الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الشعر المحايد
بالإضافة إلى الشعر الرومانسي نشرت هنا الجزائر شعرا آخر ينتمي إلى التيار الإصلاحي أو الإخواني والاجتماعي والديني والوصفي، ومن الشعراء الذين تعاطوا هذه كل هذه الأنوع أو بعضها الهادي السنوسي وابن ذياب والأكحل، ويمكننا وصف هذا النوع من الشعر المنشور في هنا الجزائر بالشعر المحايد أو غير المنحاز، فهو يتناول الدين والرثاء والطبيعة والمخترعات ولكنه ظل بعيدا كل البعد عن السياسة والوطنية والثورة.
وإذا ما نقل كابت عن شاعر أو درسه فإن الأشعار المنقولة تظل بعيدة عن ساحة السياسة، سواء كان التقل من الأدباء العرب أو الفرنسيين، فقد احتفلت (هنا الجزائر) بجبران خليل جبران، وأحمد زكي أبو شادي، وأبي القاسم الشابي، وعلي محمود طه، وإبراهيم ناجي، بل اهتمت بأعمال الشعراء في مؤلفات أخرى مثل ما فعل السائحي مع الشعراء الذين ضمتهم رسالة الغفران للمعري، وحديث ابن ذياب عن رابعة العدوية، وحديث جلول البدوي عن ديوان أحمد الخلوف، وهذا الحياد في المختارات الأدبية حصل في النثر أيضا.
الشعر الشعبي
احتوت (هنا الجزائر) على قطع من الشعر الملحون لابن التريكي، وابن الشاهد، وابن إسماعيل، والدحاوي، ورحاب الطاهر
…
في أغراض شتى، ولكن ليس منها الشعر السياسي أو الوطني، كما قلنا.
عاصر الشعر الشعبي الثورة وتغنى بها مثل ما تغنى بها الشعر الفصيح. وبقدر ما كان الشعر الفصيح قد احتضن الثورة باعتبارها حدثا وطنيا ضخما له مدلوله التاريخي والمستقبلي وله مغزاه في تثبيت الهوية واسترجاع الاستقلال بقدر ما كان الشعر الشعبي قد نظر إلى الثورة على أنها حدث كبير للتحرر من ربقة الاستعمار البغيض ومن قمع القوانين الاستثنائية الجائرة (الانديجينا)
والانتقام من عهد الإهانة والمذلة وسلب الأرض والاعتداء على العرض، وإذا كانت نصوص الشعر الفصيح مدونة في أغلبها فإن نصوص الشعر الشعبي لم تدون في أغلبها، ولذلك حفظ الفصيح وضاع الشعبي لأنه اعتمد على الرواية الشفوية والذاكرة، وهذه تذهب مع أصحابها ولا تحفظ في أوراقها.
ومن حسن الحظ أن بعض الباحثين قد اعتنوا بالشعر الشعبي واستخرجوه من ذاكرات أصحابه أو من رواته ودونوه ودرسوه فأصبح مرجعا للباحثين في تراث الثورة الأدبي، والشعر الشعبي قد دون بلهجة صاحبه وقومه، والجزائر وطن واسع الأرجاء مترامي الأطراف، وقد تعددت لهجاته بتنوع سكانه وتعدد جهاته، ورغم أن اللهجة العامية العربية أقرب إلى أن تكون هي اللهجة المشتركة التي يفهمها الجميع فإن لهجة الشعر الشعبي في كل منطقة تبقى ذات خصوصية لا يفهمها ويتعمق معناها إلا أهل تلك المنطقة أو البلدة، فنحن عند تدويننا للشعر الشعبي يجب أن نقول إنه منطوق بلهجة أهل كذا، ويجب أيضا أن نأتي بباحث أو حتى عارف من أهل هذه المنطقة ليحل بعض غوامضه ويكشف عن أسرار معانيه وتراكيبه.
وهكذا فعل بعض الباحثين كالعربي دحو الذي جمع ودرس الشعر الشعبي في منطقة الأوراس، وهي منطقة شاسعة غزيرة الإنتاج، خصص العربي دحو الجزء الأول من مدونته لدراسة الشعر وخصائصه اللغوية والفنية، والثاني للنصوص مع إخضاعها لمقاييس الفهم والتذوق، وقد لاحظ الباحث أن هذا الشعر قد اعتنى بالأسماء العربية والفرنسية الشائعة زمن الثورة مثل الجهاد والشبان وأوليدات (أبناء) العرب والشهداء والجنود والحزب الوطني (الوطنيون)، ومن الأسماء الفرنسية التي راجت في الشعر الشعبي: فرنسا وديغول والقومية (مصطلح يعني الجنود الجزائريين الاحتياطيين في الجيش الفرنسي)
…
كما مجل الشعر الشعبي حماس الشاعر والجماهير للثورة ووصف المعارك وتحركات جيش التحرير وهزائم العدو، واهتم بالأعلام والأماكن والعتاد الحربي المستعمل عند الطرفين، وسير المعارك، والسجون ومعاناة
المساجين واللاجئين والمحتشدات والمسؤولين، والبريد، ومساهمة الأشقاء من المغاربة والمشارقة والأصدقاء في دعم الثورة (1).
وفي هذا النطاق نشير إلى عمل الأستاذين جلول بن يلس وأمقران الحفناوي، وهو المقاومة الجزائرية في الشعر الملحون (الشعبي)، هذا الكتاب يتناول - كما يدل اسمه - شعر المقاومة والثورة، أي تدوين ما حفظته الذاكرة الشعبية من أشعار في الانتفاضات الوطنية التي حدثت عبر فترة الاحتلال، وهي فترة طويلة ولا يمكن الإحاطة بها لتعدد الانتفاضات من جهة والاعتماد على الذاكرة وحدها من جهة أخرى، ولا شك أن كثيرا من الشعر الشعبي قد ضاع مع أصحابه لأنه لم يدون أصلا.
أما ما يتعلق بثورة أول نوفمبر فإن الكتاب يتناولها بداية من صفحة 119. ولا شك أن الشاعر الشعبي قد فاضت قريحته وانطلقت عاطفته منذ فابتح نوفمبر ولكن التدوين هو الذي خانه، ومهما كان الأمر فإن المؤلفين المذكورين قد دونا قصائد تتعلق بمعارك محددة أو بثورة التحرير، وهي:
- معركة النسنيسة للشاعر المدني رحمون.
- ثورة التحرير للشاعر بوزيان (؟).
- ثورة التحرير للشاعر الحاج أحمد ولد البشير.
- ثورة التحرير للشاعر بلعباس محمد (ابن القائد).
- ثورة التحرير للشاعر عبد القادر المعسكري (العوفي).
- سجل معارك عديدة وقعت إبان ثورة التحرير للشاعر محمد بلماحي.
- ثورة التحرير للشاعر قزول الميلود.
- ثورة التحرير للشاعر عبد القادر بن شهرة.
(1) العربي دحو، الشعر الشعبي ودوره في الثورة التحريرية الكبرى بمنطقة الأوراس ج 1 - 2، م، و، ك، 1989، انظر أيضا كتابنا أبحاث وآراء في تاريخ الجزائر ج 3، شعر الشيخ ابن رحومة في معركة غوط شيكة.