الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تمهيد
إن تعريف التصوف تعريفًا جامعًا مانعًا دالًا على ما يعالجه من مسائل وقضايا لمما يتعذر الوقوف عليه في كتب أهله العارفين به، فإذا أراد الباحث معرفة معنى التصوف كمصطلح له دلالته، يجد نفسه أمام كم كبير من العبارات المتعددة، بل والمتباينة، وهذه العبارات تتعدد اتجاهاتها بالنسبة للدلالة على هوية هذا العلم، فمنها ما يتجه الي توضيح الثمرة والهدف، ومنها ما ينصب على كشف الوسيلة التي يكون بها تلقى هذا العلم.
وهكذا يجد الباحث نفسه أمام عبارات كثيرة متعددة الاتجاهات، أقرب ما تكون إلى التقريب والوصف دون إصابة الهدف، وهاك بعضًا مما قيل في تعريفه:
- وقال ابن خلدون (1): التصوف هو "العكوف على العبادة والانقطاع إلى الله تعالى والإعراض عن زخرف الدنيا وزينتها، والزهد فيما يقبل عليه الجمهور من لذة ومال وجاه، والانفراد في الخلوة للعبادة". (2)
- وقال الشعرانى (3): ليس علم التصوف إلا معرفة طريق الوصول إلى العمل بالإخلاص لا غير". (4)
- وقال الجنيد: تصفية القلب عن موافقة البرية، ومفارقة الأخلاق الطبيعية،
(1) هو عبد الرحمن بن محمد بن محمد بن محمد بن عبد الرحيم الأشبيلى، المالكى، المعروف بابن خلدون، عالم فقيه أدب مؤرخ اجتماعي ولد سنة: 732 هـ تولى القضاء على المذهب المالكى بالقاهرة مرارًا، تقدم في الفنون ومهر في الكتابة، من مؤلفاته: العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر. توفى سنة: 808 هـ. انظر: شذرات الذهب: (7/ 76). ومعجم المؤلفين: (5/ 188).
(2)
مقدمة ابن خلدون 333.
(3)
هو عبد الوهاب بن أحمد بن على الحنفى نسبة إلى محمد ابن الحنفية الشعرانى، من علماء المتصوفين، ولد في قلقشندة بمصر سنة: 898 هـ له عدد من التصانيف في العلوم والمعارف التي تمثل الاتجاه الصوفى المتأخر، منها: الأنوار القدسية في معرفة آداب العبودية - والطبقات الكبرى والقواعد الكشفية في الصفات الإلهية وغيرها كثير، توفي سنة: 973 هـ. شذرات الذهب: (8/ 372)، والأعلام:(4/ 180).
(4)
الأنوار القدسية في بيان قواعد الصوفية، للشعراني:260.
وإخماد صفات البشرية، ومجانبة الدعاوى النفسانية، ومنازلة الصفات الروحانية، والتعلق بعلوم الحقيقة، واستعمال ما هو أولى على السرمدية، والنصح لجميع الأمة، والوفاء لله تعالى على الحقيقة، واتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشريعة
وقال دلف الشبلى: التصوف الجلوس مع الله تعالى بلا هم". (1)
وعرفه ابن عربى بأنه: "الوقوف مع الآداب الشرعية ظاهرًا وباطنًا وهى الخلق الإلهية، وقد يقال بإزاء إتيان مكارم الأخلاق، وتجنب سفاسفها". (2)
ويقول الكاشانى (3): "التصوف هو التخلق بالأخلاق الإلهية". (4)
ولعل في اختلاف وجهات النظر حول التعريف، ما يكشف عن حقيقة هذا العلم، فالغموض والمعانى الوجدانية من الأمور التي لا يكاد يفارق الباحث ملاحظتها في الكثير من المسائل التي تمحور اهتمام التصوف حولها، وقد يرجع هذا لأسباب عدة، من أهمها:
- أولًا: مراحل التصوف، ويدخل في هذا نشأته والعوامل المؤثرة فيه، فقد مر التصوف بمراحل مختلفة ومتعددة، ففى بداية نشأته كان يتسم بالبساطة والبعد عن التعقيد الفلسفى، ينحو في معظم اهتماماته إلى تقويم الجانب السلوكى، فالزهد والعزوف عن الدنيا هو الطابع الذي يميزه في هذه المرحلة.
أما في المراحل المتأخرة منه، وذلك حين أخذت الروافد الغريبة المتأثرة بالفلسفات والأديان القديمة تؤثر على مجرى الفكر، أصبحت قضاياه الأساسية المنصبة على الاتجاه النظرى التقعيدى الفلسفى أساسًا للترقى بالسلوك نحو الهدف، وهو التخلق بالخلق الإلهى، كما هو ملاحظ من تعريف ابن عربى: الفيلسوف الصوفى.
(1) الرسالة القشيرية: 282 - والتعريفات للجرجانى: 88.
(2)
رسائل ابن عربي: 541.
(3)
هو عبد الرزاق الكاشانى بن أحمد بن الكاشانى اشتغل بالتصوف وألف فيه عددًا من المصنفات، من أشهرها: شرح منازل السائرين للهروى، شرح فصوص الحكم لابن عربى، شرح تائبة ابن الفارض، الإفهام في اصطلاحات الصوفية، مات سنة: 730 هـ. معجم المؤلفين: (5/ 215).
(4)
اصطلاحات الصوفية: 164.
ثانيًا: مع تبلور الفكر الصوفى كانت النزعة الوجدانية ذات صبغة عالية التأثير على المفاهيم والأسس، ولهذا أسباب سيرد ذكرها فيما بعد - بإذن الله تعالى -، فأصبح مصدر التلقى المعتمد هو الوجدان أو التجربة الشعورية، فليس ثمة معيار ثابت ذى قيم مستقيمة، ينبنى على أساسه استيعاب المصطلحات الصوفية، أو التعبير عنها، بدأ من مصطلح التصوف (1).
ويمعن بعضهم في تقرير هذا السلوك لتلقى المعارف عندهم، ومن ذلك ما حكاه الشعرانى في ترجمة على ولده (2)، حيث قال عنه:"الضروريات والبديهيات إنما هي أمور وجدانيات وهى أصول النظريات، فالوجد أصل أصول هذا الباب فافهم، وإنما احتيج إلى الحجج والأدلة لتوقع المطالب في النفس موقع الوجدان أو ما يقاربه، متى وجدت المطلوب لم تحتج إلى شيء من ذلك، فيا واجد الحق تحقيقًا أو تصديقًا حسبك وجدك، . . .، : {قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ} [فصلت: 44]، {أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ} [المجادلة: 22] فالأمر عندهم وجدانى فافهم {الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ} [الأعراف: 157] ". (3)
- وقد التزم أهل التصوف في سيرهم على هذا المنهج المتضارب العجيب آدابًا يتمسكون بها أشد التمسك، وكان في مقدمتها تعظيم الشيخ والتلقى عنه بلا أدنى جدال أو اعتراض، حتى غدا هذا الضرب من الالتزام الأخلاقي سببًا كبيرًا وأساسًا صلبًا لاتساع دائرة التصوف ودخول عدد كبير من الناس فيه، حيث عمل على سد باب الاعتراض الذي يفرضه التضارب الحاصل في الفكر الصوفى، والذي يعمل جاهدًا في محاولة الانتماء إلى الإسلام وعدم الخروج عنه، ولو ظاهرًا.
* * *
(1) انظر: الرسالة القشيرية: 279.
(2)
هو الصوفى المتعمق على ولده ولد ليلة الأحد حادى عشر محرم سنة إحدى وستين وسبعمائة، توفى عام أحد وثمانمائة، وله عدد من المؤلفات في فنون التصوف. انظر: الطبقات الكبرى للشعرانى: (394).
(3)
المرجع السابق: 431.