الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
باب نكاح المشرك
3624 -
المراد بالمشرك هنا: كل كافر كتابياً كان أو غيره، وسمعت من شيخنا الإمام البلقيني: أن المشرك والكتابي كما يقول أصحابنا في الفقير والمسكين: إن جمع بينهما في اللفظ .. اختلف مدلولهما، وإن اقتصر على أحدهما .. تناول الآخر.
3625 -
قول التنبيه [ص 164]: (إذا أسلم أحد الزوجين الوثنيين أو المجوسيين، أو أسلمت المرأة والزوج يهودي أو نصراني) أخرج به ما لو أسلم الرجل والمرأة يهودية أو نصرانية والحكم في هذه استمرار النكاح، وقد صرح به "المنهاج" و"الحاوي"(1)، لكن شرطه فيما إذا كان حراً: أن تكون حرة، فلو كانت أمة .. اشترط كونها ممن يحل له نكاحها، ولا فرق في ذلك بين أن يكون الإسلام استقلالاً أو بالتبعية، لكن لو أسلمت المرأة مع أبي الطفل أو عقبه .. بطل النكاح كما قال البغوي (2)، لتقدمها في الأولى؛ لأن إسلام الابن عقب الأب.
واستشكله الرافعي: بأن ترتب الولد على الأب لا يقتضي تقدماً زمانياً (3).
قال السبكي: وهو مبني على ما صححوه من كون العلة الشرعية مع المعلول، والمختار عندي: تقدمها، فيتجه قول البغوي، وكذا قال شيخنا الإمام البلقيني: ما قاله البغوي في ذلك هو الفقه؛ فإن الحكم للتابع متأخر عن الحكم للمتبوع، فلا يحكم للولد بالإسلام حتى يصير الأب مسلماً، وأما في الثانية: فلأن إسلامها متأخر؛ فإنه قوليٌّ، فيتأخر عن إسلام الابن الذي هو حكمي.
3626 -
قولهم - والعبارة لـ"المنهاج" -: (فيقر على نكاح في عدة هي منقضية عند الإسلام)(4) أما إذا كانت العدة باقية .. فلا تقرير؛ لبقاء المفسد، وخص العبادي في "الرقم" ذلك بعدة النكاح، وقال في عدة الشبهة بالتقرير وإن بقيت؛ لأن الإسلام لا يمنع الدوام مع عدة الشبهة.
قال الرافعي: ولم يتعرض الجمهور لهذا الفرق (5)، قال بعضهم: ويوافقه إطلاق "المنهاج" بعد ذلك قوله [المنهاج 387]: (وكذا لو قارن الإسلام عدة شبهة على المذهب) فإنه يتناول الشبهة المقارنة للعقد والطارئة بعده.
قلت: لم يرد إلا الطارئة بعده، ولولا ذلك .. لم يصح التعبير فيه بالمذهب، وقد قرر قبل ذلك
(1) الحاوي (ص 465)، المنهاج (ص 387).
(2)
انظر "التهذيب"(5/ 391).
(3)
انظر "فتح العزيز"(8/ 87).
(4)
انظر "التنبيه"(ص 165)، و "الحاوي"(ص 465)، و"المنهاج"(ص 387).
(5)
انظر "فتح العزيز"(8/ 90).
في المفسد المقارن للعقد أنه لا بد أن يكون زائلاً عند الإسلام، وعبارة "الحاوي" صريحة في إرادة الشبهة الطارئة؛ حيث قال [ص 465]:(وقرر لا إن قارن المفسد لا الطارئ إسلام أحدٍ) فاستثنى المفسد الطارئ من بين المفسدات.
وصور الرافعي المسألة بما إذا وطئت بشبهة بين الإسلامين، واستشكل القفال عروض هذه الشبهة؛ فإن أحدهما إذا أسلم .. جرت في عدة النكاح، وهي متقدمة على عدة الشبهة، فإسلام الآخر يكون في عدة النكاح لا في عدة الشبهة.
نعم؛ لو حبلت بالشبهة .. تقدمت عدة الشبهة وأمكن اقترانها بإسلام الآخر، وحينئذ .. يندفع النكاح اعتباراً بالابتداء.
وأجيب عن الإشكال: بأن التصوير لا يختص بترتيب إسلامها، بل لو وطئت بالشبهة ثم أسلما معاً في عدتها .. كان من صُوَرِها، وأيضاً: لو أسلم أحدهما .. لم يتيقن جريانها في عدة النكاح إلا بالإصرار إلى انقضائها، أما لو أسلم المتخلف في العدة .. فإنه يتبين أن الماضي ليس عدة النكاح، بل عدة الشبهة (1).
وإنما قلنا: أسلما معاً؛ لأنهما لو أسلما مرتباً في عدة الشبهة .. كانت عدة النكاح مقدمة على الصحيح، فيعود الإشكال، فإذا أسلما معاً .. دام النكاح، ولم يبق إلا تأثير عدة الشبهة على رأي.
ويرد على إطلاق "الحاوي"(2) أنه لا يضر مقارنة المفسد الطارئ ما لا يجوز تقرير النكاح معه؛ كالرضاع ونحوه، ويكفي في الإفساد مقارنة العدة لإسلام أحدهما ولو لم يقع إسلام الآخر إلا بعد انقضائها، أما المفسد الطارئ؛ كاليسار وأمن العنت في الأمة .. فإنه يجب اقترانه بإسلامهما على المذهب، وكذا لو قارن اليسار أو أمن العنت نكاح المشرك .. لم يمنع من التقرير، إلا إن استمر حتى قارن إسلامهما، كما صرح به الإمام، وحكاه عن الأصحاب (3)، وعليه مشى "الحاوي" حيث قال بعد ما تقدم [ص 465، 466]: (واليسار أو أمن العنت في الأمة وإن طرأ إسلامهما) فسوى في اليسار وأمن العنت بين القديم والطارئ.
ويرد عليهم: أنه لو كان المفسد زائلاً عند الإسلام لكن اعتقدوا مع ذلك فساده .. فلا يقرون عليه.
3627 -
قول "المنهاج"[ص 387]: (ولو أسلم ثم أحرم ثم أسلمت وهو مُحْرِمٌ .. أُقِرَّ على
(1) انظر "فتح العزيز"(8/ 92، 93).
(2)
الحاوي (ص 465).
(3)
انظر "نهاية المطلب"(12/ 300، 301).
المذهب) لا يفهم منه ترجيح طريقة القطع بالتقرير، فإن الاصح فيه: طريقة القولين، والطريقة الأخرى: القطع بعدم التقرير، وتعبيره بقوله:(ثم أحرم) أحسن من تعبير "الروضة" وأصلها بالواو (1)، للتنصيص على أن إحرامه بعد الإسلام، لكن سهل الأمر في ذلك أن إحرام الكافر لا يصح.
وخرج بهذا التصوير ما لو أسلما معاً ثم أحرم .. فإنه يقر جزماً، فلو قارن إحرامه إسلامها .. فهل يقر جزماً أو من خلاف؟ قال السبكي: لم أر فيه نقلاً، والأقرب: الثاني.
3628 -
قول "التنبيه"[ص 165]: (وإن أسلم الزوجان وبينهما نكاح متعة .. لم يقرّا عليه) محله: ما إذا لم يعتقدوا تأبيده، وإلا .. فيقر قطعاً، وهو داخل في قول "المنهاج" [ص 387] و"الحاوي" [ص 465]:(ومؤقت إن اعتقدوه مؤبداً).
3629 -
قول "التنبيه"[ص 165]: (وإن قهر حربي حربية على الوطء أو طاوعته؛ فإن اعتقدا ذلك نكاحاً .. أقرا عليه، وإلا .. فلا) خرج به ما إذا كانا ذميين .. فلا يفيد قهر بعضهم لبعض شيئاً؛ لأنا مأمورون بكفهم عن ذلك، وقد ذكر ذلك "الحاوي" إلا أنه ذكره في صحة أنكحة الكفار، ولو ذكره في تقريرهم على أنكحتهم .. لكان أحسن، وعبارته:(ونكاح الكفر صحيح ولو غصباً لا في الذميين)(2)، فلو قهر ذمي حربية .. كان كقهر الحربي حربية، ولو قهر الحربي ذمية .. فهو كقهر الذمي ذمية؛ لأن على الإمام دفع أهل الحرب عن أهل الذمة، وقد ذكر هاتين الصورتين الأخيرتين شيخنا الإمام البلقيني.
والأولى منهما واردة على عبارة "التنبيه" لأن مفهومه فيها عدم التقرير، والثانية واردة على عبارة "الحاوي" لأنه لم يستثن من التقرير على الغصب إلا الذميين، وقد عرفت أنه يستثنى غصب الحربي الذمية .. فإنه لا يقر عليه أيضاً.
3630 -
قول "المنهاج"[ص 387] و"الحاوي"[ص 465]: (ونكاح الكفار صحيح)، عبارة "الروضة" وأصلها:(محكوم له بالصحة)(3).
قال السبكي: ونِعِمَّا هي، ثم اختار أنها إن وقعت على وفق الشرع .. فصحيحة قطعاً، مع علمه بتصريح بعض الأصحاب بالخلاف فيه، وإلا .. فمحكوم لها بالصحة، ولا نقول: إنها صحيحة؛ لأن الصحة حكم شرعي، ثم حكى الرافعي عن مقتضى كلام المتولي وغيره تخصيص
(1) فتح العزيز (8/ 93)، الروضة (7/ 147).
(2)
انظر "الحاوي"(ص 465).
(3)
فتح العزيز (8/ 97)، الروضة (7/ 150).
الخلاف في ذلك بما يُفْسِدُ مثلَه الإسلامُ، وصوبه النووي، وفهم الرافعي من كلام الإمام طرده في الجميع (1).
قال النووي: لم يصرح أحد بطرده ولا الإمام، ولكنه ألزم القائل بالفساد بأنه يلزمه طرده فيما يوافق الشرع أيضاً، ولهم الانفصال عنه بأن الظاهر إخلالهم بالشروط، فإن تصور علمنا بوجودها .. حكمنا بالصحة قطعاً (2).
قال شيخنا الإمام البلقيني: وصواب العبارة: (وإن حصل علمنا باجتماعها) فالتصور لا يلزم منه الحصول. انتهى.
وسيأتي من كلام الماوردي والروياني التصريح بوجود الخلاف مع وجود شروط الصحة، وقال الأصحاب تفريعاً على قول الفساد: لا نفرق بينهم لو ترافعوا إلينا، ونقرهم بعد الإسلام رخصة وخشية من التنفير.
قال السبكي: هذا إذا ترافعوا في شيء من لوازم النكاح، أما إذا ترافعوا إلينا في صحته وفساده ورضوا بحكمنا .. حكمنا بمقتضى شرعنا، وفرقنا بينهم إن اقتضاه الشرع كالمجوس فى المحارم، ونأمر من تحته أكثر من أربع باختيار أربع، أو أختان باختيار أحدهما، قال: وإن لم يسلموا ولا ترافعوا ولكن تجاهروا به .. ففي فسخه وجهان، وإن لم يتجاهروا .. لم يتعرض لهم، قال: وما أظن أحداً يقول بالفساد مطلقاً وإن جمعت الشرائط، كما أن صحتهما مطلقاً وإن فقدت الشرائط بعيد، لكن هذا محتمل إن لم نكلفهم بالفروع، بخلاف عكسه؛ لاحتمال فيه. انتهى.
وفي المسألة طريقة أخرى برفع الأقوال وجعل المسألة على أحوال؛ إن وجدت الشرائط وانتفت الموانع .. فصحيحة، وعكسه فاسد، وإن فقدا .. لم نقل بالصحة، ولكن نقرهم عليها، صححها الروياني، وحكاها الماوردي عن الجمهور (3)، وغلط من جعلها أقوالاً.
3631 -
قولهم - والعبارة لـ"المنهاج" -: (وأما الفاسد كخمر؛ فإن قبضته قبل الإسلام .. فلا شيء لها، وإلَاّ .. فمهر مثل)(4) يستثنى من ذلك: ما لو أصدقها حراً مسلماً استرقوه ثم أسلما قبل قبضه أو بعده .. فإنه لا يقر بيدها، ولها مهر المثل.
قال الرافعي: وقياس ما سبق أن يخرج من يدها، ولا ترجع بشيء كما تراق الخمر المقبوضة (5)، وأورده شيخنا الإسنوي في "تصحيحه" بلفظ: الصواب، ثم ذكر استشكال
(1) انظر "نهاية المطلب"(12/ 289)، و"فتح العزيز"(8/ 97، 98)، و"الروضة"(7/ 150).
(2)
انظر "الروضة"(7/ 150).
(3)
انظر"الحاوي الكبير"(9/ 309).
(4)
انظر "التنبيه"(ص 167)، و "الحاوي"(ص 465)، و"المنهاج"(ص 388).
(5)
انظر "فتح العزيز"(8/ 101).
الرافعي (1)، وقال في "التنقيح": والذي قاله إشكال قوي، فليطلب الفرق.
قلت: الفرق أنا نقر الخمر في أيديهم ولا نقرهم على استرقاق الحر؛ فلهذا وجب فيه المهر دون ذاك، وأشار في "المهمات" لهذا الفرق، وقد نص الشافعي في (سير الواقدي) من "الأم" على ما ذكره الأصحاب في مسألتي الخمر والحر، وأَلْحَقَ بالحُرِّ في ذلك عبد المسلم ومكاتبه وأم ولده (2)، وقد يخرج الحر بقول "الحاوي" [ص 465]:(في نحو خمر) لأن الحر ليس نحو الخمر في ذلك كما بيناه، والمسألة في "التنبيه" في (الصداق) وعبارته [ص 167]:(وإن كانا ذميين وعقدا على مهر فاسد) ولا معنى لتقييد ذلك بالذميين؛ فالحربيان كذلك.
3632 -
قولهما - والعبارة لـ"المنهاج" -: (وإن قبضت بعضه .. فلها قسط ما بقي من مهر المثل)(3) لم يبينا كيفية التقسيط، هل هو باعتبار القيمة أو غيرها؟ وذكر "الحاوي" أنه باعتبار القيمة فقال [ص 465]:(ومهر المثل قسط ما لم يقبض قيمة) وهو خلاف المنقول عند اتحاد الجنس، وعبارة "أصل الروضة": وطريق التقسيط: أن ينظر، فإن سميا جنساً واحداً وليس فيه تعدد؛ كزق خمر قبضت نصفه ثم أسلما .. وجب نصف مهر المثل، وإن تعدد المسمى؛ كزقي خمر قبضت أحدهما؛ فإن تساويا في القدر .. فكذلك، وإلا .. فهل يعتبر الكيل أو الوزن أو العدد؟ أوجه، أصحها: الأول، فإن أصدقها خنزيرين .. فهل يعتبر عددهما أو قيمتهما بتقدير ماليتهما؟ وجهان، أصحهما: الثاني، وإن سميا جنسين فأكثر؛ كزقي خمر وكلبين، وثلاث خنازير، وقبضت أحد الأجناس .. فهل ينظر إلى الأجناس وكل جنس ثلث، أم إلى الأعداد فكل فرد سبع، أم إلى القيمة بتقدير المالية؟ أوجه، أصحها: الثالث، وحيث اعتبرنا تقويمها .. فهل طريقه أن يقدر الخمر خلاً والكلب شاة والخنزير بقرة أم الكلب فهداً؛ لاشتراكهما في الاصطياد، والخنزير حيواناً يقاربه في الصورة والفائدة، أم تعتبر قيمتها عند من يجعل لها قيمة؛ كتقدير الحر عبداً في الحكومة؟ فيه أوجه، أصحها: الثالث. انتهى (4).
3633 -
قول "التنبيه" - وهو في عقد الذمة - و"المنهاج" - والعبارة له -: (ولو ترافع إلينا ذمي ومسلم .. وجب الحكم)(5) كذا معاهد ومسلم.
3634 -
قول "التنبيه"[ص 239]: (وإن تحاكم بعضهم مع بعض .. ففيه قولان، أحدهما:
(1) تذكرة النبيه (3/ 287).
(2)
الأم (4/ 266).
(3)
انظر "التنبيه"(ص 167)، و"المنهاج"(ص 388).
(4)
الروضة (7/ 153).
(5)
التنبيه (ص 239)، المنهاج (ص 388).