المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

يقول: "المعنى: لو فرض له شريك في الملك لنازعه وقاتله - آراء الصاوي في العقيدة والسلوك

[أسماء بنت محمد توفيق بركات ملا حسين]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة

- ‌الباب الأول: حياة الشيخ الصاوى

- ‌الفصل الأول: عصر الصاوي

- ‌(المبحث الأول): الحالة السياسية

- ‌الاضطرابات والقلاقل السياسية:

- ‌ مذبحة المماليك بالقلعة سنة 1811 م:

- ‌محاربة الدعوة السلفية:

- ‌ القضاء على الزعامة الشعبية والدينية بنفى عمر مكرم:

- ‌(المبحث الثاني): الحالة الاجتماعية

- ‌(المبحث الثالث): الحالة العلمية والدينية

- ‌الفصل الثاني: حياة الصاوى

- ‌(المبحث الأول): سيرته الذاتية

- ‌1 - اسمه ونشأته:

- ‌2 - صفاته وأخلاقه

- ‌3 -‌‌ شيوخهوتلاميذه

- ‌ شيوخه

- ‌تلاميذه:

- ‌(المبحث الثاني): مكانته العلمية ومؤلفاته

- ‌مكانتها العلمية:

- ‌الحواشى العقدية:

- ‌الفصل الثالث: منهجه في تحري مسائل الاعتقاد

- ‌(المبحث الأول): مصادره في العقيدة

- ‌أولًا: مكانة العقل في التلقى:

- ‌ثانيًا: حجية الإلهام:

- ‌المناقشة:

- ‌أولًا: مصادر التلقى:

- ‌ثانيًا: نقض دعاويهم في تقديم العقل:

- ‌ثالثًا: التناقض لازم لهذا المسلك:

- ‌رابعًا: حجية الإلهام:

- ‌(المبحث الثاني): منهجه في الاستدلال

- ‌أولًا: الاستدلال بقياس الغائب على الشاهد:

- ‌مناقشة:

- ‌ثانيًا: الاستدلال بالسبر والتقسيم:

- ‌ثالثًا: الاستدلال بالقياس المنطقي:

- ‌المناقشة:

- ‌ثالثًا: منهجه في الاستدلال بالقرآن والسنة:

- ‌أولًا: الاستدلال بالنص:

- ‌ثانيًا: الاستدلال بالظاهر:

- ‌المناقشة:

- ‌مسلك التأويل والتفويض:

- ‌ أولًا المراد بالمتشابه:

- ‌ ثانيًا: المراد بالتأويل:

- ‌الباب الثاني: (آراؤه في العقيدة)

- ‌الفصل الأول: (آراؤه في معرفة الله والاستدلال على وجوده)

- ‌(المبحث الأول): معرفة الله تعالى

- ‌(تمهيد)

- ‌طرق المعرفة

- ‌رأى الشيخ الصاوى:

- ‌المناقشة:

- ‌التقليد وحكم المقلد

- ‌رأى الشيخ الصاوى:

- ‌المناقشة:

- ‌(المبحث الثاني): الاستدلال على وجود الله تعالى

- ‌ دليل حدوث الأجسام

- ‌رأي الشيخ الصاوي:

- ‌المناقشة:

- ‌دليل الإمكان

- ‌رأي الشيخ الصاوي:

- ‌المناقشة:

- ‌الفصل الثاني: (آراؤه في التوحيد)

- ‌تمهيد

- ‌(المبحث الأول): تعريف التوحيد

- ‌رأي الشيخ الصاوي:

- ‌المناقشة:

- ‌(المبحث الثاني): دليل التوحيد

- ‌رأي الشيخ الصاوى:

- ‌المناقشة:

- ‌(المبحث الثالث): شهادة التوحيد ونواقضها

- ‌رأى الشيخ الصاوى:

- ‌المناقشة:

- ‌الفصل الثالث: (آراؤه في الأسماء والصفات)

- ‌تمهيد

- ‌(المبحث الأول): المسائل المتعلقة بالأسماء الحسنى

- ‌أسماء الله تعالى كلها حسنى:

- ‌أسماء الله تعالى توقيفية:

- ‌أسماء الله تعالى غير محصورة بعدد:

- ‌ أسماء الله تعالى غير مخلوقة:

- ‌رأى الشيخ الصاوي:

- ‌المناقشة:

- ‌(المبحث الثاني): المسائل المتعلقة بصفات الله تعالى

- ‌أولًا: الصفات السلبية

- ‌ثانيًا: صفات المعاني

- ‌ثالثًا: الصفة النفسية

- ‌رابعًا: الصفات المعنوية

- ‌خامسًا: موقفه من الصفات الأخرى

- ‌ أولًا: صفة الرحمة والغضب والمحبة:

- ‌ ثانيًا الصفات الخبرية الذاتية:

- ‌الفصل الرابع: آراؤه في الإيمان

- ‌تمهيد

- ‌(المبحث الأول): حقيقة الإيمان

- ‌رأى الشيخ الصاوي:

- ‌المناقشة:

- ‌(المبحث الثاني): العلاقة بين الإسلام والإيمان

- ‌رأي الشيخ الصاوي:

- ‌المناقشة:

- ‌(المبحث الثالث): الأسماء والأحكام

- ‌أولًا: حقيقة الإيمان، وبيان ما يناقضه:

- ‌ثانيًا: تحقيق الوعد مع وجود مسببه من الإيمان:

- ‌ثالثًا: تحقق الوعيد مع وجود المقتضى من الكفر:

- ‌رابعًا: موانع إنفاذ الوعيد لأصحاب الكبائر من المسلمين:

- ‌خامسًا: الرد على شبه الوعيدية:

- ‌سادسًا: موقفه من مخالفيه (دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله:

- ‌الفصل الخامس: (آراؤه في الإيمان بالملائكة)

- ‌(المبحث الأول): الإيمان بالملائكة الأطهار

- ‌(المبحث الثاني) عالم الجن والشياطين

- ‌الفصل السادس: آراؤه في الإيمان بالكتب

- ‌تمهيد

- ‌(المبحث الأول): تعريف الوحي

- ‌رأي الشيخ الصاوي:

- ‌تعليق:

- ‌(المبحث الثاني): الإيمان بالكتب السابقة

- ‌رأي الشيخ الصاوي:

- ‌كلامه في التوراة:

- ‌كلامه في الإنجيل:

- ‌كلامه في الزبور:

- ‌مناقشة:

- ‌(المبحث الثالث): الإيمان بالقرآن الكريم

- ‌رأي الشيخ الصاوي:

- ‌المناقشة:

- ‌الفصل السابع: آراؤه في الإيمان بالنبوات

- ‌تمهيد

- ‌(المبحث الأول): مفهوم النبوة والرسالة

- ‌رأي الشيخ الصاوي:

- ‌تعليق:

- ‌(المبحث الثاني): الإيمان بالرسل والأنبياء

- ‌رأي الشيخ الصاوي:

- ‌التعليق:

- ‌أولًا: المفاضلة بين البشر والملائكة:

- ‌ثانيًا: عصمة الأنبياء:

- ‌ثالثًا: ما يتعلق بالأحوال البشرية:

- ‌(المبحث الثالث): خاتم الأنبياء عموم رسالته

- ‌رأي الشيخ الصاوي:

- ‌أسماؤه الشريفة:

- ‌مكانته بين الرسل:

- ‌خصائصه صلى الله عليه وسلم

- ‌مظاهر الغلو فيه صلى الله عليه وسلم

- ‌المناقشة:

- ‌أولًا: أسماؤه الشريفة:

- ‌ثانيًا: قضية التفضيل:

- ‌ثالثًا: الغلو فيه صلى الله عليه وسلم

- ‌(المبحث الرابع): دلائل النبوة

- ‌رأي الشيخ الصاوي:

- ‌تعليق:

- ‌الفصل الثامن: (آراؤه في الإيمان باليوم الآخر)

- ‌تمهيد

- ‌(المبحث الأول): تعريف اليوم الآخر، وأدلته

- ‌رأي الشيخ الصاوي:

- ‌تعليق:

- ‌(المبحث الثاني): الإيمان بأشراط الساعة

- ‌رأي الشيخ الصاوي:

- ‌تعليق:

- ‌(المبحث الثالث): الموت، وحياة البرزخ

- ‌الروح والموت

- ‌حياة البرزخ

- ‌(المبحث الرابع): حقائق يوم القيامة

- ‌ المحشر وعرضات يوم القيامة

- ‌الجنة والنار

- ‌الفصل التاسع: (آراؤه في الإيمان بالقضاء والقدر)

- ‌(المبحث الأول): القضاء والقدر (تعريفه ومراتبه)

- ‌رأي الشيخ الصاوي:

- ‌أولًا: تعريف القدر:

- ‌ثانيًا: تعريف القضاء:

- ‌ثالثًا: مراتب القدر:

- ‌مرتبة العلم:

- ‌مرتبة الكتابة:

- ‌مرتبة المشيئة:

- ‌مرتبة الخلق:

- ‌المناقشة:

- ‌(المبحث الثاني): الحكمة والتعليل في أفعال الله تعالى

- ‌رأي الشيخ الصاوي:

- ‌موقفه من الظلم:

- ‌المناقشة:

- ‌حقيقة الظلم:

- ‌(المبحث الثالث): أفعال العباد

- ‌أدلة القدرية والجبرية:

- ‌رأي الشيخ الصاوي:

- ‌أولًا: أفعال العباد وحقيقتها القدرية:

- ‌ثانيًا: الأسباب، وموقف الناس منها:

- ‌ثالثًا: أدلة رجح بها مذهب الأشعري، ورد بها على مخالفيه:

- ‌الأدلة السمعية:

- ‌الأدلة العقلية:

- ‌رابعًا: حقيقة القدر في الفكر الصوفي:

- ‌المناقشة:

- ‌ نظرية الكسب في الفكر الأشعري

- ‌الفصل العاشر: آراؤه في الصحابة والإمامة

- ‌تمهيد

- ‌(المبحث الأول): الصحابة الكرام

- ‌أولًا: تعريف الصحابة:

- ‌ثانيًا: فضائل الصحابة:

- ‌ثالثًا الدفاع عن الصحابة:

- ‌التعليق:

- ‌ تعريف الصحابة:

- ‌فضل الصحابة:

- ‌الدفاع عن الصحابة:

- ‌(المبحث الثاني): الإمامة

- ‌تعليق:

- ‌أولًا: حكم تنصيب الوالي:

- ‌ثانيًا: ما تنعقد به البيعة:

- ‌صفات الوالي:

- ‌تعدد الولاة:

- ‌حق الإمام:

- ‌الباب الثالث: (آراؤه في باب السلوك)

- ‌الفصل الأول: (التصوف وآدابه)

- ‌تمهيد

- ‌(المبحث الأول): مفهوم التصوف

- ‌(المبحث الثاني): آداب التصوف

- ‌رأي الشيخ الصاوي:

- ‌أهمية اختيار الشيخ:

- ‌صفات الشيخ:

- ‌آداب السلوك:

- ‌أولًا: ما يتعلق بآداب اختيار العلم:

- ‌ثانيًا: الآداب المتعلقة بحق الشيخ:

- ‌الآداب المتعلقة بجماعة الطلاب:

- ‌المناقشة:

- ‌أولًا: مكانة علم التصوف بين العلوم:

- ‌ثانيًا: صفات الشيخ:

- ‌آداب التلقي:

- ‌احترازات في التلقي:

- ‌أولًا: طاعة الشيخ:

- ‌ثانيًا: التبرك بالشيخ:

- ‌ثالثًا: ملاحظة الشيخ:

- ‌رابعًا: الاستغناء بالشيخ:

- ‌الفصل الثاني: (المقامات والأحوال)

- ‌تمهيد

- ‌تعريف المقام:

- ‌تعريف الحال:

- ‌(المبحث الأول): أقسام المقامات (عند الصوفية)

- ‌الفناء والبقاء:

- ‌الجمع والفرق:

- ‌أحكام البقاء:

- ‌مقام الجمع:

- ‌مقام الفرق:

- ‌(المبحث الثاني): منهج الصوفية في التأصيل للمقامات

- ‌رأي الشيخ الصاوي:

- ‌المناقشة:

- ‌(المبحث الثالث): وحدة الوجود ووحدة الشهود

- ‌أولًا: وحدة الوجود:

- ‌ثانيًا: وحدة الشهود:

- ‌المناقشة:

- ‌أولًا: نقض وحدة الوجود:

- ‌موقف الصاوي:

- ‌ثانيًا: حقيقة وحدة الشهود:

- ‌(المبحث الرابع): الترقي في المقامات

- ‌رأي الشيخ الصاوي:

- ‌أولًا: عقبات الترقي:

- ‌ثانيًا: طريق الخلاص:

- ‌المناقشة:

- ‌الفصل الثالث: (الولاية والكرامة)

- ‌تمهيد

- ‌(المبحث الأول): حقيقة الولاية

- ‌ تعريف الولاية:

- ‌ حقيقة الولي

- ‌رأي الشيخ الصاوي:

- ‌صفات الولي:

- ‌شرط الولاية:

- ‌الفرق بين الولي والدعي:

- ‌جزاء الأولياء:

- ‌طرق الولاية:

- ‌فضائل الأولياء:

- ‌زمن الولاية:

- ‌المناقشة:

- ‌حقيقة الولاية:

- ‌ معرفة الولي:

- ‌طرق الولاية:

- ‌فضائل الأولياء:

- ‌مدة الولاية:

- ‌المبحث الثاني: حقيقة الكرامة

- ‌رأي الشيخ الصاوي:

- ‌المناقشة:

- ‌الخاتمة

- ‌المصادر والمراجع

الفصل: يقول: "المعنى: لو فرض له شريك في الملك لنازعه وقاتله

يقول: "المعنى: لو فرض له شريك في الملك لنازعه وقاتله واستعلى عليه لكنه لم يوجد من هو بهذه المثابة، فبطل التعدد وثبتت الوحدانية". (1)

كما أنه يستدل للوحدانية بدليل النفس وما فيها من بديع الإتقان، يقول في تفسير قوله تعالى:{هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا} [الأعراف: 189]: "أي لأنه المالك المتصرف. وهذا أعظم دليل على انفراده بالوحدانية". (2)

‌المناقشة:

يعد هذا الدليل من البراهين المسلمة التي يجزم بصدقها، بل هو مقتضى الضرورة العقلية، إذ كل ما يمكن حدوثه من افتراض تعدد الآلهة قد علم امتناعه بما فطرت عليه النفوس، ومن ذلك: استحالة اجتماع النقيضين، واستحالة ارتفاعهما، وكذلك استحالة اجتماع مؤثرين على فعل واحد، واستحالة أن يكون الرب عاجزًا.

فكل ما تقدم هو من المبادئ الأولية، التي يستدل بها، ولا يستدل لها.

يقول شيخ الإسلام بعد تقريره للدليل على طريقة المتكلمين: "وهذا أمر مستقر في فطر بنى آدم وعقولهم، وإن تنوعت العبارات عنه، وإن كان قد يحتاج إذا تغيرت فطرة أحدهم باشتباه الألفاظ والمعانى إلى بسط وإيضاح"(3)، وقد رد رحمه الله على من انتقد دلالته على إثبات الوحدانية من الفلاسفة، كابن رشد وغيره (4)، فقال:"ليس الأمر كما ظنه هؤلاء؛ بل هو برهان صحيح عقلى، كما قدره فحول النظار". (5)

(1) حاشية الجلالين: (2/ 327).

(2)

المرجع السابق: (2/ 104).

(3)

الدرء: (9/ 364).

(4)

وكان محل اعتراضهم أن متقدمى الأشاعرة لم يوردوا في الدليل إمكان اتفاق الآلهة، بل اكتفوا بما يلزم من اختلافهم، ولكن متأخرى الأشاعرة فطنوا إلى هذا وأوردوا بطلان الاتفاق كما ذكر الصاوى، انظر الصفحة السابقة، ولشيخ الإسلام كلام أبطل فيه هذا الاعتراض بين فيه أن امتناع اختلاف الآلهة أبلغ في بيان عجزها [فإنه إذا لم يجز أن يريد أحدهما ويفعل إلا ما يريده الآخر ويفعله لزم أن لا يكون واحد منهما قادرًا]. الدرء:(9/ 356) وانظر: منهاج السنة النبوية: (3/ 306 - 307).

(5)

الدرء: (9/ 354).

ص: 179

يبقى التنبيه هنا إلى أن شيخ الإسلام رحمه الله مع كونه أقر بصحة استدلال المتكلمين به إلا أنه لا يوافقهم في دلالة القرآن عليه، وذلك لبداهته واستقراره في الفطر ولكون الخصومة الواقعة من الأمم لم تكن في أحقيته، يقول بعد تقريره لدليل التمانع: "وبالجملة فالدلائل العقلية على هذا متعددة، وإن كان من الناس من يزعم أن دليل ذلك هو السمع، لكن هذا المطلوب الذي أثبتوه هو متفق عليه بين العقلاء.

ومقصود القرآن توحيد الإلهية، وهو مستلزم لما ذكروه من غير عكس" (1)

وقد ذهب إلى القول بدلالة السمع عليه الكثير من علماء السلف كما سيأتي بإذن الله؛ وعليه فإن ما استدل به الصاوى من الآيات الكريمة - كغيره من المتكلمين - لتقرير هذا الدليل صحيح في الجملة، فالقرآن الكريم قد اشتمل على كافة الأدلة التي ينبنى عليها الاعتقاد السليم، وقد يكون ذلك إما على سبيل التقرير، أو الرد على المخالف، فمن المعلوم ما وقعت به النصارى من شرك في ربوبية الله تعالى، حيث أثبتوا له الولد والصاحبة تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا، وللقرآن الكريم أساليب متعددة كلها تبين بطلان هذا الزعم، وما ينبنى على تصوره من فساد محال، يجزم باستحالة ذلك المعتقد، في كثير من الآيات، ومن تلك الأدلة قوله تعالى:{مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ} [المؤمنون: 91].

فقد دلت الآية الكريمة على إبطال ما يلزم من إثبات الشركة لله تعالى، وبطلان اللازم دليل على بطلان ملزومه.

يقول الإمام ابن كثير (2) في تفسير الآية: "لو قدر تعدد الآلهة لا نفرد كل منهم

(1) المرجع السابق: (9/ 369). وانظر: ابن تيمية السلفى، للشيخ محمد خليل هراس:82.

(2)

هو الحافظ الكبير عماد الدين إسماعيل بن عمر بن كثير الدمشقى الفقيه المحدث المفسر المؤرخ انتهت إليه رياسة العلم في هذه الفنون أخذ عن الشيخ تقى الدين ابن تيمية فأكثر عنه من أشهر مصنفاته: تفسير القرآن العظيم، والبداية والنهاية، وجمع المسانيد العشرة، توفى سنة:774. انظر: شذرات الذهب: (6/ 231).

ص: 180

بما خلق فما كان ينتظم الوجود، والمشاهد أن الوجود منتظم متسق كل من العالم العلوى والسفلى مرتبط بعضه ببعض في غاية الكمال ثم لكان كل منهم يطلب قهر الآخر وخلافه. فيعلو بعضهم على بعض". (1)

أما اللازم الأول وهو انفراد كل إله بما خلق، فباطل؛ لأنه يتنافى مع ما يجب أن يتصف به الرب الحق من القدرة التامة لخلق كافة المخلوقات، مع القيام بشؤونها وتدبيرها، فتكون بذلك تحت تصرفه وقهره، أما ما خلا ذلك، فليس برب على وجه الحقيقة.

وأما اللازم الثاني لوجود التعدد؛ فهو علو بعض الأرباب على بعض، بحيث يطلب كل منهما العلو على الثاني حتى تتحقق له الربوبية؛ لان مقتضى الربوبية لا يتحقق إلا بانفراد الرب في تصريف شؤون الخلق، إيجادًا وتدبيرًا.

يقول شيخ الاسلام: "وبيان التلازم أنه إذا كان معه إله، امتنع أن يكون مستقلًا بخلق العالم، مع أن الله تعالى مستقل بخلق العالم". (2)

ولما علم بطلان هذين اللازمين لما هو ملاحظ من انتظام المخلوقات، وسيرها وفق سنن ثابتة، بطل ملزومهما، وهو إمكان تعدد الأرباب، ولم يبق إلا أن يكون الرب هو الله تعالى لا شريك له (3)، يقول الشيخ السعدى:"واعتبر ذلك بالشمس والقمر، والكواكب الثابتة، والسيارة، فإنها منذ خلقت وهى تجري على نظام واحد، وترتيب واحد، كلها مسخرة بالقدرة مدبرة بالحكمة لمصالح الخلق كلهم، ليست مقصورة على أحد دون أحد، ولن ترى فيها خللًا ولا تناقضًا ولا معارضة في أدنى تصرف، فهل يتصور أن يكون ذلك تقدير إلهين ربين". (4)

(1) تفسير القرآن العظيم: (3/ 338).

(2)

منهاج السنة النبوية: (3/ 315).

(3)

انظر: منهاج السنة: (3/ 315).

(4)

تيسير الكريم الرحمن: 602.

ص: 181

وبمثل هذا تفسر الآيات التي تحمل نفس المعنى من الدلالة على وحدانية الله تعالى، كقوله تعالى:{لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا} [الأنبياء: 22]

يقول الإمام ابن كثير: "لفسدتا، كقوله تعالى: {مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ} ". (1)

ويقول الشيخ السعدى: "وبيان ذلك أن العالم العلوى والسفلى على ما يرى في أكمل ما يكون من الصلاح والانتظام، الذي ما فيه خلل ولا عيب ولا ممانعة ولا معارضة؛ فدل ذلك على أن مدبره واحد، وربه واحد، وإلهه واحد، فلو كان له مدبران وربان أو أكثر من ذلك؛ لاختل نظامه وتقوضت أركانه". (2)

ويبين الإمام الشوكانى (3) وجه التلازم بين التعدد والفساد، بقوله:"ووجه الفساد أن كون مع الله إلهًا آخر يستلزم أن يكون كل واحد منهما قادرًا على الاستبداد بالتصرف، فيقع عند ذلك التنازع والاختلاف، ويحدث بسببه الفساد". (4)

ومما يحمل نفس المعنى، قوله تعالى:{قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا} [الإسراء: 42].

والمقصود منها كما ذكر الصاوى نفى الشريك؛ لانه لو وجد لطلب العلو والمغالبة، ومع بيان انتفاء وجود من هو بهذه المثابة؛ انتفت الشركة، وثبتت الوحدانية.

(1) تفسير ابن كثير: (3/ 235).

(2)

تيسير الكريم الرحمن: 558.

(3)

هو محمد بن على بن محمد بن عبد الله الشوكانى ثم الصنعانى، الفقيه المفسر المحدث الأصولى والأديب المؤرخ، صنف في أنواع العلوم عددًا كبيرًا من الكتب النافعة تصدر للإفتاء والتدريس، كما تولى القضاء العام في مدينة صنعاء، من مؤلفاته: فتح القدير الجامع بين فنى الرواية والدراية في علم التفسير، ونيل الأوطار شرح المنتقى الأخبار، وإرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من الأصول. انظر ترجمته: معجم المؤلفين: (11/ 53). الأعلام للزركلى: (6/ 298). وانظر لمزيد من التوسع: منهج الإمام الشوكانى في العقيدة: عبد الله نومسوك.

(4)

فتح القدير: (3/ 569).

ص: 182

وقد بين الشيخ الشنقيطى رحمه الله "أن معنى الآية الكريمة. لو كان مع الله آلهة كما يزعم الكفار؛ لابتغوا، أي الآلهة المزعومة، أي لطلبوا إلى ذى العرش سبيلًا أي إلى مغالبته وإزالة ملكه؛ لأنهم إذًا يكونون شركاءه كما يفعل الملوك بعضهم مع بعض". (1)

ومما ينبغى الإشارة إليه بعد هذا العرض العام لبيان كفاية الأدلة الشرعية في الاستدلال لما ينبنى عليه الدين أن هؤلاء المتكلمين فرقوا بين أمرين بينهما تلازم بين: إثبات وجود الله تعالى، وإثبات وحدانيته، وأقروا بكفاية الأدلة الشرعية على الاستدلال للوحدانية دون الوجود، مع أن هذا تفريق لا يقبله التصور السليم، إذ تضمن الوحدانية للوجود أمر بيِّن لا يلزمه دليل، ولكن ما يهم هنا أن غالب المسائل الكلامية يعتريها تناقض بيِّن، يدل على ضعف ما استندت إليه من أصول.

* * *

(1) أضواء البيان: (3/ 540).

ص: 183