الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وتاريخ المغرب العربي في المشرق، وعندما كثر التساؤل في الجزائر عن الشيخ الورتلاني ودوره بعد نفيه من مصر على إثر الهمس بالارتباط بالإخوان الذين أصبحوا في نفور مع جمال عبد الناصر، أجابت جريدة البصائر إجابة مقتضبة وغامضة، قالت: إنه في بيروت يدعو للجزائر وقضايا المغرب (العربي) وإنه في صحة جيدة، وهو مستقر هناك، وينشر في أغلب صحف سوريا ولبنان، ويراسل رجال السياسة والحكم (1).
وعندما زار الشيخ العباس بن الشيخ الحسين رئيس جمعية العلماء الشيخ الإبراهيمي في القاهرة ليطلعه على جلية الأمور في الجزائر ويأخذ رأيه في الموقف الذي على الجمعية أن تتخذه من الثورة وما يتصل بها، عرج الشيخ العباس على بيروت والتقى الورتلاني للمشاورة أيضا، ويبدو أن الورتلاني عندئذ (1956) كان يعاني من الغربة والنفي والمرض، لأنه قد توفي في تركيا خلال السنة الموالية، وكان ممنوعا من دخول مصر (2).
تاريخ الجزائر العام
ألف هذا الكتاب الشيخ عبد الرحمن الجيلاني، ولعله هو الكتاب الوحيد الذي اهتم بالتاريخ وسار على منهج تاريخي وانطلق من دافع تاريخي، الشيخ الجيلالي ابن مدرسة الشبيبة الإسلامية، وابن التقاليد الجزائرية العريقة في القصبة وما حولها، سيما تقاليد شيوخ المدرسة الثعالبية من أمثال عبد الحليم بن سماية ومحمد بن شنب، وشيوخ القراءات في الجامع الكبير بالعاصمة، وقد علم وربى أثناء إدارة الشاعر محمد العيد لمدرسة الشبيبة، وظل بعده، وكان كل ما حوله في العين الزرقاء (فونتين بلو) يعبق بالتاريخ عند أبواب مدينة الجزائر القديمة (باب عزون، باب الواد، الباب الجديد
…
قصر الجنينة، قصر مصطفى باشا، وحصون المرسى
…
وعندما قرر كتابة تاريخ للجزائر كلها كان
(1) البصائر، 3 فبراير 1956 عدد 352.
(2)
انظر لاحقا.
مستوعبا لكل هذه الأماكن وأمثالها في القطر الجزائري كله، فهو لم يكتب تاريخ مدينة ولكنه كتب تاريخ قطر في ضوء التاريخ العربي الإسلامي.
وللشيخ الجيلالي ثقافة عربية وفرنسية وإسلامية عميقة، وله (تفقه) في الدين والدنيا، عمل بالإضافة إلى التعليم في التأليف ومحطة الإذاعة والتلفزيون الفرنسية في الجزائر، وفي مجلة (هنا الجزائر) كما نشر في مجلة الشهاب، وكان يتابع الحركة الإصلاحية ولكنه لم يندمج فيها حسبما نعلم، وله من التآليف غير الكتاب الذي نتناوله ما هو مطبوع مثل (ذكرى الدكتور ابن شنب)، ومسرحية (المولد) النبوي الشريف التي مثلت عدت مرات في وقتها (الخمسينات) في الجزائر وفي غيرها، أما الكتب المخطوطة فمنها (تاريخ الموسيقى العربية) وهو كتاب يبدو هاما في بابه خصوصا وأن المؤلف قد وصفه بأنه (دراسة تاريخية مفصلة في جميع أطوارها وتطوراتها)، ثم مخطوط في (الاستشراق الغربي والثقافة الإسلامية)، ويظهر من عنوانه أنه كتاب ذو قيمة جليلة خصوصا وأن الجيلالي قد عرف نماذج من المستشرقين الفرنسيين في الجزائر، هذه هي المؤلفات المذكورة له عند ظهور الجزء الثاني من تاريخ الجزائر العام (سنة 1955)، وقد نشر الشيخ الجيلالي كتبا أخرى ومع ذلك لم ينشر الكتب المعلن عنها، كما أنه توسع في تاريخه بعد ذلك حتى شمل مختلف العصور بما في ذلك فترة الاحتلال الفرنسي، فأصبح الكتاب الآن في عدة أجزاء بدل جزئين.
جاء في الاستهلال أن القطر الجزائري هو (واسطة عقد المغرب العربي منذ العصر الحجري والقديم فيما قبل التاريخ، ثم منذ وجد التاريخ وانتظمه في سلكه ورصفه في ديوانه إلى قرب نهاية القرون الوسطى، أي منتهى دولة الموحدين)، إذن فقد غطى في الجزء الأول العصور السابقة لعصر الموحدين وتوقف عند نهاية هذا العصر، أما الجزء الثاني فقد وصل فيه إلى العصر العثماني ولكنه توقف في وسطه فلا هو انتهى عنده ولا هو انتهى منه، لماذا؟ هل حجم الكتاب هو السبب؟ هل لأنه إذا انتهى منه سيتعرض إلى الحملة الفرنسية
وأسباب الاحتلال وهو لا يريد ذلك عندئذ؟ لقد انتهى في الجزء الثاني بنهاية عصر الباشوات (1657)، وهو يقول عن هذا الجزء إنه جعله (لهواة التاريخ ورواد العلم والمعرفة، وسار فيه على منهج الجزء الأول من وضوح التعبير وسهولة الأسلوب واطراد الفصول وانتظام العرض واستيعاب الجمع وإحكام الوضع وصراحة الحكم، متحاشيا كل انحياز)(1).
ويصف الجيلالى انتقال السلطة من الباشا إلى الآغا على يد الديوان الإنكشاري بطريقة تفهمك أن الحكم العثماني في الجزائر كله قائم على مسألة المال، وهو التفكير الذي يقرره المؤرخون الفرنسيون منذ احتلال الجزائر، فالولاة العثمانيون (الباشوات) وخلفاؤهم من بعدهم لا هم لهم إلا جمع المال من كل وجوهه ثم الرجوع به إلى اسطنبول في نهاية الفترة التي يقضونها في الجزائر، يقول الجيلالي إن الباشا شعر بالاستقلال فاشتغل بشؤونه وجمع الأموال بوسائل الرشوة والسرقة، وكانت السلطة في مجلس الشورى للإنكشارية، فحملوه المسؤولية على الإسراف وسوء استعمال السلطة والتعدي على السفن، لأنه كان يرسل السفن لتعتدي (على من؟) ولتقوم بأعمال القرصنة (ضد من؟)، بل كان الباشا يدفع الأهالي إلى ذلك دفعا، ولم تكن اسطنبول تحس بما يجري في الجزائر، وربما حاول الباشا إخضاع الإنكشارية بالاستعانة عليهم بقبائل البلاد مما أدى إلى الحروب، وأخيرا قرر الديوان سحب رعاية الأموال من الباشا وكلف بها أحد الأغوات، بمساعدة الديوان، وكان ذلك يعني نزع السلطة الفعلية من الباشا، وقد انتهى الجيلالي في هذا الجزء بإبراهيم باشا وهو الذي أخذ منه الأغوات زمام الحكم (2).
يشتمل الجزء الثاني على خريطتين وأربع لوحات مصورة وبعض
(1) كتب هذه العبارات في العين الزرقاء، حيث منزله، في 16 جمادى الأول 1375 الموافق 31 ديسمبر 1955، وقد طبع الكتاب في المطبعة العربية بالعاصمة، ويبدو أنه قد طبعه على حسابه، فالكتاب ظهر إذن سنة 1956.
(2)
الجيلالي، تاريخ الجزائر العام، ج 2، ص 381.
الجداول، وقد سار فيه على منهج الجزء الأول من تقسيمه إلى فصول ودول، وهو يتناول التاريخ في شكله الشمولي: السياسة والاقتصاد والعسكرية والثقافة والعمران، ويذكر لكل فترة مشاهيرها من العلماء وغيرهم، ولكن فهرسه يدل على أنه تناول الدول الآتية: الدولة الحفصية ومشاهيرها في الجزائر، والدولة المرينية ومشاهيرها، والدولة الزيانية ومشاهيرها، ثم القسم الثالث: أي العهد العثماني ومشاهيره، ويفهم من ذلك أن القسمين الأول والثاني قد عالجهما المؤلف في الجزء الأول، ومن الملاحظ أنه جعل عنوان القسم الثالث: الجزائر (المكافحة)، وهو تعبير عصري لم يكن شائعا في العصر العثماني، أما التعبير الشائع عندئذ فهو الجزائر المحروسة، والجزائر المجاهدة
…
وقد ظهر هذا (الكفاح) في الحرب بين إسبانيا والأتراك، وكانت الجزائر في نظر الجيلالي (مكافحة) ضد الأسبان، وقد درس بالطبع الدولة التركية - العثمانية، وعصر البايلرباي، وعصر الباشوات.
ومن أراد أن يعرف رأي الجيلالي في التاريخ عموما وفي تاريخ الجزائر خصوصا فعليه بالرجوع إلى الحديث الذي أعطاه إلى جريدة (المنار) عند صدور الجزء الأول من كتابه (1953)، فقد جاء فيه أن دافعه لكتابة تاريخ الجزائر هو غموضه وتشعبه وتشتته، وأنه لم يدرس إلى الآن دراسة واضحة، وأنه أراد تطهيره من هذه العيوب، وأن يظهر أن لهذه الأمة تاريخا ماجدا تفتخر به، وقد شرع في كتابة كتابه مع الحرب العالمية الثانية، أي عند انشغال التاس بالحرب، وكان يعتقد أن حالة الطوارى التي فرضتها الحرب سينتج عنها تغيير في الحياة الاجتماعية، فرغب في التعريف بالجزائر في الغابر والحاضر، أما عن مصادره فقال إنه رجع إلى المخطوطات، كما رجع إلى الكتب الأجنبية فيما قبل الإسلام وإلى الكتب العربية فيما بعد الإسلام، ويبدو أنه قد غير رأيه في تقسيم الكتاب لأنه كان سيضع الجزء الأول في مجلدين ثم ضمه إلى بعضه وجعله مجلدا واحدا، وتوقع للكتاب رواجا واسعا يسدد نفقاته، واعتبر قلة القراء هي السبب في خلو الساحة من حركة التأليف والنشر، ووصف طريقته في التأليف