الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كما يقول الشيخ: "فهذا الدين الإِسلامي يحث على الرقي الصحيح والقوة من جميع الوجوه، عكس ما افتراه أعداؤه أنه مخدر مفتر. . . ."(1)، فأين أوجه صحة دعواهم وهو يحث أهله على كل هذه الأمور ويأمرهم بها؟
4 -
أن من أصول الشريعة وجوب العمل بالأسباب النافعة: مقاصدها ووسائلها.
فاستقراء النصوص يوصلنا إلى أصول الشريعة، ومن ذلك:"وجوب العمل بالأسباب النافعة: مقاصدها ووسائلها، والحث على كل عمل صالح ومصلحة، والاستعانة بالله في تحقيق ذلك مع بذل الجهد. ومن المعلوم أن من تحقق بهذين الأصلين: بذل المجهود في كل أمر نافع، والاستعانة بالمعبود. فإنه لا يزال في تقدم ورقيّ مطرد في إصلاح الدين وفي إصلاح الدنيا المعينة على الدين. . . ."(2).
كانت هذه بعض الاستدلالات التي استدل بها الشيخ على أن العلوم النافعة الصحيحة العصرية داخلة في الدين، حث عليها وأمر بها وأرشد إليها، وهناك غيرها في رسالته القيمة.
2 - خطورة ابتعاد العلوم الصحيحة النافعة العصرية عن الدين وحاجتنا إلى تقريبها من الدين:
مع ما قدّم الشيخ من استدلالات على دخول العلوم العصرية النافعة في الإِسلام فقد حذّر أيضًا ونبّه من خطورة حالها عندما نشأت مع الماديين وأعداء الدين، وتجد ذاك التحذير عقب كل فقرة من فقرات كتابه، ويحذر في الوقت نفسه من الانسياق خلف الماديين في دعاواهم التي نجحوا في تمويهها على الناس بفضل تقدمهم ورقيهم الدنيوي (3)، فجعلوا هذا التقدم حجة في إثبات مذهبهم المادي والعلماني، ووقع بعض ضعاف المسلمين فريسة الهزيمة النفسية أمام التقدم المادي، فانساقوا إلى بقية دعاوى الماديين، فواجه الشيخ ضعف هؤلاء برفع الشُبَه من عقولهم ورفع الهزيمة الداخلية من أنفسهم، ثم ارتقى درجة
(1) المرجع السابق ص 20.
(2)
المرجع السابق ص 41 - 42.
(3)
للشيخ رحمه الله رسالة في إبطال أصولهم بعنوان: الأدلة القواطع والبراهين في إبطال أصول الملحدين.
فحث المسلمين على ربط هذه العلوم بالدين وهو ما نطلق عليه اليوم بالتأصيل الإِسلامي للعلوم النافعة بحيث تُربط بتصوراته وقيمه وأخلاقه وغاياته.
نجد حول خطورة ابتعاد هذه العلوم عن الدين وقفة للشيخ مع قوله -تعالى-: {وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (26)} [الأحقاف: 26]، كيف تَسبب الجحود والاستكبار والاستهزاء بعدم الانتفاع بعلومهم، "فانظر كيف كانت علومهم التي لم تبنَ على الإيمان، وإنما هي علوم جافة منحرفة، صارت سببًا لمعارضتهم الرسل وبقائهم على ما هم عليه من الكفر والتكذيب بالحق، فنعوذ بالله من علم لا ينفع"(1)، فانظر كيف يتحول العلم النافع إلى علم يعارض ما جاءت به الرسل إن لم يكن طريق تعلمها متوافقًا مع الدين.
وقد لا تُوصل أهلها إلى معارضة الرسل ولكنها قد تقطع أهلها عن الصلة بالله، فهي منهمكة بالدنيا دون البحث عن الغاية من وجود هذا الكون ووجودنا فيه، وفي ذلك يقول:"أعظم آفات العلوم وقواطعه الانخداع بالوقوف مع المخلوقات دون خالقها، وبالآثار عن مؤثرها،. . . . وهذا النوع نقصه كثير وضرره كبير، فإن كثيرًا من الملحدين والمغترين بهم يمهرون في العلوم الطبيعية، ولكنهم يقفون معها ويعمون عن ارتباطها بخالقها ومسببها والذي أودع فيها من العجائب والأسرار ما أودع. . . .". ثم ذكر أثر ما اكتشفوه من عجائب فغرتهم ووقفوا عليها، واغتروا بما وصلوا إليه فاستهانوا بغيره، فلو كان الدين هو الموجه، وعرفوا المدبر الحقيقي للأمور كلها، وربطوا ما في الكون بقدره وقضائه، "لو أنهم فعلوا ذلك في عملهم لتم علمهم وحصل لهم من اليقين ما لا يحصل لمن لم يصل إلى ما وصلوا إليه. . . ."(2).
أخيرًا من آثار ما هي عليه في بيئتها المادية حتى وإن لم تتعارض مع الدين، فإنها عندما تكون بعيدة عن الدين تعجز كل العجز عن إصلاح الأخلاق
(1) الدلائل القرآنية. . . . ص 16.
(2)
انظر: الدلائل القرآنية ص 48 - 49، وانظر: الأدلة القواطع والبراهين في إبطال أصول الملحدين ص 61.
واكتساب الفضائل الصحيحة والترفع عن الرذائل، فلا تثمر إيمانًا ولا أمانة ولا رحمة ولا أخلاقًا (1).
أمام هذه المشكلات الثلاث وغيرها -أن توظف في معارضة الدين، أو يكتفى بها ويهمل الدين، أو تقام دون ضوابط أخلاقية دينية- يأتي مشروع التأصيل الإِسلامي (2) لهذا المجال، ومن مهمات التأصيل معالجة المشكلات الثلاث وغيرها، وقد رأينا مع كل هذه المشكلات أن الشيخ لم يجعلها سببًا حول تقصيرنا في طلبها، بل حثّ على تحصيلها، ولكن عندما نطلبها فعلينا أخذها وفق هويتنا الإِسلامية، أن نعيد ترتيبها بما نحيطه بها من أصول إسلامية عظيمة فلا نقع فيما وقع فيه غيرنا، ومهمة التأصيل الإِسلامي أو الأسلمة هي مهمة من سيتولى التعرف عليها واستنباتها في أرضنا، ويكفينا أن الشيخ أعطى الأصول العامة للموضوع، فجزاه الله خيرًا على ما قدم ورحمه رحمة واسعة.
نصل في النهاية إلى أن العطاء العلمي الذي قدمه العلامة السعدي حول الموقف من العلوم العصرية والحضارة الحديثة ينسجم مع معالم الاتجاه السلفي حول هذه القضية، أهمية العودة إلى الدين وأن تكون نقطة الانطلاق منه، وأهمية طلب أسباب القوة والتقدم المادي الدنيوي دون تردد أو تكاسل (3) أو تخاذل؛ لأن ذلك من الدين، وفي أثناء طلب ذلك أن نضع لها التأصيل الإِسلامي المناسب حتى لا تدخل علينا بأمراضها المعروفة في الغرب، وأن نرفع عن المسلمين غبار الهزيمة النفسية الذي غطى عليهم فأعماهم عن رسالتهم التي شرفهم الله بها وهي حمل الدين ونشره في العالمين، ومن كان بهذه المهمة فلا يكون صغيرًا أمام الآخرين.
وكما لاحظنا فقد عالجها في أصولها، ورفع الاتهام الكاذب حول تردد الاتجاه السلفي في مسألة التقدم المادي والدنيوي، وهي تهمة يكثر الحديث عنها، ومن المهم لنا إبراز مواقف علماء الأمة التي تبين الحق حول الموضوع:
(1) انظر: المرجعين السابقين، الأول ص 43 و 49، والثاني ص 72.
(2)
انظر: (الدعوة إلى أسلمة العلوم) عند الشيخ في: الفكر التربوي عند الشيخ عبد الرحمن السعدي .. ، الرشودي ص 401.
(3)
ومن ذلك ردّه على من زعم أن الأيمان بالقدر (يحدث الفتور والاستسلام وعدم الحركة) في أهله، انظر: الدلائل القرآنية. . . . ص 38 - 40.
ليس فقط لإبطال دعاواهم، بل لتتجه الأمة إلى تحصيل ما ينفعها بقوة وعزم وهي تشعر أنها مأجورة على ذلك؛ لأنها تقوم بتحقيق جزء من دينها، وقد كانت هذه أكبر مشكلة وجدها الشيخ تستحق الرد والمعالجة، ولاسيما أن مشاكل العلوم والنظريات لم تظهر في بيئته، ولذا سنجد معالجتها فيمن ابتلوا بمشاكلها، واجتهادهم من جهة الشرع في إثبات الحق فيها.