبة ومؤثرة، فالتف حوله الكثير وكان صدره مفتوحًا للجميع، وقد أطمع حاله الكثير فيه. فطلاب العلم قد التفوا حوله طمعًا في علمه وفكره ومنهم محمَّد رشيد رضا، وأرباب الساسة وجدوه قائدًا دينيًا مهمًا فحاولوا استثمار مكانته ولاسيّما جهاز الاستعمار الجاثم على أرض مصر، حيث كان "كرومر" يبني بعض آماله على الشيخ مع تركيزه على فئة من مريديه، والقسم الثالث خليط من الشباب المعجب بالشيخ دون أن يتعلم على يديه، وهم مجموعة من المفكرين والسياسيين والصحفيين، وقد كان تأثرهم بالفكر الغربي أوسع من تأثرهم بالفكر الإِسلامي، وقد أكسبتهم صلتهم بالشيخ والتفافهم حوله شهرة اجتماعية، ولكنهم بعد وفاة الشيخ حرفتهم تيارات التغريب واستهوتهم فكرة العلمنة ودعمهم الاستعمار عندما آنس منهم هذا التوجه ومكنهم من واجهة المجتمع ومكنهم من إداراته، وقد برز في هذا التيار عصرانية علمانية

(1) جواهر العلوم والآداب. .، الشيخ طنطاوي جوهري ص 121، تحقيق طه سعيد.

(2)

المرجع السابق ص 125.

ص: 795

لا هي بالتي نبذت الإِسلام كليًا كما هو حال المتغربين الصريحين ولا هم ممن رعوه حق رعايته، وإنما استبقَوا منه بحسب زعمهم الجزء الاعتقادي منه بعد تأويله وأعادوا تجديد الجانب التشريعي منه ليتوافق مع العصر، ولم يظهر منهم رمز علمي شرعي، ولكن برز منهم قيادات سياسية وفكرية مشهورة، ومن أشهرهم سياسيًا "سعد زغلول" وفكريًا "لطفي السيد".

لقد كان وجود الشيخ قويًا على من حوله فلا يخرجون عن الدوائر التي حددها، ولكن بعد موته ذهبت الخشية والحياء من تجاوز الدوائر التي حددها الشيخ، ولاسيّما في باب التغريب والعلمنة، وهنا ملحوظة لها أهميتها في مجال الفكر الإِسلامي المعاصر وهي: هناك تأثير لمحمد عبده لا يمكن التقليل من شأنه، ويختلف تأثيره على مجمل الشخصيات ما بين تأثير طاغي وهذا فيمن كانوا معه، وما بين تأثير أخف وهذا فيمن أعجب به ممن يتابع أخباره عبر مجله "المنار" أو التقى به في بعض المناسبات، فلو أردنا البحث عن علاقتهم بالاتجاه السلفي ولاسيّما مع اعترافهم بأثر ابن تيمية وابن القيم عليهم، فسنجد أنهم على مستويات: فإذا استبعدنا مسألة التأثر بالبيئة "الكلامية الصوفية" بحسب السائد في بيئتهم، فإنهم على مستوى القضايا الفكرية المهمة بعد غياب الشيخ محمَّد عبده عن الساحة قد تنوعت اجتهاداتهم.

فالطبقة العلمية منهم في بلاد الشام ومصر والمغرب تكاد اجتهاداتهم تتوافق مع الاتجاه السلفي، ونتذكر هنا الشيخ "القاسمي" و"محمَّد رشيد رضا" وغيرهما من أعلام الشام (1)، والشيخ "محمَّد حامد الفقي" و"جماعة أنصار السنة المحمدية" من مصر، و"الحجوي" من المغرب، و"ابن باديس" علامة الجزائر مع "جمعية العلماء المسلمين الجزائريين"، و"الطاهر بن عاشور" علامة تونس (2).

(1) انظر حول القاسمي: جمال الدين القاسمي علامة الشام، عدنان الدبسي، مقالة بمجلة البحوث الإِسلامية، الرياض، عدد (43) ص 285، وانظر حول رضا: منهج الشيخ محمَّد رشيد رضا في العقيدة، تامر متولي.

(2)

انظر حول ابن باديس وجمعية العلماء: عبد الحميد بن باديس، د. محمَّد فتحي ص 25، وانظر: فلسفة التجديد الإِسلامي (نموذج الشيخ بشير الإبراهيمي)، د. محمَّد زرمان ص 20، وانظر حول ابن عاشور: شيخ الجامع الأعظم محمَّد الطاهر بن عاشور، د. بلقاسم الغالي ص 48.

ص: 796

فكل هؤلاء الفضلاء رغم تأثرهم أو إعجابهم بالشيخ محمَّد عبده إلا أن لهم اجتهاداتهم الخاصة، كما أنهم قد اتجهوا أكثر نحو الاتجاه السلفي، ومن بقي منهم على تأثر بالمنهج الكلامي وبطريقة الشيخ محمَّد عبده، فإنهم في جوانب الفكر الأخرى يلتقون في كثير من الأبواب مع الاتجاه السلفي، يرجع ذلك والله أعلم إلى سعة علمهم الشرعي، فإن الفاضل منهم عندما يتبحر في علوم الشريعة نجده ينجذب إلى منهج السلف ولاسيّما إذا ظهر منه الاعتناء بعلم الحديث، نرى ذلك بارزًا في أعلام الشام مثل "القاسمي" فضلًا عن التحول مع الشيخ "محمَّد رشيد رضا" ومدرسته التي أثر فيها "جماعة أنصار السنة المحمدية" فمؤسسها الشيخ "محمَّد الفقي" من المهتمين بعلم السنة فضلًا عن المحدث الشيخ "أحمد شاكر"، وكذا الحال مع "جماعة العلماء المسلمين في الجزائر" وكذا مع الشيخ "الطاهر بن عاشور"، فمع هؤلاء تضعف نقاط الاختلاف -إلى حد التلاشي عند بعضهم- بينهم وبين الاتجاه السلفي إن لم يكونوا من رواده.

وهناك طائفة أخرى من المتأثرين بالشيخ غلب عليهم تقليده مع ثباتهم على ما نشئوا عليه من الكلام والتصوف، ولكن هؤلاء أيضًا على مستوى القضايا الفكرية المهمة يتشاركون مع الاتجاه السلفي في الموقف منها، وهي من مواطن الاشتراك المحمود الذي يفترض أن يحدث فيه التعاون بين الاتجاهين الكبيرين داخل الأمة الإِسلامية، ويكمل أحدهما الآخر، فربما تميز الاتجاه التوفيقي بحكم البيئة والمشكلات التي واجهوها في المسائل الفكرية بينما تميز الاتجاه السلفي بتبحر علمائه في العلوم الشرعية، فلو حدث تعاون في القضايا الفكرية المشتركة وكمّل بعضهما الآخر، ولاسيّما في مواجهة تيار التغريب، لكان في ذلك خيرٌ بإذن الله.

هناك طائفة ثالثة كانت حول الشيخ، ولكنها بعد موته اتجهت إلى التغريب أو العلمنة، حيث احتوتهم تلك الدوائر ووظفت شهرتهم وعلاقتهم بالشيخ بما يخدم التغريب، وهي أبعد عن الشيخ ومنهجه وإن تغطت بعلاقتها به.

وهناك طائفة رابعة ظهرت بعد زمن الشيخ، زمن التيارات الفكرية (الليبرالي والقومي والماركسي) وغيرها، فقد أرادت هذه التيارات الالتصاق بالشيخ بعد ظهور المدّ الإِسلامي الرائع والصحوة الإِسلامية المباركة، فتوجهت هذه التيارات للشيخ -لمقاومة الصحوة فيما يظهر عند الكثير، أو إعلان رجوع للإسلام عند

ص: 797

القليل- وإلى فكره وعلمه وفتاويه ومنهجه لتوسيع مقولاته، دون أن يكون لهم من الرصيد العلمي ما يؤهلهم لمثل هذا العمل. وقد شكل هذا الاحتفاء العلماني الكبير بالشيخ محمَّد عبده درجة من الشك حول حقيقته، مع أن المتأمل في كتابات الشيخ، وفي ما يدّعيه هؤلاء يجد فرقًا كبيرًا بين ما قاله وبين ما يقولونه، ويكون الأمر أشبه بالاستغلال لشخصية بارزة مثل الشيخ. ولكن في الوقت نفسه فإن الثغرات التي يحويها منهج الشيخ قد سمحت لمثل هؤلاء المتطفلين باستثمارها في أهوائهم الفكرية، وهي ثغرات منهجية خطيرة لا يمكن التقليل من شأنها.

والخلاصة أن أتباع الشيخ أو من تأثر به: منهم طائفة علمية تجاوزت ثغرات الشيخ واقتربت من الاتجاه السلفي، وهناك طائفة حافظت على خط الشيخ وهي أظهر في من لم يتبحر في علوم السنة، وطائفة جرفها تيار التغريب وفكر العلمنة واستثمر مكانتهم وشهرتهم، وطائفة من مفكري التيارات والمذاهب الفكرية العلمانية حاولت الالتصاق بالشيخ وإبرازه كرمز يتوافق مع مشروعاتهم رغم بعده عنها.

فقد حصل تعاون كبير بين الاتجاه السلفي والطائفة الأولى ولاسيّما أن نقاط الخلاف نادرة، ويمكن حدوث تعاون مهم في المجال الفكري مع الطائفة الثانية بشرط قيام التناصح على ما سلكوه من مذاهب حادثة أو مناهج خاطئة، ويبقى الجدال والنقاش مع الطرفين الآخرين، والله الهادي إلى سواء السبيل.

مقولة تحتاج إلى تأمل:

النتيجة السابقة تذكرنا بمقولة ذكرها أكثر من باحث حول منهج محمَّد عبده، وهي أن منهجه كان قنطرة نحو العلمنة، ومن ذلك ما ذكره "محمد محمَّد حسين" عن "الحوراني""بأن قارئ محمَّد عبده يُحس أنه كان يريد أن يقيم سدًّا في وجه الاتجاه العلماني، يحمي المجتمع الإِسلامي من طوفانه ولكن الذي حدث هو أن هذا السد قد أصبح قنطرة للعلمانية عبرت عليه إلى العالم الإِسلامي، لتحتلّ المواقع واحد تلو الآخر، ثم جاء فريقٌ من تلاميذ محمَّد عبده وأتباعه، فدفعوا نظرياته واتجاهاته إلى أقصى طريق العلمانية"(1)، فهذه المقولة

(1) الإِسلام والحضارة الغربية، د. محمَّد محمَّد حسين ص 78 - 79.

ص: 798

مصدرها هو الاتجاه التغريبي، وتلقفها الفكر الإِسلامي لنقد منهج عبده، والذي أراه بعد أن تأملت في المتأثرين بالشيخ والمحبين له، أنهم ساروا إلى أكثر من اتجاه: فمنهم من اتجه نحو السلفية، ومنهم من اتجه نحو العلمنة، ومنهم من بقي على طريقة الشيخ، فلماذا اتهم الشيخ في أنه كان طريقًا للعلمنة ولم يتهم في أنه قرب آخرين من السلفية، أو قرب متغربين من الإِسلام! فإن العدل يدفع الباحث المسلم إلى فحص كل المقولات المتعلقة بمشاهير المسلمين، حتى وإن اختلف معهم في منهجهم، وعلينا أن نتذكر عند ورود مثل هذه المقولة بأن جهود الشيخ قد نجحت في صرف بعض الفضلاء عن البدع والتصوف، وعندما تحرروا منها اتجهوا إلى السلفية، وأنها نجحت أيضًا في تقريب بعض المتغربين من الإِسلام بعد هروبهم منه، وأنها نجحت في تخفيف حدة الشكوك عند الجيل الشاب المثقف، بعد أن عصفت بهم تيارات التغريب وزلزلت قلوبهم، في وقت تخلّى بعض العلماء عن مواجهة هذه الشبهات فتركوا شباب المسلمين فريسة لتيارات التغريب. فمثل هذه المسائل تدفعنا إلى النظر في هذه المقولة المشهورة عن هذا الاتجاه وعن رمزه العلمي والفكري المشهور الشيخ محمَّد عبده. والطريف في الأمر أن محمَّد عبده وخصومه ينتمون إلى منهج واحد ويختلفون فقط في التطبيقات، فهم ينتمون إلى منهجية ترى بأن العقل مقدم على النقل عند التعارض، وأنه يجب عند التعارض إما التفويض أو التأويل، ومع ذلك نجد أطرافًا يقفون مع محمَّد عبده ضد خصومه، ونجد من يقف مع خصومه ضده، مع أنهما ينتميان في الحقيقة إلى منهج واحد، ولذا فإننا إن أردنا الإنصاف فعلينا أن نُحمّل المنهج (التوفيقي - التلفيقي) مشكلة تسرب الأفكار المنحرفة، وهو منهج يشترك فيه الطرفان، محمَّد عبده وخصومه من أتباع المنهج الكلامي، فمن الخطأ أحيانًا ما نشاهده من أخذ مقولات خصوم الشيخ ممن هم على نفس منهجه دون التنبيه إلى الملحظ السابق.

والذي يظهر لي بعد المراجعة التاريخية للوقائع وتحليل المقولات بأن فكر محمَّد عبده قد تسبب في حالين متعارضتين: فمن جهة قرّب أناسًا من الاتجاه السلفي بما حررهم من قيد التقليد وحثهم على فهم الوحي على طريقة السلف وإعمال العقل، فالصالح منهم توجه إلى منهج السلف أو اقترب منه؛ لأن من ابتعد عن التقليد المذموم واستخدم عقله وعاد للوحي فسيقوده ذلك إن سلِم من

ص: 799

الهوى إلى منهج السلف. ومن جهة أخرى قرّب أناسًا من اتجاه العلمنة والتغريب، فهم أهل أهواء وضعف، ومنهجية تقديم العقل على النقل المعروفة عن محمَّد عبده وعن خصومه في الوقت نفسه ساعدتهم بعد تأثير التغريب فيهم للتوجه نحو التغريب تحت غطاء ديني، فليس فكر الشيخ فقط هو المؤثر فيهم؛ وإنما الأصل المنهجي الذي يحويه فكره قد فتح الفرصة لأهل الأهواء من مريديه ليتفلتوا من الإِسلام، ومعلوم بأن القادة لا يَسْلمون من أتباع فيهم أهواء يلتفون حول العَلَم البارز لكسب الشهرة وتحقيق المآرب سرعان ما تعصف بهم الأهواء بعد ذهاب العلم البارز.

إذا كان مراد التحليل السابق إقامة التوازن في الفهم فليس معناه الدفاع عن منهج الشيخ، فإقامة العدل وقول الحق لا تعني الدفاع، الدفاع لا يكون إلا عن الحق ومنهج الشيخ منهج خطير تسبب بمشكلات في التاريخ الإِسلامي، حيث صرف عقول كثير من الفضلاء إلى تفويضٍ غير صحيح، حيث هو تفويض يظن صاحبه أن ما يقابله من تصور هو انحراف، أو تأويل جَافٍ فيصرف النص عن معناه ويحرم الأمة عن حياة المدلول الحق والإيمان به، وهو منهج يدفع العقل الإِسلامي إلى الكسل، فكلما وجد مفهومًا عقليًا أو نظرية علمية تعارض الوحي، تحوّل إلى التفويض أو التأويل كونه عملًا سهلًا، وترك المهمة الصعبة في تحليل المفاهيم والنظريات ونقدها وتطويرها لتتوافق مع المفهوم الإِسلامي أو بيان عدم صحتها، ومن ثمّ إراحة العقل المسلم من تحمّله أفكارًا خاطئة في ذاتها تبلبل موقفه من الإِسلام.

ولكن هل يعني ذلك رفض المنهج التوفيقي؟ الذي يتأمل واقع تاريخ الأفكار يعرف أنه لابد من المنهج التوفيقي بشروطه الصحيحة، وأهمها ألّا يتحول إلى تلفيق، بل يكون هناك انسجام حقيقي بين الأفكار المتعارضة في الظاهر. ولكن ثغرات المنهج التوفيقي خطيرة ولاسيّما مع انسياق أغلب المائلين إلى هذا الاتجاه نحو الطريقة السائدة عند المتكلمين وهي:"أن العقل مقدم على النقل عند التعارض، والواجب بعد ذلك إما التفويض أو التأويل"، فما لم نتخلص من هذه الطريقة أو هذا القانون فسيبقى التوفيق عملًا مشتبهًا. ولمشكلات المنهج التوفيقي قام الاتجاه السلفي بنقدها واستبدالها بطريقة التأصيل، وهي رغم صعوبتها ومشقتها إلا أنها أسلم من طريقة التوفيق، وهي

ص: 800

تحقق مقصود التوفيق الصحيح وتتجنب ثغراته، وفي الوقت نفسه تمنع الكسل الفكري الذي يُوجد مع أهل التوفيق السلبي، وتعيد الحيوية للأمة عندما تشعر بمشاركة العالم في صناعة العلوم بدلًا من الكسل وانتظار إنتاج الآخرين من حولنا، وينحصر دورنا بحسب أهل المنهج التوفيقي في الجمع بينها وبين الدين.

لقد كان الاتجاه (التوفيقي/ العصراني) أحد الاتجاهات التي ظهرت أثناء التحديث، وكان أحد الأجوبة المطروحة لحل مشكلات التحديث، وهو منهج فكري في المقام الأول، وكان يغلب عليه محاولة التوفيق بين الإِسلام والفكر الحديث بما في ذلك الجمع بينه وبين العلم الحديث ونظرياته. وقد انجرف هذا الاتجاه نحو الطريقة الكلامية المشهورة لكون أفراده من تلك البيئة في الأصل، وقد وقع شذوذ كبير في صورته غير العربية كما هي الحال في النموذج الهندي، بخلاف النموذج العربي الذي اختلطت الحال عند قادته ولاسيّما الشيخ الأفغاني والشيخ محمَّد عبده، الذي كان أقرب لبيئة الفكر الإِسلامي، وانصب جهدهما في الدفاع عن الإِسلام واستنهاض المسلمين، ولم ينفتح الأمر معهما لدرجة شذوذ التجربة الهندية، ولكن حدث الشذوذ مع قسم من أتباع محمَّد عبده من ميل نحو طريقة أحمد خان الهندي، وساروا على طريقته في الشذوذ، ويغلب عليهم الجهل بالعلوم الشرعية، فهم رموز فكرية ولكنهم لم يكونوا من دارسي العلوم الشرعية، فاتسع الانحراف معهم بخلاف من كان ملمًا بالعلوم الشرعية فإنهم أكثر احتياطًا. وقد برز شذوذ هذا القسم بعد ظهور تيارات التغريب الكبرى "الليبرالي والقومي واليساري" وغيرها، حيث انضم بعضهم إلى هذه التيارات أو انفصلت بعض القيادات من ذلك التيار وانضم إلى القسم الشاذ من المتأثرين بمحمد عبده، ولا شك أن الثغرات الخطيرة في فكر محمَّد عبده ومنهجه مما أسهم في اتساع انحرافهم متذرعين باتباع علم من أعلام الإِسلام.

وبعد أن عُرض تعريف بالاتجاه العصراني، ومنهجه الفكري، وطريقة تعامله مع المشكلات الفكرية الجديدة ومنها العلوم الحديثة ونظرياتها، وغلبة المنهج التوفيقي التأويلي، وآثار ذلك على الاتجاه. ويذهب البحث مع طائفة شاذة في هذا الميدان، وهم المتغربون.

ص: 801