الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تتحول إلى ثورة عقائدية كما ذهب إلى ذلك محررو برنامج طرابلس الذي وافق عليه أعضاء مجلس الثورة بالإجماع، وهو البرنامج الذي اختار المذهب الاشتراكي للثورة العقائدية رغم اعترافه بأن الشعب الجزائري كان معتزا بانتمائه إلى الحضارة العربية الإسلامية وأنه عبر عن هذا الاعتزاز والارتباط قبل الثورة حين أنشأ المدارس العربية الحرة التي بناها من تبرعاته وصانها.
والغريب أن يكتفي محررو برنامج طرابلس بهذه الإشارة إلى تعلق الشعب بانتمائه الحضاري دون الرجوع إلى المرجعيات الأساسية المتمثلة في عرائض النخب المدنية خلال القرن التاسع عشر، وهي العرائض المطالبة بالتعليم العربي الإسلامي وإعادة الأوقاف إلى أهلها المسلمين ليوظفوها في التعليم كما كانوا في السابق، ولم يشيروا إلى مقاطعة المدارس الفرنسية في الأرياف، واغتراب الجزائريين من أجل التعلم في المعاهد الإسلامية التي اختفت من بلادهم
…
ورفض الشعب التخلي عن أحواله الشخصية الإسلامية رغم المغريات بمنح المواطنة الفرنسية والتمتع بجميع الحقوق التابعة لها، كما حصل مع يهود الجزائر.
ولك بعد ذلك أن تقارن بين حرص الوفد الفرنسي على الحصول على امتيازات وضمانات للغة والثقافة الفرنسية في اتفاقيات ايفيان في الجزائر المستقلة وبين تحفظات وتحذيرات اللجنة التي صاغت برنامج طرابلس فيما يتعلق باللغة العربية وموافقة المجلس الوطني عليها.
العلاقة الثقافية بين ما جاء في تقرير صبيح واتفاقيات إيفيان
في التصريح الذي أعلنته الحكومة المؤقتة للشعب الجزائري غداة التوقيع على اتفاقيات إيفيان ووقف إطلاق النار جاء أن الاتفاقيات قد حققت: الوحدة الترابية، واستقلال الجزائر، والاعتراف بوحدة الشعب الجزائري، وتخلي فرنسا عن مفهومها القاضي بأن الجزائر خليط من الجاليات المختلفة، والاعتراف بالشخصية الوطنية للشعب الجزائري صاحب الثقافة العربية الإسلامية التي
التحمت في لهيب المعركة من أجل الاستقلال (1).
وإذا كانت العناصر الأربعة الأولى في هذا التصريح لا تهمنا هنا فإن العنصر الخامس يهمنا لأنه يحتوي على عبارة مفتاحية وهي أن الشعب الجزائري هو صاحب الثقافة العربية الإسلامية وأن هذه الثقافة قد انصهرت عبر الزمن في لهيب المعركة، والمتأمل جيدا في هذه العبارة يلاحظ عليها عدة ملاحظات.
أولا: الاعتراف بأن الشعب الجزائري يمثل الثقافة العربية الإسلامية، ومن ثمة فهو شعب له هوية أقدم من معركة الاستقلال ومن الاحتلال.
ثانيا: أن وحدة الشعب قد التحمت ليس بالإجراءات والتلفيق والتفاهمات ولكن في المعارك الحديثة والقديمة دفاعا عن هويته واستقلاله.
ثالثا: كان المتوقع ألا يتقيد المفاوضون بين الوحدة والثقافة والهوية وبين معركة الاستقلال، ذلك أن الشخصية الوطنية ليست وليدة ثورة نوفمبر وحدها ولكنها ممتدة عبر عصور طويلة.
إلى أي مدى تضمنت اتفاقيات إيفيان محتوى تقرير اللجنة الثقافية التي أسميناها بلجنة ميسوم صبيح؟ إن على المرء أن يعود إلى الاتفاقيات ويقارن بين ما أخذ به الوفد المفاوض وما تركه في الأرشيف، ثم إن الاتفاقيات وما حوته يتعلق بعهد الاستقلال، ونحن إنما ندرس فترة الثورة نفسها.
أما التقرير فقد تضمن تركيزا خاصا على أمور نريد إجمالها فيما يلي:
- التعليم الوطني (الاستعمار منع الجزائريين من التعلم طيلة 130 سنة).
- عدم تحديد المرجعية الثقافية.
- ضرورة إدارة جزائرية للتعليم (وزارة) أو إدارة عامة بإشراف جزائري.
- على المفاوض أن يصل مع الطرف الآخر إلى النص على مرحلة انتقالية لسد الخلل الذي تركته 130 سنة بالنسبة للغة العربية والفرنسية.
(1) النصوص الأساسية، مرجع سابق، ص 151.