الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(المبحث الأول): مفهوم النبوة والرسالة
تعددت أقوال العلماء في تعريف النبوة والرسالة والتفريق بينهما، وكان هذا المبحث مما شاع الحديث عنه بين العلماء، وهناك ما نقلته من كلام الصاوي، معلقة عليه بكلام السلف - الصالح رضوان الله عليهم -:
تعرف النبوة في اللغة بأنها مشتقة من النبأ؛ فيكون معناها الإخبار، قال تعالى:{عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (1) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ} [النبأ: 1 - 2].
كما تشتق من النبوة بمعنى الارتفاع؛ فيكون معناها العلو والمكانة الرفيعة، (1) وكل هذه المعانى مما يصح إرادتها في حق النبي؛ فالنبى مخبر من المولى تبارك وتعالى، وهو ذو مكانة ورفعة، ويحصل بطريقته الاهتداء لأمر الله تعالى.
أما الرسول لغة فمشتق من الإرسال، ويقصد به التوجيه والبعث (2)، قال تعالى في قصة ملكة سبأ:{وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ} [النمل: 35].
وقد أطلق هذا المسمى على الرسل؛ لأنهم موجهون من عند الله تعالى لهداية الناس، ودلالتهم على مسالك الخير.
أما في تحديد المصطلح الشرعي لكل منهما، فللعلماء في ذلك أقوال متعددة، يرجع بيانها إلى تحديد العلاقة بين الرسول والنبى، فهناك من نفى وجود أي فارق بين النبي والرسول، وبالتالى فقد جعل التعدد في المسمى إما بالنبى أو الرسول ليس من قبيل تغاير الذوات، وإنما من قبيل تعدد الأوصاف التي تقضى بتعدد
(1) انظر: لسان العرب، لابن منظور: مادة نبأ: (7/ 4315).
(2)
المرجع السابق: مادة رسل (3/ 1643). وانظر: الشفا للقاضى عياض في معنى النبي والرسول في اللغة: (2/ 726 - 728).
الأسماء الدالة عليها، وبالتالى فتكون العلاقة بينهما هي التغاير في المفهوم، والاتحاد فيما صدق، فالنبى هو وصف من اصطفاه المولى للقيام بمهمة الرسالة بما يؤهله لها، حيث نبئ بالوحى؛ فهو مأمور بإبلاغه لذلك.
أما الرسول فهو وصف لذلك المصطفى بمقتضى المهمة التي كلف بها، وهى القيام بشؤون الإبلاغ وتكاليف الرسالة.
وعليه فإن العطف الذي ورد في قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ} [الحج: 52] ليس فيه دلالة على التباين بين المعطوف والمعطوف عليه، لأن التغاير مع التسليم بثبوته عند العطف لا يقضى بانتفاء العلاقة بينهما، فقد ينصرف إلى تغاير الصفات دون الذوات، فيفرق بين مطلق المغايرة والمغايرة المطلقة؛ لأن لفظ التغاير إذا أطلق يحتمل كلا المعنيين، وهذا معروف في أدلة الشرع، كقوله تعالى:{أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ} [المائدة: 19]، فإنه ليس لأحد أن يحتج لمخالفة شخص النذير للبشير؛ بوجود العطف الذي يقضى بالتغاير؛ لأن التغاير كما سبق وأن أشرت لفظ مجمل يصدق فيه أدنى تغاير، ولو من جهة الأوصاف. (1)
وهذا القول الذي يقرر ترادفهما، مما ذكره القاضي عياض (2) عند عرضه للأقوال في هذه المسألة، وحكم بضعفه لمخالفته ما عليه عامة أهل العلم من وجود الفرق بينهما.
وهناك من جعل العلاقة بينهما عمومًا وخصوصًا مطلقًا؛ فكل رسول نبى، وليس كل نبى رسولًا؛ فكان بذلك عدد الأنبياء أكثر من الرسول، وقد استدلوا لهذا
(1) انظر: كتاب الإيمان لشيخ الإسلام في بيان التغاير الذي وردت به ألفاظ الكتاب والسنة: 163.
(2)
هو القاضي العلامة عياض بن موسى اليحصبى السبتى، ولد بسبتة سنة: 476 هـ قال عنه ابن بشكوال: هو من أهل العلم والتفنن والذكاء والفهم استقضى بسبتة مدة طويلة، له كتاب الشفاء في شرف المصطفى، وكتاب ترتيب المدارك وتقريب المسالك في ذكر فقهاء مذهب مالك، وغير ذلك، توفى سنة: 544 هـ. انظر: وفيات الأعيان: (4/ 1304).
بالحديث الشريف الذي أخبر فيه النبي أن عدة: (مائة ألف وأربعمائة وعشرون ألفًا، والرسل من ذلك ثلاث مائة وخمسة عشر، جمًا غفيرًا)(1)
وكذلك استدلوا بالعطف الذي يدل على التغاير الوارد في قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ} . وفي مفهوم هذا التغاير الذي ميز الرسول عن النبي فقلت له أعداد الرسل تعددت أقوال هذه الطائفة من العلماء:
- فمنهم من ذهب إلى أن الرسول هو من أرسل بشرع جديد، أما النبي فهو الذي أرسل بشرع من قبله، وقد اعترض عليه بأن بعضًا من الرسل كانوا على شريعة من قبلهم كـ داود وسليمان؛ فقد كانا على شريعة التوراة، وكذلك يوسف فقد كان على شريعة إبراهيم - عليهم وعلى نبينا أفضل الصلاة وأزكى التسليم - قال تعالى:{إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا} [النساء: 163].
- ومنهم من ذهب إلى أن الرسول هو من أمر بالتبليغ، حيث وصف بالإرسال، الذي يدل على هذا المعنى، أما النبي فهو من لم يؤمر بالتبليغ؛ حيث انتفى عنه التكليف لانعدام الوصف بالإرسال (2).
وهذا المذهب لم يسلم من اعتراضات أوردها العلماء عليه؛ وذلك لمخالفته صريح النص الدال على أن النبي والرسول كلاهما قد توجه إليه الإرسال، الذي يقضى بالتبليغ، قال تعالى:{وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ} [الحج: 52](3).
* * *
(1) أخرجه أحمد في مسنده، من حديث أبى أمامة الباهلى، رقم الحديث: 21785: (6/ 355).
(2)
وانظر في هذه الأقوال المتعددة كتاب شرح الشفا للقاضى عياض: (2/ 729 - 731).
(3)
سيأتي مزيد بيان في مناقشة هذا المذهب.