المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

وقيل: ما هو أعم، وهو الأحسن. والباعث لهم على ذلك: حب - آراء الصاوي في العقيدة والسلوك

[أسماء بنت محمد توفيق بركات ملا حسين]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة

- ‌الباب الأول: حياة الشيخ الصاوى

- ‌الفصل الأول: عصر الصاوي

- ‌(المبحث الأول): الحالة السياسية

- ‌الاضطرابات والقلاقل السياسية:

- ‌ مذبحة المماليك بالقلعة سنة 1811 م:

- ‌محاربة الدعوة السلفية:

- ‌ القضاء على الزعامة الشعبية والدينية بنفى عمر مكرم:

- ‌(المبحث الثاني): الحالة الاجتماعية

- ‌(المبحث الثالث): الحالة العلمية والدينية

- ‌الفصل الثاني: حياة الصاوى

- ‌(المبحث الأول): سيرته الذاتية

- ‌1 - اسمه ونشأته:

- ‌2 - صفاته وأخلاقه

- ‌3 -‌‌ شيوخهوتلاميذه

- ‌ شيوخه

- ‌تلاميذه:

- ‌(المبحث الثاني): مكانته العلمية ومؤلفاته

- ‌مكانتها العلمية:

- ‌الحواشى العقدية:

- ‌الفصل الثالث: منهجه في تحري مسائل الاعتقاد

- ‌(المبحث الأول): مصادره في العقيدة

- ‌أولًا: مكانة العقل في التلقى:

- ‌ثانيًا: حجية الإلهام:

- ‌المناقشة:

- ‌أولًا: مصادر التلقى:

- ‌ثانيًا: نقض دعاويهم في تقديم العقل:

- ‌ثالثًا: التناقض لازم لهذا المسلك:

- ‌رابعًا: حجية الإلهام:

- ‌(المبحث الثاني): منهجه في الاستدلال

- ‌أولًا: الاستدلال بقياس الغائب على الشاهد:

- ‌مناقشة:

- ‌ثانيًا: الاستدلال بالسبر والتقسيم:

- ‌ثالثًا: الاستدلال بالقياس المنطقي:

- ‌المناقشة:

- ‌ثالثًا: منهجه في الاستدلال بالقرآن والسنة:

- ‌أولًا: الاستدلال بالنص:

- ‌ثانيًا: الاستدلال بالظاهر:

- ‌المناقشة:

- ‌مسلك التأويل والتفويض:

- ‌ أولًا المراد بالمتشابه:

- ‌ ثانيًا: المراد بالتأويل:

- ‌الباب الثاني: (آراؤه في العقيدة)

- ‌الفصل الأول: (آراؤه في معرفة الله والاستدلال على وجوده)

- ‌(المبحث الأول): معرفة الله تعالى

- ‌(تمهيد)

- ‌طرق المعرفة

- ‌رأى الشيخ الصاوى:

- ‌المناقشة:

- ‌التقليد وحكم المقلد

- ‌رأى الشيخ الصاوى:

- ‌المناقشة:

- ‌(المبحث الثاني): الاستدلال على وجود الله تعالى

- ‌ دليل حدوث الأجسام

- ‌رأي الشيخ الصاوي:

- ‌المناقشة:

- ‌دليل الإمكان

- ‌رأي الشيخ الصاوي:

- ‌المناقشة:

- ‌الفصل الثاني: (آراؤه في التوحيد)

- ‌تمهيد

- ‌(المبحث الأول): تعريف التوحيد

- ‌رأي الشيخ الصاوي:

- ‌المناقشة:

- ‌(المبحث الثاني): دليل التوحيد

- ‌رأي الشيخ الصاوى:

- ‌المناقشة:

- ‌(المبحث الثالث): شهادة التوحيد ونواقضها

- ‌رأى الشيخ الصاوى:

- ‌المناقشة:

- ‌الفصل الثالث: (آراؤه في الأسماء والصفات)

- ‌تمهيد

- ‌(المبحث الأول): المسائل المتعلقة بالأسماء الحسنى

- ‌أسماء الله تعالى كلها حسنى:

- ‌أسماء الله تعالى توقيفية:

- ‌أسماء الله تعالى غير محصورة بعدد:

- ‌ أسماء الله تعالى غير مخلوقة:

- ‌رأى الشيخ الصاوي:

- ‌المناقشة:

- ‌(المبحث الثاني): المسائل المتعلقة بصفات الله تعالى

- ‌أولًا: الصفات السلبية

- ‌ثانيًا: صفات المعاني

- ‌ثالثًا: الصفة النفسية

- ‌رابعًا: الصفات المعنوية

- ‌خامسًا: موقفه من الصفات الأخرى

- ‌ أولًا: صفة الرحمة والغضب والمحبة:

- ‌ ثانيًا الصفات الخبرية الذاتية:

- ‌الفصل الرابع: آراؤه في الإيمان

- ‌تمهيد

- ‌(المبحث الأول): حقيقة الإيمان

- ‌رأى الشيخ الصاوي:

- ‌المناقشة:

- ‌(المبحث الثاني): العلاقة بين الإسلام والإيمان

- ‌رأي الشيخ الصاوي:

- ‌المناقشة:

- ‌(المبحث الثالث): الأسماء والأحكام

- ‌أولًا: حقيقة الإيمان، وبيان ما يناقضه:

- ‌ثانيًا: تحقيق الوعد مع وجود مسببه من الإيمان:

- ‌ثالثًا: تحقق الوعيد مع وجود المقتضى من الكفر:

- ‌رابعًا: موانع إنفاذ الوعيد لأصحاب الكبائر من المسلمين:

- ‌خامسًا: الرد على شبه الوعيدية:

- ‌سادسًا: موقفه من مخالفيه (دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله:

- ‌الفصل الخامس: (آراؤه في الإيمان بالملائكة)

- ‌(المبحث الأول): الإيمان بالملائكة الأطهار

- ‌(المبحث الثاني) عالم الجن والشياطين

- ‌الفصل السادس: آراؤه في الإيمان بالكتب

- ‌تمهيد

- ‌(المبحث الأول): تعريف الوحي

- ‌رأي الشيخ الصاوي:

- ‌تعليق:

- ‌(المبحث الثاني): الإيمان بالكتب السابقة

- ‌رأي الشيخ الصاوي:

- ‌كلامه في التوراة:

- ‌كلامه في الإنجيل:

- ‌كلامه في الزبور:

- ‌مناقشة:

- ‌(المبحث الثالث): الإيمان بالقرآن الكريم

- ‌رأي الشيخ الصاوي:

- ‌المناقشة:

- ‌الفصل السابع: آراؤه في الإيمان بالنبوات

- ‌تمهيد

- ‌(المبحث الأول): مفهوم النبوة والرسالة

- ‌رأي الشيخ الصاوي:

- ‌تعليق:

- ‌(المبحث الثاني): الإيمان بالرسل والأنبياء

- ‌رأي الشيخ الصاوي:

- ‌التعليق:

- ‌أولًا: المفاضلة بين البشر والملائكة:

- ‌ثانيًا: عصمة الأنبياء:

- ‌ثالثًا: ما يتعلق بالأحوال البشرية:

- ‌(المبحث الثالث): خاتم الأنبياء عموم رسالته

- ‌رأي الشيخ الصاوي:

- ‌أسماؤه الشريفة:

- ‌مكانته بين الرسل:

- ‌خصائصه صلى الله عليه وسلم

- ‌مظاهر الغلو فيه صلى الله عليه وسلم

- ‌المناقشة:

- ‌أولًا: أسماؤه الشريفة:

- ‌ثانيًا: قضية التفضيل:

- ‌ثالثًا: الغلو فيه صلى الله عليه وسلم

- ‌(المبحث الرابع): دلائل النبوة

- ‌رأي الشيخ الصاوي:

- ‌تعليق:

- ‌الفصل الثامن: (آراؤه في الإيمان باليوم الآخر)

- ‌تمهيد

- ‌(المبحث الأول): تعريف اليوم الآخر، وأدلته

- ‌رأي الشيخ الصاوي:

- ‌تعليق:

- ‌(المبحث الثاني): الإيمان بأشراط الساعة

- ‌رأي الشيخ الصاوي:

- ‌تعليق:

- ‌(المبحث الثالث): الموت، وحياة البرزخ

- ‌الروح والموت

- ‌حياة البرزخ

- ‌(المبحث الرابع): حقائق يوم القيامة

- ‌ المحشر وعرضات يوم القيامة

- ‌الجنة والنار

- ‌الفصل التاسع: (آراؤه في الإيمان بالقضاء والقدر)

- ‌(المبحث الأول): القضاء والقدر (تعريفه ومراتبه)

- ‌رأي الشيخ الصاوي:

- ‌أولًا: تعريف القدر:

- ‌ثانيًا: تعريف القضاء:

- ‌ثالثًا: مراتب القدر:

- ‌مرتبة العلم:

- ‌مرتبة الكتابة:

- ‌مرتبة المشيئة:

- ‌مرتبة الخلق:

- ‌المناقشة:

- ‌(المبحث الثاني): الحكمة والتعليل في أفعال الله تعالى

- ‌رأي الشيخ الصاوي:

- ‌موقفه من الظلم:

- ‌المناقشة:

- ‌حقيقة الظلم:

- ‌(المبحث الثالث): أفعال العباد

- ‌أدلة القدرية والجبرية:

- ‌رأي الشيخ الصاوي:

- ‌أولًا: أفعال العباد وحقيقتها القدرية:

- ‌ثانيًا: الأسباب، وموقف الناس منها:

- ‌ثالثًا: أدلة رجح بها مذهب الأشعري، ورد بها على مخالفيه:

- ‌الأدلة السمعية:

- ‌الأدلة العقلية:

- ‌رابعًا: حقيقة القدر في الفكر الصوفي:

- ‌المناقشة:

- ‌ نظرية الكسب في الفكر الأشعري

- ‌الفصل العاشر: آراؤه في الصحابة والإمامة

- ‌تمهيد

- ‌(المبحث الأول): الصحابة الكرام

- ‌أولًا: تعريف الصحابة:

- ‌ثانيًا: فضائل الصحابة:

- ‌ثالثًا الدفاع عن الصحابة:

- ‌التعليق:

- ‌ تعريف الصحابة:

- ‌فضل الصحابة:

- ‌الدفاع عن الصحابة:

- ‌(المبحث الثاني): الإمامة

- ‌تعليق:

- ‌أولًا: حكم تنصيب الوالي:

- ‌ثانيًا: ما تنعقد به البيعة:

- ‌صفات الوالي:

- ‌تعدد الولاة:

- ‌حق الإمام:

- ‌الباب الثالث: (آراؤه في باب السلوك)

- ‌الفصل الأول: (التصوف وآدابه)

- ‌تمهيد

- ‌(المبحث الأول): مفهوم التصوف

- ‌(المبحث الثاني): آداب التصوف

- ‌رأي الشيخ الصاوي:

- ‌أهمية اختيار الشيخ:

- ‌صفات الشيخ:

- ‌آداب السلوك:

- ‌أولًا: ما يتعلق بآداب اختيار العلم:

- ‌ثانيًا: الآداب المتعلقة بحق الشيخ:

- ‌الآداب المتعلقة بجماعة الطلاب:

- ‌المناقشة:

- ‌أولًا: مكانة علم التصوف بين العلوم:

- ‌ثانيًا: صفات الشيخ:

- ‌آداب التلقي:

- ‌احترازات في التلقي:

- ‌أولًا: طاعة الشيخ:

- ‌ثانيًا: التبرك بالشيخ:

- ‌ثالثًا: ملاحظة الشيخ:

- ‌رابعًا: الاستغناء بالشيخ:

- ‌الفصل الثاني: (المقامات والأحوال)

- ‌تمهيد

- ‌تعريف المقام:

- ‌تعريف الحال:

- ‌(المبحث الأول): أقسام المقامات (عند الصوفية)

- ‌الفناء والبقاء:

- ‌الجمع والفرق:

- ‌أحكام البقاء:

- ‌مقام الجمع:

- ‌مقام الفرق:

- ‌(المبحث الثاني): منهج الصوفية في التأصيل للمقامات

- ‌رأي الشيخ الصاوي:

- ‌المناقشة:

- ‌(المبحث الثالث): وحدة الوجود ووحدة الشهود

- ‌أولًا: وحدة الوجود:

- ‌ثانيًا: وحدة الشهود:

- ‌المناقشة:

- ‌أولًا: نقض وحدة الوجود:

- ‌موقف الصاوي:

- ‌ثانيًا: حقيقة وحدة الشهود:

- ‌(المبحث الرابع): الترقي في المقامات

- ‌رأي الشيخ الصاوي:

- ‌أولًا: عقبات الترقي:

- ‌ثانيًا: طريق الخلاص:

- ‌المناقشة:

- ‌الفصل الثالث: (الولاية والكرامة)

- ‌تمهيد

- ‌(المبحث الأول): حقيقة الولاية

- ‌ تعريف الولاية:

- ‌ حقيقة الولي

- ‌رأي الشيخ الصاوي:

- ‌صفات الولي:

- ‌شرط الولاية:

- ‌الفرق بين الولي والدعي:

- ‌جزاء الأولياء:

- ‌طرق الولاية:

- ‌فضائل الأولياء:

- ‌زمن الولاية:

- ‌المناقشة:

- ‌حقيقة الولاية:

- ‌ معرفة الولي:

- ‌طرق الولاية:

- ‌فضائل الأولياء:

- ‌مدة الولاية:

- ‌المبحث الثاني: حقيقة الكرامة

- ‌رأي الشيخ الصاوي:

- ‌المناقشة:

- ‌الخاتمة

- ‌المصادر والمراجع

الفصل: وقيل: ما هو أعم، وهو الأحسن. والباعث لهم على ذلك: حب

وقيل: ما هو أعم، وهو الأحسن.

والباعث لهم على ذلك: حب الرياسة، وأخذ الأموال" (1).

* * *

‌مناقشة:

يلحظ على الصاوي اعتماده على بعض الإسرائيليات في بيان ما اشتملت عليه الكتب المنزلة وكذلك في طريقة تلاوة الزبور، ومن المعلوم أن مثل هذه الإسرائيليات ليست مستندًا صحيحًا في العلم بهذه الغيبيات، تفصيل ذلك أن الصاوي قد ذهب إلى أن زيادة الموعظة في الإنجيل كانت بسبب خلو التوراة منها لما تعرضت له الألواح من الكسر.

وحتى يتبين الحق في المسألة لا بد من الوقوف على قوله تعالى: {وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ} [الأعراف: 144].

وقوله تعالى: {وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ} [الأعراف: 150] لمعرفة مدى صحة ما توصل إليه الصاوي في حكمه بخلو التوراة من الموعظة.

فقد تعددت الروايات في بيان صفة الألواح وعلاقتها بالتوراة وما تعرضت له حين ألقاها موسى عليه السلام غضبان أسفًا مما ارتكبه قومه.

أما عن علاقة التوراة بالألواح والتي دل كلام الصاوي على أنهما شيء واحد؛ فإنه لم يرد دليل يستند إليه في الجزم بذلك، فهناك من المفسرين من ذهب إلى أن التوراة هي بعينها الألواح، ومنهم من ذهب إلى أن الألواح مغايرة لها، ومنهم من

(1) المرجع السابق: (2/ 136).

ص: 373

ذهب إلى أن الألواح مشتملة على التوراة مع زيادة عليها، ولكنه لما انعدم ما يستند إليه في القطع بأحد هذه الأقوال حسن التوقف وعدم الجزم بأحدها والإيمان بأن الألواح التي اشتملت على الموعظة والبيان قد أوتيت لموسى عليه السلام كما هو ظاهر الآية الكريمة، وهذا ما دل عليه كلام الإمام ابن كثير رحمه الله إذ يقول: "قيل: كانت الألواح من جوهر وإن الله تعالى كتب له فيها مواعظ وأحكامًا مفصلة مبينة للحلال والحرام، وكانت هذه الألواح مشتملة على التوراة التي قال الله تعالى فيها:{وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ} [القصص: 43].

وقيل: الألواح أعطيها موسى قبل التوراة والله أعلم، وعلى كل تقدير فكانت كالتعويض له عما سأل من الرؤية ومنع منها والله أعلم" (1)

وهذا ما يتوجه أيضًا لما ورد فيما أصيبت به الألواح من الإلقاء، فقد أخرج الطبري روايتين (2) لا تخلو أسانيدها من مقال فلا يصح اعتمادها في مثل هذه الأمور الغيبية؛ الأولى عن ابن عباس، وفيها حجاج بن محمد ثقة ولكنه اختلط عند نزوله بغداد (3)، ومفادها أن موسى عليه السلام ألقى الألواح فتكسرت، فرفعت إلا سدسها.

أما الرواية الثانية التي أخرجها الطبري عن مجاهد فتفيد أن الألواح لما تكسرت بقى الهدى والرحمة، وذهب التفصيل، وهي ضعيفة أيضًا لضعف خصيف بن عبد الرحمن فهو صدوق سيئ الحفظ (4).

(1) تفسير القرآن العظيم: (2/ 329).

(2)

جامع البيان: (9/ 66).

(3)

حجاج بن محمد المصيصي الأعور أبو محمد ترمذي الأصل نزل بغداد ثم المصيصة ثقة ثبت لكنه اختلط في آخر عمره لما قدم بغداد قبل موته من التاسعة مات ببغداد سنة ست ومائتين: تقريب التهذيب: 153.

(4)

خصيف بن عبد الرحمن الجزري أبو عون مولى بني أمية، عن سعيد بن جبير، ومجاهد، وعنه سفيان، وابن فضيل، صدوق، سيئ الحفظ، ضعفه أحمد، توفى سنة 136، الكاشف للذهبي:280.

ص: 374

ومن هنا يتبين بطلان ما ذهب إليه الصاوي؛ فإنه لم يثبت أصلًا تكسر الألواح لما ألقاها موسى عليه السلام، بل أنه على فرض رواية المصيصي لها قبل اختلاطه ليس فيها ما يدل على أنها عين التوراة ولا على أن الموعظة هي التي رفعت بسبب تكسرها.

ومن العجيب أن الروايات التي ذكرت ما ذهب من الألواح بسبب الكسر على فرضه دلت صراحة على أن الموعظة هي التي بقيت وأن التبيان والتفصيل هو الذي رفع.

وعلى كل فليس هناك ما يستند إليه في مثل هذه الحقائق الغيبية؛ بل إن الآيات الكريمة نفسها لتدل على نفي التغيير عنها لأنها أتت معرفة بأل العهدية، وهي ما سبق لمصحوبها ذكر في الكلام، فتدل على أنه بعينه المراد، ما لم تدل قرينة على خلاف الظاهر فتصرفه وقد علم انتفاؤها لما تقدم (1)، قال تعالى:{وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ} [الأعراف: 154].

ولو كان الأمر خلاف ذلك فإن الآية تنفي تمامًا زوال الموعظة منها، يقول الإمام ابن كثير رحمه الله في تفسير الآية ذاكرًا ما قيل فيها:"يقول كثير من المفسرين إنها لما ألقاها تكسرت ثم جمعها بعد ذلك، ولهذا قال بعض السلف فوجد فيها هدى ورحمة، وأما التفصيل فذهب، وزعموا أن رضاضها لم يزل موجودًا في خزائن الملوك لبني إسرائيل إلى الدولة الإسلامية، والله أعلم بصحة هذا"(2).

والذي نخلص إليه هنا أنه لم يرد ما يدل من أقوال المعصوم على أي أمر خارج عن دلالة الآيات الكريمة نفسها، لا في حقيقة الألواح ولا في علاقتها بالتوراة ولا فيما أصابها بعد إلقائه لها، يقول الشيخ أبو شبهة رحمه الله: "فكل هذه

(1) جامع الدروس العربية، للغلايينى:149.

(2)

تفسير القرآن العظيم: (2/ 332).

ص: 375

الروايات المتضاربة التي يرد بعضها بعضًا مما نحيل أن يكون مرجعها المعصوم صلى الله عليه وسلم، وإنما هي من إسرائيليات بني إسرائيل حملها عنهم بعض الصحابة والتابعين بحسن نية، وليس تفسير الآية متوقفًا على كل هذا الذي رووه، والذي يجب أن نؤمن به أن الله أنزل الألواح على موسى، . . .، أما هذه الألواح مم صنعت؟ وما طولها وما عرضها؟ وكيف كتبت؟ فهذا لا يجب علينا الإيمان به" (1).

أما وقد انتفت حجة قوله بانتفاء الموعظة من الألواح بعد إلقاء موسى لها، فإنه يحسن الاستدلال بالآية الكريمة التي بينت ما اشتملت عليه التوراة من أنواع الهداية، قال تعالى:{إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ} ، فقد وصفها المولى تعالى بالهدى والنور، وفيه ما يدل على احتوائها كل ما يحصل به الاهتداء والنجاة، يقول البقاعي رحمه الله في معنى الهدى:"أي كلام يهدى بما يدعو إليه إلى طريق الجنة، ونور أي بيان لا يدع لبسًا"(2)

ويقول الشيخ سيد قطب رحمه الله: "فالتوراة كما أنزلها الله كتاب الله الذي جاء لهداية بني إسرائيل، وإنارة طريقهم إلى الله وطريقهم في الحياة وقد جاءت تحمل عقيدة التوحيد، وتحمل شعائر تعبدية شتى، وتحمل كذلك شريعة: "يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء" (3).

وقد علم بالضرورة أن مقومات الهداية الدلالية هي البيان والتذكير والإرشاد والوعظ، فلا يمكن أن تتحقق الهداية إلا بهذه الأصول، وهذا معلوم من دعوة الأنبياء عليهم السلام لأممهم، فالإنذار والتبشير بالحكمة والموعظة الحسنة هي مهمة الأنبياء الأولى في دعوة الأمم إلى توحيد الله تعالى وإفراده بالعبادة.

(1) الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير: 202.

(2)

نظم الدرر: (6/ 144).

(3)

في ظلال القرآن: (2/ 896).

ص: 376

أما عن الهيئة التي أوردها في استماع المخلوقات لقراءة داود عليه السلام؛ فإن المعتمد ألَّا تثبت صفة بعينها لقراءته الزبور وإنصات المخلوقات له لعدم وجود ما يدعم هذه الهيئة، وكان الثابت في هذه المسألة ما دلت عليه الآيات الكريمة من استماع المخلوقات لتسبيح داود عليه السلام وترجيعها معه امتثالًا لأمر ربها تبارك وتعالى، قال تعالى:{إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ} [ص: 18].

وقال: {وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ} [سبأ: 10].

يقول الإمام ابن جرير رحمه الله في بيان معنى التأويب للجبال والطير: "يقول تعالى ذكره: ولقد أعطينا داود منا فضلًا، وقلنا للجبال "أوبي معه": سبحي معه إذا سبح" وقد عزا هذا التفسير لكثير من أئمة السلف كابن عباس، ومجاهد وقتادة والضحاك" (1).

وكان حديثه عن التحريف مستندًا إلى نصوص الكتاب والسنة كما هو ظاهر، فقد شاء الله تعالى لحكمته أن تتعرض هذه الكتب التي أنزلت على الرسل السابقين للتحريف والتزوير، وكان لذلك حكمة قدرها في كل ما يقضيه من أمر، وقد تجلت في إرادته تعالى البقاء والهيمنة والرفعة للقرآن الكريم، دستور الإسلام، وكتابه العظيم.

هذا وأسباب ذلك التحريف والتزوير في تلك الكتب كثيرة أشير إلى أهمها في النقاط التالية:

أولًا: أن الله تعالى أوكل حفظها إلى القدرات البشرية مع علمه سبحانه بضعفها ومحدوديتها، يقول تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ

(1) جامع البيان: (22/ 65).

ص: 377

الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ} [المائدة: 44] بينما نجد أن حفظ القرآن قد أوكله تعالى إلى نفسه، حيث قال:{إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} .

ثانيًا: ما لحق ببني إسرائيل من الاضطهادات المتعددة والمتلاحقة، فقد كان لهذا أثر بالغ في ضياع كتبهم، سيما وأنهم لم يؤمروا باستظهارها غيبًا؛ مما أدى إلى وقوع الاضطراب بسبب انقطاع السند.

يقول الإمام ابن القيم في ذلك: "ولم يكن حفظ التوراة فرضًا عليهم ولا سنة، بل كان كل واحد منهم يحفظ فصلًا من التوراة، فلما رأى عزرا أن القوم قد أحرق هيكلهم وزالت دولتهم وتفرق جمعهم ورفع كتابهم جمع من محفوظاته، ومن الفصول التي يحفظها الكهنة، ما اجتمعت منه هذه التوراة التي بأيديهم. ولذلك بالغوا في تعظيم عزرا هذا غاية المبالغة، فزعموا أن النور الآن يظهر على قبره وهو عند بطائح العراق لأنه جمع لهم ما يحفظ دينهم"(1)

وإلى هذا المعنى يشير ابن تيمية في حديثه عن تحريف الأناجيل، وانقطاع سندها، يقول: وأما الإنجيل الذي بأيديهم فإنهم معترفون بأنه لم يكتبه المسيح عليه السلام ولا أملاه على من كتبه، وإنما أملاه بعد رفع المسيح: متى ويوحنا وكانا قد صحبا المسيح، ولم يحفظه خلق كثير يبلغون عدد التواتر" (2).

ثالثًا: صفات علمائهم الذميمة، فإن آيات الكتاب الكريم كثيرًا ما تتحدث عن أخلاقهم السيئة فتسمهم بأشنع الصفات وأبغضها، فمحبة الدنيا والتفاني في اكتسابها وجمع حطامها من أبرز الصفات التي تخلقوا بها، قال تعالى:{وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ} [البقرة: 96].

(1) إغاثة اللهفان: (2/ 359). مع تصرف يسير.

(2)

الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح: (1/ 356).

ص: 378

ويصور تحريفهم وتحريهم الكذب والإصرار عليه، يقول عز من قائل:{وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [آل عمران: 78].

وقال: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ} [البقرة: 174].

وقد قادهم تعلقهم بالفانية إلى البخل والحسد، يقول شيخ الإسلام: "ذم الله اليهود على ما حسدوا المؤمنين على الهدى والعلم ..

فوصفهم بالبخل الذي هو البخل بالعلم، والبخل بالمال ..

وكذلك وصفهم بكتمان العلم في غير آية، قال تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ} [البقرة: 159].

وقال: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ} .

وقال: {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [البقرة: 76].

فكانت هذه الصفات الذميمة هي حقيقة الدافع لهم إلى تزوير الحق ورده، يقول رحمه الله متممًا كلامه:"فوصف المغضوب عليهم بأنهم يكتمون العلم: تارة بخلًا به، وتارة اعتياضًا عن إظهاره بالدنيا، وتارة خوفًا أن يحتج عليهم بما أظهروه منه"(1)

(1) اقتضاء الصراط المستقيم: (1/ 71 - 72 - 73).

ص: 379

ولكن قد يتبادر إلى الذهن سؤال؛ وهو إذا كان التحريف حقيقة لا شك في وجودها، فلا يمكن بحال تنزيه تلك الكتب عنها، فلماذا أتى الأمر بإقامتها وإعمال ما فيها؟ وليس ذلك فحسب بل قد أنيطت النجاة بهذا التمسك، كما أتى ذلك صريحًا في غير ما آية، قال تعالى:{وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ} [المائدة: 66].

إن الإجابة عن هذا السؤال تكون ببيان حقيقتين لهما علاقة وثيقة بحقيقة التحريف:

الأولى: أن التحريف لم يكن على ضرب واحد وقد أشرت إلى ذلك مسبقًا عند عرضي لأقوال الصاوي في هذا المجال، فلم تكن جميع ألفاظ الوحي قد حرفت، بل هناك حقائق غيبية كثيرة لا تزال في تلك الكتب كالتوراة والإنجيل ولكن البخل والحسد الذي أعمل في قلوب كثير من أهل الكتاب حملهم على تحريف النصوص بالتأويل الباطل، فلا يصرحون إلا بما يوافق نفوسهم المريضة، وأي أمر خالفها كالأمر باتباع الرسول فإنهم يقومون بإخفائه أو طمسه أو تأويله التأويل الباطل، كما أشار إلى ذلك الصاوي في عدد من المواضع، كحادثة الرجم وغيرها مما هو من شأن أهل الكفر والإلحاد في كل زمان ووقت.

أما الحقيقة الثانية: فقد نبهت إليها وهي أن جل الحكمة من الأمر بإقامة التوراة والإنجيل والعمل بمقتضى أخبارها هو الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وطاعته والدخول في دينه، فقد نبه القرآن الكريم إلى وضوح معالم شخصية النبي المنتظر وانطباقها تمامًا على شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم في كتبهم حتى قال عز من قائل:{الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [البقرة: 146]. يقول شيخ الإسلام رحمه الله مبينًا حقيقة الأمر بإقامة الكتاب: "فإن إقامة الكتاب: العمل بما أمر الله به في الكتاب، من التصديق بما أخبر به على لسان الرسول.

ص: 380

وما كتبه الذين نسخوه من بعد وفاة الرسول ومقدار عمره ونحو ذلك ليس هو مما أنزله الله على الرسول ولا مما أمر به ولا أخبر به وقد يقع مثل هذا في الكتب المصنفة، يصنف الشخص كتابًا فيذكر ناسخه في آخره: عمر المصنف، ونسبه، وسنه، ونحو ذلك مما ليس هو من كلام المصنف ولهذا أمر الصحابة والعلماء بتجريد القرآن، وأن لا يكتب في المصحف غير القرآن، فلا يكتب أسماء السور ولا التخميس". (1)

* * *

(1) مجموع الفتاوى: (13/ 105).

ص: 381