الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(المبحث الثاني): آداب التصوف
إن تحقيق كمال التعلم إنما يكمن بحسن التلقي، إذ الحاجة إلى الاقتداء في تحصيل العلم من الضروريات المتفق عليها، ولهذا كان اتباع النبي صلى الله عليه وسلم بالتأسي به من أعظم مقتضيات الإيمان برسالته، قال تعالى:{لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب: 21].
وقد شرع ذلك التأسي؛ لأن الغاية من البعثة وهي تحقيق العبودية بالتزام مراضي الرب، واجتناب مساخطه، يصعب إمكان تحققها دون وجود الأسوة، التي تقوم بترجمة هذه الشرائع الربانية إلى واقع حي، يمثل الأنموذج الصادق الذي يتطلع إليه بعين الاقتداء والاتباع.
ومن هنا أنيط صدق الرجاء في نيل الثواب؛ بحسن اتباع النبي صلى الله عليه وسلم، والتأسي به في جميع الأقوال والأفعال، وكان هذا الأصل في الدين أحد الدعائم التي قامت عليها الشريعة جملة وتفصيلًا.
فصار اتباعه عليه الصلاة والسلام، هو دليل محبة الله تعالى، التي هي أساس العبودية وخالص لبها، قال تعالى:{قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} .
ولما كان النبي صلى الله عليه وسلم هو المتكفل بالتبليغ عن الله تعالى بتلقيه الوحي، وكان قد تكفل الله تعالى له بالعصمة، فما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، كان عليه الصلاة والسلام هو المنفرد بتمام الاقتداء، وكمال الاتباع وليست هذه المنزلة في الاتباع إلا للنبي صلى الله عليه وسلم، وحقيقة هذا طاعة لله تعالى والتزام مراضيه، حتى أناط الحق تعالى حقيقة الإيمان به بالتزام شرعة نبيه صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا
يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 65].
وهذه الحقيقة باقية ببقاء الدين وحفظه، ومع الحاجة للأسوة في تلقى علوم الشريعة والتأدب بآدابها بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، فإن القيام بهذه المهمة هو من دأب ورثته، وهم العلماء العاملون، ربانيوا هذه الأمة، وكلما تحقق صدق الاتباع منهم للنبي في أقواله وأفعاله؛ كلما تأكد قيامهم بهذه المهمة، ومن ثم وجبت لهم حقوق التأدب من آحاد المسلمين.
وتوضيحه أن مشيئة المولى تبارك وتعالى قد قضت أن بقاء هذا الدين منوط بحفظ أتباعه له، حيث كان الحفظ في الصدور هو المصدر المعول عليه في تلقى علوم الشريعة بدأً بالقرآن الكريم، وانتهاءً بسنة النبي صلى الله عليه وسلم، ومع كتابة الصحابة للقرآن في وقت متقدم، إلا أن الحاجة لتلقيه بطريق المشافهة ما زالت قائمة إلى يومنا هذا.
ومن جهة أخرى، فإن من أهم مقومات التربية السليمة توفر المربى المحافظ الملتزم أمر نبيه؛ مما يؤدى إلى تحقيق مبادئ الإسلام وقيمه، وذلك بغرسها في نفوس المؤمنين، وقد فطن أوائل المسلمين إلى أهمية هذا الأصل فاجتهدوا في تحرى المشايخ للتلقى عنهم، ومن ثم القيام بحقوقهم من التأدب والاحترام، وحكاية ذلك من أخبارهم مما يطول المقام باستقصائها.
ومن ذلك ما حكى عن ابن عباس رضي الله عنهما من اجتهاد في تحصيل العلم واحترام أهله، فقد:"أمسك ابن عباس رضي الله عنهما بركاب زيد بن ثابت رضي الله عنه، فقال: تمسك ركابى وأنت ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ، قال: إنا هكذا نصنع بالعلماء"(1)
ولم يكن يحملهم تيقنهم بأهمية الشيخ، وارتباط تلقى العلم بشخصه؛ على
(1) طبقات الفقهاء للشيرازي: 46.
الوقوع في الغلو المنهي عنه، بل كانوا على يقين بأن العصمة لا تكون لأحد بعد الأنبياء والرسل، فالعلاقة إذًا وثيقة بين محبة الشيخ وتعظيمه، وبين الاعتراف ببشريته ومحدودية قدراته، ولهذا فلم يؤثر عنهم هذه المزاعم التي يدعيها الصوفية.
فعند مطالعة أقوال الصوفية في آداب تلقى العلم؛ نجد البون شاسعًا بين ما كان عليه السلف الصالح، وما وصل إليه غلاتهم، ومرجع هذا الانحراف هو المنهج الخاطئ في التلقي، حيث اعتقدوا في مشايخهم الكمال فأخذوا عنهم دون رد إلى النصوص، فأدى بهم ذلك إلى الوقوع في الاضطراب، ويحتج البعض لمشروعية التأسي بهم بما كان عليه الصحابة الكرام مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من تمام المتابعة، فلا يرون فرقًا بين مقام النبي ومقام الشيخ. (1)
ولعلي أذكر طرفًا من أقوالهم، حتى يتبين مجمل أصول اعتقادهم في هذا الباب:
1 -
حصر التلقي: يرى الصوفية أن الطالب إذا عقد عهدًا مع شيخ رأى فيه ما يطلبه من العلوم والآداب؛ أن ذلك العهد يقضي بوجوب التزامه، ومن أهم ما يستلزمه الاكتفاء به في التلقي، فيمتنع عليه أن يجالس غير شيخه (2)، يقول ابن عربي:"اعلم أنه لا يجوز لمريد أن يتخذ له شيخًا إلا واحدًا، فكما أنه لم يكن وجود العالم بين إلهين، ولا المكلف بين رسولين، . . .، فكذلك المريد لا يكون بين شيخين"(3)
2 -
الطاعة التامة: من أهم آداب التصوف المتعلقة بالطالب، وأبرزها مكانة: طاعة الشيخ، والتزام أمره التزامًا تامًا، بحيث يقبح من الطالب الاعتراض ولو بسؤال الكيف، يحكى المناوي في طبقاته عن أحد كبارهم؛ أنه عرف التصوف بهذا الأدب، فقال:"التصوف الإعراض عن الاعتراض، فمن قال لشيخه: لمَ؟ لم يفلح أبدًا"(4)
(1) انظر: مقدمة تحقيق كتاب الآداب المرضية لسالك الصوفية، للشيخ البوزيدى:17.
(2)
انظر: الأنوار القدسية في القواعد الصوفية: 93.
(3)
المرجع السابق.
(4)
الكواكب الدرية: (1/ 589).
ويحذر الشعراني كل من سولت له نفسه الاعتراض على الشيخ من الوعيد الذي ينتظره في الدنيا قبل الآخرة، فيقول:"من أضر شيء على المريد الصادق اعتراضه على أحوال الرجال، ومن ابتلاه الله تعالى بذلك فلا بد أن يموت قبل أجله ثلاث موتات: موت بالذل، وموت بالفقر، وموت بالحاجة إلى الناس، ثم لا يجد من يرحمه منهم"(1)
ومبالغة في تأصيل هذا الالتزام، فإنهم يرون في البيعة المنعقدة بين الطالب والشيخ ما يحمل على اتحاد متعلق إرادته بإرادة شيخه، فـ "من شروط المريد أن لا تكون له إرادة، بل يكون مع الشيخ على ما يريده الشيخ، فهو مريد لما يريده الشيخ وتارك لإرادة ما سواه"(2)
وفي الاستدلال لهذا الرضوخ والانطراح بين يدي الشيخ، يقول الغزالي في أدب المتعلم: "ومهما أشار عليه المعلم بطريق في التعلم فليقلده وليدع رأيه، فإن خطأ مرشده أنفع له من صوابه في نفسه. .
وقد نبه الله تعالى بقصة الخضر وموسى عليهما السلام، حيث قال:{قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا} [الكهف: 72]، فشرط عليه السكوت والتسليم، حيث قال:{قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا} [الكهف: 70]" (3). فـ "المريد مع الشيخ كالميت مع الغاسل، وكذلك كان الصحابة رضي الله عنهم مع النبي صلى الله عليه وسلم" (4).
3 -
المبالغة في تعظيم الشيخ وإجلاله؛ وهذا كثير في كلام الصوفية، فمن الآداب التي يجب على الطالب التزامها ألا يكثر الجلوس مع الشيخ، وأن لا يكثر الضحك معه، وأن لا يكثر النظر في وجهه، وأن لا يجلس في موضع الشيخ،
(1) الأنوار القدسية: 175.
(2)
السمط المجيد في شأن البيعة والذكر، للشيخ أحمد الأنصاري القشاشي:44.
(3)
إحياء علوم الدين: (1/ 513). وانظر: الرسالة القشيرية: 333.
(4)
الآداب المرضية: 297.