الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
السجن لعبة كرة القدم حتى نال إعجاب السجناء، كما كان آيت يحيى الوناس، وهو رياضي من حي المدنية ومن تلاميذ ابن عتيق نفسه في مدارس جمعية العلماء، يعلمهم قواعد المصارعة اليابانية، إن الرياضة في عهد الثورة لم تعد للتسلية واللهو وإنما أصبحت ممارسة ثورية تهدف إلى تحرير الإنسان والوطن (1).
أعمال الوفد الخارجي للجبهة
قلنا إن مكتب الوفد الخارجي في القاهرة كلف بتسييره الشيخ أحمد توفيق المدني أثناء سفر محمد خيضر وأحمد بن بلة إلى مدريد فالرباط سنة 1956، فعند اختطاف الطائرة المغربية المتوجهة إلى تونس من قبل قراصنة الجو الفرنسيين كان فرحات عباس وعبد الرحمن كيوان يدعوان للثورة في أمريكا اللاتينية، والدكتور أحمد فرنسيس والدكتور الأمين دباغين في تركيا لنفس الغرض، وقد كان على المدني أن يقوم بملء الفراغ ريثما يعود هؤلاء جميعا إلى القاهرة ويتدارسوا ماذا يفعلون في ضوء التعليمات التي ستأتيهم من لجنة التنسيق والتنفيذ حديثة النشأة.
وتثبت الوقائع أن أعضاء الوفد الخارجي الذين لم يحضروا مؤتمر الصومام كانوا يجهلون كل شيء عنه، فقد انعقد في 20 أغطس 1956 وهم الآن في 22 أكتوبر وما تزال أخبار ذلك المؤتمر لم تصل إلى المعنيين بها في الخارج إلا في شكل إشاعات، فهم لا يعرفون بدقة برنامج الصومام ولا تكوين المجلس الوطني ولا لجنة التنسيق والتنفيذ ولا علاقة الخارج بالداخل، وفي ظل الوضع المتأزم على المستوى الشعبي والرسمي، العربي والدولي، كان على أحمد توفيق المدني أن يؤكد للحكومة المصرية والحكومات العربية وغيرها استمرار الكفاح، وأن يواجه الدعاية الفرنسية التي كانت تقول إن الجبهة قد
(1) مذكرات ابن عتيق، واسم يبرير موجود في قائمة الفريق الرياضي لكرة القدم أيضا.
انتهت وإن الثورة قد فشلت، كما كان عليه أن ينشط المكتبين السياسي والعسكري، وخاصة استمرار تدفق السلاح إلى المجاهدين، وهذا الجهد قد استمر بفضل التصريحات في إذاعة القاهرة وصوت العرب والمقابلات الصحفية وإصدار البرقيات الاحتجاجية للبلاد العربية ودول باندونج واستقبال مثلها، لقد كانت لحظة حرجة ووقتا عصيبا عاشته الثورة الجزائرية وبعض رجالها على الأقل.
وفي يوم 27 أكتوبر جرى اجتماع في القارة كلف فيه الدكتور الأمين برئاسة الوفد الخارجي نتيجة برقية وردت من رمضان عبان تاريخها سابق لاختطاف الطائرة، وبعد هذا الاجتماع بأيام وصلت معلومات أكثر تفصيلا عن مؤتمر الصومام وبرنامجه وعن تكوين المجلس الوطني ولجنة التنسيق والتنفيذ.
في هذه الأثناء حضر أحمد (علي) محساس إلى القارة وأعلن، كما فعل في تونس، معارضته لقرارات مؤتمر الصومام، وأن ابن بلة يقف أيضا ضد هذا المؤتمر لأنه مؤتمر (خان) مبادى الثورة والعروبة والإسلام، وكان محساس يحمل رسالة موقعة من ابن بلة يعينه فيها ممثلا له، لذلك كان على الوفد الخارجي أن يحل عدة مشاكل مستعجلة قبل أن يستفحل الأمر فيؤثر على الوضع في الداخل، وهي:
1 -
الاعتراف بمؤتمر الصومام ونتائجه.
2 -
مكافحة حملة الانشقاق (الإجرامية) التي يقودها أحمد محساس.
3 -
تأمين السلاح وتوصيله من مكتب طرابلس إلى تونس (1).
بعد التغلب على الأزمة المزدوجة (اختطاف الطائرة وانشقاق محساس) انطلق الوفد في تحقيق الأهداف التي حددها، وأهمها تأمين السلاح للثوار
(1) الأرشيف الوطني، علبة 3، من تقرير هام يحتوي على إحدى عشرة صفحة مرقونة، تاريخها من 22 أكتوبر 1956 إلى 20 أغسطس 1957.
وتكثيف الإعلام للثورة، انطلقت الوفود في مختلف الاتجاهات، وبالأخص داخل البلاد العربية حيث المال والسلاح والضغوط الدبلوماسية على فرنسا، وقد أصبح الدكتور الأمين دباغين هو قائد السفينة خارج الجزائر وكان عليه أن يعود إلى مبدأ القيادة الجماعية التي سارت عليها الثورة حتى ذلك الحين بحيث لا تتأثر الثورة بموت أو اعتقال أحد من قادتها، وكان الأمين (وهو طبيب بالمهنة) سياسيا من الحرس القديم في حزب الشعب يعمل أكثر مما يتكلم، وله شخصية تفضل الانطواء والعمل السري على الظهور والزعامة، وهو إذا قوبل بابن بلة يقف منه على طرفي نقيض في هذه الأمور الشخصية.
توجه وفد من جبهة التحرير إلى موسم الحج لعام 1957 ضم أحمد توفيق المدني والشيخ العباس بن الشيخ الحسين وعمر دردور، كان هذا التجمع الكبير للمسلمين فرصة للوفد لتوزيع أكثر من 3500 نسخة من كتيب يحتوي على معلومات أساسية عن الثورة، كما أذاع الوفد كلمات ست مرات في الإذاعة السعودية وعقد اجتماعات مع وفود عديدة وقام باتصالات، وخلال هذا الموسم أعلن الملك سعود بكل صراحة أنه يقف مع استقلال الجزائر ولن يتخلى عن دعمه إلى أن يتحقق هذا الاستقلال (1).
وقد عثرنا على رسالة من الوفد الذي توجه إلى باكستان موجهة إلى (حضرات الإخوان) بتاريخ 27 يوليو 1957 تصف اجتماعا حماسيا لصالح الثورة جرى في لاهور، وفي كراتشي وفي حيدر آباد عاصمة السند، وتحدثت الرسالة عن الحماس والتزاحم على الوفد الجزائري الذي اعتبره الناس كأنه من المسلمين الفاتحين الأولين، والغالب أن يكون الشيخ محمد البشير الإبراهيمي هو الذي كان يقود الوفد في باكستان لأن المصدر الذي رجعنا إليه يتحدث عن (الشيخ) دون الإفصاح عن اسمه، والمعروف أن الشيخ الإبراهيمي كان في
(1) الارشيف الوطني، علبة 3.
باكستان في تلك الفترة (1).
كما زار وفد جزائري السودان في فاتح سنة 1958، ومن بين أعضائه الهاشمي الطود والتارزي الشرفي، وقد تحدث التقرير عن الحماس الشديد الذي استقبل به الوفد في السودان من الحكومة والشعب، والتعلق بالقضية الجزائرية، وقد ركز التقرير أو الرسالة على شكر السودان على دعمه للقضية الوطنية مع رجاء المزيد منه دبلوماسيا وماديا وسياسيا
…
وفي رسالة من الدكتور دباغين إلى ابن يوسف بن خدة شكوى من كون اثنين من أعضاء الوفد، وهما الطود والشرفي، قد رجعا إلى القاهرة دون علم الوفد في السودان، والمعروف أنه كان للثورة مكتب أيضا في السودان، وقد تكررت الزيارات لهذا البلد الشقيق (2).
وهناك وفد آخر توجه إلى الكويت بقيادة الشيخ حامد روابحية في شهر مايو 1958، وجاء في التقرير الذي كتبه الوفد أنه جمع من الكويت تبرعات بلغت 937، 690 دولارا صبت كلها في البنك العربي بدمشق لحساب الجبهة. وكان هناك تعاون بين الحكومة المؤقتة والحكومات العربية والإسلامية في مجالات أخرى أيضا غير المال والسلاح، ففي رسالة كتبها أحمد توفيق المدني وزير الثقافة إلى الخارجية الجزائرية أن الحقيبة الدبلوماسية الليبية والإندونيسية مستعدة لحمل بريد الحكومة المؤقتة إلى مختلف الاتجاهات (3).
(1) الرسالة ضمن ملف عن عمر بلعيد ممثل اتحاد الطلبة الجزائريين في جامعة كولونيا بألمانيا، الأرشيف الوطني، علبة 1 - 20.
(2)
تاريخ الرسالة 8 يناير 1958 وهي تحمل عبارة من وفد جبهة التحرير الوطنية الجزائرية، مكتب القاهرة، وهي مطبوعة بالعربية، مع إضافة ثلاثة أسطر باليد يبدو أنها بخط الشيخ أحمد توفيق المدني، وموقعة من الأمين دباغين رئيس الوفد الخارجي، انظر الأرشيف الوطني، علبة رقم 3، وأذكر بهذه المناسبة أن الشيخ العباس بن الشيخ الحسين قد أخبرني ونحن في القاهرة عندئذ بعد عودته من زيارة للسودان أن الشباب السوداني كانوا يرددون أمام الوفد مقاطع من شعري المنشور حديثا في مجموعة النصر للجزائر، وكان مندهشا من رواج المجموعة وسرعة حفظهم.
(3)
نفس المصدر، علبة 21 - 50، وتاريخ الرسالة 19 يناير 1959.
كان الدكتور دباغين هو الذي يعين الوفد ورئيسه لأي بلد أو لأي مؤتمر. ففي دمشق مثلا لاحظنا أن الدكتور دباغين قد عين الشيخ الإبراهيمي تحت مسؤولية عبد الحميد مهري الذي كان مسؤولا على مكتب دمشق، وذلك بتاريخ 13 يوليو 1957، وفي مذكرة تحمل حرفي M.Y) والتي قرأنا أنها ترمز إلى اسم محمد الصديق بن يحيى مدير مكتب دباغين) أن أحمد توفيق المدني قد تعين ضمن الوفد الذي سيتوجه من دمشق إلى العراق لتهنئته بقيام الجمهورية. وتاريخ المذكرة هو 24 يوليو 1958، وكان الشيخ المدني قد شارك في مؤتمر الخريجين العرب وانتخب من المشاركين في الوفد الذي سيتوجه إلى العراق للغرض المذكور أيضا، وكان الشيخ المدني قد حضر في دمشق (المؤتمر الشعبي العربي) الذي حضره بعض قادة الحركة العربية القومية، منهم ميشيل عفلق وصلاح البيطار وشفيق إرشيدات وفؤاد جلال
…
(1).
ولا نريد هنا تقديم إحصاء بالوفود المنطلقة في اتجاهات مختلفة للدعوة للثورة سواء كان في عهد الجبهة أو في عهد الحكومة المؤقة، فقد كانت الدبلوماسية الجزائرية قد نجحت في كسب الرأي العام العالمي ضد الاستعمار الفرنسي بوسائل ذكية أصبحت اليوم محل دراسة الباحثين.
وكانت هذه الدبلوماسية قد تعززت بالإعلام المتزن أيضا، وقد تعرضنا له، سواء في جريدة المجاهد أو في النشرات المختلفة، أو في الإذاعة الجزائرية أو في الندوات والمحاضرات وأخبار النقابات ذات الإيديولوجيات المختلفة، وقد كان للوفد الخارجي قبل أكتوبر 1956 نشرة إعلامية يوزعها على الصحف والوكالات الصحفية والدوائر الرسمية.
وفي أغطس من سنة 1957 أصبح الوفد يتلقى الأخبار من الداخل ليصدر النشرة من جديد ويوزعها على الصحافة والوكالات، كذلك نشر الوفد
(1) الأرشيف الوطني، علبة 3، من مذكرة تقع في ثلاث صفحات بتوقيع أحمد توفيق المدني بتاريخ 28 يوليو 1958 وهي بالفرنسية.