الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
هذا من جهة ومن جهة أخرى: "لأن التفتيش عما جرى بينهم ليس من العقائد الدينية، ولا مما ينتفع به في الدين، بل ربما ضر في اليقين".
وبهذا الطرح المسبق يصل إلى بيان حكم الخوض فيما وقع بين الصحابة الكرام من الخلاف، يقول مفصلًا رأيه: وعليه فإنه؛ "لا يباح الخوض فيه إلا للتعليم، أو الرد على المعتصبين.
أما العوام؛ فلا يجوز لهم الخوض فيه؛ لفرط جهلهم وعدم معرفتهم للتأويل".
ومع الإقرار بجواز الخوض فيه في بعض الحالات؛ كما تقتضيه الضرورة، إلا أنه يلفت الانتباه إلى وجوب التمسك بالأدب في الحديث عنهم، كما يقتضيه الاعتراف بفضلهم، يقول: "ويجب عليك حال خوضك فيما شجر بينهم لأمر مما تقدم أن تتجنب الحسد حال خوضك، لقوله صلى الله عليه وسلم:(الله الله في أصحابي، الله الله في أصحابي، لا تتخذوهم غرضًا بعدى، فمن أحبهم فبحبى أحبهم، ومن أبغضهم فببغضى أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذانى، ومن آذانى فقد آذى الله، ومن آذى الله فيوشك أن يأخذه)(1). (2)
التعليق:
أولًا:
تعريف الصحابة:
جاء في لسان العرب: "صحبه يصحبه صحبة بالضم، وصحابة بالفتح، وصاحبه عاشره، والصحب جمع الصاحب، مثل راكب وركب، والأصحاب جماعة الصحب، مثل: فرخ وأفراخ، والصاحب المعاشر"(3)
وقال شيخ الإسلام رحمه الله: "الأصحاب جمع صاحب، والصاحب اسم فاعل من صحبه يصحبه، وذلك يقع على قليل الصحبة وكثيرها"(4)
(1) سبق تخريجه: 616.
(2)
المرجع السابق: 51. وحاشية الخريدة: 112. وانظر: حاشية الجلالين: (1/ 169).
(3)
لسان العرب: (4/ 2400).
(4)
الصارم المسلول: 575.
أما تعريف الصحابة في الاصطلاح الشرعي، فقد تعددت أقوال العلماء في وضع حد له، يكون جامعًا لأفراده، مانعًا من دخول غيره فيه، من هؤلاء الإمام البخاري رحمه الله، فقد قال في تعريفهم:(من صحب النبي صلى الله عليه وسلم، أو رآه من المسلمين، فهو من أصحابه)(1)
وأدق ما قيل في هذا الباب وأضبطه ما قرره الحافظ ابن حجر رحمه الله، حيث قال:"الصحابى من لقى النبي مؤمنًا ومات على الإسلام"(2)
وكان تعرف الصاوي للصحابة موافقًا لما ذهب إليه الحافظ ابن حجر، وإن صحت العبارة يكاد يكون شارحًا له، مفسرًا لمفرداته، وذلك لأن جميع الألفاظ التي زادها فيما ذكر إنما تدخل في القيود التي اشتمل عليها تعريف ابن حجر المذكور.
- فاشتراطه لزمن الرؤية أن يكون بعد البعثة، داخل في مفهوم كلمة "مؤمنًا به"؛ لأنه قد علم بالضرورة عدم التكليف بالإيمان به قبل البعثة.
- ثم إن عدم اشتراط التمييز، الذي قيد به الصاوي تعريفه أيضًا مما يندرج في تعريف الحافظ، وذلك لأن الأطفال الغير مميزين لهم حكم البالغين من جهة ثبوت وصف الإسلام لهم، وهذا على القول المعتمد في تفسير الفطرة.
ومع وجود المخالف في هذه المسألة من العلماء (3)، حيث قيد بعضهم التعريف باشتراط التمييز والإدراك، إلا أنه لا اعتداد بقوله هنا، وذلك لرجحان الأدلة في تعريف الفطرة التي ذكرت في الأدلة الشرعية بالإسلام (4).
- وأما ما ذهب إليه الصاوي من عدم اشتراط الجنس لثبوت حكم الصحبة،
(1) ذكره البخاري في صحيحه: كتاب فضائل الصحابة: (7/ 3).
(2)
الإصابة في تميز الصحابة: (1/ 10). وانظر: نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر: 149.
(3)
انظر: أسد الغابة لابن الأثير حيث أورد اشتراط الإدراك والفهم في ثبوت الصحبة نقلًا عن الواقدى الذي عزى القول بهذا إلى بعض أهل العلم دون ذكر أسمائهم: (1/ 19). كما صرح بهذا ابن حزم رحمه الله فقد اشترط الوعى حال الصحبة. انظر: الإحكام في أصول الأحكام: (5/ 89).
(4)
راجع مبحث آراؤه في معرفة الله: 118.
فإنه مما لا يسلم له على جهة التعميم، وذلك لأنه قد علم توجه الأمر بالإيمان بالنبى صلى الله عليه وسلم للمخاطب بالتكاليف الشرعية، ممن يتأتى منهم القبول أو الرفض، وهم الثقلين: الإنس والجن.
وقد أشار إلى هذا المعنى الحافظ ابن حجر حين شرح مفردات التعريف، حيث قال:"ويدخل في قولنا مؤمنًا به كل مكلف من الجن والإنس"(1).
أما الملائكة، فلا يصح إدخالهم في هذا، لأن المولى عز وجل قد جبلهم على الإيمان به وعلى طاعته فلا تعمهم أحكام المكلفين من الثقلين.
- وكان في إدخاله عيسى والخضر - على القول بنبوته - وإلياس عليهم السلام في حكم الصحبة، مما لا يصح، وذلك لأنه عليه الصلاة والسلام لم يثبت أنه التقى بهم في حياته إلا ليلة الإسراء، وهم في حال البرزخ، وقد علم أن حياة البرزخ مما لا ينسحب عليها أحكام الحياة الدنيا، ومع ثبوت الخير كتابًا وسنة بأن عيسى عليه السلام سينزل إلى الأرض، وسيحكم بشريعة الإسلام، إلا أنه ليس في ذلك دلالة على ثبوت الصحبة له.
أما ما ذهب إليه من إثبات وصف الصحبة للخضر وإلياس عليهما السلام، فإنه مبنى على أمرين، لا انفكاك لأحدهما عن الآخر:
أولًا: اعتقاد أن الخضر وإلياس أحياء على الدوام، وأنه لم ولن يتعرضا للموت أبدًا.
ثانيًا: أن الخضر وإلياس قد ثبتت لهما رؤية النبي عليه الصلاة والسلام والاجتماع به.
والحقيقة أن كلا الأمرين مما لا مستند له من الصحة.
وتفصيل ذلك: أن اعتقاد دوام حياة الخضر وإلياس؛ مما تنقضه أدلة الكتاب والسنة، وذلك لأنها نصت على أنه لا نجاة لأحد من الموت أبدًا، منها قوله تعالى:{كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ} .
(1) الإصابة: (1/ 12).
كما أنه لا يوجد دليل معتمد يستثنى الخضر وإلياس من هذا الحكم الكلى، الذي لم ينج منه أحد، ولا حتى أشرف الثقلين: محمد صلى الله عليه وسلم. ولعل الصاوي في نفس حديثه عن الفاصل الزمنى الذي يمكن أن ينتسب إليه الصحابة ما يكفى في إبطال ما ادعاه من بقائهما، فقد ورد في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:(أرأيتكم ليلتكم هذه فإن رأس مائة سنة منها، لا يبقى ممن هو على ظهر الأرض أحد)(1).
أما حكاية التقائه عليه الصلاة والسلام بالخضر وإلياس عليهما السلام، فهذا مما ترويه المسانيد الواهية، التي يجمع على تلقيها بالقبول كافة المتصوفة، وكثير من العوام وقد تلتبس على بعض أهل العلم (2).
وقد تصدى الحافظ رحمه الله لبيان شدة ضعف هذه الروايات، التي تدل على بقاء الخضر، ومن ثم التقائه بالنبي صلى الله عليه وسلم، وذلك في عدد من مواضع الفتح (3) ، كما أورد حجج أهل العلم في دحض هذه الادعاءات ضمن شرحه للأحاديث التي استندوا إلى دلالتها، كحديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي قال فيه:(يرحم الله موسى، لو كان صبر يقص علينا من أمرهما)(4).
يقول الحافظ حاكيًا حجتهم "فلو كان الخضر موجودًا لما حسن هذا التمنى، ولأحضره بين يديه وأراه العجائب، وكان أدعى لإيمان الكفرة، لا سيما أهل الكتاب"(5).
هذا وقد أفرد الحافظ في توضيح ذلك مصنفًا أسماه: (الزهر النضر في نبأ الخضر)(6)، جزم فيه بضعف جميع ما روى في هذا المعنى.
(1) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب العلم - باب السمر في العلم، رقم الحديث:116. وقد سبق تفصيل ذلك في الحياة البرزخية.
(2)
حكى ذلك الحافظ في الفتح: (6/ 434).
(3)
انظر: (6/ 434 - 435).
(4)
أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الأنبياء - باب حديث الخضر مع موسى عليهما السلام، رقم الحديث:3401.
(5)
الفتح: (6/ 434).
(6)
انظر: 114.