الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(المبحث الأول): الإيمان بالملائكة الأطهار
تعريف الملائكة -:
الملائكة جمع ملاك، وملك، ولفظه بدون همز أشهر في لغة العرب، وقد يهمز فيقال: ملاك، فعلى هذا يكون أصل الاشتقاق من الألوكة، وهي الرسالة، فيكون سبب التسمية ما أنيط بهم من مهام الإرسال وقد سماهم المولى بذلك فقال:{وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ} [هود: 77].
وقيل: أصله من الملك وهو الأخذ بقوة، وقيل: مخفف من مالك، لتوليهم ما أمرهم الله به من شؤون الناس، كما يسمى من تولى أمر الناس ملكًا.
والقول الأول أقرب وأصح من جهة المعنى، واللغة.
والتاء في ملائكة تأكيدًا لتأنيث الجمع، ومثله الصلادمة؛ الخيل الشداد. (1)
وقيل: هي للمبالغة، كعلامة ونسابة، والأول أصح. (2)
- ويعرف الملك في الاصطلاح؛ "بأنه جسم لطيف نوراني يتشكل بأشكال مختلفة"(3)
- وحقيقة الملائكة، كما دلت على ذلك النصوص الشرعية: خلق من خلق الله تبارك وتعالى، عقلاء، نورانيون، أحياء، ناطقون، أولو أجنحة مثنى وثلاث ورباع، منزهون عن الشهوات الحسية، لا تدركهم الحواس المجردة، إلا لمن أراد الله له رؤيتهم كالأنبياء مثلًا.
(1) انظر: اللسان: (7/ 4269)، والقاموس:(3/ 320).
(2)
انظر: فتح الباري: (6/ 306).
(3)
التعريفات للجرجاني: 284، والتعارف للمناوى:675.
قال المصطفى صلى الله عليه وسلم في بيان أصل خلقهم: (خلقت الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم). (1)
وقال تعالى في بيان ما جبلوا عليه من صفات حميدة: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (26) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (27) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (28) وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ} [الأنبياء: 26 - 29].
والإيمان بالملائكة الأطهار من الحقائق الغيبية، التي نوه القرآن بشأن من حقق التصديق بها، وقال:{لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ} [البقرة: 177].
ولم يكتف الشارع الحكيم بأن أوجب الإيمان بها، بل جعل هذا الإيمان مقتضيًا لمحبتها وموالاتها، والاقتداء بها، والمهابة منها.
أما عن محبتها وموالاتها، فقد جعل معاداة ملك من الملائكة سبيلًا لمعاداته تعالى قال تعالى في شأن اليهود:{قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ} [البقرة: 97].
ثم أتبع ذلك ببيان أن من عادى ملائكة الله تعالى، فقد استحق الوصم بالكفر الموجب لغضب الله ولعنته:{مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ} [البقرة: 98].
أما عن الاقتداء بها، فقد نوه المولى تعالى بعظيم عبادتها لله وحسن إخباتها لربها وإدامتها لأنواع العبادة والذكر بما يجعلها أسوة للعابدين الذاكرين، قال تعالى: {وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا
(1) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الزهد والرقائق - باب في أحاديث متفرقة: (18/ 123).
تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ (205) إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ} [الأعراف: 205، 206].
أما عن مهابتها، فقد بين المولى تعالى ما جبل عليه ملائكته الموكلين بالعذاب من عظم الهيئة والغلظة وتمام الطاعة لأمر ربهم، فقال:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} .
- هذا والحديث عن ثمار الإيمان بهم، وما يستلزمه حقيقة التصديق بما ورد في حقهم حديث عظيم، فإن العبد إذا استشعر معية الملائكة له في حال عبادته لربه، كالذكر والدعاء والصلاة والعلم والجهاد، فإنه لا يخفى ما يضفيه ذلك الشعور النابع من حقيقة التسليم على ممارسته لتلك العبادات من جد واجتهاد، وزيادة في الإخلاص، وكلما كان إيمانه بهذه الحقائق الغيبية أقوى، كلما ازداد أثرها، وآتت ثمرها بإذن ربها.
ثم إن في استشعار معيتها، وما تقوم به من أنواع التكاليف المتعلقة بإثابة العبد المؤمن، كالحفظ والاستغفار وحضور مجال الذكر وإنزال السكينة، ما يعينه على الثبات في الطاعة، ويملأ عليه أجواء تلك العبادة بالأنس والطمأنينة، يقول الشيخ محمد قطب: "ويزيد أنس الإنسان بالملائكة حين يعلم أنهم قريبون منه وأن بعضهم يسير معه حيث سار، وبعضهم يتنزلون عليه بالسكينة والطمأنينة؛ كلما أقبل على الله وتوجه إليه.
قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (30) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ} [فصلت: 30، 31] " (1).
إلى جانب ما يضفيه التصديق بهيئتها، وما جبلت عليه من عظيم القدرة على
(1) ركائز الإيمان: 181.
القيام بعظيم المهام، من استشعار قدرة الله تعالى المعجزة، فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في وصف أحدهم:(أذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله من حملة العرش، إن ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام)(1).
رأي الشيخ الصاوي:
أولًا: عالم الملائكة:
يعرف الصاوي الملائكة من جهة اللغة، فيقول: التاء في ملائكة لتأنيث الجمع، وإذا حذفت امتنع صرفه لصيغة منتهى الجموع، جمع ملك وأصله ملأك، ووزنه فعأل فالهمزة زائدة، ومادته تدل على الملك، والقوة، والسلطنة، وقيل: وزنه مفعل فالميم زائدة، وقيل: هو مقلوب وأصله مألك من الألوكة، وهي الرسالة، قلب قلبًا مكانيًا فصار ملاك، وفى وزنه القولان المتقدمان، وعلى كل فيقال: سقطت الهمزة فصار ملك" (2).
- أما من جهة الشرع، فيقول في تعريفهم:"الملائكة أجسام نورانية قادرة على التشكلات بالصور الغير الحسية، ولا تحكم عليهم الصورة"(3).
يوضح الصاوي كيفية الإيمان بالملائكة، فيقول: "يجب الإيمان إجمالًا بجميع الملائكة، وتفصيلًا بمن اشتهر منهم، وهم جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، وعزرائيل، ورقيب، وعتيد، ورضوان، ومالك.
وأما منكر، ونكير، فلا يكفر منكرهما؛ لأنه اختلف في أصل سؤال القبر" (4)
وهذه الشهرة لا تعنى عنده أنهم بمنزلة واحدة، بل الصحيح أن "رؤساءهم أربعة: جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، وعزرائيل".
(1) أخرجه أبو داود في سننه: كتاب السنة - باب في الجهمية، رقم الحديث: 4694: (5/ 238). وصححه الألباني في صحيح أبي داود، برقم: 3953: (3/ 895)، وفي السلسلة الصحيحة 151.
(2)
حاشية الجلالين: (4/ 321)، وشرح المنظومة:142.
(3)
حاشية الجوهرة 46، وانظر: شرح المنظومة.
(4)
حاشية الجوهرة: 46.
ثم يفصل القول في بيان مهام هؤلاء الرؤساء من الملائكة: "فجبريل موكل بالوحي، وميكائيل موكل بالأرزاق، وإسرافيل موكل بالصور، وعزرائيل موكل بالأرواح"(1).
وهذا الإيمان لا يكون إلا وفق ما أتت به الأخبار الصادقة عن صفاتهم، مقرونًا بالاحترام والإكرام، يقول:"يجب الإيمان بالملائكة، أي بأنهم عباد مكرمون، يسبحون الليل والنهار لا يفترون، لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون، لا يوصفون بذكورة ولا أنوثة".
وتأكيدًا لهذا المعنى، وإبعادًا لكل ما يناقضه فإنه يحكم على "من نقص واحد منهم بالكفر، ومن التنقيص قول بعض العامة في حق أعوان الظلمة: إنهم كزبانية جهنم، وقولهم في حق رجل عبوس: إنه كعزرائيل". (2)
ولما كانت الملائكة، كما أتت بذلك الآيات والأحاديث، على هيئة مغايرة للمعهود من المخلوقات، فإنه ينبه إلى بعض ما يمتازون به عن البشر؛ استنباطًا من تلك الآيات والأحاديث الصحيحة، يقول:"ومن خصائصهم أن لهم قدرة على الأفعال العظيمة، كقلع الجبل مثلًا، ولا يموتون إلا بين النفختين، يسكنون العالم العلوي، وينزلون الأرض لتدبير العالم على حسب مناصبهم، وهم أكثر المخلوقات عددًا، فعوالم البر والبحر بالنسبة لهم، كشعرة بيضاء في ثور أسود، وما يعلم جنود ربك إلا هو"(3)
ولكل ما تقدم فلم يكن من مقدور البشر رؤيتهم على صورتهم الحقيقية، فإنه "لم يرى الملك على صورته الأصلية أحد من البشر إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم مرتين مرة في الأرض عند غار حراء، ومرة في السماء عند سدرة المنتهى ليلة الإسراء"(4).
(1) شرح المنظومة: 142، حاشية الجلالين:(3/ 245).
(2)
حاشية الجوهرة: 46.
(3)
حاشية الصلوات: 41. وانظر: حاشية الجلالين: (2/ 314).
(4)
حاشية الجلالين: (2/ 5).
ويتعرض الصاوي لوصف بعض طوائف الملائكة، وذلك عند تفسيره للآيات الواردة فيها، يقول في صفة حملة العرش:"اعلم أن حملة العرش أعلى طبقات الملائكة، وأولهم وجودًا وهم في الدنيا أربعة، وفي يوم القيامة ثمانية".
ويسترسل في وصفهم على ما يراه ثابتًا فيهم، يقول:"ورد أن لكل ملك منهم وجه رجل ووجه أسد ووجه ثور ووجه نسر، وكل وجه من الأربعة يسأل الله الرزق لذلك الجنس، ولكل واحد منهم أربعة أجنحة، جناحان على وجهه مخافة أن ينظر إلى العرش فيتصدع، وجناحان يصفق بهما في الهواء، يروى أن أقدامهم في تخوم الأرض السفلي، والأرضون والسموات إلى حجزهم، ورءوسهم خرقت العرش، وهم خشوع لا يرفعون أطرافهم، وهم أشد خوفًا من أهل السابعة، وأهلها أشد خوفًا من أهل السادسة وهكذا". (1)
وفي تفسير قوله تعالى: {لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ} [الرعد: 11]، يقول: هي "ملائكة تحصي الأعمال لما ورد: إن كل إنسان له ملكان ملك عن يمينه وملك عن شماله، فإذا عمل حسنة كتبها صاحب اليمين حالًا، وإذا عمل سيئة قال صاحب اليمين لصاحب الشمال: اصبر لعله يتوب منها، فإن لم يتب منها كتبها صاحب الشمال.
وقيل المراد بالحفظة: الملائكة الموكلون بحفظ ذوات العبيد من الحوادث والآفات، وهم عشرة بالليل وعشرة بالنهار، وقيل المراد ما هو أعم، وهو الأتم".
ويبين بعد ذلك جواب ما قد يرد من استفسار حول الحكمة من تواجد مثل هذه الأنواع من الملائكة، يقول: فـ "إن قلت إن الله هو الحافظ فلم وكلت الملائكة بحفظ الشخص، أجيب بأن ذلك تكرمة لبني آدم وإظهار لفضلهم، والحكمة في كون الملائكة تكتب على الشخص ما صدر منه؛ أنه إذا علم ذلك ربما كان ذلك داعيًا للخوف والإنزجار عن فعل القبائح والمعاصى"(2).
(1) المرجع السابق: (4/ 3).
(2)
المرجع السابق: (2/ 19).
ويفصل القول في بعض المهام التي أنيطت بالملائكة، كقتالها مثلًا، يقول:"اعلم أن قتال الملائكة من خصائص هذه الأمة، وليس مخصوصًا بواقعة بدر، بل ورد أن جبريل وميكائيل قاتلا مع النبي في أحد، حين فرت أصحابه"(1).
ومع هذا الإقرار منه بعدم تخصيص قتال الملائكة في بدر، فإنه يذهب إلى ما يناقضه في موضع آخر، يقول:"ورد أن جبريل نزل بخمسمائة وقاتل بها في يمين العسكر، ونزل ميكائيل بخمسمائة وقاتل بها في يسار الجيش، ولم يثبت أن الملائكة قاتلت في وقعة إلا في بدر، وأما في غيرها فكانت تنزل لتكثير عدد المسلمين ولا تقاتل". (2)
* * *
تعليق:
يستند تعريف الملائكة بأنهم أجسام نورانية إلى ما ورد في الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (خلقت الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم). (3)
وهذا النور الذي خلق منه الملائكة من مخلوقات الله تعالى، فقد ورد في الحديث عن أبي هريرة - رضى الله عنه - أنه قال:(أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدى فقال: خلق الله عز وجل التربة يوم السبت، وخلق فيها الجبال يوم الأحد، وخلق الشجر يوم الاثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الاربعاء، وبث فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم، عليه السلام، بعد العصر من يوم الجمعة، في آخر الخلق، في آخر ساعة من ساعات الجمعة، فيما بين العصر إلى الليل)(4).
(1) المرجع السابق: (1/ 167).
(2)
المرجع السابق: (2/ 110).
(3)
تقدم تخريجه: 332.
(4)
أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب صفة القيامة والجنة والنار، باب: ابتداء الخلق: (17/ 133).
- أما عن مكانة الإيمان بها، فقد تقدم فرضيتها، وتكفير من أنكر واحد منها، إلا أن ما ذهب إليه الصاوي من استثناء إنكار منكر ونكير من موجبات الكفر، وتعليله ذلك بالاختلاف الواقع في أصل سؤال القبر مما لا سند له، بل الحق أنه:"قد تواترت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثبوت عذاب القبر ونعيمه لمن كان لذلك أهلًا، وسؤال الملكين، فيجب اعتقاد ثبوت ذلك والإيمان به"(1).
وليس في وجود من اعتقد خلاف ذلك ما يمنع من سحب مسمى الكفر عليه على جهة الإجمال؛ لأن إنكار أو رد أي أمر من الأمور التي تواتر الإخبار بها مما يلحق الكفر بصاحبه، ومع ذلك فقد وضع العلماء شروطًا مفصلة لتكفير المعين، وقد سبق الكلام في هذه المسألة. (2)
ولعله قصد بالخلاف في هذه المسألة ما كان من بعض طوائف المعتزلة والخوارج، الذين حكى مذهبهم في ذلك ابن حزم رحمه الله، قائلًا:"ذهب ضرار بن عمرو الغطفاني أحد شيوخ المعتزلة إلى إنكار عذاب القبر، وهو قول من لقينا من الخوارج، وذهب أهل السنة وسائر المعتزلة إلى القول به"(3).
وعلى أي حال فإن مثل هذا الخلاف من هؤلاء الطوائف لا يعتد به لمعارضته ما تواتر خبره عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
أما ذكره من أعمال كبار الملائكة فصحيح مشهور، وقبل بيان مستنده في ذلك يحسن الإشارة إلى الأصول التي يقوم عليها الإيمان بما اتصفت به الملائكة من أعمال:
أما الأصل الأول: فهو الإيمان المجمل بأنه تعالى قد كلفهم بمهام عظيمة وكثيرة، وأنهم قد قاموا بها على أتم ما يكون به الامتثال، قال تعالى: {لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا
(1) شرح الطحاوية: 399.
(2)
راجع مبحث الأسماء والأحكام في فصل: آراؤه في الإيمان: 300.
(3)
الفصل: (4/ 66).
أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [التحريم: 6] كقوله: {لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ} .
أما الثاني: فالإيمان بما ورد على جهة التفصيل من أعمالهم، كالعبادة والتسبيح وتبليغ الوحى، وكتابة الأعمال، وحفظ الناس، وقبض الأرواح، وإنزال القطر، وخزانة الجنة والنار، إلى غير ذلك من الأعمال التي نص الكتاب والسنة بقيامهم بها، وأعظمها على الإطلاق ما يتعلق بتسبيح الله تعالى وتنزيهه، قال تعالى:{وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (19) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ} [الأنبياء: 19، 20].
وقال: {فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ} [فصلت: 38].
يليها ما يتعلق بإرسال الرسل من تبليغ الوحى، فمن المعلوم أن جبريل عليه السلام، أعظم الملائكة مكانة عند الله تعالى:{وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (192) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (194) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ} [الشعراء: 192 - 195].
أما ما يلى ذلك من الأعمال، فقد نص الشارع على الكثير منها، ومن ذلك كتابة الأعمال، قال تعالى:{وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (10) كِرَامًا كَاتِبِينَ} [الانفطار: 10، 11].
ومنها قبض الأرواح، قال تعالى:{قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ} [السجدة: 11].
ومنها النفخ في الصور: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ} [الزمر: 68].
ومنها تعذيب الكفار، والترحيب بالمؤمنين، قال تعالى:{وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ (31)} [المدثر: 31].
وفي ترحيبهم بالمؤمنين: {وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ} [الزمر: 73].
ومنها أعمال لم يرد تفصيل قيامهم بها في القرآن، كقوله تعالى:{وَالصَّافَّاتِ صَفًّا (1) فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا (2) فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا}
والأدلة في هذا الباب كثيرة عظيمة:
- وينطبق ذلك التفصيل في الإيمان بأسمائهم وأعيانهم، فنحن نؤمن بمن ورد تسميتهم أو صفتهم في الكتاب والسنة، كجبريل وميكال ومالك على جهة التفصيل، ونؤمن بكل الملائكة سواء عرفنا أعيانهم بالأسماء أم لا، وذلك على جهة الإجمال، قال تعالى:{وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ} [المدثر: 31].
* * *
أما من أورد الصاوي أعمالهم على جهة التفصيل مقرونًا بأسمائهم، فيفصل
القول فيه، فجبريل عليه السلام وكل بالوحى، وهذا مما تثبته نصوص الكتاب والسنة، وقد ورد ذكره صريحًا في القرآن الكريم، قال تعالى:{قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ} ، وهذا مستفيض معلوم بأدلة الكتاب والسنة.
وكذلك ميكائيل عليه السلام فهو من وكل بالقطر كما ذكر، حيث وردت الأحاديث ببيان ذلك، فقد روى ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل جبريل:(على أي شيء ميكائيل؟ )، فقال: على النبات والقطر" (1)
أما إسرافيل عليه السلام، فقد ثبتت تسميته بهذا الاسم في الأحاديث الصحيحة، فقد كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم إذا قام من الليل:(اللهم! رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدنى لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدى من تشاء إلى صراط مستقيم). (2)
ولكن إضافة النفخ إليه مما لم يثبت فيه دليل معتمد إذ لا تخلو أسانيدها من مقال، منها ما ذكره الطبري في التفسير دون ذكر السند، حيث قال "والصواب عندنا ما تظاهرت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:(إن إسرافيل قد التقم الصور وحنى جبهته ينتظر متى يؤمر بالنفخ). (3)
(1) رواه الطبراني في المعجم الكبير، عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، رقم الحديث: 12061: (11/ 379). وأخرج بنحوه الإمام أحمد في مسنده عن ابن عباس، برقم: 2483، وقال الشيخ أحمد شاكر: إسناده صحيح: (3/ 128).
(2)
أخرجه مسلم: كتاب صلاة المسافرين وقصرها - باب: باب الدعاء في صلاة الليل، رقم الحديث: 1808: (298: 6).
(3)
(7/ 241)، ومنها ما أخرجه البيهقي في شعب الإيمان وحكم بضعفه، فقال: "روينا في حديث آخر بإسناد ضعيف عن ابن عباس في صفة القيامة فذكر في صفة الصور وعظمه وعظم إسرافيل ثم قال: فإذا بلغ الوقت الذي يريد الله أمر إسرافيل فينفخ في الصور النفخة الأولى، فتهبط النفخة من الصور إلى السموات فيصعق سكان الموات بحذافيرها وسكان البحر بحذافيرها ثم تهبط النفخة إلى الأرض، فيصعق سكان الأرض بحذافيرها، وجميع عالم الله وبريته فيهن من الجن والإنس والهوام والأنعام. قال وفي الصور من =
فقد ضعف الإمام ابن حجر رحمه الله جميع الروايات التي ورد فيها نسبة النفخ إليه (1).
وإن كان القول به مما اشتهر عند أهل العلم حتى ذكر القرطبي رحمه الله إجماع الأمة عليه (2)، وكذلك نقل عن الحليمى كما ذكر الحافظ في الفتح. (3)
= الكوي بعدد من يذوق الموت من جميع الخلائق فإذا صعقوا جميعًا، كتاب: الثامن من شعب الإيمان - باب في حشر الناس بعد ما يبعثون من قبورهم إلى الموقف الذي بين لهم من الأرض، رقم الحديث: 353: (1/ 312). ومنها ما أخرجه الطبراني الأوسط عن عائشة، وعندها كعب الحبر فذكر إسرافيل، فقالت عائشة: يا كعب أخبرني عن إسرافيل، فقال كعب: عندكم العلم؟ فقالت: أجل فأخبرني قال: له أربعة أجنحة، جناحان في الهواء، وجناح قد تسربل به، وجناح على كاهله، والعرش على كاهله، والقلم على أذنه، فإذا نزل الوحي كتب القلم، ثم درست الملائكة وملك الصور، جاث على إحدى ركبتيه وقد نصب الأخرى فالتقم الصور محني ظهره، شاخص بصره، قد أمر إذا رأى إسرافيل قد ضم جناحه أن ينفخ في الصور، فقالت عائشة: هكذا سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "رقم الحديث: 9283: (9/ 210) وقد حسنه الهيثمي، فقال: "رواه الطبراني بإسناد حسن: الترغيب والترهيب: (4/ 381)، ولكن العيني في العمدة قدح في صحته لضعف أحد الرواة ويدعى: زيد بن جدعان: (23/ 99).
ومنها ما أورده السيوطي في تفسيره، عن أبي سعيد رضي الله عنه أنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(إسرافيل صاحب الصور، وجبريل عن يمينه، وميكائيل عن يساره" في الدر المنثور وعزاه لسعيد وأحمد وابن أبي داود في المصاحف: (1/ 94)، وانظر: الحبائك في أخبار الملائك: 33.
(1)
يقول: "اشتهرت أن صاحب الصور إسرافيل عليه السلام. ونقل فيه الحليمي الإجماع، ووقع التصريح به في حديث وهب بن منبه المذكور وفي حديث أبي سعيد عند البيهقي وفي حديث أبي هريرة عند ابن مردويه وكذا في حديث الصور الطويل الذي أخرجه عبد بن حميد والطبري وأبو يعلى في الكبير والطبراني في الطوالات وعلى بن معبد في كتاب الطاعة والمعصية والبيهقي في البعث من حديث أبي هريرة، ومداره على إسماعيل بن رافع، واضطرب في سنده مع ضعفه فرواه عن محمد بن كعب القرظي تارة بلا واسطة وتارة بواسطة رجل من الأنصار مبهم أيضًا، وأخرجه إسماعيل بن أبي زياد الشامي أحد الضعفاء أيضًا في تفسيره عن محمد بن عجلان عن محمد بن كعب القرظي، واعترض مغلطاوي على عبد الحق في تضعيفه الحديث بإسماعيل بن رافع وخفى عليه أن الشامي أضعف منه ولعله سرقه منه فألصقه بابن عجلان، وقد قال الدارقطني: إنه متروك يضع الحديث، وقال الخليلي: شيخ ضعيف شخن تفسيره بما لا يتابع عليه. وقال الحافظ عماد الدين بن كثير في حديث الصور: جمعه إسماعيل بن رافع من عدة آثار وأصله عنده أبي هريرة، فساقه كل مساقًا واحدًا. وقد صحح الحديث من طريق إسماعيل بن رافع القاضي أبو بكر بن العربي في سراجه وتبعه القرطبي في التذكرة، وقول عبد الحق في تضعيفه أولى وضعفه قبله البيهقي فوقع في هذا الحديث عند على بن معبد "إن الله خلق الصور فأعطاه إسرافيل فهو واضعه على فيه شاخص ببصره إلى العرش" الحديث، وقد ذكرت ما جاء عن وهب بن منبه في ذلك فلعله أصله": (11/ 368).
(2)
الجامع لأحكام القرآن: (7/ 20).
(3)
الفتح: (11/ 368).
أما عن ملك الموت فقد كانت تسميته بعزرائيل، مما لم يرد فيه أي دليل من الكتاب أو السنة الصحيحة، ولكنه مما اشتهر بين العلماء، يقول الحافظ ابن كثير رحمه الله عند قوله تعالى:{قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ} [السجدة: 11]"وقد سمى في بعض الآثار بعزرائيل وهو المشهور". (1)
ولكن لم يثبت من هذه الآثار حديثًا مرفوعًا، فكل ما ورد في ذلك من الموقوف وهذا ما ذكره السيوطي في عدد من مؤلفاته، فقال: وأخرج ابن أبي الدنيا وأبو الشيخ في العظمة عن أشعث بن أسلم (2). قال: سأل إبراهيم عليه السلام ملك الموت واسمه عزرائيل وله عينان في وجهه وعين في قفاه، فقال:(يا ملك الموت ما تصنع إذا كانت نفس بالمشرق ونفس بالمغرب، ووضع الوباء بأرض والتقى الزحفان، كيف تصنع؟ قال: أدعو الأرواح بإذن فتكون بين أصبعي هاتين) ". (3)
وقد نص رحمه الله في شرحه على النسائي بعدم وجود ما يحكم برفعه للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال:"لم يرد تسميته في حديث مرفوع، وورد عن وهب بن منبه (4) أن اسمه عزرائيل، رواه أبو الشيخ في العظمة" ووافقه السندي في حاشيته على النسائي، فنقل كلامه بنصه. (5).
وقد علم أن وهب بن منبه أحد خيار التابعين إلا أنه كان يكثر من رواية أخبار أهل الكتاب حتى عد أحد أكبر أسباب انتشارها في كتب التفسير، لذا صح التوقف فيما يخبر به خصوصًا مع عدم وجود الخبر الثابت عن المعصوم صلى الله عليه وسلم. (6)
(1) تفسير القرآن العظيم: (3/ 599). أضواء البيان: (6/ 504).
(2)
أشعث بن أسلم العجلي البصري يروي عن أبي أبيه عن موسى روى عنه سعيد بن أبي عروبة: ثقات لابن حبان: (6/ 63).
(3)
الدر المنثور: (5/ 188). والحبائك في أخبار الملائك: 42.
(4)
وهب بن منبه بن حزن الأنصاري من أهل المدينة يروى عن عبد الله بن أنيس وله صحبة روى عنه محمد بن إسحاق بن يسار: الثقات لابن حبان (5/ 488).
(5)
شرح السيوطي، مع حاشية السندى:(4/ 424 - 425).
(6)
الإسرائيليات والموضوعات، للشيخ أبو شهبة:105.
- وفي حديثه عن حملة العرش، وصفهم بعدد من الأوصاف، فقد تناول بيان عددهم فاختار أنهم أربع ويوم القيامة، يزيدون فيصير عددهم ثمانية، وكانت حجة من ذهب إلى هذا حديث رواه الطبري، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:(يحمله اليوم أربعة ويوم القيامة ثمانية)(1)، وغيره مما يفيد نفس المعنى إلا أن الاحتجاج بها لا يصح لضعفها الشديد (2).
- والأصح في هذا التوقف بالنسبة لحال الدنيا؛ لعدم المستند الصحيح في ذلك، أما في الآخرة فإن الآية الكريمة نص في إثبات العدد، أما الكيف فلا يعلم حقيقته إلا الله، قال تعالى:{وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ} [الحاقة: 17].
أما ما ذكره من وصف أولئك الأربعة، فهذا ما روى عن أبي عباس (3) رضي الله عنهما ولكن الاحتجاج به لا يسلم لضعف إسناده.
والصحيح المسألة ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله من حملة العرش، وإن ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام)(4).
- وكان موقف الصاوي من جهاد الملائكة موقفًا يظهر فيه الاضطراب والتناقض، ولكن الصحيح فيما ذهب إليه أولًا من أن الملائكة لا يختص جهادها مع المؤمنين في غزوة بدر، ويسند هذا القول الكثير من الأحاديث وأقوال الصحابة، بل والأخبار والقصص عن المجاهدين الصادقين، ومن ذلك الحديث الصحيح، فعن عائشة
(1) رواه الطبري وإسناده منقطع: (29/ 59).
(2)
منها حديث قال فيه رسول الله صدق يقصد به بيتًا لأمية بن أبي الصلت، انظر: تضعيف الألباني له في السنة: (256).
(3)
رواه عبد الله بن الإمام أحمد في السنة: 35، وانظر: الدر المنثور وعزاه السيوطي لأبي الشيخ عن مكحول رضي الله عنه: (5/ 346).
(4)
سبق تخريجه: 334.
- رضي الله عنها: أن رسول الله لما رجع يوم الخندق، ووضع السلاح واغتسل، فأتاه جبريل وقد عصب رأسه الغبار، فقال:(وضعت السلاح، فوالله ما وضعته، فقال رسول الله: (فأين). قال: ها هنا، وأومأ إلى بنى قريظة. قالت: فخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم). (1)
* * *
(1) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الجهاد والسير - باب الغسل بعد الحرب والغبار، رقم الحديث: 2813 ولمزيد من التوسع فيما صح من أخبار الملائكة، يوصى بالرجوع إلى كتاب الملائكة المقربين، للدكتور/ محمد العقيل.