المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

فسجنوا، ولكن أحدهم تمكن من الفرار بينما بقي الثلاثة الآخرون - تاريخ الجزائر الثقافي - جـ ١٠

[أبو القاسم سعد الله]

فهرس الكتاب

- ‌الجزء العاشر

- ‌المقدمة

- ‌الفصل الأولعشية الثورة

- ‌‌‌الحالة الاقتصاديةوالإدارية والسياسية

- ‌الحالة الاقتصادية

- ‌الحالة الإدارية والسياسية

- ‌جبهة الدفاع عن الحرية ومسألة الاتحاد

- ‌انشقاق في حزب الشعب

- ‌جمعية العلماء المسلمين الجزائريين

- ‌الحالة الاجتماعية

- ‌الكشافة الإسلامية

- ‌جمعيات رياضية وطلابية

- ‌جمعيات جزائرية في تونس

- ‌جمعيات أخرى

- ‌الشؤون الإسلامية

- ‌رجال الدين والمساجد

- ‌الزوايا والتعليم والمحافظة على السند

- ‌الأوقاف

- ‌القضاء

- ‌الحالة الثقافية

- ‌التعليم

- ‌تباشير نهضة تعليمية

- ‌التعليم العربي الرسمي

- ‌التعليم العربي الحر

- ‌معلمو جمعية العلماء

- ‌بعثات جمعية العلماء

- ‌اللغة العربية

- ‌من قضايا الثقافة والأدب

- ‌الأدب وجبهة الدفاع عن الحرية

- ‌الفصل الثانيالثقافة في نصوص الثورة

- ‌الثقافة في بيان أول نوفمبر

- ‌برنامج أول نوفمبر

- ‌لغة البيان ومضمونه

- ‌الثقافة في مؤتمر الصومام

- ‌الثقافة والحكومة المؤقتة

- ‌الثقافة في تقرير لجنة صبيح

- ‌الثقافة في اتفاقيات إيفيان

- ‌العلاقة الثقافية بين ما جاء في تقرير صبيح واتفاقيات إيفيان

- ‌الثقافة في نصوص الطلبة

- ‌للثورة إيديولوجيتها الخاصة

- ‌الثقافة في الإعلام الرسمي

- ‌الثقافة في برنامج طرابلس

- ‌الفصل الثالثالهوية الثقافية والأدباء بالفرنسية

- ‌النظام التربوي والإسلام وتعليم التاريخ

- ‌أبعاد الهوية الثقافية

- ‌تراشق المثقفين

- ‌ابن نبي عن رمضان عبان

- ‌ابن نبي عن فانون

- ‌مصطفى الأشرف

- ‌هجرس وابن زين

- ‌حالة فرانز فانون

- ‌اضطهاد المثقفين

- ‌الجرح المتعفن

- ‌أدباء اللغة الفرنسية

- ‌مقدمات

- ‌محمد ديب

- ‌كاتب ياسين

- ‌مولود معمري

- ‌مولود فرعون

- ‌مالك حداد

- ‌آسيا جبار

- ‌شعراء بغير العربية

- ‌جريدة المجاهد والقومية العربية

- ‌الفصل الرابعالإعلام في الثورة

- ‌الصحافة

- ‌صحف جمعية العلماء

- ‌صحف حزب الشعب

- ‌صحافة الحزب الشيوعي وحزب البيان

- ‌صحف أخرى

- ‌مجلة هنا الجزائر

- ‌جريدة الباتريوت (الوطني)

- ‌جريدة الجزائر العربية

- ‌الصحافة المدرسية

- ‌الصحافة أثناء الثورة

- ‌صحافة جبهة التحرير

- ‌رأي زهير إيحدادن

- ‌جريدة المجاهد

- ‌النشرات الداخلية

- ‌أصوات الجزائر

- ‌صوت الجزائر الحرة المجاهدة

- ‌صوت الجزائر من الإذاعات العربية

- ‌محتوى صوت الجزائر (صوت الجمهورية الجزائرية)

- ‌تطورات جديدة

- ‌فضل الإذاعات العربية

- ‌الإعلام الفرنسي أثناء الثورة

- ‌تطور الإذاعة الفرنسية في الجزائر

- ‌التلفزيون

- ‌التلفزيون بين لاكوست وسوستيل

- ‌التلفزيون والسينما:

- ‌تنظيم المكاتب الإعلامية للجبهة

- ‌إنشاء وكالة الأنباء الجزائرية

- ‌الندوات والمؤتمرات والمحاضرات

- ‌الفريق الوطني لكرة القدم

- ‌أعمال الوفد الخارجي للجبهة

- ‌المسؤول السياسي

- ‌الفصل الخامسالتعليم والتنظيمات الطلابية

- ‌التعليم: إحصاءات متنوعة

- ‌التعليم الحر

- ‌التعليم في إحصاءات جبهة التحرير

- ‌ملاحظات على التعليم والجبهة

- ‌التعليم والسكان

- ‌إحصاءات مجلة جون أفريك

- ‌إحصاءات أخرى

- ‌التعليم العسكري

- ‌أنشطة الطلبة في تونس والمغرب

- ‌الطلبة في المشرق العربي

- ‌من نشاط الطلبة في المشرق العربي

- ‌رابطة طلبة المغرب العربي

- ‌رابطة الطلبة الجزائريين في القاهرة

- ‌من نشاط الطلبة في القاهرة

- ‌ رابطة الطلبة الجزائريين في المشرق العربي

- ‌نشأة الاتحاد العام للطلبة المسلمين الجزائريين (لوجيما)

- ‌اضطهاد طلبة الاتحاد

- ‌ظروف إضراب الطلبة، 1956

- ‌تقرير عن طلبة المشرق العربي، 1959

- ‌المؤتمر الرابع للاتحاد

- ‌المنح والاتحاد والجبهة

- ‌دور الاتحاد في الخارج

- ‌مذكرة الاتحاد إلى هيئة الأمم

- ‌التعليم الابتدائي:

- ‌التعليم الثانوي:

- ‌التعليم العالي:

- ‌التعليم العربي:

- ‌الفصل السادسالمسرح والموسيقى والغناء

- ‌المسرح عشية الثورة

- ‌المسرح أثناء الثورة: باش تارزي

- ‌مجلة مصرية تكتب عن المسرح الجزائري

- ‌من شهرزاد إلى أبناء القصبة

- ‌من نشاط الفرقة الوطنية الفنية

- ‌استمرار النشاط المسرحي

- ‌المسرح الثوري:

- ‌الحاجز الأخير

- ‌مصرع الطغاة

- ‌الموسيقى والغناء

- ‌آراء في الموسيقى

- ‌رأي باربيس في الموسيقى

- ‌رأي عمر راسم في الموسيقى

- ‌تعليق على الموسيقى والغناء

- ‌الأخوان فخارجي

- ‌بعض الموسيقيين والمغنين

- ‌الفصل السابع‌‌السينماوالرسم والمكتبات والخطاطة والمتاحف

- ‌السينما

- ‌الرسم والمعارض الفنية

- ‌محمد راسم

- ‌عمر راسم

- ‌رسامون آخرون

- ‌فنانون أوروبيون

- ‌معارض أخرى

- ‌رسوم الطاسيلي

- ‌المكتبات

- ‌المكتبة الجامعية

- ‌مكتبات جهوية

- ‌الخطاطة

- ‌محمد سعيد شريفي

- ‌عبد الحميد اسكندر

- ‌سعدي حكار

- ‌المتاحف

- ‌المتحف الوطني للفنون الجميلة

- ‌الفصل الثامنأنواع النثر

- ‌المصادر

- ‌المقالة

- ‌مسألة الفصحى والعامية والفرنسية

- ‌بعض كتاب المقالة

- ‌الشيخ الإبراهيمي

- ‌أحمد رضا حوحو

- ‌عثمان سعدي

- ‌عبد الله شريط وآخرونه

- ‌الخطابة

- ‌الترجمة

- ‌القصة والرواية

- ‌حوحو ونماذجه البشرية

- ‌عبد الله ركيبي

- ‌ نفوس ثائرة

- ‌الركيبي عن تطور القصة

- ‌تجارب في القصة

- ‌زهور ونيسي ورصيفها النائم

- ‌الحبيب بناسي

- ‌عثمان سعدي وابن عيسى

- ‌أبو العيد دودو

- ‌الطاهر وطار

- ‌صور من البطولة في الجزائر

- ‌عبد الحميد بن هدوقة

- ‌قصاصون آخرون

- ‌اضطهاد أدباء العربية

- ‌الفصل التاسعالشعر

- ‌المصادر

- ‌حالة الشعر والشعراء عشية الثورة

- ‌الأناشيد الوطنية

- ‌ألحان الفتوة

- ‌الشبوكي ونشيد جزائرنا

- ‌أناشيد مفدي زكرياء (ابن تومرت)

- ‌الشعر الثوري

- ‌محمد الشبوكي

- ‌مفدي زكرياء (ابن تومرت)

- ‌مواضيع أخرى لمفدي زكرياء

- ‌محمد الصالح باوية

- ‌عبد السلام حبيب

- ‌أبو القاسم خمار

- ‌محمد العيد آل خليفة

- ‌صالح الخرفي

- ‌عبد الرحمن الزناقي

- ‌الربيع بوشامة

- ‌عبد الكريم العقون

- ‌عبد الرحمن العقون (بلعقون)

- ‌أحمد معاش الباتني

- ‌صالح خباشة

- ‌الشعر الرومانسي

- ‌الطاهر بوشوشي

- ‌الشعر والربيع والحزن

- ‌محمد الأخضر السائحي

- ‌الشعر المحايد

- ‌الشعر الشعبي

- ‌الشعر الإخواني والاجتماعي والإصلاحي

- ‌شعراء آخرون

- ‌الحفناوي هالي

- ‌أبو بكر بن رحمون

- ‌أحمد سحنون

- ‌جلول البدوي

- ‌محمد الأمين العمودي

- ‌محمد الهادي السنوسي

- ‌محمد الأخضر عبد القادر السائحي

- ‌الفصل العاشركتب وكتابات

- ‌الدراسات التاريخية

- ‌كتابات ابن نبي عن التاريخ

- ‌كتابات الأشرف عن التاريخ

- ‌تاريخ الجزائر

- ‌تاريخ الجزائر العام

- ‌الأمير عبد القادر رائد الكفاح الجزائري

- ‌هذه هي الجزائر

- ‌محاضرات عن تاريخ الجزائر

- ‌الرحلات

- ‌رحلة الشيخ الغسيري

- ‌رحلة الشيخ الإبراهيمي

- ‌رحلة الشيخ التبسي

- ‌رحلة الباهي فضلاء

- ‌رحلة الشيخ العباس

- ‌رحلة المختار اسكندر

- ‌رحلة محمد الصالح رمضان

- ‌الدراسات الفلسفية

- ‌مالك بن نبي

- ‌أصول الحضارة العالمية

- ‌من وحي الثورة الجزائرية

- ‌كتب فرانز فانون

- ‌السنة الخامسة للثورة

- ‌الكادحون في الأرض

- ‌الدراسات الإسلامية والاجتماعية والسياسية والفانونية

- ‌الشؤون الإسلامية

- ‌ التاريخ الإسلامي

- ‌موقف الطرق الصوفية

- ‌الأوقاف الإسلامية

- ‌عن القضاء الإسلامي

- ‌القضاء والثورة

- ‌العدل عند جبهة التحرير الوطني

- ‌الثورة الجزائرية والقانون

- ‌دراسة الصادق مزهود

- ‌مقاصد القرآن

- ‌آيات وأحاديث

- ‌تفسير الشيخ بيوض

- ‌في طريق الهجرة

- ‌رسائل من السجن

- ‌ليل الاستعمار

- ‌صحراؤنا

- ‌الجزائر: الأمة والمجتمع

- ‌الطب والصحة العامة

- ‌انظروا أسلحتنا! انظروا أطباءنا

- ‌عن تاريخ الطب

- ‌وثائق عن الطب في الأرشيف

- ‌الفهارس العامة

- ‌ فهرس الأشخاص

- ‌ فهرس الأماكن

- ‌ فهرس الكتب والمجلات والجرائد

- ‌ فهرس الجمعيات والروابط

- ‌محتوى الكتاب

الفصل: فسجنوا، ولكن أحدهم تمكن من الفرار بينما بقي الثلاثة الآخرون

فسجنوا، ولكن أحدهم تمكن من الفرار بينما بقي الثلاثة الآخرون في السجن، فكانوا يقضون وقتهم في تذكر نجمة، لقد اكتشفوها بالتدرج ووقعوا في حبها جميعا، وهو الأمر الذي كان يشدهم إلى بعضهم، وكل منهم كان يجتهد في التعرف على نسبها الغامض، فابنة من هي؟ ومن أبوها؟ وهل أمها فرنسية حقا؟ إن عشاقها كثيرون، وإذا كنا قد عرفنا بعضهم، فمن هم الباقون؟ ومن أية سلالة هم؟ ولعل ياسين يشير بذلك إلى ادعاء الفرنسيين أن الغزاة كانوا يتداولون على الجزائر عبر مراحل التاريخ، فهي عشيقة الجميع، وليس لها أب واحد في هذه الحالة (1).

ولكن هذا الرأي لا نجده عند من انتقدوا نجمة، ونحن نرى ذلك قد يكون صحيحا لأن ياسين، بخلاف زملائه الأدباء، كانت له ثقافة تاريخية عبر عنها بكتابه المبكر عن الأمير عبد القادر واستقلال الجزائر.

‌مولود معمري

لم ينل مولود معمري حظه من الكتابة والتعريف مثلما نال زميلاه محمد ديب وكاتب ياسين، رغم أنه نشر إنتاجه مبكرا وكان أكبر منهما سنا، وهو بالنسبة إليهما من منطقة جبلية من قرية توريرت ميمون البعيدة عن الحواضر، ولد في 2 ديسبر 1917 وتعلم في قريته، ربما على يدي الآباء البيض الذين كانوا منتشرين في المنطقة، وأدى الخدمة العسكرية الإجبارية في الجيش الفرنسي خلال الحرب العالمية الثانية، فحارب الألمان والإيطاليين، ولا ندري إن كان قد أكمل دراسته الثانوية بطريقة منتظمة ولكننا نعلم أنه تولى التدريس في ثانوية ابن عكنون خلال الأربعينات، وبعد اندلاع الثورة تعرض للاضطهاد، وكاد يقتل لولا تدخل من بعض المثقفين الفرنسيين ومن السلطات نفسها فنفته سنة 1957 أو تركته يذهب إلى المغرب الذي نال استقلاله حديثا حيث عاش في كنف عمه محمد المعمري الوزير المقرب من ملك المغرب، وقد يكون مولود

(1) الآداب، مرجع سابق، ص 241.

ص: 176

قد درس أيضا في المغرب أثناء إقامته، وعلى كل حال فنحن لا ندري ما نشاطه الأدبي والسياسي أثناء هذه الإقامة، وهل عمل في مصالح جبهة التحرير هناك.

ومهما كان الأمر فقد رجع إلى الجزائر بعد استقلالها، وتولى قسم الدراسات الإثتية والأنثروبوليجية وتدريس البربرية في جامعة الجزائر متطوعا، ونشط في خدمة الثقافة البربرية حتى أصبح من رموزها المدافعين عنها وعن إحيائها، ومعظم نشاطه كان في مركز البحث الأنثروبولوجي والأثري الذي كان تابعا لوزارة التربية ثم الثقافة، وكان هذا المركز بؤرة يجتمع فيها دعاة وهواة الثقافة البربرية وأنصار الثقافة الفرنسية وأعداء استعادة الهوية العربية الإسلامية للجزائر، بمن فيها بعض الأجانب، وكان إلغاء أو تأجيل إحدى محاضرات معمري في جامعة تيزي وزو سنة 1982 سببا في أزمة بين السلطة وأتباعه، وفي سنة 1989 توفي في حادث وهو عائد من المغرب الأقصى أثناء عاصفة هوجاء، وقد عرفناه خلال الستينات والسبعينات بالجامعة فكان أديبا لبقا رقيق الحاشية كثير الحياء، ولكنه كان لا يرتاح للإسلام الذي يعتبره مسؤولا على تعريب البربر وفصلهم عن أوروبا، كما كان لا يتحدث إلا بالفرنسية رغم دفاعه الظاهر عن البربرية (القبائلية).

لمولود معمري أعمال أدبية قبل وبعد الثورة، ويهمنا هنا ما كتبه عشيتها وأثناءها، فقد نشر أول رواية وهي (الربوة المنسية) في باريس سنة 1953، ثم أردفها برواية (نوم الرجل العادل)، ولا ندري إن كان قد بدأ بقرض الشعر كما فعل زملاؤه، ولا محاولاته الأولى لكتابة القصة، ونعرف من اطلاعنا أن طه حسين كان من أوائل من كتب بالعربية عن الربوة المنسية، وهي القصة التي أثارت ضجتين: الضجة الأولى استقبال النقاد الفرنسيين لها ولصاحبها، خصوصا أنها لا تمس الاستعمار في الصميم وإنما تمس المجتمع الجزائري التقليدي المتمثل في شيخ القرية كرمز للتقاليد وللتراث الإسلامي والمجتمع الجديد المتمثل في الجيل الثائر على الأوضاع وعلى البطالة والأفكار القديمة، ولا ندري إن كان معمري قد اكتفى بذلك أو مس أيضا مسألة المرابطين ومسائل

ص: 177

أخرى حساسة في مجتمع القبائل كالعرف والمرأة والزوايا، ومهما كان الأمر فإن النقاد الفرنسيين رشحوا قصة معمري لجائزة لجان التحكيم الأدبية لسنة 1953 (سنة صدور القصة) احتفاء بهذا اللون من الأدب.

أما الضجة الثانية التي أثارتها رواية معمري فهي موقفه من الوطنية، فقد سببت له هذه الرواية الاتهام بخيانة القضية الوطنية وتلقى عليها العبارات الجارحة لكونه أساء بها في نظر النقاد إلى الوطن وأدان فيها المجتمع الأهلي دون أن يدين فيها الاستعمار الفرنسي، وسنتحدث عن ذلك بعد قليل.

تعرض الأديب والمفكر المصري أنور عبد المالك إلى حادث اختطاف وتغييب مولود معمري في الجزائر سنة 1957، فكتب مقالة في جريدة (المساء) المصرية تحت عنوان (كتاب الجزائر لن يخضعوا لإرهاب الاستعمار: مولود مامري (كذا) من الثورة الفردية إلى الكفاح الشعبي)، افتتح مقالته بقوله: منذ أيام قلائل كان مولود معمري (يكتبه مامري) مهددا في حياته، ففي 5 أبريل 1957 هاجمت إحدى الدوريات المسلحة منزله بمدينة الجزائر واختطفته، ولم يعرف مصيره، فاجتمعت لجنة من الكتاب الفرنسيين في فرنسا، وفيها أراغون، وسارتر، وروا وأرسلت برقية احتجاج إلى الحكومة الفرنسية، ثم مرت الأيام، واعتقد الناس أنه قتل

ثم وردت الأخبار أنه غادر الجزائر إلى الرباط وأنه هناك يعيش في دار عمه سي معمري الوزير بالحكومة المراكشية، ويرى أنور عبد المالك أن الإبعاد قد يكون تم بقرار من السلطات الفرنسية نفسها، وما يلفت النظر هنا أن الأدباء الفرنسيين والسلطات الفرنسية لم تتحرك حين خطف وقتل، في نفس الفترة، أدباء وعلماء جزائريون آخرون أمثال أحمد رضا حوحو والشيخ العربي التبسي والربيع بوشامة، وعبد الكريم العقون.

ويرى أنور عبد المالك أن مولود معمري قد أتم دراسته في مراكش وباريس، وأصبح مدرسا للأدب في ثانوية ابن عكنون (الجزائر)، وأن روايته (الربوة المنسية) قد عبر فيها عن سخط أبناء الأسر الكبيرة نتيجة أعمال

ص: 178

الاستعمار (؟)، ولكن الرواية لم تتجاوز مجال الخط ولم تصل إلى درجة الثورة أو القيام بعمل إيجابي، إنها تمثل الصراع بين القديم والجديد في القرية وعلى مستواها فقط ولا تتجاوزها إلى الوطن الجزائري، ويمثل النموذج القديم شيخ القرية الذي كان يصرخ دائما في الشباب بأنه جيل ملعون، أما الجديد فيمثله شباب القرية، وفيهم هذه الأسماء التي يبدو أن بعضها غير إسلامي وهي: مدور، ومناخ، ووالي ومقران ورافع وموك، فقد كان هؤلاء كلهم ساخطين على الفقر والضعف والركود، فثاروا على آبائهم، كان هؤلاء الآباء هم المسؤولين على ما حدث لهم وللجزائر من بؤس، وكأن الاستعمار غير موجود في المنطقة ولا يتحمل أية مسؤولية، ويقول عبد المالك إن حدوث الثورة هو الذي فجر الدموع والحزن لدى الأمهات على أولادهن، ثم تنتهي بذلك الرواية نهاية سوداء لأنها ليست رواية ثورية وإنما هي رواية سخط، فقد انفض الشباب وتشتتوا ورضخ مقران لضغط التقاليد فانفصل عن زوجته لأنها لم تنجب له ولدا ذكرا وعاد الغبار إلى القرية.

فكيف يصح هذا الحكم على نهاية الرواية مع أنها نشرت عشية الثورة، هل تنبأت الرواية بحدوث الثورة؟ هل هناك خطأ في تصور الناقد أنور عبد المالك، إن المرجح هو أن هذا الكاتب إنما خلط بين الربوة والرجل العادل أي بعد أن سخط الوطنيون على معمري واتهموه بالانحراف وربما حتى بالخيانة فعاد في (نوم الرجل العادل) ليهاجم الاستعمار مباشرة ويجعله هو المسؤول عما حل بالجزائر من مآس، وبذلك اقترب معمري من الخط الوطني وأدرك أن هناك وطنية جزائرية، وأن الجيل القديم ليس هو المسؤول عما حدث للجزائر، إن هذه الأفكار وما يماثلها موجودة في رواية (نوم الرجل العادل) الصادرة سنة 1957 وليس في الربوة المنسية الصادرة سنة 1953.

اكتشف معمري - كما قيل - الوطنية الجزائرية إذن في روايته الثانية، وقد جعل أحد أبطاله فيها يجيب كلما سئل عن سبب تصرفاته (أنا جزائري)، كما اكتشف معمري أن الوطن هو وطن الشعب العامل، وليس الراكد الخامل، وأن

ص: 179

الأغنياء قد تنكروا للوطن ووالوا الاستعمار، واكتشف أيضا أن الاستعمار يقوم على نظام سياسي مدروس وعلى فلسفة معادية للإنسان والأخلاق، وأن الماضي والحاضر يمثلان خطا واحدا متصلا، وأن الجيل القديم هو الذي مهد الطريق للجيل الجديد وأنه هو الذي ربط بين نضال الأجداد ضد الاحتلال في القرن التاسع عشر وبين الثورة الأخيرة وأن الجميع في سجن كبير يسمى الجزائر، وقد خاطب معمري قومه بأن يضعوا ثقتهم في الكفاح الشعبي لأن شعارات 1789 ما هي إلا شعارات مزيفة.

ولنعد قليلا إلى نوفمبر 1956 فقد بعث معمري برسالة من الرباط إلى أحد أصدقائه يقول فيها: إنه لم يعد يكتب منذ أكثر من سنة وإنه لا يوجد ما يستحق الكتابة عدا المأساة الكبرى والدموع ودم الأبرياء، وقال له إن المجرم الحقيقي والوحيد هو الاستعمار، ولكنه هو لا يدين الرجال وإنما يدين النظام، وإنه يعتبر الرجال الذين يزدهرون في ظل الاستعمار هم المنافقون والخونة (1)، والظاهر أن معمري الذي أصبح تحت حماية عمه في المغرب، وجد الفرصة مواتية ليواصل تعلمه، لأنه عندما رجع إلى الجزائر بعد الاستقلال باشر التعليم في إحدى الثانويات، كما رأينا.

وبعد أكثر من عشر سنوات من نشر الرواية الثانية لمعمري وخمس عشرة سنة من نشر الرواية الأولى، كتب الأديب محمد الصالح دمبري مقالة موثقة بالفرنسية عنوانها (مجادلات حول الربوة المنسية) عن قصة ظهور الربوة المنسية لمولود معمري وردود الفعل الوطنية عليها، والظروف المحيطة بموضوعها، وقد ترجم المقالة إلى العربية حنفي بن عيسى ونشر الترجمة في مجلة الثقافة.

(1) هناك خطأ في التواريخ أيضا، فقد سبق لعبد المالك أن قال إن معمري قد نفي إلى الرباط سنة 1957، والآن يتحدث عن مراسلة معمري من الرباط سنة 1956، فكيف نوفق بين هذا وذاك؟ أنور عبد الملك، جريدة المساء المصرية، 12 مايو، 1957.

ص: 180