الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
زمن الولاية:
- ومما أتم به الحديث عن الولاية: فترتها الزمنية الممكنة، حيث بين أن الولاية باقية ببقاء القرآن وتختتم برفعة وبموت عيسى، ويعلل ذلك بقوله:"لأنه ما دام المتذكرون للقرآن المعتبرون به فهو باقٍ، فعلامة انعدام الأولياء رفع القرآن".
وبهذا تبين أن كل ما يحدث في خلال هذه المدة، مما قد يظن في ظاهره انعدام وجود الولي، كنزول البلايا وحلول الفتن، فلا يعد في حقيقته مانعًا لوجود الأولياء، يقول:"ونزول البلايا ليس دليلًا على عدم وجود الأولياء، فإن البلايا كانت تنزل في زمن الأنبياء، وفي الحديث: "يا رسول الله، أنهلك وفينا الصالحون؟ قال:(نعم، إذا كثر الخبث)(1) " (2).
المناقشة:
حقيقة الولاية:
عند سبر أقوال الصاوي في هذا المبحث، يظهر جليًا موقفه المعتدل مقارنة بما سبق بيانه من الاتجاهات الصوفية الغالية، فالصاوي يرى وجوب التمسك بالشرع، ببيان أن الاستقامة هي طريق الولاية الأوحد، فالتقوى والإيمان هي من أهم صفات الولي كما أشار إلى ذلك في تفسير قوله تعالى:{أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} .
فحقيقة الولاية؛ كما تقدم هي متابعة المولى تعالى في أمره ونهيه، حتى يكون موافقًا له في مراده المحبوب، وهذا هو مقتضى الإيمان الشرعي الذي يحمل على التزام التقوى ومجانبة الهوي، وعليه فإن المقياس الصحيح في ثبوت وصف الولاية للمعين هو المتابعة التامة للمأمور الشرعي "إذ الولي لا يكون وليًا لله إلا بمتابعة الرسول باطنًا وظاهرًا فعلى قدر المتابعة للرسول يكون قدر الولاية"(3).
(1) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الأنبياء - باب قصة يأجوج ومأجوج، رقم الحديث:3346.
(2)
حاشية الجوهرة: 45.
(3)
فتاوى شيخ الإسلام: (2/ 225).
فـ "أصل الولاية الحب، وهذا لأن حقيقة التوحيد ألَّا يحب إلا الله، ويحب ما يحبه الله الله، فلا يحب إلا لله، ولا يبغض إلا لله"(1).
فإذا تحقق هذا الأصل في قلب العبد فإنه "يصير محبًا لما أحب الرب مبغضًا لما أُبغض، مواليًا لمن يوالي، معاديًا لمن يعادي، "فيتحد مراده مع المراد المأمور به الذي يحبه الله ويرضاه، وهذا مما يدخل في موالاة العبد لربه، وموالاة الرب لعبده، فإن الولاية ضد العداوة، والولاية تتضمن المحبة والموافقة، والعداوة تتضمن البغض والمخالفة" (2).
ويعرف الحافظ ابن حجر رحمه الله الولي وفق هذا المفهوم السلفى، فيقول:"المراد بولى الله العالم بالله تعالى، المواظب على طاعته المخلص في عبادته".
ولهذا فقد استحق الولي موالاة الله له بإتمام نعمته عليه وهدايته إلى الصراط المستقيم: {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} . ومن هنا فإن كل من ثبت له وصف الإيمان فإنه ولي لله تعالى، يقول الإمام ابن القيم رحمه الله في بيان هذه الحقيقة:"فإن الله قد وصف الولى بصفة المؤمن فقال: {وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} [الأنفال: 34]، وهذه صفة المؤمن ثم لا يجوز أن يصف نفسه بأنه ولي وكذلك المؤمن، ولأنه إنما يكون وليًا بتوليه لطاعات الله وقيامه بها كالمؤمن - و - لأن الولاية هي القرب من الله عز وجل؛ فولي الله هوالقريب منه المختص به، والولاء هو في اللغة القرب، ولهذا علامات وأدلة وله أسباب وشروط وموجبات، وله موانع وآفات وقواطع".
ومع هذا إلا أن المؤمنين في ثبوت الولاية لهم على مراتب، فكما أن أهل الإيمان على درجات متفاوتة فيه؛ فكذلك حالهم مع الولاية، فإنه بحسب التزام العبد بمقتضيات الإيمان يكون حظه من ولاية الله تعالى له، وكأن منزلة الولاية التامة - بمعناها الخاص - مقارنة لمرتبة الإحسان من حيث ملازمة أسباب القرب،
(1) المرجع السابق: (10/ 465).
(2)
المرجع السابق: (5/ 510).
واكتمال أوصاف العبودية، يقول ابن القيم متممًا حديثه في هذه الحقائق: فـ "ولاية الله تعالى نوعان: عامة وخاصة، فالعامة: ولاية كل مؤمن، فمن كان مؤمنًا لله تقيًا كان له وليًا، وفيه من الولاية بقدر إيمانه وتقواه. .
والولاية الخاصة: إن من علم من نفسه أنه قائم لله بجميع حقوقه، مؤثر له على كل ما سواه في جميع حالاته، قد صارت مراضي الله ومحابه هي همه، ومتعلق خواطره، يصبح ويمسي وهمه مرضاة ربه، وإن سخط الخلق؛ فهذا إذا قال: أنا ولي الله، كان صادقًا" (1).
وإذا علمت حقيقة الولاية أدركت درجات التفاضل بين الأولياء فيكون "أفضل أولياء الله هم الأنبياء، وأفضل الأنبياء هم المرسلون، وأفضل الرسل هم أولو العزم: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى، ومحمد صلى الله عليه وسلم، وأفضل أولي العزم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وهو الذي أنزل سبحانه عليه: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} فجعل سبحانه صدق محبة الله عز وجل متوقفة على اتباعه، وجعل اتباعه سبب حصول المحبة من الله سبحانه"(2).
فبتحقق الاتباع من العبد وفق الطريقة النبوية؛ يتحقق البرهان الأوحد على صدق المحبة التي هي أصل الولاية وغايتها، فعلاقة الاتباع بالولاية حينئذ علاقة تلازم واقتضاء لا يصلح انفكاكها عنه، وإلا فسد الإدعاء وصار كحال اليهود والنصارى حيث قالوا:{نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُه} ، فجاء الرد عليهم بما يدل على عدم إتيانهم بمقتضى المحبة من الاتباع والتزام أسباب النجاة:{قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ} [المائدة: 18].
وقد أكد الصاوي على أن هذه هي حقيقة الولي في مقابل الدعي الذي لم يلتزم طريق الولاية الحقة من اتباع الطريقة النبوية، فخالفها إلى الابتداع بارتكاب أمور ما
(1) بدائع الفوائد: (3/ 621).
(2)
قطر الولى على حديث الولى، للشوكاني:238.
أنزل الله بها من سلطان، كاستخدام الطبول والزمور والكاسات خصوصًا في مساجد الله، فقد أجاد رحمه الله ببيان بطلان هذه المحدثات وأن من ادعى ولايته على أساسها فهو موافق لطريقة الشيطان لا طريقة الرحمن.
وبهذا فالصاوي قد وافق منهج السلف الصالح في تحديد الطريق إلى الولاية، ومع ذلك فلم تمنعه هذه البداية المسددة من الانحراف في بقية مقتضيات الولاية ومستلزماتها، وسأقوم بتناول هذه الملاحظات على جهة الترتيب، كما أوردتها في أقواله:
1 -
شروط الولي: إن ما ذكره الصاوي من أن الولى يشترط لصحة ولايته أن يتعمق في تقوى الله ومراقبته؛ حتى يستدل بالحق على الخلق، فحقيقته اعتقاد أن معرفة الله تعالى من أعرف المعارف أي من الضروريات، التي يستدل بها ولا يستدل لها، ومع التسليم له بهذه الحقيقة إلا أن هذا لا يخرج عن كونه فناء في ربوبية المولى، ولم يكن هذا هو المقصد الأعظم من إرسال الرسل وإنزال الكتب، بل حقيقة التوحيد الذي دعا إليه الأنبياء هو إفراد الله تعالى بالعبادة، قال تعالى:{وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} .
وهذا يرجع إلى ما أسلفت الحديث عنه، من أن معرفة الله تعالى فطرية في النفوس، وإنما كانت الخصومة فيما تقتضيه هذه المعرفة، من وجوب إفراد الله بالعبادة على الطريقة التي شرعها، وأنزلها على أنبيائه ورسله.
بقى معرفة حقيقة الاستدلال على وجود الله بالخلق هل هو - كما يدعي الصاوي - من مسالك العوام في معرفة الله، دون الخواص من الأولياء؟
إن مصادر التلقي الشرعية، التي هي محور الاستدلال الديني، لتدل في الكثير من مواضعها على شرعية هذا المسلك، بل وعلى بيان فضله ومنزلة سالكيه، فالآيات والأحاديث في هذا كثيرة، مما يصعب استقصاؤه هنا، ولعلى اكتفى منها بقوله تعالى في سورة آل عمران: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ
وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [آل عمران: 190، 191].
إن هذا القرآن الذي جاء ليخاطب الفطرة الإنسانية بما أودع فيها من ركائز، ليسمو بالمخاطب في درجات العبودية بحثه على إعمال تلك الركائز المودعة فيه، فيجعل منها طريقًا يصل به إلى إدراك أسمى المعارف والعلوم الدينية، فليس ثمة تناقض بينها، وليس في اعتمادها ما يشين العبد، كما يظن أمثال هؤلاء المتصوفة، إن السبيل الأوحد لمرضاة الله تعالى هو موافقة المنهج القرآني، الذي يرسم الطريق الأمثل في إدراك حقائق العبودية، ذلك السبيل الذي يتسم بتحقيق التوازن بين القدرات البشرية، وبين متطلبات العبودية، دون إفراط أو تفريط.
- ومما اشترطه الصاوي لأجل الولاية الحفظ، وعلل ذلك بأنه من كان للشرع عليه اعتراض فهو مغرر مخادع، ومع ما قدمت من بيان أصل هذا المعتقد عند الصوفية، وأن مقصودهم بذلك هو اعتقاد العصمة للولى، بحيث لا يمكن أن يتردى عن هذه المنزلة التي وصل إليها، واعتمدت من كلامهم الكثير في هذا مما أورده الكلاباذي، حيث عمد إلى عقد مقارنة بين النبي والولي، ببيان أنه كما لا يجوز سلب مقام النبوة عن النبي بعد اختياره لها، فكذلك لا يجوز هذا في حال الولي.
فإذا كنت قد أشرت إلى أن مرادهم بهذا الحفظ هو عدم الاعتراض على الولي؛ حتى ولو أتى بما يخالف الشرع، فإن ما وقع به الصاوي من التناقض في هذا المجال، ليدل صراحة على هذا المعنى، حيث أوجب على المريد تعظيم الشيخ، وعدم الاعتراض عليه، حتى ولو أتى بما يخالف ظاهر الشرع، وأن على المريد تأويل تلك المخالفة بما لا يخلع عن الولي مهابة الحفظ، التي توجب الاتباع والتقدير.
يقول شيخ الإسلام في بيان حقيقة الحفظ: "وكثير من الغلاة في المشايخ يعتقد أحدهم في شيخه نحو ذلك، ويقولون: الشيخ محفوظ، ويأمرون باتباع الشيخ في