الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
دعوة التأصيل الإِسلامي للعلوم الحديثة
اختلفت المواقف في العصر الحديث نحو المفيد من الحضارة الغربية، وأحيانًا نحو مجمل تلك الحضارة. وقد سبق للأمة في تاريخها المرور بمثل هذا الموقف، وكان العمل السائد آنذاك هو "الترجمة"، أعقبها ضعفٌ نسبيٌ عطّل إلى حدٍ ما المأمول بعد الترجمة، ولاسيما في العلوم الدنيوية وأبوابها، وحدث تطورٌ كبير في علمَي:"الفلك والطب" مع بقاء المصدر الأجنبي في مصادر العلم، ولم يحدث الاستقلال المعرفي، ولم تقع قطيعة معرفية كاملة مع الموروث الخارجي، لقد كانت تجربتنا التاريخية في أبواب العلوم الدنيوية ومناهج العلم -رغم ضخامتها وأثرها في انطلاقة الغرب الحديثة- ناقصة بسبب عدم نجاحها في الاستمرار.
ومع أن "الترجمة" ودراسة ما ترجم كانت هي العمل السائد، إلا أنه لم يظهر من المشتغلين بتلك العلوم رغبة في تقليد النماذج الحضارية المجاورة، رغم تأثر البعض بموضوعات من الحضارات المجاورة، كان هذا هو السائد في سياق تجربتنا التاريخية، ولاسيما زمن الدولة العباسية. لقد قامت ورشة عمل مهمة داخل الحضارة الإِسلامية دون شك، وبرزت معالم انطلاقة كبيرة في علم الهيئة والطب والرياضيات وكذا في تأسيس عناصر المنهجية العلمية ولكنها توقفت قبل أن تؤتي ثمارها، ونُقلت تلك التجربة في منتصفها إلى أوروبا، ورأينا ثمرة تلك العلوم عندهم في ذاك التقدم الدنيوي الذي لا خلاف حوله. فكانت الترجمة واضحة ومشروعًا معروفًا بخلاف ورشة العمل الحضارية للتقدم بهذه العلوم فقد حدث لها توقف بعد ضعف خطير أفشل مشروعنا القديم.
اختلفت المواقف والاجتهادات حول الحضارة الغربية مع تجربة النهضة الحديثة للأمة الإسلامية، وكانت هناك دون شك مواقف شاذة، تمنع عن جهل -بالدين أو بحقيقة الحضارة الغربية- أي: استفادة من الحضارة الغربية، وقد تصدى لها جملة من علماء الإسلام. وفي المقابل هناك مواقف شاذة أخرى رأت أن المطلوب هو نقل بهرج الحضارة الغربية من أنماط معمارية جُعلت لبناء القصور والتفاخر بها أو في الأزياء أو في التنظيمات الشكلية، أو نقل الفنون والآداب والمذاهب الفكرية مع عدم عناية بالعلوم التطبيقية النافعة، حيث وجدوا في غير العلوم النافعة لذة ومتعة، وهي بطبيعتها أسهل ولا تحتاج إلى جهد ومعاناة وتكاليف مادية، فضلًا عن شُحّ الغرب بالنافع. وربما كان رفض الفريق الأول بسبب ما رآه من الفريق الثاني، قد نُطلق على الأول الفريق المحافظ، وكان معروفًا في جميع الاتجاهات الإِسلامية، بينما نُطلق على الثاني فريق التغريب على تفاوت بينهم، وهم قوم فُتنوا ببهرج الحضارة الغربية أو بفنونها، وتكاسلوا عن المهمات الحقيقية النافعة.
فظهر لدينا موقف محافظ سلبي، موقف الرفض، وكان أضعف المواقف، ولم يصدر عنه منهج سليم أو محدد حول الموقف من هذه المستجدات سوى الرفض وضعف عن إيجاد طريق للحل، ولذا لا نجد مشكلة في تجاهل هذا التيار؛ لأنه لا يملك رؤية واضحة حول سبب الرفض. بخلاف الموقف الشاذ الآخر والمقابل له، فهو يدّعي أن تقدمنا وتفوقنا ونجاحنا وحضارتنا مرتبطة بتقليد الغرب، فصاغوا رؤيتهم ومنهجهم في إطار هذا الموقف، وستكون نتيجة هذا الموقف غالبًا أنه موقف استهلاكي استمتاعي؛ استمتاعي بالبهارج أو استمتاعي بالفنون وأبوابها فضلًا عما يتسرب من انحرافات من خلال هذا الموقف، وستكون مناقشة هذا الموقف في المبحث الأخير بإذن الله.
ظهر تيار مخلص فيما نحسبه، نشيط وبارز، واشتهر نهاية القرن الثالث عشر الهجري، وجاء ظهوره بعد أن أغرقنا التيار السابق بما لا حاجة لنا به من أبواب الحضارة الغربية، ورأى أثر ذلك في نفوس شباب المسلمين ووقوعهم في الحيرة والشك، وانقياد بعضهم لذلك الموقف الاستهلاكي الاستمتاعي، وعيشهم حالة استلاب خطيرة، فلا هو ممن تمسك بحضارته
وثقافته ولا هو بالمحسوب فعلًا على حضارة الغرب رغم صدقه في الالتصاق بها. فجاء تيار إصلاحي إسلامي عُرف تحديدًا مع "جمال الدين الأفغاني" و"محمَّد عبده" فتبنى موقفًا جديدًا من الحضارة الغربية، لم يكن بالموقف الرافض ولم يكن في الوقت نفسه بالموقف التغريبي، كان موقفًا انتقائيًا عاقلًا مع جهده في معالجة المشكلات المتكاثرة آنذاك والمؤثرة في شباب الأمة، وغلب على طريقتهم منهجية التأويل والتوفيق دون الجرأة على المساس بمسلمات الحضارة الغربية. ولا شك أننا نجد تفسيرًا لهذا الموقف إذا تفهمنا طبيعة عصرهم دون أن نبرر لهم فعلهم، فالموقف يبقى ضعيفًا وخطيرًا؛ فهو ضعيف؛ لأنه جعل عمله فقط في إبداع القوالب التي تسمح بتسرب الحضارة الغربية دون القدرة على مواجهتها المواجهة الحضارية القوية، وهو خطير؛ لأن من جاء بعدهم حوّلوا منهج الطوارئ إلى منهج ثابت يتسع مع الأيام، فتوسع الأتباع في منهج "التأويل" ليظهر عندنا فيما بعد دينًا مبدلًا بعد أن كان مؤولًا، وسنتعرف على هذا الموقف بإذن الله في المبحث الثاني من هذا الباب.
يبقى معنا "الموقف السلفي" الذي تعرفنا على بعض رموزه وبعض أصول منهجه لنبحث الآن في مشروع دعوته إلى التأصيل الإِسلامي للعلم البشري، أيًا كان نوعه وأيًا كان مصدره، ومن أي حضارة جاء. فهو يرفض من منطلق شرعي موقف المحافظين كما أنه يرفض موقف التيار التغريبي لأكثر من سبب؛ فالأول موقف ضعيف والثاني موقف خطير، كما أنه يُصحح موقف التيار الإصلاحي التوفيقي. فجعل محور دعوته: التأصيل الإِسلامي للعلم النافع، وهو أوسع من الدعوة إلى طلبها وتحصيلها ومعرفتها، فإن التأصيل الإِسلامي لا يتأتى إلا بالمشاركة الحقيقية في هذه العلوم، ويتجاوز أيضًا مسألة التوفيق لما فيها من ضعف وما ينتج عنها من مشاكل.
يأخذ موضوع التأصيل الإِسلامي للعلوم أو موضوع الأسلمة كما اصطلح عليه عند البعض حيزًا كبيرًا من نشاط الاتجاه السلفي، مع العلم أنه ليس وحده في هذا الميدان بل هناك أطياف إسلامية أخرى اقتنعت بأهمية التأصيل الإِسلامي وتجتهد في تحقيقه. أقف -باختصار- مع مشروع "الندوة العالمية للشباب الإِسلامي" من بين عشرات المؤسسات الأكاديمية والثقافية التي تهتم بهذا النوع؛