الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الإنتاج المتوفر من مصادره كما عرضنا حياة أصحاب الفنون المدروسة، وقدرنا جهدهم لأنهم أنتجوا في ظرف صعب للغاية، مما أدى بعدد منهم إلى التشرد والعيش في حالة خوف، وهي ظروف غير ملائمة للأعمال الفنية بطبيعتها.
المسرح عشية الثورة
بالنسبة للمسرح هناك روايات عديدة مثلت عشية الثورة، وكان المسرح نشطا بممثلين لهم تجربة ترجع إلى بداية العشرينات من القرن الماضي.
تعرضنا في مكان آخر لتاريخ المسرح في الجزائر وكونه يرجع إلى العشرينات من القرن الماضي، وزيارة فرقة جورج أبيض المصرية سنة 1921، كما تعرضنا إلى مشكلة اللغة (هل هي الفصحى أو العامية، وهي على كل حال مشكلة ليست خاصة بالجزائر إذ تناولها كتاب معروفون مثل ميخائيل نعيمة وأحمد حسن الزيات، ومجاراة الجمهور في رغبته أو الارتفاع بذوقه، والمواضيع: هل تكون تاريخية أو اجتماعية أو للتسلية، ثم محاولات علالو ودحمون ورشيد القسنطيني وباش تارزي، وهل مهمة الممثل تنتهي عند إرضاء الجمهور وإضحاكه أو تبليغ رسالة له، وكيف سيطر القسنطيني على المسرح حتى اعتقد الناس أن وجود المسرح مرهون به، وقد بقي تأثيره إلى أوائل الخمسينات، كما ظهرت مشكلة التأليف المسرحي وغياب النصوص وجهل الممثلين وعدم أهليتهم لأداء دور المبلغ المثقف، وعقيدة الناس في أن الممثل ما هو إلا إنسان ساقط اجتماعيا وأخلاقيا، وغياب المرأة في المراحل الأولى من تطور المسرح (1).
وقد عرفنا أيضا من ثقافة هذا العصر أن اللذين قاما بدراسة تاريخ المسرح الجزائري بالفرنسية هما الأخوان سعد الدين ورشيد بن شنب، وأخبرنا أحد كتاب المنار أن عثمان الكعاك قد ترجم بحث معد الدين بن شنب عن المسرح
(1) ارجع إلى كتابنا التاريخ الثقافي، والمنار 10، 22 أكتوبر، 1951.
الجزائري إلى العربية ونشره في حلقات في مجلة (الثريا) التونسية، ويرى الكاتب أن التدخل السياسي قد منع المسرح من التطور وأن الاستبداد، كما قال، هو الذي أبقى المسرح في دائرة دار المهابل، وتاج العروسة، وفاطمة المقرونة، وأمثالها، وهي روايات في نظره لا تقدم شيئا مفيدا للمجتمع، وأرجع هذا الكاتب عدم تطور المسرح أيضا إلى عدم تطوير لغة الأداء، ورأى أنه إذا كان لا يمكن تقديم المسرحيات باللغة الفصحى فعلى الأقل بلغة تقرب منها، وأخبرنا أن يوسف وهبي قد حبذ هذا المنحى، ومع ذلك تبقى مشكلة التأليف المسرحي لأنه لا أحد قدم مسرحية في مستوى عالمي باستثناء (المولد) لعبد الرحمن الجيلالي، (وبلال) لمحمد العيد آل خليفة، و (حنبعل) لأحمد توفيق المدني، وأخبرنا هذا الكاتب أيضا أن رواية المولد قد مثلت في أهم الإذاعات العربية في العالم بما فيها إذاعات لندن ونيويورك وباكستان ومصر
…
وإذا عجزنا عن التأليف فعلينا أن نعرب الإنتاج الأجنبي رغم أن هذا المنحى قد يضعف دور المسرح عندنا (1).
إن عدم وجود النصوص هو الذي جعل أهل المسرح يلجأون إلى وسائل أخرى مثل الاقتباس أو الترجمة أو الرجوع إلى التراث، فهذه رواية (عائشة القادرة) اقتبسها عبد الرزاق كرباكة التونسي من ألف ليلة وليلة، وخلاصتها أن فتاة يتيمة خدعها الخادعون واغتصبوا منها تركتها من العقار والمتاع فقررت الانتقام من المجتمع، وخصوصا الرجال، حتى أصبحوا لها طائعين كالخاتم في الإصبع، مثلت دور البطولة فيها شافية رشدي ومعها الموسيقي صالح المهدي ومعهما كوكبة من الفنانين جاءوا ضمن الفرقة التونسية إلى الجزائر.
ويبدو أن هذه الفرقة التونية كانت تتردد على الجزائر حتى أن أحد كتاب المنار تمنى أن تعمم التجربة ويصبح هناك تبادل للفرق الفنية بين البلدين (2).
(1) المنار 11، 8 ديسمبر، 1951.
(2)
المنار 1، 11 أبريل 1952.
كما اقتبست رواية (ولد الليل) من ألف ليلة وليلة أيضا، ولا ندري ما رسالتها السياسية والاجتماعية، فهي تمثل ملكا جائرا عاث فسادا في رعيته لكن ابنه انقلب عليه وخلص الناس من شره، وقد انتقد بعض النقاد طريقة التمثيل لأن الملك الجائر لا يظهر إلا في الفصل الأخير، أما قبل ذلك فالناس كانوا غاضبين عليه وكانوا يتحدثون عن ظلمه ولكنهم لا يرونه شخصيا، وفي الرواية موسيقى وطرب، وهي من اقتباس محيي الدين باش تارزي، كما أنها خليط من المأساة والملهاة والدراما (1).
أما مسرحية (عائشة بوزبايل) فقد قيل إنها من صميم الأدب الخيالي الجزائري، وليس لها أصل في التاريخ ولا مؤلف، وموضوعها هو محاولة هروب عائشة وزوجها من سجن الملك وانتباه الحراس لهما، ثم إنعام الملك عليهما بالعفو مما أدخل السرور عليهما، ويبدو أنها مسرحية ملهاة أثارت كثيرا من الضحك والتسلية على يد محمد التوري وكلثوم وحبيب رضا، وقد نصح الناقد بعدم اللجوء إلى التقليد الأعمى للموسيقى المصرية وتمنى أن يبدع الجزائريون موسيقى خاصة بهم (2).
قدم المسرح أيضا مسرحيتين أخريين الأولى بعنوان (منيب) المترجمة عن الفرنسية، ولم تقدم جديدا حسب بعض النقاد، أما المسرحية التي جاءت بالجديد فهي (كيد النساء) التي أبدع باش تارزي في تأليفها وجعلها تتلاءم مع الذوق الجزائري ووصف فيها أخلاق النساء اللائي يخربن البيوت كما أخرجن آدم من الجنة، والشخصيات التي مثلت الرواية جديدة أيضا بمن فيهم المرأة التي كادت للرجال وأتقنت دورها، وهي نورية، ومن رأي هذا الناقد أن المسرحية جعلت المسرح الجزائري يقفز من طور الصبا إلى طور الشباب والفتوة (3).
(1) من مقال كتبه ابن البشير، المنار 2، 25 أبريل 1952.
(2)
لمنار 3، 9 مايو 1952.
(3)
لمنار 12، 28 نوفمبر 1952.
وهناك رواية تمثل حالة اجتماعية متداولة وهي صراع تقليد الأجانب (الفرنسيين) أو التمسك بالتقاليد الاجتماعية الإسلامية، فالبطل هنا ابن باشاغا كان متزوجا من امرأة مسلمة من بيئته، ثم وقع في شرك امرأة إفرنجية مستهترة غيرت مجرى حياته، ودخل في الانتخابات والسياسة، ولكنه في نهاية المطاف طلق هذه المرأة وهرب إلى زوجته الأولى التي بقيت محافظة على تعاليم الإسلام، وقد اعتبرت الرواية من أفضل ما أنتجته القريحة الجزائرية عندئذ، رغم أننا لا نعرف مؤلفها، ولا شك أن كون الموضوع اجتماعيا/ سياسيا هو الذي أعطاها هذه الأهمية، فهو يتعرض للعلاقة بين المعمرين والمتعاملين الجزائريين معهم (1).
في فاتح سنة 1953 مثلت على خشبة المسرح رواية (تحيا الأخوة) من تأليف الشيخ بودية مرسلي الذي قال عنه أحد النقاد إنه لم يدرس الأدب المسرحي، رغم أنه سبق له التأليف فيه، ومن رواياته (أجبذ يماهم)، وهي رواية فاشلة حسب بعض النقاد، أما رواية تحيا الأخوة فقد مثلها باش تارزي ومحمد التوري، ويبدو أنها تعرضت إلى أشخاص بأعيانهم وربما كانت أنجح من أختها (2).
وتأتي بعد ذلك رواية سوفكليس (أنتيقون)، وهي الرواية التي ترجمها طه حسين عن الأدب اليوناني القديم، ومن تعاليق النقاد عليها أن الرواية مليئة بالعواطف والمشاعر المتصارعة والجياشة لشخصيات ذات وزن، ومن الصعب على العامية أن تعبر عن هذه العواطف التي تعتمل في شخصيات الرواية مما يدل ربما على أن الممثلين قد أدوها بالعامية وليس بالفصحى، وقد مثلتها كوكبة من الممثلين والممثلات (3).
ومن الروايات التي لفتت الأنظار رواية (الآغا مزغيش)، وقد قيل إن
(1) المنار 14، 26 ديسمبر 1952.
(2)
المنار 18، 27 فبراير 1953.
(3)
المنار 27 فبراير 1953.
موضوعها غير جديد لأن أناتول فرانس قد عالجه من قبل، ومن ثمة يكون موضعها مقتبسا، وعلى كل حال فإن بطلها قد مثله حسن الحسني، فالبطل قد اتهم بإهانة مارشال فأدخلوه السجن وحين خرج من السجن هتف يحيا المارشال فأعادوه إلى السجن، فاحتار البطل في أمره: هل يمدح المرشال أو يذمه (1)).
ولم تكن المسرحيات كلها اجتماعية أو للتسلية بل كان منها ما هو احتفالي بالمناسبات الدينية والتاريخية، فبمناسبة المولد النبوي الشريف أقام باش تارزي حفلة، مثلت أثناءها رواية بطل قريش لمحمد الطاهر فضلاء، وبعد التمثيل أقيمت حفلة طرب المدائح الدينية شارك فيها منشدون أمثال عبد الرحمن عزيز وعلي معاشي (2).
من الروايات التي لفتت انتباه النقاد وأثارت كتابات في الصحافة رواية (الصحراء)، وهي رواية تمثل كفاح ليبيا ضد إيطاليا، وقد قام فيها محمد الطاهر فضلاء بالدور الرئيسي وامتدح على أدائه الجيد، وقد سبق له أن مثل رواية أخرى بنجاح وهي (ليلى بنت الكرامة) ورواية (بطل قريش) التي تحمل رسائل للشعب عن تراثه وانتمائه، كما سبق له أن مثل المولد للجيلالي، ويبدو أن رواية الصحراء قد مثلها يوسف وهبي من قبل.
وما يلفت النظر بهذه المناسبة هو ما أثاره تمثيل الرواية مجددا من حديث حول الأداء بالفصحى أو بالعامية، فرواية الصحراء مثلت بالفصحى، ومع ذلك تجاوب معها الجمهور وصفق لها في الأماكن التي تستحق التصفيق، وأرجع أنصار الفصحى الدعوة إلى العامية إلى العجز عن التأليف بالفصحى وعدم التدرب عليها عند القيام بالتمثيل، ومن الذين انتقدوا تمثيلها بالفصحى مصطفى غريبي في جريدة (ليكو دالجي) فقد قال إن العامية تجعل فائدتها أكثر (3).
(1) المنار 1، 9 يناير 1953.
(2)
المنار 15 يناير 1953.
(3)
المنار 16، 23 يناير 1953.
ويبدو أن العناية بالتمثيل والمسرح بلغ درجة متقدمة من الاهتمام عشية الثورة، فبالإضافة إلى التمثيل ظهرت جمعيات وفرق في العاصمة وغيرها مثل قسنطينة، كما أعلن عن بعض المسابقات لتشجيع المواهب في هذا الميدان، من ذلك فرقة هواة المسرح التي أنشأها محمد الطاهر فضلاء بالعاصمة والتي كان هدفها هو الارتقاء بالتمثيل العربي لكي يؤدي رسالته على خير وجه، وقد أعلنت فرقة الهواة أن بداية موسمها سيكون نهاية ديسمبر 1953 بسينما الجمال وأنها ستفتتحه بتمثيل مسرحية (بيومي أفندي) ليوسف وهبي، كما أعلنت لجنة تسمى لجنة تنظيم مسابقة الجائزة المسرحية بشمال إفريقيا لمن يؤلف مسرحية بالعربية أو بالفرنسية في موضوع يتصل بشمال إفريقيا، ولكننا لم نطلع على شروط المسابقة ولا على من تقدم لها بعد ذلك (1).
ولا ندري إلى أي مدى كان هناك تعاون بين المسرح الجزائري والمسرح الفرنسي فيما يتعلق بالتمثيل والاقتباس والترجمة والقيام بجولات داخل الجزائر أو خارجها، فالمسرح الجزائري لا يملك مكانا خاصا به، وهو يعتمد في نشاطه على تسهيلات المسرح الفرنسي (الأوبرا في العاصمة والمسارح الجهوية في قسنطينة ووهران وعنابة
…
)، وقد وجدنا من يكتب عن المسرح الفرنسي على أنه هو الجزائري عندما تحدث أحدهم (مصطفى غريبي) عن أول مهرجان جزائري للمسرح (2).
وبالإضافة إلى المسرحيات التي أتينا على ذكرها عرضت في الجزائر المسرحيات التالية التي ظهر بعضها على شاشة التلفزيون أو مثلت على الأثير في الإذاعة الفرنسية: منها تمثيلية إذاعية بعنوان (الأمير السعيد)، وهي قطعة فكاهية كتبها فؤاد سليم، ثم مسرحية القديس أوغسطين ومسرحية غوستاف فلوبير، وكلاهما مثلت في الإذاعة، ولمحمد الطاهر فضلاء وغيره مسرحيات عديدة
(1) المنار 51، أول يناير 1954.
(2)
هنا الجزائر، 26، يوليو 1954، أنظر لاحقا.