الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
في أثناء حديث الدكتور محمد قطب عن الطغيان العلمي الذي تمارسه الكنيسة ورجالها ذكر بأنها تفرض "على العقول ألا تفكر في أمور الكون المادي بما تقتضيه الملاحظات والمشاهدات العلمية، وأن تلتزم بالتفسيرات الكنسية لما جاء من إشارات في التوراة عن شكل الأرض وعمر الإنسان، ولو خالفت هذه التفسيرات كل حقائق العلم النظرية والعلمية على السواء!
بدأت القصة، أو بدأت الزوبعة حين قال العلماء: إن الأرض كروية وإنها ليست مركز الكون. ويعرف التاريخ الأوروبي من أبطالها ثلاثة أسماء شهيرة غير الأسماء الأخرى التي لم تلمع على صفحات التاريخ، وهؤلاء هم كوبرنيكوس وجردانو برونو وجاليليو. ." (1). ولعل من المفيد إضافة "براهي" و"كبلر" و"نيوتن".
وأغلب هؤلاء كانوا في القرن السادس عشر الميلادي وبداية السابع عشر باستثناء نيوتن فقد كان عالم أوروبا في القرن السابع عشر (10 - 11 هـ)، وهذا يقودنا إلى ملاحظة ذكرها "توبي أ. هف" بأن:"القرن السادس عشر كان قرنًا من الابتكارات الفلكية التي أعادت ترتيب الكون بشكل جذري"(2)؛ أي: ترتيب الأخطاء المتصورة في العلم الفلكي الأوروبي عن الكون.
1 - مولد النظرية مع كوبرنيكوس:
وقد بدأت محاولات الترتيب مع كوبرنيكوس فيما يطلق عليه عادة "الثورة الكوبرنيكية"، وتذكر "الموسوعة العربية العالمية" بأن:"نهضة العلم ابتدأت في أوروبا عام (1543 م) بطبع كتابين دحضا التقاليد السائدة، كتب أحدهما الفلكي البولندي نيكولاس كوبرنيكوس، وكتب الثاني أندرياس فزاليوس، وهو عالم تشريح. . . ."(3)، وكتاب "كوبرنيكوس" هو "حول دوران الأجسام السماوية"(4) الذي
(1) مذاهب فكرية معاصرة ص 47، وانظر: تاريخ الفلسفة الغربية (الكتاب الثالث) الفلسفة الحديثة، راسل، ترجمة محمد الشنيطي ص 58 الذي خصّ أربعة بالذكر (كوبر وكبلر وجاليليو ونيوتن).
(2)
فجر العلم الحديث ص 358.
(3)
الموسوعة العربية العالمية 16/ 364.
(4)
قد يرد اسم شحص أو مفهوم أو كتاب بألفاظ مختلفة في الكتب المترجمة؛ وذلك كعادة المترجمين العرب في عدم اتفاقهم على ما يترجمونه، ومثاله هنا كتاب كوبرنيكوس، =
تحدى فيه "وجهة نظر بطليموس التي مفادها أن الأرض هي مركز الكون، وكانت نظرية بطليموس التي تقضي بمركزية الأرض تتطلب سلسلة معقدة من الحركات الدائرية كي تفسر مشاهدات الفلكيين بصدد الطريقة التي تتحرك بها الكواكب. فقد أدرك كوبرنيكوس أنه إذا كانت الأرض والكواكب الأخرى تدور حول الشمس، فإن ترتيبًا أقل تعقيدًا من الدوائر يمكن أن يفسر حركة الكواكب المنظورة، ولكن نظريته المتعلقة بمركزية الشمس لم تحدد بدقة حركات كل الكواكب. ."(1). وقد تردد كوبرنيكوس في إخراج نظريته، وكتابه المشهور صدرت طبعته الأولى وهو على فراش الموت، وما تداوله الناس إلا بعد موته، وبهذا تجاوز مشكلة مواجهة الكنيسة والجمهور العلمي. وقد عني الناشر بالتنبيه إلى أن كوبرنيكوس قدم نظريته على أنها مجرد فرض فلم يُثر الكتاب اعتراضًا كما يقول يوسف كرم، وهي نظرية "قال بها قبله أرسطرخس الفيثاغوري، وذكرها شيشرون في أحد كتبه، وقرأها كوبرنك، فعمل على تأييدها، أو بعبارة أصح، على بيان إمكانها"(2). وفي مقدمة الكتاب بقلم صديقه "أوسياندر" أكد على ذلك حيث قال بأن: "نظرية اعتبار الشمس مركزًا قدمت كفرض"، إلا أن "راسل" يلمح إلى عدم وجود يقين بصدد موافقة "كوبرنيكوس" على هذا الكلام، وقد أهدى كتابه إلى البابا، وكأنه نجا بذلك من إدانةٍ كاثوليكية رسمية حتى حلّت عليه زمن "جاليليو"(3).
كان كوبرنيكوس (1473 - 1543 م) رجل دين بولنديًا -أي: أنه من رجال الكنيسة المعتبرين- وبعد جولة له في إيطاليا عاد إلى موطنه، حيث كان كاهنًا فيها، هذا من جهة معتقده.
= فنجده هنا (حول دوران الأجسام السماوية)، وفي ترجمة محمد الشنيطي لكتاب راسل: تاريخ الفلسفة الغربية جعله (عن الدوران في فلك السماء)، وفي ترجمة فؤاد زكريا لكتاب راسل: حكمة الغرب نجده بـ (في دوران الأجرام السماوية)، وفي ترجمة شكري سعد لكتاب العلم في التاريخ لبرنال عنونه بـ (دورة الأجرام السماوية)، ولولا الإطالة لذكرت غير ذلك، هذا والمترجَم شيء واحد، وهو عنوان كتاب متفق عليه، فكيف سيكون الحال إذا كان المترجم هو موضوعات الكتب. ومثل ذلك أسماء الشخصيات والمقولات المهمة والمصطلحات العلمية أو الفلسفية.
(1)
الموسوعة العربية العالمية 16/ 364.
(2)
تاريخ الفلسفة الحديثة، يوسف كرم ص 18.
(3)
انظر: تاريخ الفلسفة الغربية (الكتاب الثالث) الفلسفة الحديثة ص 58 - 59.
أما الجوانب العلمية فقد كان أستاذ الرياضيات أثناء إقامته في روما، وعنايته بالفلك كانت في وقت فراغه، ومن خلال تأملاته الفلكية وبحوثه وصل إلى نتائج جمعها في كتابه الآنف الذكر، وهو يعد مؤسس علم الفلك الحديث.
ومما يُذكر عنه أنه درس في جامعة بادوا في إيطاليا، وهي جامعة اشتهر عنها العناية بالعلوم المنقولة عن المسلمين، وكانت تمثل إحدى النقاط المهمة في تعرف الغرب على الشرق (1).
وخلاصة نظريته: أن للأرض حركة مزدوجة، دورة يومية حول نفسها، ودورة سنوية حول الشمس، وأن القمر يدور حول الأرض، وأن الأرض والقمر والكواكب الأخرى كلها تدور حول الشمس، مع إثبات كروية الأرض ككروية القمر وغيره مما يشاهد في السماء، وبيّن بالتفصيل أنه بهذه النظرية يمكن تفسير جميع المظاهر الفلكية، وجعل دورانها حول الشمس في حلقة دائرية تبعًا للاعتقاد الفلسفي اليوناني بأن الدائرة أكمل الأشكال الهندسية والله سبحانه لا يخلق إلا الأفضل (2).
وقد ذكر غير باحث بأن لـ "كوبرنيكوس" عبارات في تعظيم الشمس، ومنهم من حملها على المجاز، ومن ذلك ما قاله فيها بعد وصف الأفلاك:"في الوسط تجلس الشمس على عرشها، ومن معبدها المنير يشع نورها على الكون كله، ومن الحكمة أن نسميها بالمصباح المنير أو العقل المدبر أو حاكم الكون، وسماها الإله المنظور. ."(3).
لقد كانت هذه النظرية بما خلفها من نظريات وحسابات وما بعدها من نتائج وحقائق، جديدة على المجتمع الغربي، وجديدة على الأوساط الفكرية العلمية الدينية، إلا أنها لم تكن جديدة على بيئات أخرى لاسيّما علم الفلك في بلاد المسلمين، يقول توبي: "فمن المتفق عليه الآن بشكل عام أن التصور الكوبرنيكي الجديد للكون لم يقم على ملاحظات جديدة مذهلة أو أساليب
(1) انظر: ما قاله د. حسن حنفي في كتابه: مقدمة في علم الاستغراب، في الهامش رقم (279) ص 177.
(2)
انظر: تاريخ الفلسفة الغربية، راسل ص 58، وانظر: العلم في التاريخ، برنال 2/ 48.
(3)
العلم في التاريخ، برنال 2/ 48.
رياضية جديدة لم تكن معروفة لدى العرب" (1)، ذلك أن علماء الفلك في البلاد الإسلامية قد حاولوا تجاوز كتاب المجسطي المعتمد في باب الفلك في أغلب بلاد العالم آنذاك. ويشير باحث عربي -عبد الحميد صبرة- إلى أن عالم الرياضيات ابن الهيثم لعب دورًا مهمًا في حفز الفلكيين العرب لتجاوز بطليموس واليونانيين، حيث صرح في أثناء شرحه لكتاب "المجسطي" بأن الترتيبات المقترحة فيه لحركة الأجرام السماوية فاسدة، وأن الترتيبات الصحيحة لم تكتشف بعد (2)، فقامت بعده حركة فلكية كبيرة صححت كثيرًا من الأغلاط، معتمدة على الملاحظة والحساب. ولهذا احتار مجموعة من الباحثين بعد ظهور مجموعة كبيرة من كتب التاريخ للعلم العربي، بسبب هذا التشابه الكبير بين النتائج التي وصل إليها علماء في البلاد الإسلامية وبين ما عرضه كوبرنيكوس ومن بعده حول الموضوع نفسه، "وهذا التطابق الأساسي للنماذج هو الذي دعا نويل سويردلو لأن يسأل لا "عما إذا" كان كوبيرنكس قد تعلم نظرية مراغة بل "متى وكيف"" (3)، وأن هذا "الشبه بين النماذج الفلكية التي وضعتها مدرسة مراغة "ووصلت أفضل صورها على يد ابن الشاطر -وبين نماذج كوبيرنكس. . . . بلغ من الشدّة -باستثناء مركزية الشمس عند كوبيرنكس- حدًا دعا البعض إلى القول، دون تجاوز الحقيقة: "إن كوبيرنكس هو أشهر أتباع مدرسة مراغة، إن لم يكن آخرهم""(4).
وقد يستغرب بعض القراء ما أحيط بهذا الحدث من أهمية، وما أنيط به من آثار، وجعله مفتاحًا للثورة العلمية، ومفرقًا بين العلم القديم والعلم الحديث، مع أن بعض مواده قد قيل بها من أيام اليونان، فلم كل هذه الأهمية له؟! والحقيقة أن بعدنا الزماني والمكاني والثقافي عن الحدث قد لا يشعرنا بخطورته على التطورات الفكرية والعلمية في العصر الحديث، ومما يقربنا من تصور الحدث هو التذكر بأن أوروبا عاشت قرونًا طويلة لاسيّما ما اصطلح عليه العصر المدرسي الذي غلب عليه ثقافيًا كُتب تُشرح وتدرس وتُدرّس وتكرر دون إحداث شيء جديد، ومع الأيام تحولت تلك المواد المدروسة إلى مسلمات عقدية يصعب
(1) فجر العلم الحديث ص 354.
(2)
انظر: المرجع السابق ص 71.
(3)
فجر العلم الحديث ص 70.
(4)
المرجع السابق ص 72.