الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وكل ما قيد به التعريف زيادة على ما ذكر، كاشتراط البلوغ، فمحل اختلاف، يقول:"واختلف في البلوغ، فقيل بعدم اشتراطه؛ ودليل ذلك آية عيسى ويحيى، وقيل باشتراطه، ويؤول ما ورد في حق عيسى ويحيى؛ بأنه إخبار بما سيحصل لتحقيق الوقوع كـ {أَتَى أَمْرُ اللَّهِ} "(1)
ويظهر من خلال أقواله المتعددة في أحوال الرسل والأنبياء أن ثمة فرقًا آخر يراه بين الرسول والنبى، قد يمثل نوع امتداد لما ذكره من حصر مهمة التبليغ في الرسل دون الأنبياء، أو كنتيجة لهذا التعريف، يقول في دحض شبه من احتج بمخالفة الخضر والأسباط عليهم السلام للظاهر المعمول به:"أجيب بأنهم لو كانوا أنبياء إلا أنهم ليسوا برسل مشرعين، فللنبى أن يفعل بمقتضى الحقيقة وباطن الأمر، كما في خرق السفينة وقتل الغلام الواقع من الخضر عليه السلام، فهو بحسب الظاهر حرام، وبحسب الباطن مصلحة"(2)
ومما تقدم يتبين أن حقيقة النبوة كما يؤكد على ذلك الصاوي اجتباء واصطفاء، لا تنال بالاكتساب، يقول:"النبوة ليست مكتسبة لأحد"(3) ويستدل ذلك بقوله تعالى: {اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} [الأنعام: 124]. ويرى أن القول باكتسابها مردود وذلك "بطرد إبليس مع كونه أكثر الخلق عبادة"(4)
* * *
تعليق:
إن ما ذكره الصاوي بصيغة الترجيح على أن الرسول هو من أوحى إليه بشرع جديد وأمر بتبليغه، وأن النبي من لم يؤمر بتبليغه، فدلالة النصوص صريحة في رده، وذلك أن منها ما يدل صراحة على أن الأنبياء كانت لهم مشاركة واسعة في
(1) المرجع السابق.
(2)
حاشية الخريدة: 98.
(3)
حاشية الجلالين: (3/ 214).
(4)
حاشية الجوهرة: 45. وانظر: حاشية الجلالين: (1/ 140).
ميادين التبليغ، وعلى رأسها الجهاد في سبيل الله تعالى، قال تعالى:{أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [البقرة: 246]. وغيره من ميادين التبليغ، كالحكم وإعمال شريعة الله تعالى بين الناس، يقول في كتابه الكريم:{إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ} [المائدة: 44].
وكذلك قول المصطفى صلى الله عليه وسلم: (عرضت على الأمم، فجعل يمر النبي معه الرجل، والنبى معه الرجلان، والنبى معه الرهط، والنبى ليس معه أحد)(1) ففى هذا الحديث دلالة صريحة على أنه كان من الأنبياء تبليغ لأقوامهم، أشار إليه الإتباع الوارد في الحديث.
هذا من جهة، ومن جهة أخرى فالتبليغ الذي حقيقته الدعوة إلى الله تعالى أمر قد أنيطت به الخيرية الموجبة لفلاح المؤمنين، وتقديمهم على سائر الأمم، قال تعالى:{كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ} [آل عمران: 110].
حتى أن تخلى بني إسرائيل عن هذه المسؤولية العظيمة؛ أدى إلى نزع التفضيل عنهم، ورفع الاصطفاء منهم، قال تعالى في بيان سبب استحقاقهم للعن والإبعاد عن رحمة الله:{لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (78) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} [المائدة: 78، 79].
وكان ما ذهب إليه في بيان الفرق بينهما مدعاة له - كما ذكرت من أقواله - إلى
(1) أخرجه البخاري في: كتاب الطب - باب من لم يرق، رقم الحديث:5752.
الاعتذار عن ما فعله الأسباط والخضر عليه السلام من مخالفة ظاهرة لما هو مأمور أو معهود في الظاهر من الشرع؛ بكونهم أنبياء لم يؤمروا بالتبليغ، فجاز لهم العمل بمقتضى الحقيقة، والحقيقة أن تخريج فعلهم على نحو ما ذهب إليه، من التفريق بين الرسول والنبى في شأن التبليغ المقتضى للإتباع بعيد ولا يصح؛ إذ ليس عليه دليل من كتاب ولا سنة، بل الأدلة السابقة كلها تحكم بضعفه وعدم حجيته، والجواب على ما ذكر من مخالفهم الظاهر يصح من وجوه أخرى؛ تستند إلى نصوص الكتاب والسنة بعيدًا عن مثل هذه الآراء التقريرية التي مال إليها، فالصواب أن الخضر نبى كما عليه غالب أهل العلم (1)، وليس في الآيات التي في سورة الكهف ما يدل على مخالفته الشرع في حقيقة الأمر، فكل ما هنالك أن الله تعالى أطلعه على أمور لم يظهرها لموسى عليه السلام ولو ظهرت له لعمل عمله فيها، فالقاعدة الفقهية تقول: إذا تعارض مفسدتان روعى أعظمهما ضررًا بارتكاب أخفهما (2)، وهذا ما كان من الخضر عليه السلام فخرقه للسفينة كان لدفع مفسدة أعظم مما قام بفعله، ولا شك أن هذا سائغ شرعًا كما تقدم، وتسند هذه القاعدة إلى الأصل القائم على دفع المضار [لا ضرر ولا ضرار]، ودليلها من الكتاب قوله تعالى:{يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ} [البقرة: 217].
أما إصلاحه الجدار من أجل اليتيمين فمشروعيته من البيان بمحل؛ إذ الوصية بالأيتام ورعاية مصالحهم مما قد اتفقت الشرائع على الأمر بالتحلى به، ويزداد الأمر خصوصية في حال الصالحين وذوى الفضل، وكان ما علمه الخضر من شأنهم وحى أوحاه الله إليه، وأخفاه على موسى عليه السلام ولو علمه لما توانى عن فعله.
(1) انظر: فتح الباري: (6/ 434).
(2)
انظر: الأشباه والنظائر، لابن نجيم:89. وانظر شرح صحيح مسلم للنووى في حديث الأعرابى الذي بال في المسجد: (3/ 191). وانظر كتاب: القواعد الفقهية الكبرى لـ د/ صالح بن غانم السدلان.
وأما قصة قتل الغلام، فالراجح فيها أن الخضر إنما حصل منه القتل بعد تحقق موجبه من كفر الغلام، دل على ذلك قراءة ابن عباس - رضى الله عنهما -:"قال سعيد بن جبير: فكان ابن عباس يقرأ: وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة غضبًا. وكان يقرأ: [وأما الغلام فكان كافرًا وكان أبواه مؤمنين] "(1).
ففى هذه القراءة دلالة صريحة على تحقق الكفر منه؛ حتى استحق إطلاق مسماه عليه فعلًا وقت قتل الخضر له، وبهذا جزم قتادة رحمه الله فقد روى عنه أنه قال:"لعمرى ما قتله إلا على كفر"(2)
والكفر الواقع من الغلام لم يكن موسى عليه السلام على علم به، فجهله به هو الذي حمله على استنكار ما فعله الخضر، وعليه فإن ما علمه الخضر بوحى من الله كما نص عليه حديث البخاري كان من الغيب المقيد النسبى، دليله ما أخبر به المصطفى صلى الله عليه وسلم:[يا موسى إني على علم من علم الله علمنيه لا تعلمه أنت، وأنت على علم من الله علمكه الله لا أعلمه](3).
بقى اعتراض من اعترض على عدم مشروعية قتله بالظاهر من الشريعة لكونه ما زال في سن الأحداث؛ حتى وصف بأنه غلام، ويجيب شيخ الإسلام على هذا بكون: "الغلام الذي قتله الخضر إما أن يكون كافرًا بالغًا كفر بعد البلوغ؛ فيجوز قتله، وإما أن يكون كافرًا قبل البلوغ؛ وجاز قتله في تلك الشريعة، وقتل لئلا يفتن أبويه عن دينهما، كما يقتل الصبى الكافر في ديننا؛ إذا لم يندفع ضرره عن المسلمين إلا بالقتل. . . وقد يقال: بل في السنة ما يدل عليه، ومنه قول ابن عباس لنجدة الحرورى لما سأله عن قتل الغلمان:[إن علمت منهم ما علمه الخضر من ذلك الغلام فاقتله وإلا فلا]. (4)، (5)
(1) أخرجه البخاري: كتاب التفسير - باب {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ} ، رقم الحديث:4725.
(2)
التمهيد، لابن عبد البر:(18/ 108).
(3)
الحديث السابق.
(4)
أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الجهاد والسير: باب النساء الغازيات والنهى عن قتل صبيان أهل الحرب: (12/ 194).
(5)
درء التعارض: (8/ 428).
أما عن الأسباط؛ فالصحيح أن هذه تسمية أطلقت على القبائل الكبيرة من نسل يعقوب عليه السلام، وكان منهم أنبياء، يقول ابن جرير:"وأما (الأسباط) الذين ذكرهم، فهم اثنا عشر رجلًا من ولد يعقوب بن إسحق بن إبراهيم. ولد كل رجل منهم أمة من الناس، فسموا أسباطًا، كما: حدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، قال: الأسباط: يوسف وأخوته، بنو يعقوب، ولد اثنى عشر رجلًا، فولد كل رجل منهم أمة من الناس، فسموا: أسباطًا"(1)
وعليه فلا حجة فيه للتفريق بين ما يفعله الأنبياء والرسل؛ فكلهم محكوم فعله بالشرع، وهم في ذلك قدوة تقتفى آثارهم.
* * *
فإذا ثبت ضعف هذا القول واستبعاده عن جهة الصواب، فإن الراجح في المسألة هو ما نبه إليه شيخ الإسلام من أن ثمة زيادة في التكليف والإبلاغ يختص بها الرسول، وهو ما عبر عنه بالإرسال إلى القوم المخالفين، يقول رحمه الله:"النبي هو الذي ينبئه الله، وهو ينبئ بما أنبأ الله به، فإن أرسل مع ذلك إلى من خالف أمر الله ليبلغه رسالة من الله إليه فهو رسول، وأما إذا كان إنما يعمل بالشريعة قبله، ولم يرسل هو إلى أحد يبلغه عن الله رسالة فهو نبى وليس برسول"(2)
فدائرة النبوة أكبر من دائرة الرسالة، وذلك من جهة أهلها، إذ يمكن تحديد العلاقة بينهما بالعموم والخصوص المطلق، فـ "الرسول أخص من النبي، فكل رسول نبى وليس كل نبى رسول، ولكن الرسالة أعم من جهة نفسها، فالنبوة جزء من الرسالة، إذ الرسالة تتناول النبوة وغيرها، بخلاف الرسل، فإنهم لا يتناولون الأنبياء وغيرهم، فالرسالة أعم من جهة نفسها، وأخص من جهة أهلها"(3)
(1) تفسير ابن جرير: (1/ 568).
(2)
كتاب النبوات: 255.
(3)
شرح العقيدة الطحاوية: 158.
وما أورده الصاوي من قيود أخرى في التعريف، كالبشرية، والذكورة والحرية فصحيحة؛ قد دل على اعتبارها الكتاب والسنة.
- فبشرية الرسل كانت لحكمة عظيمة قدرها المولى تعالى، حيث يتأتى الإتساء بهم، وتسهل بذلك معاشرتهم، وتلقى التكاليف البشرية عنهم، هذا إلى جانب أنه من نوع الابتلاء بهم.
ففى الحديث القدسى فيما يخبر صلى الله عليه وسلم عن ربه أنه قال: (إنما بعثتك لأبتليك وأبتلى بك (1)
قال تعالى: {وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا (94) قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا} [الإسراء: 94، 95].
ويندرج تحت مفهوم البشرية مفاهيم عدة، فالبشرية تعنى العبودية وتعنى الافتقار؛ وتعنى انتفاء الألوهية بشتى معالمها، وكثيرًا ما يستدل القرآن الكريم على عبودية الرسل؛ لإبطال المعتقدات الفاسدة المتعلقة بهم؛ ببيان بشريتهم، وما تقتضيه من ضعف، وحاجة، وجهل بأمور الغيب، مما يبعد تلك المعتقدات عن التصور السليم غاية البعد، ويصحح المقاييس، ويضع كل شيء في محله، فالرسول بشر وعمله هداية البشر وإخراجهم من ظلمات الكفر، ومعجزاتهم ما هي إلا دليل على صدق ما أتوا به.
قال تعالى: {مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ} [المائدة: 75].
* * *
(1) أخرجه مسلم في: كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها - باب الصفات التي يعرف بها في الدنيا أهل الجنة وأهل النار: (17/ 198).
- أما القيد الثاني في التعريف وهو ما عبر عنه بالذكورة؛ فهذا ما دل عليه قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ} [يوسف: 109]
واختصاص النبوة بجنس الرجال هو مقتضى القيومية التي خصهم الله تعالى بها دون النساء، ولا يخفى أن الرجل أقدر على أداء هذه المهمة العظيمة، وأجدر بالقيام بواجباتها وحقوقها من الجهاد والرئاسة والحكم، وغير ذلك كما لا يخفى. (1)
وكانت هذه المسألة مما تعددت فيها الأقوال، فالذين ذهبوا إلى نبوة النساء قالوا: لا حجة في الآية على منع النبوة، وإنما هي خاصة بالرسالة فقط.
هذا ويستند القائلون بنبوة النساء، كما يقرر ذلك الإمام ابن حزم رحمه الله إلى ما ورد في حق مريم عليها السلام من إرسال الملك، وإعلامها بما سيكون من ولدها، وأمرها بالصلاة والإكثار من القربات، وكذلك ما ورد في حق أم موسى حتى بادرت بإلقاء ولدها في اليم لما أوحى لها بذلك، يقول:"فأما أم موسى وأم عيسى وأم إسحاق فالقرآن قد جاء بمخاطبة الملائكة لبعضهن بالوحى، وإلى بعض منهن عن الله عز وجل بالإنباء بما يكون قبل أن يكون، وهذه النبوة نفسها التي لا نبوة غيرها؛ فصحت نبوتهن بنص القرآن"(2)
وكان هذا قول البعض من أهل العلم عد منهم الحافظ ابن حجر رحمه الله: الأشعري والقرطبى (3) إلى جانب ابن حزم رحمهم الله، وقد ذكر أدلة أخرى استدل بها القائلون بجواز نبوة النساء منها ما أخبر به المصطفى صلى الله عليه وسلم من حصول الكمال للبعض منهن، وما ورد في القرآن الكريم من اصطفاء مريم عليها السلام على نساء العالمين (4)
(1) انظر: لوامع الأنوار للسفارينى: (2/ 266).
(2)
الفصل في الملل: (4/ 11).
(3)
هو محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري الخزرجى الأندلسى، من كبار المفسرين، صالح متعبد من أهل قرطبة، من كتبه الجامع في أحكام القرآن، والأسنى في أسماء الله الحسنى، والتذكرة بأحوال الموتى وأحوال الآخرة، توفى سنة: 671 هـ انظر: شذرات الذهب: (5/ 335)، والأعلام:(5/ 322).
(4)
انظر فتح الباري: (6/ 447 - 448 - 470 - 471).
يقول القرطبي رحمه الله في الاستدلال بالكمال على ثبوت النبوة: "الكمال المطلق إنما هو لله تعالى خاصة، ولا شك أن أكمل نوع الإنسان الأنبياء، ثم يليهم الأولياء من الصديقين والشهداء والصالحين، وإذا تقرر هذا فقد قيل: إن الكمال المذكور في الحديث يعني به النبوة؛ فيلزم عليه أن تكون مريم عليها السلام وآسية نبيتين، وقد قيل بذلك، والصحيح أن مريم نبية؛ لأن الله تعالى أوحى إليها بواسطة الملك، كما أوحى إلى سائر النبيين حسب ما تقدم، ويأتى بيانه أيضًا في مريم، وأما آسية فلم يرد ما يدل على نبوتها دلالة واضحة بل على صديقيتها وفضلها"(1)
والصحيح في المسألة أن الوحى قد يستعمل بمعناه العام؛ فلا يكون الاحتجاج به كافيًا في إثبات النبوة، فالوحى - كما سبقت الإشارة إليه - يعني: الإشارة والرسالة والإلهام والكلام الخفى وكل ما ألقيته إلى غيرك" (2)، وجاء في تهذيب اللغة أن أصل الوحى في اللغة: إعلام في خفاء ومنه سمى الإلهام وحيًا". كما في قوله تعالى: {وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي} [المائدة: 111] وما ورد في سورة النحل أيضًا: {وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ} [النحل: 68].
يقول شيخ الإسلام رحمه الله مبينًا حقيقة الوحى: "الوحى هو الإعلام السريع الخفى، إما في اليقظة وإما في المنام، فإن رؤيا الأنبياء وحى، ورؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة، كما ثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحاح.
وقال عبادة بن الصامت رضي الله عنه ويروى مرفوعًا: (رؤيا المؤمن كلام يكلم به الرب عبده في المنام) وكذلك في اليقظة، فقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:(قد كان في الأمم قبلكم محدثون، فإن يكن في أمتى فعمر)(3)، (4)
(1) تفسير القرطبي: (4/ 83).
(2)
لسان العرب لابن منظور: (8/ 4787).
(3)
أخرجه البخاري: كتاب فضائل الصحابة - مناقب عمر بن الخطاب، حديث رقم:3689. وأخرجه مسلم في: كتاب فضائل الصحابة.
(4)
مجموع الفتاوى: (12/ 398).
وبهذا المعنى فسر الإيحاء في حق أم موسى عليه السلام، والذي ورد ذكره في قوله تعالى:{وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى} [القصص: 7]، ذكر تفسيره به الإمام ابن جرير عن قتادة، حيث قال:"وحيًا جاءها من الله فقذف في قلبها، وليس بوحى نبوة"(1)
لذا فإن شيخ الإسلام قد ضعف القول بنبوة أم عيسى وموسى؛ مستندًا إلى أن الوحى لا يكفى في الدلالة على النبوة، يقول:"وليس كل من أوحى إليه الوحى العام يكون نبيًا؛ فإنه قد يوحى إلى غبر الناس، قال تعالى: {وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ}، وقال: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ} [القصص: 7] "(2).
وكل ما استدل به القائلون بنبوة النساء ليس فيه مستند قوى يعتمد عليه في إثبات ذلك، فتكليف أم موسى بإلقاء ولدها عليه السلام في اليم ليس بكافٍ في إثبات نبوتها؛ لأن حقيقة النبوة إرسال من الله يقتضى التكليف بالإبلاغ، كما سبق بيانه، فمن تمعن في حقيقة الإرسال الذي يعم الأنبياء والرسل وجده محصورًا في الرجال فقط؛ لقوله تعالى:{وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ} [يوسف: 109] وهذا كما هو معلوم على القول الراجح في أن الإرسال المقتضى للتبليغ يعم الأنبياء والرسل أجمعين.
أما وصف بعض النساء بالكمال والاصطفاء فليس فيه ما يثبت لهن النبوة؛ لأن الله تعالى أثبت الاصطفاء لبعض خلقه دون أن يكون في ذلك دلالة على إثبات النبوة، كما في قوله تعالى:{ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ} [فاطر: 32].
أما عن الكمال المثبت لمن ورد ذكرهن في حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم: (كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا مريم ابنة عمران، وخديجة بنت
(1) تفسير الطبري: (20/ 29).
(2)
النبوات: 272.
خويلد) (1)" فإن الحافظ ابن حجر يورد اعتراضًا يمنع الاستدلال به في حق من رأى نبوة النساء اعتمادًا عليه، حاصله أنه قد يراد بالكمال كمال غير الأنبياء، يقول "فلا يتم الدليل على ذلك لأجل ذلك".
"وقد ذكر النووي في الأذكار عن إمام الحرمين أنه نقل الإجماع على أن مريم ليست نبية، ونسبه في شرح المهذب لجماعة، وجاء عن الحسن البصري ليس في النساء نبية ولا في الجن"(2)
ولكل ما تقدم؛ فإن شيخ الإسلام رحمه الله يرى شدة ضعف هذا القول حتى نعته بالشذوذ. (3)
ويكون الصاوي في هذه المسألة قد وافق القول المعتمد، كما ذكر.
* * *
وكان ما ذهب إليه من أن النبوة محض اصطفاء من الله هو المعتمد عند سلف الأمة، خلافًا لمن ادعى غير ذلك من الفلاسفة وغيرهم، يقول الحافظ ابن حجر رحمه الله:"النبوة نعمة يمن الله بها على من يشاء، ولا يبلغها أحد بعلمه ولا كشفه، ولا يستحقها باستعداد ولايته، ومعناها الحقيقى شرعًا: من حصلت له النبوة. وليست راجعة إلى جسم النبي ولا إلى عرض من أعراضه، بل ولا إلى علمه يكون نبيًا، بل المرجع إلى إعلام الله له بأني نبأتك، أو جعلتك نبيًا". (4)
وهذا الاصطفاء إنما يتأتى وفق حكمة الله تعالى وعلمه بخلقه.
يقول شيخ الإسلام في بيان هذا الأصل عند أهل السنة: "وإذا عرفت حكمة
(1) أخرجه البخاري في: كتاب فضائل الصحابة - باب فضل عائشة رضي الله عنها رقم الحديث: 3769، ومسلم في فضائل الصحابة.
(2)
فتح الباري: (6/ 470).
(3)
انظر: الفتاوى: (4/ 396).
(4)
فتح الباري: (6/ 361).
الرب وعدله؛ تبين أنه إنما يرسل من اصطفاه لرسالته واختاره له، كما قال تعالى:{اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} [الحج: 75] " (1)
وكان هذا الاعتقاد مبنى على تعظيم الأنبياء والنبوة؛ فالقول بخلافه يقلل من شأنهم، ويطعن في تمام منزلتهم، وما يترتب على ذلك من الاتباع المأمور به نحوهم، وكان هذا المعلم البارز في حقيقة النبوة من أهم ما يميزها عن باقي الأحوال البشرية التي يحصل بها خوارق العادات، يقول شيخ الإسلام:"فالنبوة لا تنال بكسب العبيد ولا آياتها تحصل بكسب العباد، وهذا من الفروق بين آيات الأنبياء وبين السحر والكهانة"(2)
* * *
(1) النبوات: 387.
(2)
النبوات: 439.