الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تمهيد
يقسم التوحيد باعتبارين: أولًا: باعتبار متعلقه؛ إلى توحيد ربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد أسماء وصفات.
الثاني: باعتباره ما يجب على العبد، إلى توحيد علمى وهو توحيد الربوبية والأسماء والصفات، وتوحيد عملى وهو توحيد الألوهية.
ويعنى توحيد الربوبية: توحيد الله تعالى بأفعاله من الخلق والرزق والإحياء والإماتة، قال تعالى:{الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} .
أما توحيد الألوهية: فهو توحيد الرب تعالى بأفعال العباد، فهو بهذا المعنى لازم من لوازم الإيمان بربوبيته تعالى، فهو حقيقة يقتضى الالتزام بها ذلك الإقرار الفطرى، ولهذا كان يأتى تقريره في الكتاب والسنة بطريق الإلزام بتوحيد الربوبية قال تعالى:{وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ} [الزمر: 38].
وأما توحيد الأسماء والصفات فهو توحيده تعالى بماله من أسماء وصفات خص بها نفسه في كتابه الكريم، وعلى لسان نبيه صلى الله عليه وسلم، يكون بإثباتها له على جهة تنتفى فيها كل موجبات النقص المنافى لتمام كماله وجلاله، من التمثيل والتعطيل والتحريف والتكييف، قال تعالى:{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11].
ومن أدلة التوحيد العلمي (الربوبية والأسماء والصفات): سورة الإخلاص، قال تعالى:{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ} ، وغيرها من الآيات الكريمة؛ فقوله:{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} : دلت على نفى الشريك من كل وجه؛ في الذات وفى الصفات وفى الأفعال، كما دلت على تفرده سبحانه بالعظمة والكمال والمجد والكبرياء.
وقوله: {اللَّهُ الصَّمَدُ} قد فسرها ابن عباس رضي الله عنهما بقوله: "السيد الذي كمل سؤدده، والشريف الذي كمل في شرفه، والعظيم الذي قد كمل في عظمته، والحليم الذي قد كمل في حلمه، والغني الذي قد كمل في غناه، والجبار الذي قد كمل في جبروته، والعليم الذي قد كمل في علمه، والحكيم الذي قد كمل في حكمته، وهو الذي قد كمل في أنواع الشرف والسؤدد، وهو الله عز وجل، هذه صفته ولا تنبغى إلا له، ليس له كفء، وليس كمثله شيء"(1)، فإثبات الأحدية لله تضمن نفى المشاركة والمماثلة، وهذا هو توحيد التنزيه، وإثبات الصمدية بكل معانيها المتقدمة؛ تتضمن إثبات جميع تفاصيل الأسماء الحسنى والصفات العلى، وهذا هو توحيد الإثبات (2).
أما القسم الثاني من التوحيد؛ فقد تضمنته سورة: {قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ} وكثير من آيات الكتاب الكريم.
"وغالب سور القرآن متضمنة لنوعى التوحيد، بل كل سورة في القرآن: إما خبر عن الله وأسمائه وصفاته، وهو التوحيد العلمى الخبرى، وإما دعوة إلى عبادته وحده لا شريك له وخلع ما يعبد من دونه، فهو التوحيد الإرادى الطلبي"(3).
ولما كانت العلاقة بين هذه الأقسام علاقة استلزام وتضمن؛ فقد مثل التوحيد - بأقسامه الثلاث - المقصد الأسمى والغاية العظمى من خلق الله تعالى للثقلين، ومن إنزاله الكتب إليهم على أيدى الرسل والأنبياء، قال تعالى:{أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ} [الأعراف: 54] إذ هو سبحانه المنفرد بالخلق، فلا يصح أن يعبد غيره، وهو المنفرد بالأمر وغاية الأمر أن يعبد وحده.
وقد بين سبحانه أن الغاية من خلق الثقلين هي: إفراده وحده بالعبادة، حيث قال:{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56] بل نزه نفسه
(1) رواه ابن جرير في تفسير سورة الإخلاص بإسناده: (30/ 346).
(2)
شرح العقيدة الواسطية، العلامة محمد خليل هراس:82.
(3)
شرح العقيدة الطحاوية: 89.
عن إرادة العبث من خلق السموات والأرض وبين أن {ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا} [ص: 27] أما المؤمنون فحالهم ينطق ولسانهم يلهج بـ {رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ} [آل عمران: 191].
وكما بين سبحانه الحكمة من خلقه؛ فقد بين الحكمة من أمره في كثير من آيات الذكر الحكيم، فقصص الأنبياء تترى وأخبارهم تروى في بيان هذه الحقيقة وتأكيد:{اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} [الأعراف: 59].
وسار السلف الصالح - رضوان الله عليهم - على نهج الأنبياء عليهم السلام في الدعوة للتوحيد والذب عن حماه معتقدين اعتقادًا جازمًا مستمدًا من الهدى الكريم، أنه لا نجاة إلا به، هكذا دونما تفريق بين لوازمه ومعانيه، لا لغموض في فهمه ولبس، وإنما لوضوح هذه الحقيقة وبعدها عن الكدر والشوائب.
وظل الأمر على هذا؛ حتى خلف منٍ بعدهم خلف انحرافوا عن المسير فضلوا السبيل و {خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا} [التوبة: 102] حيث أرادوا الدفاع عن الدين من أقوال الكفرة الباغين، فحصروا جل اهتمامهم في الدعوة إلى بعض معانيه، فكان إثبات وجود الله تعالى والاستدلال على ربوبيته، هو المقصد الأسمى من تلك المطالب العالية، ونسوا أو تناسوا أنهم بذلوا الكثير في تقرير ما هو مقرر لدى الكثير، وأعرضوا بما وهبوا من أفهام وألباب عن معرفة أن المراد غير المراد:{وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ} [يوسف: 106] وأن الناجى يوم {تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ} [الحاقة: 18] هو {إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} [الشعراء: 89].
وقد نتج عن هذا الانحراف الذي حصل في مفهوم التوحيد عند هؤلاء المتكلمين أن حرفوا معناه إلى ما يوافق ما ابتدعوا من أصول فاسدة، فأهملوا المراد الأسمى منه وهو الدعوة إلى إفراد الله تعالى بالعبادة.
هذا مع ما امتد إليه ذلك الانحراف من اضطراب وتضليل لمقتضيات الأدلة الشرعية فيما ينبنى على معرفة حقيقة التوحيد المنجى، فقد امتدت مخالفتهم إلى
زعزعة الثوابت في قضايا التكفير المعلومة من الضرورة بدين الإسلام، وبهذا ظهر مفهومهم الخاص في تحديد معنى الشهادة ونواقضها بناء على ما تأسس لديهم من فهم لحقيقة التوحيد المنجى.
* * *