الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
2883 -
قول "التَّنبيه"[ص 126]: (وإن دفع إليه ثوبًا فقطعه قميصاً، فقال صاحب الثوب: "أمرتك أن تقطعه قباء فعليك الأرش"، وقال الخياط: "بل أمرتني بقميص فعليك الأجرة" .. تحالفاً على ظاهر المذهب) الأظهر كما قال في "المنهاج"[ص 313]: (تصديق المالك بيمينه، ولا أجرة عليه، وعلى الخياط أرش النقص) وعليه مشى "الحاوي"(1)، ولو عبر "المنهاج" بالمذهب .. لكان أولى؛ ففي المسألة خمسة طرق، لكن أصحها: طريقة القولين، فمشى عليه "المنهاج"، ولم يبين "المنهاج" و "الحاوي" الأرش، وفيه وجهان بلا ترجيح في "الروضة" (2):
أحدهما: ما بين قيمته مقطوعاً وصحيحاً، صحَّحه ابن أبي عصرون، وصححه أيضاً في "المهمات"، وحكاه عن تصحيح الإمام.
والثَّاني: ما بين قيمته مقطوعاً قميصاً ومقطوعاً قباء، واختاره السبكي، وقال: لا يتجه غيره؛ لأنَّ أصل القطع مأذون فيه.
2884 -
قول "التَّنبيه" تفريعاً على التحالف [ص 126]: (وهل يلزمه أرش النقص؟ فيه قولان) أصحهما: لا.
وأعلم: أن شيخنا في "المهمات" رجح طريقة القطع بالتحالف، فقال: إنَّها الصواب نقلًا واستدلالاً، ثم بسط ذلك، ونبه أيضاً على أن محله: عند الاتفاق على عقد، وإن كان كلام الرافعي والنووي يقتضي خلافه.
فصلٌ [فيما يفسخ الإجارة]
2885 -
قول "المنهاج"[ص 313]: (لا تنفسخ إجارة بعذر) قد يفهم ثبوت الخيار للمعذور، وليس كذلك، فلو قال:(لا تفسخ) .. لكان أولى، كما فعل "الحاوي" حيث قال عطفًا على ما لا يثبت فيه الخيار [ص 386]:(أو ظهر للعاقد عذر)، وهو أحسن من جهة أخرى، وهي أن تعبيره بالعاقد يتناول المستأجر والمؤجر، فهو أعم من قول "المنهاج" في الأمثلة [ص 313]:(ومرض مستأجر دابةٍ لسفرِ) فإن مرض المؤجر فيما إذا كانت غير معينة كذلك، فإنَّه يتعذَّر خروجه معها، وهو من أعمال الإجارة، لكن عبارة "المنهاج" أولاً شاملة، ولا يضر خصوص المثال.
2886 -
قول "المنهاج"[ص 313]: (وسفرٍ) مقتضى كلام السبكي ضبطه بإسكان الفاء؛ فإنَّه شرحه
(1) الحاوي (ص 384، 385).
(2)
الروضة (5/ 237).
بما إذا استأجر دابة ليسافر عليها، ولا بد من رفقة، وهم السَّفر؛ أي: المسافرون، فتعذر خروجهم.
2887 -
قول "التَّنبيه"[ص 124]: (فإن تلفت العين المستأجرة) أعم من قول "المنهاج"[ص 313]: (وتنفسخ بموت الدابة والأجير المعينين)، ومن قول "الحاوي" [ص 385]:(وبتلف معين الدابة والأجير تنفسخ).
2888 -
قول "التَّنبيه"[ص 124]: (انفسخت الإجارة فيما بقي دون ما مضى، وقيل: فيما مضى قولان) رجح فيما مضى طريقة القطع بعدم الانفساخ، وحكاها في "الكفاية" عن الأكثرين، وصححها الروياني وغيره، وهو مقتضى كلام "الروضة" وأصلها؛ حيث قالا: إن فيه الطريقين فيمن اشترى عبدين، فقبض أحدهما وتلف الآخر قبل قبضه .. هل ينفسخ في المقبوض؟ والأصح في (باب تفريق الصفقة): القطع بعدم الانفساخ (1)، لكن مشى "المنهاج" على طريقة القولين، فقال [ص 313]:(لا الماضي في الأظهر).
ومحل عدم الانفساخ في الماضي إمَّا قطعًا أو على الأظهر: أن يكون التلف بعد القبض بمدة لها أجرة، فإن كان قبله أو بعده بمدة ليس لها أجرة .. انفسخ في الكل، وإذا قلنا بعدم الانفساخ .. فليس له الفسخ أيضاً، كما صحَّحه في "الشَّرح الصَّغير".
2889 -
قول "التَّنبيه"[ص 124]: (فإن فسخ .. لزمه أجرة ما مضى) لا يخفى أن محله: أن يكون لمثله أجرة، والواجب أجرة المثل إن قلنا: يرتفع من أصله، والقسط من المسمى إن قلنا: من حينه، والمراد بالعيب هنا: ما يؤثر في المنفعة تأثيراً يظهر به تفاوت الأجرة دون ما يظهر به تفاوت الرقبة.
2890 -
قولهم - والعبارة لـ "المنهاج" -: (ولا ينفسخ بموت العاقدين)(2) قد يستثنى منه: ما إذا أوصى بداره لزيد مدة عمر زيد، فقبل الوصيَّة، وأجرها زيد، ثم مات في خلالها .. فإن الإجارة تنفسخ، وعند التحقيق لا حاجة إلى استثنائها؛ فإنَّها لم تنفسخ لأجل موت العاقد، بل لانتهاء حقه بموته، كما سيأتي في موت البطن الأوَّل.
وأعلم: أن هذه الصورة هي في "الروضة" كما ذكرته (3)، وفيها إشكال؛ لأنَّها وصية على صورة العمرى، وحكمها حكم العمرى في الحياة حتَّى تتأبد وتورث عنه ولا تعود إلى ورثة المعمر، وعبر عنها الرافعي: بأن يوصي بمنفعة داره (4)، وفيها نظر أيضاً؛ فإنَّها إباحة لا تمليك، فتمتنع إجارتها كما ذكروه في (الوصيَّة).
(1) فتح العزيز (6/ 162)، الروضة (5/ 240).
(2)
انظر "التنبيه"(ص 125)، و "الحاوي"(ص 385)، و "المنهاج"(ص 313).
(3)
الروضة (5/ 245).
(4)
انظر "فتح العزيز"(6/ 174).
2891 -
قول "المنهاج"[ص 313]: (ومتولِّي الوقف) يستثنى منه: ما إذا كان متولي الوقف هو المستحق له، وأجر بدون أجرة المثل - فإنهم صرحوا بأنه يجوز له ذلك - ومات في أثناء المدة .. فقال ابن الرفعة: يظهر فيه الجزم بالانفساخ.
2892 -
قوله - والعبارة له - و "الحاوي": (ولو أجر البطن الأوَّل مدة ومات قبل تمامها .. فالأصح: انفساخها)(1) استشكل تصويرها؛ لأنَّ البطن الأوَّل إن شرط له نظر .. فهو متول، وقد سبق أنَّه لا تنفسخ بموته، وإلا .. فلا نظر له إلَّا على قول ضعيف يبعد تفريع المسألة عليه، وصورها ابن الصباغ بأن يكون شرط النظر لكل بطن في حصته، فلا يتعلق بما بعده، لكنَّه استشكل؛ لأنَّه يصير حينئذ كإجارة الصبي المذكورة بعدُ، ويلغو الفرق بينهما، مع أن الأصح: خلافه، واختار السبكي أنَّه ينفسخ إذا أجر بحكم الملك، أو شرط النظر له في حصته فقط، فإن أطلق النظر للموقوف عليه، واقتضى الحال نظر كل في زمنه .. لم ينفسخ؛ لأنَّها صحت بنظر شامل، فلا تبطل بنظر ثان.
2893 -
قول "المنهاج"[ص 313]: (فيما لو أجر الولي صبياً مدة لا يبلغ فيها بالسن فبلغ بالاحتلام .. أن الأصح: عدم الانفساخ)، تبع فيه "المحرر"(2)، وعليه مشى "الحاوي" بقوله [ص 385]:(وبلوغ الاحتلام) وليس معطوفًا على الذي قبله، وهو موت البطن الأوَّل؛ فإنَّه استثناء من نفي، فهو مثبت؛ أي: يثبت الانفساخ، وإنَّما هو معطوف على المنفي أولاً، وهو قوله:(لا بموت العاقد)(3) كذا قرره من تكلم عليه، وفي فهم ذلك منه عسر، ونقل الرافعي تصحيح عدم الانفساخ عن صاحب "المهذب" والروياني، وتصحيح الانفساخ عن الإمام والمتولي، ولم يذكر من عنده ترجيحاً (4)، فزاد في "الروضة": صحح الرافعي في "المحرر" الثَّاني (5)، أي: وهو الانفساخ، وليس كما قال، وإنَّما صحح: عدم الانفساخ، كما مشى عليه "المنهاج"، وينبغي أن تكون صورة المسألة: أنَّه بلغ رشيداً، فلو بلغ سفيهاً .. فهو كالصبي في استمرار الولاية.
قال شيخنا ابن النقيب: كذا يظهر، ولم أر من قيد به (6)، واستبعد جماعة التعبير بالانفساخ؛
(1) انظر "الحاوي"(ص 385)، و "المنهاج"(ص 313).
(2)
المحرر (ص 235).
(3)
الحاوي (ص 385).
(4)
انظر "المهذب"(1/ 407)، و "فتح العزيز"(6/ 179).
(5)
الروضة (5/ 250).
(6)
قال في "حاشية الرملي"(2/ 433): (وهو عجيب! قال الأذرعي: قيده الماوردي بما إذا بلغ رشيداً، وهو قضية كلام القضاة الطبري والحسين والروياني، فإن بلغ سفيهًا .. استمرت. اهـ، وقيده ابن الرفعة في "المطلب" و "الكفاية" ببلوغه رشيداً، وهو ظاهر).
لأنَّه يشعر بسبق الانعقاد، وقالوا: الخلاف في تبيّن البطلان لظهور تصرفه في غير ملكه؛ فإنَّه قيل به .. فهو من التَّفريق في الابتداء، وإن قيل بعبارة الجمهور .. فهو من التَّفريق في الدوام، والله أعلم (1).
2894 -
قول "التَّنبيه"[ص 124]: (وإن كانت دارًا فانهدمت، أو أرضًا فانقطع ماؤها .. ففيه قولان، أحدهما: ينفسخ، والثَّاني: لا ينفسخ، بل يثبت له خيار الفسخ) الأصح: أنَّها تنفسخ في الأولى دون الثَّانية، وعليه مشى "الحاوي" و "المنهاج"(2)، لكنَّه عطفه على ما عبر فيه بالأصح، فاقتضى أن الخلاف وجهان، وليس كذلك؛ فإن النَّصُّ في الأولى الانفساخ، وفي الثَّانية الخيار، فقيل: بتقرير النصين، وقيل: بالقطع فيهما بالخيار، وقيل: بطريقة التخريج، لكن الأظهر من القولين في كل مسألة: ما نص عليه، وهي الطريقة المصححة، وهو مشكل، فإنه إن ظهر الفرق .. فكيف يخرج؟ وإن لم يظهر واحتيج للتخريج .. فكيف يرجح مقتضى النَّصُّ؟ ، وقد وقع لهذا في كلام الرافعي والنووي نظائر، وفيها هذا الإشكال، وعلى كل حال: فكان ينبغي التعبير بالمذهب أو بالأظهر إن اقتصر على طريقة القولين.
لكن قد يجاب عنه: بأن الطرق قد يسلك بها مسلك الأوجه كثيرًا، فإنَّها من تصرف الأصحاب.
ولو هدمها المستأجر .. كان الحكم كذلك، صرح به البغوي، وأمَّا قول الرافعي والنووي في (النكاح): إن المستأجر لو خرب الدار ثبت له الخيار (3) .. فالمراد به: تخريب يحصل به تعييب لا هدم كامل، ومحل ثبوت الخيار في الثَّانية: ما إذا لم يبادر المؤجر لسوق ماء إليها، فإن بادر به .. سقط الخيار؟ ؛ ولذلك قال "الحاوي" [ص 385]:(لا إن بادر التدارك)، لكن عبارة "الروضة" وأصلها: فإن قال المؤجر: (أنا أسوق الماء إليها) .. سقط الخيار (4)، ومقتضى هذا اللفظ: الاكتفاء بالوعد بذلك، وهو بعيد كما قال السبكي، قال: وقطع الماوردي ببقاء الخيار عند مجرد الوعد.
قلت: لم يرد الرافعي والنووي الاكتفاء بالوعد الذي ليس بمنجز، فقد قالا قبله: وإنَّما يثبت الخيار إذا امتنعت الزراعة، وبعده: كما لو بادر إلى إصلاح الدار، ومن المعلوم أن الوعد بالإنجاز تمتنع معه الزراعة، وليس كالمبادرة إلى إصلاح الدار.
(1) انظر "السراج على نكت المنهاج"(4/ 265).
(2)
الحاوي (ص 385)، المنهاج (ص 313).
(3)
انظر "فتح العزيز"(8/ 137)، و "الروضة"(7/ 179).
(4)
فتح العزيز (6/ 170)، الروضة (5/ 242).
2895 -
قول "المنهاج"[ص 313]: (وغصب الدابة وإباق العبد يُثبت الخيار) لا يخفى أن ذكر الدابة والعبد مثال، ولذلك قال "الحاوي" [ص 385]:(أو غُصب أو أبق) أي: أيَّ مؤجر كان، ثم فيه أمور:
أحدها: لا يخفى أن صورة المسألة في إجارة العين، فإن كان في إجارة الذمة .. فعلى المؤجر الإبدال، فإن امتنع .. استؤجر عليه.
ثانيها: أن محله: ما إذا لم يبادر المؤجر إلى الانتزاع من الغاصب وإحضار الآبق، فإن بادر لذلك ولم تتعطل عليه منفعة .. سقط خياره كما سبق في نظيره.
ثالثها: أن محله: في غصب أجنبي، فلو غصبها المالك، إمَّا بعد القبض، أو بامتناعه من الإقباض الواجب .. فقيل: كالأجنبي، وقيل: ينفسخ قطعًا.
رابعها: أن محله: ما إذا لم يستمر الغصب والإباق حتَّى انقضت المدة، فإن كان كذلك .. فسنذكره بعد.
2896 -
قول "التَّنبيه"[ص 124]: (وإن غصبت العين حتَّى انقضت المدة .. فهو كالمبيع إذا تلف قبل القبض، وقد بيناه في البيع)، قال النووي في "التحرير": وقوله: (أتلف) كذا صوابه بالألف، وحذفها خطأٌ يتغير به حكم المسألة، فاحذره (1).
قلت: لأنَّ تلف المبيع قبل القبض بآفة ينفسخ به البيع قطعًا، وإتلاف أجنبي له فيه خلاف، هل ينفسخ به البيع، أو يثبت للمشتري الخيار؟ وقد ذكر هو في "أصل الروضة" في هذه الصورة أنَّها مبنية على الخلاف في إتلاف الأجنبي، لكنَّه قال بعده: إن الذي نص عليه الشَّافعي والأصحاب: انفساخ الإجارة وإن كان البناء المذكور يقتضي ترجيح عدم الانفساخ، لكن المذهب: الانفساخ. انتهى (2).
وحينئذ .. يتجه تشبيهها بالتلف لا بالإتلاف، ومن العجب جزم الرافعي والنووي بالبناء مع قولهما: إن الشَّافعي والأصحاب على خلافه، وفرق القاضي حسين بين الإجارة والبيع بفرق ذكره الرافعي في نظيره، وهو: أن المعقود عليه في البيع المال، وهو واجب على الجاني، فيتعدى العقد من العين إلى بدلها، بخلاف الإجارة؛ فإن المعقود عليه فيها المنفعة، وهي غير واجبة على متلفها، إنَّما الواجب المال، فلم يتعد العقد من المنفعة إلى بدلها، وقد يؤخذ من إطلاق "المنهاج" و "الحاوي" ثبوت الخيار خاصة (3)، لكن الحق: أنَّهما مسألتان: مطلق الغصب،
(1) تحرير ألفاظ التَّنبيه (ص 224).
(2)
فتح العزيز (6/ 171)، الروضة (5/ 242، 243).
(3)
الحاوي (ص 385)، المنهاج (ص 313).
وهي التي تكلما عليها، واستمراره إلى فراغ المدة، وهي التي في "التَّنبيه"(1)، لكن كلام السبكي يقتضي دخول مسألة استمرار الغصب إلى آخر المدة في كلام "المنهاج" فإنَّه ذكر مسألة: ما لو كان الغاصب حربيًا أو أبق العبد أو غرقت الأرض في المدة كلها، وقال: يقطع فيها بالانفساخ، ولا وجه للخيار، قال: وممن ذكر مسألة الإباق القاضي أبو الطَّيِّب، ولم أر من قال فيها بالخيار؛ فلذلك أشكل إطلاق "المنهاج"، فيحمل على ما إذا لم تنقص المدة، والظاهر: أنَّه أراد: مسألة الغصب، ومشى فيها على مقتضى البناء، ولفَّ معها مسألة الإباق، فحصل الخلل. انتهى.
2897 -
قول "المنهاج"[ص 314]: (ولو أكرى جمالاً وهرب وتركها عند المكتري .. راجع القاضي ليمونها من مال الجمَّال، فإن لم يجد له مالاً .. اقترض عليه، وله أن يبيع منها قدر النفقة) ظاهره: أنَّه عند فقد مال له غير بين الفرض عليه وبين بيع جزء منها بقدر النفقة، وعبارة "الروضة" تقتضي أن بيع جزء منها إنَّما يكون عند تعذر الفرض، فإنَّه قال بعد ذكر الاستقراض: وإذا لم يجد مالاً آخر .. باع منها بقدر الحاجة؛ لينفق عليها من ثمنه (2)، وصرح بذلك شيخنا ابن النقيب، فقال: ومحله - أي: البيع منها - إذا تعذر الفرض (3)، وعبارة "التَّنبيه" [ص 125]:(وإن هرب الجمَّال وترك الجمَال وفيها فضل .. بيع ما فضل وأنفق عليها، وإن لم يكن فيها فضل .. اقترض عليه)، ففصل بين أن يكون فيها فضل عن حاجة المستأجر .. فمقدم بيع الفاضل على الفرض، وبين أن يكون بقدر حاجة المستأجر .. فيقترض حينئذ، وهو تفصيل حسن، وينبغي أن يكون إطلاق الرافعي والنووي محمولاً عليه؛ ولعلّه مفهوم من قول "المنهاج" [ص 314]:(فإن لم يجد له مالاً) فإنَّه إذا كان فيها زيادة على حاجة المستأجر .. فقد وجد له مالاً لا تعلق لأحد به، وظاهر كلام "التَّنبيه" أنَّه إذا لم يكن فيها فضل .. يتعين الفرض ولا يباع بعضها، وهو مقتضى كلام "الروضة" كما قدمته (4)، ولا يفهم ذلك من عبارة "المنهاج"، وسكت "التَّنبيه" عما إذا لم يكن فيها فضل وتعذر الفرض، والحكم فيها: بيع بعضها بقدر الحاجة، كما اقتضاه إطلاق الرافعي والنووي، وهو موضع ضرورة لا بد منه، وأبهم "التَّنبيه" البائع والمقترض، وهو الحاكم، كما ذكره "المنهاج".
وقوله: (وأنفق عليها)(5) وقول "المنهاج"[ص 314]: (ليمونها) لا يفهم النفقة على
(1) التَّنبيه (ص 124).
(2)
الروضة (5/ 246).
(3)
انظر "السراج على نكت المنهاج"(4/ 269).
(4)
الروضة (5/ 246).
(5)
انظر "التَّنبيه"(ص 125).
متعهدها، وقد صرح في "الروضة" وأصلها بنفقة المتعهد لها (1)، ولا بد منها، وينبغي أن يحمل قول "التَّنبيه" [ص 125]:(بيع ما فضل) على قدر حاجة النفقة كما صرح به "المنهاج"(2) فقد يكون الفاضل عن حاجة المستأجر زائدًا على حاجة النفقة، فلا معنى لبيع الزائد، فيقيد كلام كل منهما بكلام الآخر.
وأعلم: أن المسألة في أعم من أن تكون الجمال معينة أو في الذمة، وعبارة "التَّنبيه" و "المنهاج" لا تنافي ذلك.
2898 -
قول "التَّنبيه"[ص 125]: (ويقبل قوله في النفقة بالمعروف) هو معنى قول النووي في "الروضة" من زيادته: قال أصحابنا: إنَّما يقبل إذا ادعى نفقة مثله في العادة. انتهى (3).
فالمعروف هو المعتاد استدركه على إطلاق الرافعي تصحيح تصديق المنفق.
2899 -
قوله: (وإن لم يكن حاكم فأنفق وأشهد .. رجع)(4) لابد مع ذلك من شرط الرجوع، وقد سبق في نظيره من المساقاة، قال الإمام: ولو كان هناك حاكم وعَسُر إثبات الواقعة عنده .. فهو كما لو لم يكن حاكم، وإذا أثبتنا الرجوع في النفقة بغير حاكم .. فالقول في قدرها قول الجمال، وفيه احتمال للإمام (5).
2900 -
قول "التَّنبيه"[ص 125]: (وإن هرب المكري والعقد على منفعة) كذا في أكثر النسخ، وفي بعضها:(على منفعته)، وعلى الأوَّل يحتاج أن يقدر معه:(وغيَّبَ ما تستوفى منه المنفعة) فإن مجرد الهرب لا يثبت شيئًا، واحترز بالمنفعة عما إذا قدر بالمدة، وقد ذكره بعد ذلك، قاله في "الكفاية"، وفيه نظر.
وقيل: احترز عما إذا كانت على عين معينة.
ورد: بأنه أيضاً على منفعة تلك العين.
وقيل: عما إذا كانت على عمل.
ورد: بأنه منفعة أيضاً، وقيل: المراد على منفعة له، فهو بمعنى قوله في النسخة الأخرى:(على منفعته).
2901 -
قوله فيما إذا كانت الإجارة على عمل في الذمة: (ولا تستقر الأجرة في هذه الإجارة إلَّا
(1) فتح العزيز (6/ 174)، الروضة (5/ 246).
(2)
المنهاج (ص 314).
(3)
الروضة (5/ 246).
(4)
انظر "التَّنبيه"(ص 125).
(5)
انظر "نهاية المطلب"(8/ 154).
بالعمل) (1)، الأصح عند الرافعي والنووي: خلافه (2)، ولذلك قال "المنهاج" [ص 314]:(ومتى قبض المكتري الدابة أو الدار وأمسكها حتَّى مضت مدة الإجارة .. استقرت الأجرة وإن لم ينتفع، وكذا لو اكترى دابة لركوب إلى موضع وقبضها ومضت مدة إمكان السير إليه، وسواءٌ فيه إجارة العين والذمة إذا سلم الدابة الموصوفة) انتهى.
فسوى بين إجارة العين والذمة سواء قدّرت بعمل أو زمان، وعليه مشى "الحاوي"، وقال ابن الرفعة: ويمكن حمل كلام "التَّنبيه" على ما إذا اعتمد العقد العمل، وكلام غيره على ما إذا اعتمد الدابة (3)، أي: والصورة فيهما ورود العقد على الذمة وتقديره بعمل، فقال في الأوَّل: ألزمت ذمتك حملي إلى مكّة على دابة صفتها كذا وكذا، وقال في الثَّاني: استأجرت منك دابة صفتها كذا وكذا تحملني عليها إلى مكّة.
2902 -
قول "المنهاج"[ص 314]: (وتستقر في الإجارة الفاسدة أجرة المثل بما يستقر به المسمى في الصحيحة) هو مثل قول "التَّنبيه"[ص 124]: (فإن كانت الإجارة فاسدة .. استقرت أجرة المثل) بعد قوله: (إن الأجرة تستقر بتسليم العين سواء قدرت بمدة أو عمل)(4) ويرد على إطلاقهما التخلية؛ فإنها قبض للعقار في الصحيحة دون الفاسدة، وكذا الوضع بين يديه يكفي في الصحيحة دون الفاسدة.
وأعلم: أن عرض المؤجر وامتناع المستأجر من التسليم إلى انقضاء المدة والزمان تستقر به الأجرة في الصحيحة كالتسلم، وقد يؤخذ هذا من قول "التَّنبيه" [ص 124]:(فسلم العين) فإنَّه اعتبر التسليم الذي هو فعل المؤجر دون التسلم الذي هو فعل المستأجر، ولا يفهم ذلك من "المنهاج" فإنَّه اعتبر القبض، ولا يكتفى بالعرض في الفاسدة، ذكره صاحب "البيان"(5).
2903 -
قول "المنهاج"[ص 314]: (ولو أجر عبده ثم أعتقه .. فالأصح: أنَّه لا تنفسخ الإجارة)، قد يتوهم أن الحكم كذلك فيما لو أجر أم ولده ثم عتقت بموته، وهو الذي في "الروضة" وأصلها في (الوقف) عن المتولي في أثناء تعليل (6)، لكن في "أصل الروضة" هنا:
(1) انظر "التَّنبيه"(ص 126).
(2)
انظر "فتح العزيز"(6/ 175)، و "الروضة"(5/ 247).
(3)
في حاشية (ج): (قال في "هادي النبيه" تبعاً للنشائي: قلت: الرافعي صرح في القسمين بالاستقرر، فلا يتأتى الحمل المذكور).
(4)
التَّنبيه (ص 124).
(5)
البيان (7/ 334).
(6)
فتح العزيز (6/ 252)، الروضة (5/ 315).
أنَّه على الخلاف فيما لو أجر البطن الأوَّل الوقف ثم مات، قال: وكذا الحكم في إجارة المعلق عتقه بصفة (1).
قلت: مقتضى هذا البناء: تصحيح انفساخ الإجارة، وقد تخرج الصورتان بقول "المنهاج" [ص 314]:(أعتقه) فإنَّه لم ينشئ فيهما بعد الإجارة عتقًا.
2904 -
قوله: (والأظهر: أنَّه لا يرجع على سيده بأجرة ما بعد العتق)(2) لم يبين في "المحرر" هل الخلاف قولان أو وجهان (3)، وتردد في ذلك في "الشَّرح الكبير"(4)، ورجح في "الصَّغير": أنَّه وجهان، فتعبير "المنهاج" بالأظهر يخالفه.
2905 -
قول "التَّنبيه" في هذه الصورة [ص 125]: (ويلزم المولى للعبد أقل الأمرين من أجرته ونفقته) قال في "الكفاية": هذا الوجه على هذا النعت لم أره فيما وقفت عليه.
قلت: هو الأصح من زيادة "الروضة" تفريعًا على الضعيف، فإنا إذا قلنا بالأظهر: أنَّه لا يرجع على سيده بأجرة ما بعد العتق .. فالأصح: أن نفقته في بيت المال، والثَّاني: أنَّها على سيده، قال في "الروضة": فإن قلنا: إنَّها على السيد .. فوجهان:
أحدهما: تجب بالغة ما بلغت، وأصحهما: تجب بأقل الأمرين من أجرة مثله وكفايته (5).
فهذا فرع مترتب على عدم الرجوع عليه بالأجرة، فهما مسألتان تكلم "المنهاج" في إحداهما، وهي: الرجوع بالأجرة، و "التَّنبيه" على الأخرى، وهي: المطالبة بالنفقة، وشملهما معًا بالنفي قول "الحاوي" [ص 385]:(بلا خيار ورجوع) وهذا الذي ذكرناه في نفي الأجرة إنَّما هو في إنشاء العتق، فلو أقر بعتق سابق على الإجارة .. عتق، ولا يقبل قوله في فسخها، ويغرم للعبد أجرة مثله، ذكره في "أصل الروضة" عن الشَّيخ أبي على استطراداً قبيل الصداق في اختلاف الزوجين في النكاح (6).
2906 -
قول "المنهاج"[ص 314]: (ويصح بيع المستأجرة للمكتري، ولا تنفسخ الإجارة في الأصح) الخلاف راجع إلى الانفساخ، أما البيع: فصحيح قطعاً، كما في "أصل الروضة"(7)، وسبقه إليه القفال في "شرح الفروع".
(1) الروضة (5/ 252).
(2)
انظر "المنهاج"(ص 314).
(3)
المحرر (ص 235).
(4)
فتح العزيز (6/ 180).
(5)
الروضة (5/ 251).
(6)
الروضة (7/ 244).
(7)
الروضة (5/ 252).
قال شيخنا ابن النقيب: وقوله في "الوسيط": فالظاهر: الصحة ليس خلافًا في الصحة، بل في انفساخ الإجارة، وهو ظاهر من قوله بعده: وفي وجه تنفسخ الإجارة. انتهى (1).
ونازع في "المهمات" في دعوى القطع، وقال: لم يذكره الرافعي، وتمسك بعبارة "الوسيط"، وقال: إنَّها تشعر إشعاراً ظاهرًا بجريان الخلاف، وصرح به محمَّد بن يَحْيَى في "المحيط" وأبو الخير بن جماعة المقدسي في "شرح المفتاح".
2907 -
قول "التَّنبيه"[ص 125]: (وإن باع من غيره .. لم يصح في أحد القولين، ويصح في الآخر) الأظهر: الصحة، وعليه مشى "المنهاج" و "الحاوي" وهي مذكورة فيه في أوائل البيع، قال هناك:(وإن أوجر)(2)، ويستثنى من جريان الخلاف مسائل:
إحداها: إذا هرب الجمَّال وترك الجمَال المستأجرة .. فإنَّه يباع منها بقدر الحاجة؛ لينفق عليها من ثمنه كما تقدم، قال الرافعي: ولا يُخَرَّج على الخلاف في بيع المستأجر؛ لأنَّه محل ضرورة (3).
الثَّانية: إذا كان البيع في ضمن عتق، كما لو قال: أعتق عبدك عني على كذا، فأعتقه عنه وهو مستأجر .. فإنه يصح قطعًا؛ لقوة العتق، حكاه الرافعي في آواخر (العتق) عن "فتاوى القفال"، وارتضاه (4).
الثَّالثة: قال شيخنا الإمام البلقيني: ينبغي أن يضاف إلى ما استثنى: ما إذا أذن لعبده في النكاح، فنكح ثم التزم العبد عملاً في الذمة .. ففي "أصل الروضة" في نكاح العبد: أن المتولي قال: المذهب: جواز الالتزام؛ لأنَّه دين في الذمة لا يمنع البيع. انتهى (5).
ويرد على إطلاق الصحة: أن محلها: ما إذا كانت الإجارة مقدرة بمدة، فإن قدرت بعمل؛ كما لو استأجر دابة لركوب إلى بلد كذا .. فذكر أبو الفرج الزاز في "تعليقه" في هذا المثال: أن البيع ممتنع قولًا واحدًا؛ لجهالة مدة المسير، حكاه عنه شيخنا الإمام البلقيني، ثم قال: وأكثر المصنفين اقتصروا على ما ذكر المصنف، ويتفرع على بيع المستأجر قسمته، فلو ملك نصف دار، فأجره، ثم تقاسم المؤجر والشريك .. قال شيخنا الإمام البلقيني: لم أقف فيها على نقل صريح، وفي "فتاوى القاضي حسين" ما يدل عليها، والذي يظهر الصحة من غير رضا المستأجر إن قلنا:
(1) السراج على نكت المنهاج (4/ 272)، وانظر الوسيط (4/ 206).
(2)
الحاوي (ص 261)، المنهاج (ص 314).
(3)
انظر "فتح العزيز"(6/ 174).
(4)
انظر "فتح العزيز"(13/ 404).
(5)
الروضة (7/ 224).
القسمة إفراز، وينحصر حقه فيما أفرز، وإن قلنا: بيع - وصححناه، وهو الأصح - .. لم ينحصر حق المستأجر فيما صار لآجره بالقسمة، بل يبقى استحقاقه مشاعاً.
2908 -
قول "التَّنبيه" في المكتري يكري ما اكتراه قبل القبض [ص 124]: (يجوز من المكري في أصح القولين) مقتضى كلام الرافعي: تصحيح المنع؛ فإنَّه قال: فيه وجهان كالبيع من البائع (1)، ومقتضى التشبيه البطلان، وحكى بعد هذا عن البغوي أنَّه قال: فيه وجهان، الأصح: الجواز إن جرى بعد القبض (2)، فمفهومه تصحيح المنع قبله، لكن خالفه النووي في الموضع الأوَّل، فقال من زيادته: الأصح: صحة إجارته للمؤجر (3)، ثم إن الرافعي والنووي في الموضعين نقلاً الخلاف وجهين، وحكاه الشَّيخ قولين.
2909 -
قوله: (وإن أجرها من المستأجر .. جاز في أظهر القولين)(4) رجح الرافعي أن الخلاف وجهان (5).
2910 -
قوله: (وإن انقضت مدة الإجارة وفي الأرض زرع لم يكن بتفريط من المستأجر .. فقد قيل: يجوز إجباره على قلعه، وقيل: لا يجوز)(6) الأصح: أنَّه لا يجوز، ويلزمه أجرة المثل لما زاد، ومحل هذا: إذا استأجر للزراعة مطلقًا وجوزناه، وهو الأصح، فإن عُيّن ما لا يُستَحصد في تلك المدة .. صح إن شرط القلع بعد مضي المدة، وكذا إن أطلق في الأصح، والأصح: وجوب إبقائه بأجرة المثل، وإن شرط الإبقاء .. فسد للتناقض.
2911 -
قوله: (وإن مات الأجير في الحج عنه، أو أحصر قبل الإحرام .. لم يستحق شيئًا من الأجرة، كان كان بعد الفراغ من الأركان .. استحق الأجرة، وعليه دم لما بقي)(7) أعلم أولاً: أن صورة المسألة: أن يرد العقد على عينه، فإن ورد على ذمته .. فالإجارة مستمرة في الأحوال كلها، وقول صاحب "التوشيح":(إن الكلام فيما إذا كانت في الذمة) غلط، والأصح: فيما إذا مات بعد فراغ الأركان وقد بقي عليه شيء من الأعمال كالرمي والمبيت: أن الإجارة تنفسخ فيما بقي، ويرد من الأجرة بقسط ذلك.
وقال شيخنا الإسنوي في "التنقيح": إن كانت الإجارة على العين .. انفسخت فيما بقي،
(1) انظر "فتح العزيز"(6/ 188).
(2)
انظر "فتح العزيز"(6/ 189، 190).
(3)
انظر "الروضة"(5/ 256).
(4)
انظر "التَّنبيه"(ص 125).
(5)
انظر "فتح العزيز"(6/ 189).
(6)
انظر "التَّنبيه"(ص 126).
(7)
انظر "التَّنبيه"(ص 125).
ووجب رد قسطه من الأجرة، ثم يستأجر المستأجر من يفعل عنه، وإن كانت على الذمة .. لم ينفسخ، بل يستأجر من تركته من يقوم بما التزمه، فلا يستقيم حمل كلام الشَّيخ على الذمة، ولا على العين.
قلت: قد عرفت أن صورة المسألة في إجارة العين، وما ذكره الشَّيخ وجه، لكن عبر عنه شيخنا في "تصحيحه" بالصواب (1)، فاقتضى إنكار هذا الوجه، وليس بمنكر، فهو موجود مشهور.
2912 -
قوله: (وإن مات وقد بقي عليه بعض الأركان .. استحق من الأجرة بقدر ما عمل)(2) ظاهره أن التوزيع على العمل فقط، وهو قول صحَّحه ابن يونس، لكن الذي صحَّحه الرافعي والنووي: أنَّه يوزع عليه وعلى السير (3)، وقال شيخنا الإسنوي في "تصحيحه": الصواب فيما إذا مات الأجير في أثناء الحج: أنَّه إن كانت الإجارة على العين .. انفسخت، ولا شيء له. انتهى (4).
وهو مردود؛ فالصحيح: أنَّه يستحق بالقسط، والخلاف في ذلك، والتصحيح في "الروضة" وغيرها (5).
* * *
(1) تذكرة النبيه (3/ 188).
(2)
انظر "التنبيه"(ص 125).
(3)
انظر "فتح العزيز"(3/ 317)، و "الروضة"(3/ 31).
(4)
تذكرة النبيه (3/ 188).
(5)
الروضة (3/ 31).