الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
خامسًا: موقفه من الصفات الأخرى
يرجع الأشاعرة جميع الصفات الأخرى، التي ثبتت بالدليل القطعى من الكتاب والسنة إلى الصفات السبع المجمع على اعتمادها، وفى سبيل إرجاع تلك الصفات كاليد والوجه والاستواء والنزول إلى ما تقدم من صفات المعانى، فإنهم يعمدون إلى التأويل؛ حتى يتم لهم مرادهم في ذلك، ولهم في منع إثباتها على الحقيقة شبه، لعلى أشير إلى أهمها هنا؛ لمحل التلازم بين المنهج والنتيجة:
- انعدام الدليل العقلى - عندهم - الذي يحصل به اليقين في اعتماد إثباتها، وقد اتفقوا على أن أصول الاعتقاد مما يستقل العقل بالدلالة عليه.
- قيام الدليل العقلى - عندهم - على اعتقاد أن في اعتماد النصوص التي دلت عليها على ظاهرها ما يقدح في الأصل الذي قام عليه إثبات وجود الباري تعالى، وهو تنزيه المولى عن مماثلة المخلوقين.
ولكل ما تقدم فقد اعتمدوا منهج التأويل أو التفويض؛ لدفع إثبات ما تقتضيه النصوص الشرعية، التي تضمنت تلك الصفات.
يقول الآمدي في بيان هذه الحجج، وذلك بعد أن أورد الأدلة القرآنية التي تضمنت إثبات هذه الصفات: "واعلم أن هذه الظواهر وإن وقع الاغترار بها، بحيث يقال بمدلولاتها، ظاهر من جهة الوضع اللغوى، والعرف الاصطلاحى، فذلك لا محالة انخراط في سلك نظام التجسيم، ودخول في طرف دائرة التشبيه، وسنبين ما في ذلك من الضلال وفى طيه من المحال إن شاء الله بل الواجب أن يقال:{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} .
فإن قيل بأن ما دلت عليه هذه الظواهر من المدلولات وأثبتناه بها من الصفات ليست على نحو صفاتنا، ولا على ما نتخيل من أحوال ذواتنا، بل مخالفة لصفاتنا كما أن ذاته مخالفة لذواتنا، وهذا مما لا يقود إلى التشبيه ولا يسوق إلى التجسيم،
فهذا وإن كان في نفسه جائزًا، لكن القول بإثباته من جملة الصفات يستدعى دليلًا قطعيًا، وهذه الظواهر وإن أمكن حملها على مثل هذه المدلولات، فقد أمكن حملها على غيرها أيضًا، ومع تعارض الاحتمالات وتعدد المدلولات فلا قطع، وما لا قطع عليه من الصفات، لا يصح إثباته للذات" (1).
* * *
رأي الشيخ الصاوي:
يرى الصاوى أن الصفات الأخرى التي وصف الله تعالى بها نفسه، إنما ترجع في الحقيقة إلى تلك الصفات السابقة، لذا فهو لا يرى تقريرها في كتب العقائد التي قام بالتعليق عليها، وهذا ما صرح به في تعليقه على كلام الدردير حول هذا المعنى، حيث قال: فـ "سائر أسمائه وصفاته الواردة، نتائج تلك الصفات". (2)
ولاعتماده على الأصل الذي ذكره فيما يجب في حق الله تعالى، وهو تنزيهه تعالى عن مماثلة الحوادث، فإنه ما من نص من كتاب ولا سنة يفيد إثبات صفة لله تعالى فيها ما يوهم - عنده - مخالفة لهذا الأصل المبتدع، إلا ورام إبطالها وتنزيه المولى عنها، وله في ذلك مسلكان: مسلك التأويل، ومسلك التفويض.
يقول شارحًا قول اللقانى -:
وكل نص أوهم التشبيها
…
أوله أو فوض ورم تنزيها
وعليه فإن موقفه من التأويل يختلف بحسب الصفة، فما اعتقد أن في ظاهرها مماثلة للحوادث، وكان لها تعلق بالإرادة، أرجعها إليها أو فسرها بلازمها (3) ويذكر لذلك قاعدة تمثل منهجه في إثباتها، يقول: كل ما استحال على الله باعتبار مبدئه وورد، يطلق ويراد لازمه وغايته" (4)
(1) غاية المرام: 138.
(2)
حاشية الخريدة البهية: 42.
(3)
حاشية الخريدة: 70.
(4)
حاشية الجلالين: (1/ 140).
وأذكر هنا مجموعة من تأويلاته لبعض الصفات، تمثل تطبيقًا لهذه القاعدة:
* المحبة: فسرها بالإثابة، يقول:"فسر المحبة في حق الله بالإثابة، لأن حقيقتها وهى ميل القلب للمحبوب مستحيلة في حق الله تعالى، والإثابة لازمة لذلك"(1)
* الرحمة والرضا: فسرها بإرادة الإنعام أو الإنعام: ارحمنا أي أنعم علينا" (2)
* الحياء: فسره بالترك، يقول:"الحياء في حق الحوادث تغيير وانكسار يعترى الإنسان من فعل ما يعاب. ولازمه الترك، فأطلق في حق الله وأريد لازمه وهو الترك"(3)
* المقت والغضب: فسرهما بلازمهما وهو الانتقام. (4)
ويستمر في هذا المسلك مع كل صفة اعتقد فيها مماثلة للحوادث.
- فصفة العلو لله تعالى التي وردت في كثير من النصوص، يرى أنها من صفات السلوب، والذي تفيده هو ارتفاع رتبة المولى تعالى، فينزه بذلك عن مماثلة المخلوقين، وليست مما يثبت صفة العلو الذاتى لله تعالى على الخلق، كل هذا فرارًا من إثبات الجهة التي يعتقد أنها من الصفات الملازمة للأجسام. (5)
أما الصفات التي ترجع دلالتها إلى السمع فقط وهى: "الخبرية الذاتية والفعلية" والتى يعتقد فيها مماثلة للحوادث من حيث الاتصاف بالجرمية أو العرضية، فله مسالك عدة في إبطال دلالة النصوص عليها، كلها ترجع إلى التأويل أو التفويض:
وهاك جملة من أقواله فيها:
- الاستواء: يذكر طريق السلف والخلف فيها، حيث علق على تفسير السيوطي:
(1) المرجع السابق.
(2)
المرجع السابق: (1/ 129). وانظر: شرح المنظومة: 115 - 125.
(3)
حاشية الجلالين: (1/ 16).
(4)
المرجع السابق: (4/ 5).
(5)
انظر: المرجع السابق: (1/ 113)، (2/ 292)، (4/ 217)، وانظر: شرح المنظومة: 123.
بأنه استواء يليق به، فقال: "هذه إشارة لطريق السلف الذين يؤمنون بالمتشابه ويفوضون علمه لله تعالى وهو أسلم ولذا سلكه المفسر، وطريقة الخلف يؤولون الاستواء بالاستيلاء، إذ هو أحد معنى الاستواء. ومنه قول الشاعر:
قد استوى بشر على العراق
…
من غير سيف ودم مهراق" (1)
- الإتيان والمجيء والنزول: كل هذه الصفات يرى أنها مما لا يمكن إثباتها على ظاهرها بحال، لأن فيها وصف له تعالى بالانتقال، وهذا عنده من صفات الحوادث التي لا تجوز للقديم أبدًا، لذا فهو يؤولها بمجيء أمره أو نزول رحمته تعالى على حسب الأحوال التي وردت فيها هذه الصفات. (2)
- الوجه: فسره بالرضا عند قوله تعالى: {وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 115].
"فليس المراد بوجهه ذاته، بل المراد أينما تولوا وجوهكم في جهة أمركم الله بها تجدوا جهة رضاه". (3)
- أما في قوله تعالى: {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ} [الرحمن: 27] فهو يقر تفسير الجلالين بأن المراد منه الذات، ويظهر ذلك من امتناع تعليقه على كلامه. (4)
- اليد: يفصل القول في طريق إثباتها، فيقول: "طريقة السلف أن اليد صفة من صفاته أزليه كالسمع والبصر، ينشأ عنها الخير لا الشر، فهى أخص من القدرة، لأن القدرة ينشأ عنها جميع الممكنات إيجادًا وإعدامًا، خيرًا أو شرًا ولا يعلمها إلا هو، ويشهد لما قلناه قوله تعالى:{قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ} [ص: 75].
أي: اصطفيته ولم يقل بقدرتى.
(1) حاشية الجلالين: (3/ 46 - 245).
(2)
المرجع السابق: (1/ 89)، (2/ 54)، وانظر: حاشية جوهرة التوحيد: 31.
(3)
حاشية الجلالين: (1/ 51).
(4)
انظر: حاشية الجلالين: (4/ 147).
وطريقة الخلف أن اليد تطلق بمعنى الجارحة وهى مستحيلة على الله، وتطلق على القدرة والنعمة والملك، ويصح إرادة كل منهما في حق الله "وفى الإجابة عن اعتراض التثنية، يقول: "التثنية بحسب الجنس، لأن النعم جنسان مثل نعمة الدنيا ونعمة الدين .. وما قلناه عقائد المؤمنين" (1)
- القدم: يقول: "السلف ينزهونه عن الجارحة ويفوضون علمه إلى الله تعالى، والخلف لهم فيها تأويل منها أن المراد بالقدم والرجل قوم من أهل النار في علم الله؛ لأن القدم والرجل يطلقان في اللغة على العدد الكثير من الناس، فكأنه قال: حتى يضع رب العزة فيها العدد الكثير من الناس المودعين فيها". (2)
- الساق: يقول في معنى قوله تعالى: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ} [القلم: 42]: "كناية عن الشدة" واستدل بقول ابن عباس رضي الله عنهما بأن الساق هنا هو الشدة، وفى الإجابة عن الإشكال الذي يورده الاستدلال بحديث أبى سعيد الخدري رضي الله عنه الذي يمتنع فيه إرادة المجاز، ويتحتم القول بالحقيقة، يرى أنه يؤول بالكشف عن الحجاب، فيرون الله تعالى، فيكون الساق عائدًا إلى الذات العلية. (3)
* * *
المناقشة:
قبل المناقشة التفصيلة لما تناوله الصاوى من الصفات بالتأويل، لا بد أولًا من وقفة يسيرة لبيان ضلال منهجه في اتباع التأويل، فمع تقدم الحديث عن هذه القضية بما فيه الكفاية؛ إلا أنه لمحل التلازم تجدر الإشارة إلى بعض ما يترتب على ذلك المسلك البدعى من لوازم فاسدة؛ تقضى بفساد ملزومها، وأدع الكلام في هذا للعلامة الشنقيطى رحمه الله: "واعلموا أن هنا قاعدة أصولية أطبق عليها من يعتد به
(1) حاشية الجلالين: (1/ 276).
(2)
المرجع السابق: (4/ 114 - 225).
(3)
حاشية الجلالين: (4/ 224).