الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
متصلة بجسم صاحبها، وما وصل للروح من النعيم يحصل للجسم أيضًا، وذلك نظير النائم، فإن النائم يرى أن روحه في المشرق أو في المغرب مع كونها متصلة بجسمه، وكالأولياء الذين أعطاهم الله التصريف، فالواحد منهم يكون جالسًا في مكان، وروحه تسرح في أمكنة متعددة، وربك على كل شيء قدير" (1).
ولهذا التصريف الذي يعتقده الصاوي لأهل المراتب العالية في الولاية، فإنه يرى مشروعية الاستغاثة بهم، يقول: "وتطلق الأنجاب في عرف الصوفية على طائفة فوق الأبدال، ويقال لهم النجباء.
فأول المراتب الأولياء، ثم الأبدال، ثم النجباء، ثم النقباء، ثم العرفاء، ثم الأقطاب، ثم الغوث، فيستغاث بهم في النوازل على هذا الترتيب:(2).
* * *
المناقشة:
أولًا: حقيقة الكرامة:
إن مفهوم الكرامة عند أهل السنة والجماعة؛ يعد في الحقيقة نوع امتداد لمفهوم الولاية عندهم، وكذلك الحال عند الصوفية، فلما كانت حقيقة الولاية في ضوء ما ورد من نصوص الكتاب والسنة؛ تعنى تولى مراضى الرب تعالى بالاستقامة على شرعه ومتابعة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، الموجبة لمولاة الرب تعالى بأنواع المنن، وأعظمها دخول الجنة، والأمن من عذاب النار، كانت حقيقة الكرامة أيضًا هي ثمرة التزام الاستقامة من خوارق العادات، والعلم النافع وطاعة الباري تعالى.
وكما أن مفهوم الولاية عند الصوفية يقوم على اعتقاد خرق العادات والتصوف في الكون وعلم المغيبات، فكذلك الكرامة عندهم، إنها هي بعينها مقومات الولاية في الفكر الصوفى، فليست تخرج عن هذه الأمور، التي هي مطمح القوم، ومحط آمالهم في الولاية، ولو مع مخالفة ظاهرة لأوامر الشرع.
(1) حاشية الجلالين: (1/ 179).
(2)
حاشية الصلوات: 64.
يقول شيخ الإسلام رحمه الله معرفًا الكرامة بما لا يمكن أن تتأتى إلا به: "إن الكرامة لزوم الاستقامة، وإن الله لم يكرم عبده بكرامة أعظم من موافقته فيما يحبه ويرضاه، وهو طاعته وطاعة رسوله وموالاة أوليائه ومعاداة أعدائه، وهؤلاء هم أولياء الله: {أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} "(1).
حجية الكرامة:
لقد ثبت في الأدلة الشرعية ومن حياة أصدق الأولياء من الصحابة والتابعين - رضوان الله تعالى عليهم أجمعين -: إجراء أحكام خارجة عن مقتضى العادة على يد بعض عباد الله الصالحين، يتأتى بها تحقيق مطلب دينى أو دنيوى لهم، تكون من الله تعالى إكرامًا للعبد، وتبشيرًا له؛ لثبوته على مقومات الولاية.
فالكرامة من حيث هي أمر خارق للعادة، يستند في تحققه إلى محض تصرف الباري تعالى، قد ثبت وقوعها على وجوه كثيرة، جماعها كما بين شيخ الإسلام: القدرة والعلم والغنى، يقول شيخ الإسلام: "المعجزة للنبي والكرامة للولى وجماعها الأمر الخارق للعادة، فنقول: صفات الكمال ترجع إلى ثلاث: العلم والقدرة والغنى، وإن شئت أن تقول: العلم والقدرة إما على الفعل وهو التأثير، وإما على الترك وهو الغنى. والأول أجود.
وهذه الثلاثة لا تصلح على وجه الكمال إلا لله وحده، فإنه الذي أحاط بكل شيء علمًا، وهو على كل شيء قدير وهو غني عن العالمين" (2).
ومن الأمثله الدالة على ذلك: ما وقع لعمر رضي الله عنه من انكشاف الغيب؛ فطابق الوحي قبل نزوله على قلب النبي صلى الله عليه وسلم، فعن أنس قال: قال عمر رضي الله عنهما: (وافقت ربي في ثلاث: فقلت يا رسول الله، لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى، فنزلت:{وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} .
(1) مجموع الفتاوى: (10/ 29).
(2)
مجموع الفتاوى: (11/ 312).
وآية الحجاب، قلت يا رسول الله، لو أمرت نساءك أن يحتجبن، فإنه يكلمهن البر والفاجر، فنزلت آية الحجاب.
واجتمع نساء النبي صلى الله عليه وسلم في الغيرة عليه، فقلت لهن:{عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ} (1).
فكان هذا دليلًا على حصول الانكشاف، الذي به يتحصل علم الغيب، لكن هو دون رتبة الأنبياء.
ومن ذلك ما أورده الصاوي من قصة مريم عليها السلام، وذلك الذي أتى بالعرش لسليمان عليه السلام، وتسميته بآصف قد وردت بها روايات ضعيفة (2) لا يصح اعتمادها في التسمية.
ومن ذلك ما أخبر به الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم: (بينما رجل بفلاة من الأرض، فسمع صوتًا في سحابة: اسق حديقة فلان، فتنحى ذلك السحاب، فأفرغ ماءه في حرة، فإذا شرجة من تلك الشراج قد استوعبت ذلك الماء كله، فتتبع الماء، فإذا رجل قائم في حديقته يحول الماء بمسحاته، فقال له: يا عبد الله! ما اسمك؟ قال: فلان. للاسم الذي سمع في السحابة، فقال له: يا عبد الله! لم تسألنى عن اسمى؟ فقال: إني سمعت صوتًا في السحاب الذي هذا ماؤه يقول: اسق حديقة فلان، لاسمك، فما تصنع فيها؟ قال: أما إذ قلت هذا، فإنى أنظر إلى ما يخرج منها، فأتصدق بثلثه، وأكل أنا وعيالى ثلثًا، وأرد فيها ثلثه)(3).
فـ "إذا ثبت ما ذكرت من الدلائل على جواز ظهورها بخرق العادة على يد الأولياء على سبيل الكرامة، فماذا تتميز الكرامة عن المعجزة؟ اختلفوا فيه، فذهب قوم إلى أن شرط الكرامة: أن تكون من غير إيثار واختيار من الولى، والمعجزة
(1) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الصلاة - باب ما جاء في القبلة، رقم الحديث:402.
(2)
انظر: كرامات أولياء الله لـ الإمام اللالكائى، تحقيق الدكتور أحمد سعد حمدان الغامدى، فقد بين انقطاع هذه الرواية:80.
(3)
أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الزهد - باب الإنفاق على المساكين: (18/ 115).
يكون بالإيثار والاختيار فيفترقان، وقوم قالوا: يجوز ظهور الكرامة على يد الولى مع الاختيار، ولكن لا يجوز ظهورها مع دعوى الولاية، حتى لو ادعى الولاية وأراد إثباتها بالكرامة لم يخرق المعجزة فظهر مع دعوى النبوة.
والفرق الصحيح أن الكرامة لا تقع موافقًا لدعوى الولى، والمعجزة شرطها أن تكون موافقة لدعوى مدع النبوة، فيظهر به الفرق" (1).
وهذا إنما يكون على التسليم بإمكان الالتباس، وذلك لأن الكرامة في الحقيقة تعد نوع امتداد للمعجزة، التي تدل على صدق النبي، فلا يحصل منها معارضة تقتضى التباسها بالمعجز، وذلك لأنها لا تكون إلا لمن قامت به شروط الولاية من الاستقامة على متابعة النبي وإلا لم تقع، فهى من هذه الحيثية آية على صدق النبي ومعجزة له، فأى اختلال في صدق متابعة الولى؛ يعد نقضًا لحقيقة الكرامة.
ثم إن ما يحصل للأولياء من خوارق العادات، لا يماثل المعجزة من حيث القدر، وهذا ما نبه إليه شيخ الإسلام رحمه الله:"وأما كرامات الأولياء فهى أيضًا من آيات الأنبياء، فإنها إنما تكون لمن تشهد لهم بالرسالة، فهى دليل على صدق الشاهد لهم بالنبوة، وأيضًا فإن كرامات الأولياء معتادة من الصالحين، ومعجزات الأنبياء فوق ذلك، فانشقاق القمو والإتيان بالقرآن، وانقلاب العصا حية، وخروج الدابة من صخرة، لم يكن مثله للأولياء، وكذلك خلق الطير من الطين، ولكن آياته صغار وكبار، كما قال الله تعالى: {فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى} [النازعات: 20]، فلله تعالى آية كبيرة وصغيرة، وقال عن نبيه محمد صلى الله عليه وسلم: {لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى} [النجم: 18]، فالآيات الكبرى مختصة بهم، وأما الآيات الصغرى فقد تكون للصالحين، مثل تكثير الطعام"(2).
وعليه فإن ما يقع لبعض الناس، مما يظن فيه خرق للعادة مع عدم الاستقامة
(1) قطف الثمر في بيان عقيدة أهل الأثر: (1/ 99).
(2)
النبوات: 323.
والمتابعة، فإنه من الأحوال الشيطانية، التي يتوهم خرقها للعادة مع كونها من مقدور الثقلين: الجن والإنس: "ولهذا قال الأئمة: لو رأيتم الرجل يطير في الهواء، أو يمشى على الماء، فلا تغتروا به، حتى تنظروا وقوفه عند الأمر والنهى، ولهذا يوجد كثير من الناس يطير في الهواء، وتكون الشياطين هي التي تحمله لا يكون من كرامات أولياء الله المتقين، ومن هؤلاء من يحمله الشيطان إلى عرفات فيقف مع الناس، ثم يحمله فيرده إلى مدينته تلك الليلة، ويظن هذا الجاهل أن هذا من أولياء الله، ولا يعرف أنه يجب عليه أن يتوب من هذا، وإن اعتقد أن هذا طاعة وقربة إليه، فإنه يستتاب، فإن تاب وإلا قتل، لأن الحج الذي أمر الله به ورسوله لا بد فيه من الإحرام والوقوف بعرفة، ولا بد فيه من أن يطوف بعد ذلك طواف الإفاضة، فإنه ركن لا يتم الحج إلا به، بل عليه أن يقف بمزدلفة ويرمى الجمار، ويطوف للوداع، وعليه اجتناب المحظورات، وأمثاله يقع كثيرًا، وهى أحوال شيطانية، قال تعالى {وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ} [الزخرف: 36] (1).
وإذا علم هذا فإنه ليس بمستقيم أن تكون خرق العادات هي دليل الولاية والعلامة عليها - كما بين الصاوي - لأنه لم يتحقق حصولها لكثير ممن عرف بالصلاح والتقوى من أهل القرون الأولى، هذا من جهة ومن جهة أخرى، فإن اعتمادها قد يؤدى إلى حصول اللبس عند كثير من غير المحققين، يقول شيخ الإسلام رحمه الله في بيان خطر هذا المعتقد على آحاد المسلمين: "فمنهم من يرتد عن الإسلام وينقلب على عقبيه، ويعتقد فيمن لا يصلى بل ولا يؤمن بالرسل بل يسب الرسل ويتنقص بهم أنه من أعظم أولياء الله المتقين، ومنهم من يبقى حائرًا مترددًا شاكًا مرتابًا، يقدم إلى الكفر رجلًا وإلى الإسلام أخرى، وربما كان إلى الكفر أقرب منه إلى الإيمان، وسبب ذلك: أنهم استدلوا على الولاية بما لا يدل عليها، فإن الكفار والمشركين والسحرة والكهان معهم من الشياطين من يفعل بهم أضعاف أضعاف
(1) مجموع الفتاوى: (1/ 83).
ذلك، قال تعالى:{هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (221) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ} [الشعراء: 221، 222].
فامتنع أن تكون دليلًا عليه، وأولياء الله هم المؤمنون المتقون، وكراماتهم ثمرة إيمانهم وتقواهم، لا ثمرة الشرك والبدعة والفسق.
والمقصود هنا أن من أعظم أسباب ضلال المشركين ما يرونه أو يسمعونه عند الأوثان، كإخبار عن غائب، أو أمر يتضمن قضاء حاجة ونحو ذلك، فإذا شاهد أحدهم القبر انشق وخرج منه شيخ بهى عانقه أو كلمه؛ ظن أن ذلك هو النبي المقبور أو الشيخ المقبور، والقبر لم ينشق، وإنما الشيطان مثل له ذلك (1).
ولما كانت هذه الخوارق بمثابة الثواب المعجل للعبد الصالح، فمن الممكن أن ألَّا يتم تحققها في الدنيا وأن تدخر له في آخرته، وكان هذا هو معتقد عباد الله الصالحين، فلم يكن همهم حصول هذه الخوارق من المكاشفات ونحوها، بل كان هدفهم الأسمى هو الثبات على مقامات الإيمان والعمل الصالح، وإذا وقع لهم منها شيء كانوا على وجل وخوف فلا يطمئنون به؛ لخوفهم من الاستدراج وتعجيل الطيبات.
وعلى العكس من هذا حال أهل البدع والمنكرات، فهمهم الأكبر من العبادة والمجاهدة هو حصول مثل هذه الخوارق، أو ما يظن بأنه خارق من أحوال الشياطين، فإذا حصل لهم منها شيء تشدقوا بذكرها، واحتالوا على الناس بألوان الحيل؛ حتى يتم لهم التوجه بالهمم، فيستغاث بهم ويتقرب لهم من دون الله، يقول شيخ الإسلام رحمه الله: "وغاية من يعبد الله يطلب خوارق العادات يكون له نصيب من هذا، ولهذا كان منهم من يرى طائرًا، ومنهم يرى ماشيًا، ومنهم وفيهم جهال ضلال.
والحق المبين أن كمال الإنسان أن يعبد الله علمًا وعملًا، كما أمره ربه" (2).
(1) مجموع الفتاوى: (1/ 176).
(2)
مجموع الفتاوى: (2/ 96).
شبهات حول الكرامة:
من كل ما تقدم تبين أن اعتقاد السلف في ثبوت الكرامة يقوم على أمرين:
1 -
أن الكرامة تشمل كل ما يمن به الرب تعالى على عبده المؤمن المتبع شريعة نبيه، فهى ثمرة الإيمان والتقوى، يتقدمها الثبات على الإيمان، وانشراح الصدر لذلك، ويدخل فيها ما يكون خارقًا للعادة.
2 -
أن الكرامة التي هي خرق للعادات ليست دليلًا على الولاية، لأنه قد تتحقق مقومات الولاية في العبد دون أن يحصل له شيء من هذه الخوارق، وهذا كثير في القرون المفضلة.
ومع موافقة الصاوي اعتقاد السلف في هذين الأمرين، إلا أن مخالفته ظاهرة في تفاصيل اعتقاد خرق العادات، وما ينبنى عليها من أحكام.
وبيان هذا: أنه قد ثبت التصديق بإمكان حصول الانكشاف ومعرفة الغيب عن طريق الإلهام أو الرؤيا الصالحة، وأنه مع اكتمال شروط الولاية فيمن حصل له ذلك فإنها تكون له من قبيل الكرامة، ولكن لا يصح الاستدلال بها واعتمادها في الأحكام الشرعية.
فإذا كانت (الرؤيا الحسنة، من الرجل الصالح، جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة)(1) كما ورد في الحديث فقد بين حديث آخر أن هذا إنما يختص بمهمة التبشير وهى واحدة من وظائف النبوة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(لم يبق من النبوة إلا المبشرات). قالوا: وما المبشرات؟ قال: (الرؤيا الصالحة)(2).
ولهذا دلائل كثيرة مردها إلى اكتمال الدين وتمامه بشرعة المصطفى صلى الله عليه وسلم؛ فليس لأحد أن يتقدمه بزيادة أو نقصان، قال تعالى:{الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} .
(1) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب التعبير - باب رؤيا الصالحين، رقم الحديث:6582.
(2)
أخرجه البخاري أيضًا في كتاب التعبير - باب رؤيا الصالحين، رقم الحديث:6589.
وقال عز من قائل في النهى عن التقدمة المخلة بتمام الالتزام وشكر المولى على تمام المنة باكتمال النعمة: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} .
هذا والأحاديث في النهي عن الابتداع، ووجوب التمسك بالاتباع كثيرة، وقد دلت على أن كل ما فيه مخالفة للشرعة المطهرة فهو مردود على صاحبه مهما ادعى من حصول الكشف والعرفان، فلا يسلم له؛ لامتناع العصمة والدلالة القطعية بعدم الحاجة إلى مثل هذه الأوهام.
يقول شيخ الإسلام في ذلك: فكل من اتبع ما يرد عليه من الخطاب، أو ما يراه من الأنوار والأشخاص الغيبية، ولا يعتبر ذلك بالكتاب والسنة، فإنما يتبع ظنًا لا يغنى من الحق شيئًا.
فليس من المحدثين الملهمين أفضل من عمر، كما قال صلى الله عليه وسلم:(إنه قد كان فيما مضى قبلكم من الأمم محدثون، وإنه إن كان في أمتى هذه منهم فإنه عمر بن الخطاب)(1)، وقد وافق عمر ربه في عدة أشياء (2)، ومع هذا فكان عليه أن يعتصم بما جاء به الرسول، ولا يقبل ما يرد عليه حتى يعرضه على الرسول، ولا يتقدم بين يدى الله ورسوله، بل يجعل ما ورد عليه تبعًا، وكان إذا تبين له من ذلك أشياء خلاف ما وقع له فيرجع إلى السنة، وكان أبو بكر يبين له أشياء خفيت عليه فيرجع إلى بيان الصديق وإرشاده وتعليمه، كما جرى يوم الحديبية، ويوم مات الرسول (3)، ويوم ناظره من مانع الزكاة (4) وغير ذلك، وكانت المرأة ترد عليه ما يقوله
(1) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الأنبياء - باب حديث الغار، رقم الحديث:3469.
(2)
تقدم بيانها.
(3)
أخرج البخاري في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله مات وأبو بكر بالسنح فقام عمر يقول: والله ما مات رسول الله، وقال عمر: والله ما كان يقع في نفسى إذ ذاك، وليبعثنه الله، فليقطعن أيدى رجالًا وأرجلهم، فجاء أبو بكر فكشف عن الرسول فقبله، قال: بأبى أنت وأمى طبت حيًا وميتًا، والذي نفسى بيده لا يذيقك الله الموتتين أبدًا، ثم خرج فقال: أيها الحالف على رسلك، فلما تكلم أبو بكر جلس عمر، فحمد الله أبو بكر وأثنى عليه، قال: ألا من كان يعبد محمدًا صلى الله عليه وسلم فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، وقال:(إنك ميت وإنهم ميتون): كتاب فضائل الصحابة - باب قول النبي: (لو كنت متخذًا خليلًا)، رقم الحديث: 3667 - 3668. وفي رواية أن عمر رضي الله عنه قال: (والله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها فعقرت، حتى ما تقلنى رجلاى، وحتى أهويت إلى الأرض حين سمعته تلاها، علمت أن النبي صلى الله عليه وسلم قد مات): كتاب المغازى - باب مرض النبي ووفاته، رقم الحديث: 4454.
(4)
أخرج الإمام أحمد في مسند عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أن أبا هريرة قال: "لما توفي رسول الله وكان أبو بكر بعده وكفر من كفر من العرب، قال عمر: يا أبا بكر كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله. فمن قال لا إله إلا الله فقد عصم منى ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله تعالى) قال أبو بكر رضي الله عنه: والله لأقتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعونى عناقًا كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعها، قال عمر رضي الله عنه: فوالله ما هو إلا أن رأيت أن الله قد شرح صدر أبي بكر رضي الله عنه للقتال فعرفت أنه الحق)، رقم الحديث: 117: قال أحمد شاكر: إسناده صحيح: (1/ 216).
وتذكر الحجة من القرآن، فيرجع إليها كما جرى في مهور النساء (1) ومثل هذا كثير" (2).
وعليه فلا يصح الاستدلال بهذا الكشف في المسائل الشرعية؛ كما جوز الصاوي اعتماده في التفسير الإشارى الذي سبق مناقشته فيه (3).
ومن جهة أخرى، فإنه لا يقطع بحصول مقتضى هذا الكشف من المعارف الغيبية، إلا عند تحققه على أرض الواقع، وهذا يرجع إلى أن دلالته على مقتضاه ظنية وليست بيقينية، فلا شيء دلالته يقينية في معرفة الغيب إلا ما كان مستنده الوحي المعصوم: الكتاب والسنة.
ومن هنا امتنع استقلالها باكتساب العلم الذي يقضى جزمًا بمطابقة الواقع في علوم الغيب، وأدلة هذا في الكتاب والسنة كثيرة متضافرة، منها قوله تعالى:{إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} ، وهذه هي
(1) ومن ذلك أن عمر رضي الله عنه خرج وخطب في الناس ينهاهم عن كثرة المهور فقالت امرأة: ليس ذلك لك يا عمر، إن الله يقول:{وآتيتم إحداهن قنطارا من ذهب} ، قال وكذلك هي في قراءة عبد الله، فلا يحل لكم فلا تأخذوا منه شيئًا، فقال عمر: إن امرأة خاصمت عمر فخصمته: مصنف عبد الرزاق: كتاب النكاح - باب غلاء الصداق، رقم الحديث: 10420: (6/ 180).
(2)
الفرقان بين الحق والباطل: 48 - 49.
(3)
انظر: مبحث آراؤه في القرآن: 382.
مفاتيح الغيب التي وردت في قوله تعالى: {وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} [الأنعام: 59].
وقد فسرها بهذا الصادق المصدوق ففي الحديث الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (مفاتيح الغيب خمس: "إن الله عنده علم الساعة، وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام، وما تدرى نفس ماذا تكسب غدًا، وما تدرى نفس بأى أرض تموت إن الله عليم خبير")(1).
وعليه فإن ما ادعاه الصاوي من أنه لا يمتنع أن ينكشف شيء من العلوم الغيبية للأولياء، بتعليم الله لهم على جهة يتيقن منها حصول مقتضى هذا الكشف، أمر لا حقيقة له، بل هو من الأوهام التي تردها آيات الكتاب وسنة النبي عليه الصلاة والسلام، وكم من الآيات تلك التي يأمر بها المولى تعالى نبيه محمد صلى الله عليه وسلم بالتبرؤ من علم الغيب، قال تعالى:{قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ} [الأنعام: 50].
وهذا الاعتقاد باستقلال الكشوفات والرؤى في معرفة الغيب؛ أدى إلى وقوع الصوفية في الغلو المحرم، الذي قد يكون شركًا أو ذريعة إلى الشرك، ومن هنا ظهر بطلان ما حكاه عن التسترى أنه كان يعرف تلامذته منذ الميثاق، وأنه كان يربيهم وما ذكره عن على رضي الله عنه من أنه كان يتذكر ذلك اليوم الذي أخذ عليه الميثاق فيه، إن كل هذه الأخبار مما لا حقيقة لها تستند إليه كونًا ولا شرعًا، فليس من المقدور البشرى تذكر ذلك اليوم ولا معرفة ما كان فيه؛ لأن البشر كانوا في عهد الذر، ولم يكونوا على هذه الهيئة التي صاروا إليها، ثم إن هذا الإشهاد غايته معرفة الله وتوحيده، ولو كان لأحد تذكر هذا اليوم لكان ذلك للمصطفى صلى الله عليه وسلم خير ولد آدم.
(1) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب التفسير - باب وعنده مفاتح الغيب، رقم الحديث:4627.
وليس يخفى ما في تخصيص علي رضي الله عنه بالعلم من التأثر بأقوال الغلاة فيه، ومما يؤكد عدم ورود ما يخصصه، بعلم عن الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين - ما أخرجه البخاري في صحيحه، فعن أبي جحيفة رضي الله عنه قال: "قلت لعلي رضي الله عنه: هل عندكم شيء من الوحي إلا ما في كتاب الله؟ قال: (والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، ما أعلمه إلا فهمًا يعطيه الله رجلًا في القرآن، وما في هذه الصحيفة). قلت: وما في الصحيفة؟ قال: (العقل، وفكاك الأسير، وألا يقتل مسلم بكافر)(1).
- وهذا وقد أثبت للأولياء من خوارق العادات التأثير بالتصرف في الكون، ولا بد للحكم على هذا المقال من وزنه بميزان الشريعة، فنعرف هل لهذا مستند من الكتاب أو السنة؟
لقد دل الحديث القدسي الذي توعد الله فيه من أقدم على إيذاء ولي من الأولياء بالحرب؛ على أن المولى تبارك وتعالى قد يتصرف في هذا الكون موافقة لغرض الولي لنصرته وحاجته، إذًا فمرد هذا التأثير إلى الله تعالى، وقد يكون للعبد فيه نوع تأثير كالدعوة المستجابة (2) ولكن ليس في هذا ما يقضى بتصرفه في المخلوقات فإن إجابة الدعاء هي محض فضل المولى، كما أنها من التوسل المشروع الذي يتحقق به تمام العبودية.
ومن هنا علم أن ما يدعيه الصوفية في كرامات الأولياء، التي تقضي بأحقية تصرفهم في الكون حتى يكون لأحدهم أن يقول للشيء كن فيكون، ليس بصحيح أبدًا ولو ادعى أنه على غير جهة الاستقلال، بل هو من الضلالات القادحة في جناب التوحيد.
بيان ذلك أن مرد هذه الادعاءات إلى الكتاب والسنة، ولم يرد فيهما ما يسند مثل هذه الأقوال الباطلة، بل دلالتهما في هذه الأمور على النقيض من ذلك، فما زالت
(1) كتاب الجهاد والسير - باب فكاك الأسير، رقم الحديث:3047.
(2)
انظر: الفتاوى: (11/ 314).
الآيات الكريمة تبدى وتعيد في وجوب إفراد الله تعالى بأفعاله، ومن ثم إفراده بأفعال العباد من الاستغاثة والاستعانة والدعاء، فكم من الآيات تلك التي تؤكد على أنه ليس لأحد تصرف يملك فيه كشف ضر لحق به، فضلًا عن إمكان دفعه.
وقد أمر المصطفى بإعلان هذه الكلمات التي تدفع كل الأوهام المتعلقة بغير الله تعالى، كلمات تنبض بحقائق العبودية والإقرار التام بكمال ربوبية المولى تبارك وتعالى، ورد الأمر إليه ظاهرًا وباطنا:{قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ} [الأعراف: 188].
ولهذا المبحث علاقة وثيقة بحقيقة التبرك، فالانحراف في فهمه هو أساس الانحراف الحاصل في حقيقة التبرك، فحين وقع غلاة الصوفية في الغلو المنهي عنه، وادعوا للأولياء القدرة على التصرف؛ توجهوا إليهم بالدعاء، واعتقدوا حلول البركة بذواتهم فأشركوهم مع الله أحياء وأمواتًا، ونسبوا لهم ما لا يليق إلا لذات الرب تبارك وتعالى (1).
ومن هنا علم أن الكرامة لا تكون إلا للولى المستقيم على دين نبيه، فلا ينسب حصول ما يقع له من خوارق العادات إلى ذاته، بل هو على يقين من أنها محض قدرة الله تعالى، تفضل بها عليه منًّا وكرمًا، فلا يؤدى به ذلك إلى الاغترار والأمن، بل يخاف دومًا من العاقبة والاستدراج، ولنا في عمر رضي الله عنه صاحب الكشوف والموافقات أصدق أسوة، فمع شهادة النبي له بالجنة إلا أنه عند موته كان على خوف ووجل، فعن ابن عمر قال:(كان رأس عمر رضي الله عنهما على حجري فقال: ضعه لا أم لك، ثم قال: ويلي ويل أم عمر إن لم يغفر لي ربي)(2).
(1) لمزيد من التوسع انظر: مبحث التوحيد: 184.
(2)
مصنف ابن أبي شيبة - كتاب الزهد - باب كلام عمر رضي الله عنه، رقم الحديث: 40: (8/ 153).
وقال خوفًا على اغترار المسلمين بكثرة الفتوحات التي حصلت في عصره: (نحن قوم أعزنا الله بالإسلام فمهما ابتغينا العزة بغير ما أعزنا الله به أذلنا الله)(1).
ولشدة حرصه على صفاء عقيدة الصحابة، وصدق توجهه إلى الله تعالى؛ قام بعزل خالد رضي الله عنه من قيادة المعارك، بعد إحرازه النصر في الكثير منها.
ولو أردت استقصاء هذه المواقف الإيمانية في حرص النبي وصحابته الكرام على سلامة الاعتقاد وصفائه من أدران الشرك؛ لطال بي المقام، وما هي إلا لفتات وودت فيها أن أبين مكانة الكرامة في الصدر الأول، بعيدًا عن غلو هؤلاء الأدعياء.
بقى بيان حقيقة من نسب إليهم الصاوي مشروعية الاستغاثة بهم، وهم النجباء والأقطاب والغوث، فقد فصل شيخ الإسلام ما يمكن به رد وجودهم بما يتحقق به إبطال ما علق بهم الصوفية من أوهام لا أساس لها من الشرع، وذلك ببيان أن كل ما استند إليه الصوفية من الأحاديث في ذكرهم فهي موضوعة لا يحتج بها (2).
وعليه فإن "الإيمان بوجود هؤلاء ليس واجبًا عند أحد من علماء المسلمين وطوائفهم المعروفين. . إذ قد علم بالاضطرار من دين الإسلام أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يشرع لأمته التصديق بوجود هؤلاء ولا أصحابه كانوا يجعلون ذلك من الدين"، كما أن بطلان الدعوى تدل على بطلان تحققها للمدعى عليه، فـ "القائلون بهذه الأمور منهم من ينسب إلى أحد هؤلاء ما لا تجوز نسبته إلى أحد من البشر، مثل دعوى بعضهم أن الغوث أو القطب هو الذي يمد أهل الأرض في هداهم ونصرهم ورزقهم، فإن هذا لا يصل إلى أحد من أهل الأرض إلا بواسطة نزوله على ذلك الشخص، وهذا باطل بإجماع المسلمين، وهو من جنس قول النصارى في الباب"(3).
* * *
(1) أخرجه الحاكم في مستدركه: كتاب الإيمان، وقال: حديث صحيح على شرط الشيخين لاحتجاجهما جميعًا بأيوب بن عائد الطائي وسائر رواته وإن لم يخرجاه: (1/ 61).
(2)
مجموع الفتاوى: (11/ 167).
(3)
منهاج السنة: (1/ 92 - 93).