الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(المبحث الثالث): خاتم الأنبياء عموم رسالته
الإيمان بالمصطفى صلى الله عليه وسلم أصل عظيم من أصول الإيمان، فقد قرنت الشهادة بنبوته بشهادة توحيد الباري تعالى، فلا يعبد الرب تعالى إلا بما جاء به، وفى ذلك إشارة إلى أن الإيمان بالله تعالى لا يتوجه له القبول الشرعي إلا إذا اقترن باتباعه صلى الله عليه وسلم، وقد جاء هذا الأصل مبينًا في الإرشاد إلى الطريق الموصل لنيل محبة الله تعالى:{قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [آل عمران: 31].
وحقيقة هذا الاتباع الذي أنيط به تحقيق المقصد الأسمي من رضا الله ومغفرة الذنوب قد بين في الآية التالية: {قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ} [آل عمران: 32].
فطاعته صلى الله عليه وسلم بما جاء به هي اتباعه المأمور به، يقول الشيخ السعدى:"فمن فعل ذلك - أي اتباعه عليه الصلاة والسلام أحبه الله وجازاه جزاء المحبين وغفر له ذنوبه وستر عليه عيوبه، فكأنه قيل: ومع ذلك فما حقيقة أتباع الرسول وصفتها؟ فأجاب بقوله: {قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ} بامتثال الأمر، واجتناب النهى، وتصديق الخبر"(1).
والأدلة في هذا كثيرة، قال تعالى:{فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 65].
يقول الإمام ابن كثير رحمه الله في بيان دلالة هذه الآية على وجوب طاعة النبي صلى الله عليه وسلم "يقسم تعالى بنفسه الكريمة المقدسة أنه لا يؤمن أحد حتى يحكم الرسول
(1) تيسير الكريم الرحمن: 118.
- صلى الله عليه وسلم في جميع الأمور، فما حكم به فهو الحق الذي يجب الانقياد له باطنًا وظاهرًا؛ ولهذا قال:{ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} أي إذا حكموك يطيعونك في بواطنهم فلا يجدون في أنفسهم حرجًا مما حكمت به، وينقادون له في الظاهر والباطن، فيسلمون لذلك تسليمًا كليًا من غير ممانعة ولا مدافعة ولا منازعة" (1)
ومنها قوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب: 36]
فقد دلت الآية على أن الأمر بطاعة الله تعالى وطاعة النبي صلى الله عليه وسلم يقتضى وجوب الالتزام؛ وذلك لأمرين:
الأول: نفى التخيير المعارض لمقتضى الأمر.
الثاني: ترتب الضلال المبين على معارضة الامتثال بالمعصية.
يقول الإمام القرطبي في معنى ذلك: "توعد تعالى وأخبر أن من يعص الله ورسوله فقد ضل، وهذا أدل دليل على ما ذهب إليه الجمهور من فقهائنا، وفقهاء أصحاب الإمام الشافعي وبعض الأصوليين، من أن صيغة أفعل للوجوب في أصل وضعها؛ لأن الله تبارك وتعالى نفى خيرة المكلف عند سماع أمره وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم، ثم أطلق على من بقيت له خيرة عند صدور الأمر اسم المعصية، ثم علق على المعصية بذلك الضلال، فلزم حمل الأمر على الوجوب". (2)
وعليه فإن هذا الأصل العظيم يحتمد على أربعة أركان، لا يتم له القيام إلا بحصولها منه وهي:"طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما نهى عنه وزجر، وأن لا يعبد الله إلا بما شرع"(3)، وتمثل هذه الأركان البراهين التي بها يتم اعتماد صدق الإيمان به عليه الصلاة والسلام.
(1) تفسير القرآن العظيم، لابن كثير:(1/ 680).
(2)
الجامع لأحكام القرآن: (14/ 187).
(3)
شرح ثلاثة أصول للإمام محمد بن عد الوهاب لفضيلة الثيخ محمد العثيمين رحمه الله: 71.
هذا واعتقاد أفضليته وحصوله على درجة الكمال البشرى التي لم تتأت لأحد من الخلق سواه، وما تحلى به عليه الصلاة والسلام من جميل الأخلاق الخلقية والخلقية، كل ذلك مما يزيد في تأكيد هذه الحقيقة الإيمانية، وتوثيقها في قلب العبد المؤمن، فمعرفته حق المعرفة تستوجب من تمام الإيمان به والثبات عليه والزيادة منه؛ ما يؤكد على أهمية تقصى أسبابها، وذلك بالنهل من كل ما يقرب العبد من معرفة نبيه صلى الله عليه وسلم، لذا كانت معرفته عليه الصلاة والسلام المعرفة المقتضية لتمام اتباعه وتصديقه من الأصول التي يقوم عليها الدين.
أما عن حقيقة هذه المعرفة الموجبة لتحقيق الهدف من بعثة الرسول وهى الاتباع والطاعة، فهى معرفته صلى الله عليه وسلم بما يحصل به تمام العلم بنبوته ورسالته الموجبة لاتباعه والسير على خطاه، وهذه بدورها تقوم على ثلاثة ركائز:
أولًا: التأمل في دلائل نبوته صلى الله عليه وسلم، وعلى رأسها القرآن الكريم.
ثانيًا: مطالعة سيرته وأحواله بين صحبه عليه الصلاة والسلام، فإنها وإن كانت مما يمكن إدراجه تحت الركيزة الأولى، إلا أن في تخصيصها للإشادة بها زيادة في إرادة معنى التوسع والتفصيل في كل صغيرة وكبيرة من شؤون حياته، حيث أنيط تحقق المبتغى من رضوان الله تعالى في الاقتداء به والتأسى، قال تعالى:{لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب: 21].
ثالثًا: معرفة ما ورد من نصوص الشرع كتابًا وسنة؛ إذ مصدر العلم بهما إنما تحصل بطريقه عليه الصلاة والسلام، فإن من أعظم ما توجبه معرفته معرفة ما أتى به المعرفة التي يتحقق مقتضاها من الالتزام التام والرضا والقبول.
ومع ظهور الإرجاء في المجتمع المسلم، وتفشيه في الأوساط المختلفة، وانحلال عرى التمسك بدين الله تعالى، والبحث عن الحد الأدنى لإثبات وصف الإسلام على الفرد، تغيرت المفاهيم المرتبطة بهذه الحقيقة الإيمانية، وصار دليل محبة
الرسول عليه الصلاة والسلام والإيمان به هو التغنى بصفاته وأخلاقه عليه الصلاة والسلام، والإشادة بفضائله عن طريق اجتماعات معروفة تعقد في يوم ولادته، وليتها تتوقف على ذلك بل ويصاحبها الكثير من مظاهر الغلو المنهى عنها شرعًا، والتى قد تتعدى في كثير من الأحيان لتعبر عن شرك صريح ومبالغة ممقوتة، قد عظم تحذير النبي صلى الله عليه وسلم منها.
وقد أصبحت محبته بهذه الصورة هي الحقيقة المزعومة التي يبرهن بها ضعاف العزيمة على الإيمان به وإجلاله وتعظيمه، وبالتالى فكل من يظهر خلاف ذلك يرمى بأقبح التهم كباغض الرسول وشاتمه، إلى غير ذلك من ألوان التعدى ظلمًا وعدوانًا بلا أدنى دليل وبرهان.
وهذا التيار المخالف لهدى السلف في الواجب نحو الرسول عليه الصلاة والسلام وما ينبغى لتحقيق الإيمان به، كان منشؤه منذ المبدأ الأوساط الصوفية التي حادت بما ظهر فيها من بدع، وتوجه منحرف في مصادر التلقى عن التصور السليم لحقيقة الإيمان بالنبى صلى الله عليه وسلم، فظنوا أن محبته لا تتأتى إلا عن طريق هذه المبتدعات في القول والاعتقاد والسلوك، وظهر هذا في الكثير من أقوالهم وأشعارهم، وما زالت هذه الأفكار في رواج مع ما يصب فيها من روافد فاسدة لأديان سابقة، حتى تبلورت أخيرًا بما يعرف بالحقيقة المحمدية (1) والتى صارت علمًا يدل على مدى الانحراف الخطير الذي داخل تيار التصوف في الفكر الإسلامى، ولكل ما تقدم نجد أن هذا الاتجاه الغالى قد أخذ طريقًا وعرًا في آراء الصاوي، فمع علمه بالكتاب والسنة وتأصيله للفكر الأشعري، إلا أن ذلك لم يكن مانعًا له من الخوض في مثل هذه الأمور المخالفة لصريح ما أنزل الله على رسوله والتحدث على لسان القوم بمثل حديثهم، وفى هذا المبحث سأتناول الخطوط العريضة لعقيدته في نبوة المصطفى صلى الله عليه وسلم، ومناقشة ما يستوجب منها ذلك.
(1) قد سبق لي الحديث عنها بصورة موجزة في بحث التوحيد، فليراجع:165.