الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الخاتمة
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للكائنات وعلى صحبه ومن اقتفى أثره إلى يوم الدين، أما بعد:
فإني بعد إتمامى بفضل الله تعالى لهذا البحث، أود أن أوجز أهم ما توصلت إليه من نتائج، وبيانها كالتالى:
1 -
الصاوي كواحد من علماء المذهب الأشعري تظهر موافقته جلية لمذهب السلف الصالح في قضايا متنوعة من قضايا العقيدة، منها: الإيمان بالملائكة والجن واليوم الآخر، والصحابة والإمامة، وغالب مسائل النبوات، والكتب المنزلة.
2 -
كما وافق الصاوي مذهب السلف مخالفًا بذلك ما استقر عليه المذهب الأشعري في بعض قضايا الإلهيات، كالقول بزيادة الإيمان ونقصانه للتصديق، مصرحًا بذلك في حاشيته على الجوهرة مانعًا التأويل استنادًا للأدلة التي تثبت الزيادة والنقصان حقيقة في الكتاب والسنة، ومثل القول بصحة إيمان المقلد، والاكتفاء بالدليل الجملى لصحة إيمان المكلف، والقول بفطرية المعرفة وعدم حصر طريق الإيمان على المسلك العقلي لإثباتها.
3 -
هذا وقد خالف الصاوي مذهب السلف متمسكًا بمذهبه الأشعري في الكثير من قضايا الإلهيات، كتقرير أدلة المتكلمين العقلية في الاستدلال على وجود الله، وكتأويل الصفات الخبرية الذاتية منها والفعلية، ووقوعه في مذهب الإرجاء في مسائل الإيمان والكفر، وتمذهبه مسلك سلفه في مسائل القدر مما أوقعه في الجبر حتى صرح به مرارًا، كما نفى الأسباب وتأثيرها، وأنكر على من خالف مذهبه إما تبديعًا وإما تفسيقًا وتكفيرًا.
4 -
نتيجة لموقف الصاوي المتميز عامة في تحرير مسائل العقيدة عن سلفه؛ حيث تحرر في بعض منها، نجده يقع في الاضطراب والحيرة في بعض المسائل المخالفة
لمذهب السلف، فمرة يحزر المسألة بمنطق أشعرى وأخرى سلفى، وذلك كمسألة إثبات الحكمة لله تعالى، فقد وقع في التناقض حين أولها كتأويل الأشاعرة إياها بما يثبت مقتضاها في المصنوعات فتكون عندهم بمعنى الإتقان والإحكام، ومرة تظهر موافقته للسلف جلية في بيان معناها إذ يعرفها بما أثر عنهم من أنها وضع للشيء في محله، وبذلك فهو يعمم حكمها على كل أفعال الله تعالى مثبتًا الغايات والمقاصد، مقرًا بقوله تعالى:{رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا} .
وأيضًا كتفسيره للإله، فإنه في عدد من المرات يفسر الإله بإنه القادر على الاختراع بما يفيد معنى الربوبية، إلا أنه فسره في موضع واحد بما يوافق مذهب السلف من أنه المعبود، ولكنه في كلا الحالتين لا يخرج في نهاية المطاف عن مذهب الأشاعرة، ففي موقفه من الحكمة نجده يؤكد تأويله لها ونفيها عن أفعال الله في مقابل الرد على المعتزلة الذين ينفون أن يخلق الرب تعالى أفعال العباد بما فيها من شر بحجة منافاة ذلك لحكمته تعالى، فهو يرى في تأويلها ما يفى بالرد عليهم، وقد أبطلت مذهبه تمامًا في محله.
وكذلك في تفسير الإله بهذا الموقف المتباين فإنه يستقر على مذهب أسلافه حيث لا يرى أن أحدًا كفر بسبب الشرك، فالشرك عنده هو ما قدح في جانب الربوبية ومنكرو هذا قليل في بني آدم، ولو أنه استقر على ما عرف الإله به من أنه المستحق للعبادة لعلم أن كفر مشركي قريش وغيرهم كثير إنما كان بسبب الشرك، كما لا يخفى، لأنهم لم يقروا بهذه الكلمة: لا إله إلا الله، لا معبود بحق إلا الله.
وهذه بعض أمثلة لتناقضه.
5 -
عرف الصاوي بتبنى بعض الأقوال التي تمثل انحرافًا خطيرًا في المنهج، كالقول بأن ظاهر الكتاب والسنة كفر، فهى وإن كانت قد عرفت عن سابقيه من المتكلمين، إلا أنه أظهر اعتناؤه بها، فضمنها تفسيره لكتاب الله العزيز مؤكدًا على منهجه في تأويل الصفات حسبما يقره مذهبه الأشعرى، مما استدعى ردود العلماء عليه كالإمام الشنقيطي رحمه الله في أضواء البيان.
6 -
تأثر الصاوي بالعصر الذي عاش فيه، فتابع أكثر علماء زمانه في محاربة الدعوة السلفية بقيادة الإمام محمد بن عبد الوهاب، ورميها بأنواع التهم الجائرة، حيث أطلق عليهم مسمى الخوارج.
7 -
تابع الصاوي ما عليه متكلمو زمانه من سلوك مذهب الصوفية، فوقع في الكثير من ألوان الغلو المذموم، والذي يظهر جليلًا في اعتقاده بالنبي صلى الله عليه وسلم، حيث أثبت له الأصل النورى وكشف المغيبات وإثبات الواسطة له، وشرع في حقه الكثير من الصلوات المبتدعة مقرًا ما عليه الصوفية من ألوان البدع والمحدثات العقدية، كما ظهر انحرافه في الكثير من المسائل؛ كادعاء علم الغيب للأولياء، وجواز التوسل بهم، والتبرك بذواتهم، وأوجب متابعة الشيخ ولو ظهر منه ما يخالف ظاهر الشرع.
كما تأثر بمنهجهم المنحرف في تفسير القرآن العظيم بالتفسير الإشارى الاستبطانى، وإن لم ينهج هذا المنهج كثيرًا في تفسيره: الحاشية على الجلالين.
8 -
وكما ظهر تميزه مجملًا في تحرير مذهب الأشاعرة، فكذلك كان حاله مع الصوفية، حيث حاول التوسط والاعتدال في متابعة القوم، فخالفهم في الكثير مما اشتهر عنهم، فقد أكد الصاوي على تفضيل الأنبياء والرسل - عليهم الصلاة والسلام - على سائر الأولياء، كما أبطل عقيدة وحدة الوجود بمعناها الكفرى، وأكد على أن الولاية لا تنال إلا بمتابعة السنة وطريق القرآن، وأكد في اختيار الشيخ وفق الكتاب والسنة.
9 -
ومع ذلك ولإصراره على موافقة الصوفية في تقرير مسلكهم والاستدلال له بالمسالك الشرعية، فقد خرج بأقوال عرف بها؛ حاول أن يؤول موقف الصوفية الغلاة وأقوالهم المارقة، فأقر وحدة الوجود ولكنه حملها على ما يعرف بوحدة الشهود، وأقر المقامات على ما فيها من مخالفات جلية؛ كإبطال التكاليف مع أنه يصر على وجوب الاستقامة لنيل الولاية، فظهر بهذه المواقف المتعددة متناقضًا يغرب كثيرًا في تقرير المسائل العقدية.
10 -
كانت له مواقف مشكورة في إنكار ما عليه غالب الصوفية من قرع الطبول والتغنى بالمزامير والتمايل والرقص مؤكدًا أن هذه من البدع المحدثة.
أما عن توصياتى التي أتوجه بها للباحثين في ختام هذا العمل الذي أسأل المولى تبارك وتعالى أن يتقبله، فهى؛ الاهتمام بكتب التفسير وشروح الحديث دراسة ونقدًا على ضوء منهج السلف الصالح، لأنها من أهم موارد العلم الشرعي الذي يرجع إليه في معرفة أصول الدين.
* * *