الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(المبحث الثاني): المسائل المتعلقة بصفات الله تعالى
يعد هذا المبحث عند المتكلمين من أعمق المباحث الإلهية وأطولها، ومع ذلك يمكن تحديد الخطوط العريضة التي لا يكاد يوجد خلاف فيها بينهم، حيث يجمع الأشاعرة على إثبات سبع صفات (1) من الصفات الوجودية، وهى ما تسمى بالمعانى، وبيانها كالتالى: العلم والإرادة والقدرة والحياة والكلام والسمع والبصر.
أما في باب النفى فيثبتون خمس صفات سلبية يتم بها تنزيه المولى - عندهم - عن كل نقص، وهى إثبات: القدم والبقاء والوحدانية ومخالفة الحوادث والقيام بالنفس. (2)
وهناك صفة نفسية، يعنون بها الوجود مع اختلاف وقع بينهم في تسمية المراد منها بذلك الاسم، يقول الجويني:"والوجه المرضى أن لا يعد الوجود من الصفات، فإن الوجود نفس الذات"(3).
ولكن هذا التقسيم إنما تم بيانه على يد متأخرى الأشاعرة، كاللقانى والدردير.
وما خلا ذلك من الصفات، فإنهم يرجعونه إلى الأفعال والاختيارات، فلا يعتقدون فيها إثبات صفة علي جهة الحقيقة؛ لذا يعمد أكثرهم إلى تأويلها بما يعتقدون فيه تنزيه المولى عن صفات الحوادث. (4)
وقد فصل الغزالي حجتهم في نفى ما عدا هذه الصفات السبع بإرجاع ما أثبت فيه حقه تعالى إليها، فقال: "لعلك تقول: هذه أسماء كثيرة، وقد منعت الترادف
(1) الصفة في اللغة تعنى [الحالة التي عليها الشيء من حليته ونعته]: المفردات للأصفهاني: 525. وعرفها الجرجاني بأنها: [الصفة: هي الاسم الدال على بعض أحوال الذات، وذلك نحو طويل وقصير .. وهى الأمارة اللازمة بذات الموصوف الذي يعرف بها]، التعريفات:173.
(2)
الإرشاد للجوينى: 31 - 33 - 34 - 52.
(3)
المرجع السابق: 31.
(4)
انظر: شرح المقاصد للتفتزانى: (4/ 69).
فيها وأوجبت أن يتضمن كل واحد معنى آخر، فكيف يرجع جميعها إلى سبع صفات؟ فاعلم أن الصفات إن كانت سبعًا، فالأفعال كثيرة، والإضافات كثيرة، والسلوب كثيرة، ويكاد يخرج جميع ذلك عن الحصر، ثم يمكن التركيب من مجموع صفتين أو صفة وإضافة أو صفة وسلب أو سلب وإضافة، ويوضع بإزائه اسم، فتكثر الأسامى بذلك، وكان مجموعها يرجع إلى ما يدل منها على الذات، أو على الذات مع سلب، أو على الذات مع إضافة، أو على الذات مع سلب وإضافة، أو على واحد من الصفات السبع، أو على صفة وسلب، أو صفة وإضافة، أو على صفة فعل، أو على صفة فعل وإضافة أو سلب، فهذه عشرة أقسام" (1) إلى آخر ما ذكر.
وقد يقسم بعضهم الصفات المثبتة إلى صفات ذاتية وصفات فعلية، فتكون الصفات الذاتية هنا هي الصفات السبع، وما أرجعوه بالتأويل إليها كالرحمة والغضب، أما الصفات الفعلية فهى التي يرجعون متعلقها إلى الصفات الذاتية.
ويفرق بين متقدمى الأشاعرة وبين متأخريهم في إثبات صفات الخبرية، فالمتقدمون منهم يثبتون الصفات الذاتية الخبرية دون الفعلية، ويردون الفعلية إلى الصفات السبع، يقول الباقلانى وهو من متقدمى الأشاعرة في بيان ذلك: "فإن قال قائل: ففصلوا لي صفات ذاته، من صفات أفعاله؛ لأعرف ذلك.
قيل له: صفات ذاته: هي التي لم يزل ولا يزال موصوفًا بها، كالحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر والكلام والإرادة والبقاء والوجه والعينان واليدان والغضب والرضا وهما الإرادة على ما وصفناه وهى الرحمة والسخط والولاية والعداوة والحب والإيثار والمشيئة وإدراكه تعالى لكل جنس يدركه الخلق.
وصفات فعله: هي الخلق والرزق والعدل، . .، وكل صفة كان موجودًا قبل فعله لها" (2)
(1) المقصد الأسنى: 157.
(2)
التمهيد: 299.
أما المتأخرون فلا يثبتون شيئًا من صفات الإخبار لا الذاتية ولا الفعلية على الحقيقة ويردونها إلى الصفات السبع التي قام دليلهم العقلى على إثباتها ورد ما عداها، يقول الآمدي في بيان هذا الأصل المعتمد عندهم في الرد والإثبات مقننًا بالشبه العقلية: "وأما ما قيل بثبوته من باقي الصفات؛ فالمستند فيها ليس إلا المسموع المنقول دون قضيات العقول، . . .، واعلم أن هذه الظواهر وإن وقع الاغترار بها، بحيث يقال بمدلولاتها، ظاهر من جهة الوضع اللغوى، والعرف الاصطلاحى، فذلك لا محالة انخراط في سلك نظام التجسيم، ودخول في طرف دائرة التشبيه، وسنبين ما في ذلك من الضلال وفى طيه من المحال إن شاء الله بل الواجب أن يقال:{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} .
فإن قيل بأن ما دلت عليه هذه الظواهر من المدلولات وأثبتناه بها من الصفات ليست على نحو صفاتنا، ولا على ما نتخيل من أحوال ذواتنا، بل مخالفة لصفاتنا كما أن ذاته مخالفة لذواتنا، وهذا مما لا يقود إلى التشبيه ولا يسوق إلى التجسيم، فهذا وإن كان في نفسه جائزًا، لكن القول بإثباته من جملة الصفات يستدعى دليلًا قطعيًا، وهذه الظواهر وإن أمكن حملها على مثل هذه المدلولات فقد أمكن حملها على غيرها أيضًا، ومع تعارض الاحتمالات وتعدد المدلولات فلا قطع، وما لا قطع عليه من الصفات، لا يصح إثباته للذات" (1)
فهذا النص يبين منهجهم في سبيل إرجاع جميع الصفات الخبرية إلى ما تقدم من الصفات الذاتية، ولهم في ذلك حجج سبقت الإشارة إليها عند الحديث عن منهج الصاوى في مسائل الاعتقاد ولعلى أشير إلى أهمها هنا؛ لمحل التلازم بين المنهج والنتيجة، حيث اعتقدوا في أن في إثباتها اعتقاد التمثيل الذي قام الدليل العقلى على منعه، فاعتمدوا منهج التأويل، أو التفويض لدفع إثبات ما تقتضيه النصوص الشرعية التي تضمنت تلك الصفات.
(1) غاية المرام: 136 - 137 - 138.
رأي الشيخ الصاوى:
لقد فصل الصاوى القول في باب الصفات محررًا للمذهب الأشعرى فبدأ بتعريف الصفة أولًا:
فالصفة هي: "ما يحكم به عليه سواء كان عين الحقيقة أو قائمًا بها أو خارجًا عنها".
وفى بيان أقسامها، يقول: فـ "الصفات إما عين الذات وهى النفسية.
أو غير الذات وهى السلبية؛ لكون مدلولها عدميًا، والفعلية لحدوثها.
أو لا عين الذات ولا غيرها، وهى وجودية، وتسمى المعانى.
أو لا عين الذات ولا غيرها، وهى اعتبارية، وتسمى معنوية.
أو صفات جامعة؛ وهى العزة، والجلال، والجمال، والغنى". (1)
ولم يقصد بنفيه التغاير مطلق المغايرة، وإنما قصد نفى الانفكاك.
وأما نفيه للعينية فقد قصد به أن يفهم مغايرة إلذات للصفات وفى هذا رد على المعتزلة الذين أرجعوا الصفات للذات وأرادوا بذلك نفى الصفات. (2)
ولتشعب المسائل المتعلقة بهذا المبحث وعمق مادتها العلمية عند الصاوى؛ سأقوم بتفصيل القول فيها وذلك تحت عدد من المطالب، مثبتة لما تقرر عنده بكلام الأشاعرة المتقدمين، مبتدئة بالصفات السلبية التي يعني بها تنزيهه تعالى عن كل نقص.
* * *
(1) حاشية جوهرة التوحيد: 27. وانظر: حاشية الخريدة البهية: 85.
(2)
انظر: حاشية جوهرة التوحيد: 27.