المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌زمن الولاية: - ومما أتم به الحديث عن الولاية: فترتها الزمنية - آراء الصاوي في العقيدة والسلوك

[أسماء بنت محمد توفيق بركات ملا حسين]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة

- ‌الباب الأول: حياة الشيخ الصاوى

- ‌الفصل الأول: عصر الصاوي

- ‌(المبحث الأول): الحالة السياسية

- ‌الاضطرابات والقلاقل السياسية:

- ‌ مذبحة المماليك بالقلعة سنة 1811 م:

- ‌محاربة الدعوة السلفية:

- ‌ القضاء على الزعامة الشعبية والدينية بنفى عمر مكرم:

- ‌(المبحث الثاني): الحالة الاجتماعية

- ‌(المبحث الثالث): الحالة العلمية والدينية

- ‌الفصل الثاني: حياة الصاوى

- ‌(المبحث الأول): سيرته الذاتية

- ‌1 - اسمه ونشأته:

- ‌2 - صفاته وأخلاقه

- ‌3 -‌‌ شيوخهوتلاميذه

- ‌ شيوخه

- ‌تلاميذه:

- ‌(المبحث الثاني): مكانته العلمية ومؤلفاته

- ‌مكانتها العلمية:

- ‌الحواشى العقدية:

- ‌الفصل الثالث: منهجه في تحري مسائل الاعتقاد

- ‌(المبحث الأول): مصادره في العقيدة

- ‌أولًا: مكانة العقل في التلقى:

- ‌ثانيًا: حجية الإلهام:

- ‌المناقشة:

- ‌أولًا: مصادر التلقى:

- ‌ثانيًا: نقض دعاويهم في تقديم العقل:

- ‌ثالثًا: التناقض لازم لهذا المسلك:

- ‌رابعًا: حجية الإلهام:

- ‌(المبحث الثاني): منهجه في الاستدلال

- ‌أولًا: الاستدلال بقياس الغائب على الشاهد:

- ‌مناقشة:

- ‌ثانيًا: الاستدلال بالسبر والتقسيم:

- ‌ثالثًا: الاستدلال بالقياس المنطقي:

- ‌المناقشة:

- ‌ثالثًا: منهجه في الاستدلال بالقرآن والسنة:

- ‌أولًا: الاستدلال بالنص:

- ‌ثانيًا: الاستدلال بالظاهر:

- ‌المناقشة:

- ‌مسلك التأويل والتفويض:

- ‌ أولًا المراد بالمتشابه:

- ‌ ثانيًا: المراد بالتأويل:

- ‌الباب الثاني: (آراؤه في العقيدة)

- ‌الفصل الأول: (آراؤه في معرفة الله والاستدلال على وجوده)

- ‌(المبحث الأول): معرفة الله تعالى

- ‌(تمهيد)

- ‌طرق المعرفة

- ‌رأى الشيخ الصاوى:

- ‌المناقشة:

- ‌التقليد وحكم المقلد

- ‌رأى الشيخ الصاوى:

- ‌المناقشة:

- ‌(المبحث الثاني): الاستدلال على وجود الله تعالى

- ‌ دليل حدوث الأجسام

- ‌رأي الشيخ الصاوي:

- ‌المناقشة:

- ‌دليل الإمكان

- ‌رأي الشيخ الصاوي:

- ‌المناقشة:

- ‌الفصل الثاني: (آراؤه في التوحيد)

- ‌تمهيد

- ‌(المبحث الأول): تعريف التوحيد

- ‌رأي الشيخ الصاوي:

- ‌المناقشة:

- ‌(المبحث الثاني): دليل التوحيد

- ‌رأي الشيخ الصاوى:

- ‌المناقشة:

- ‌(المبحث الثالث): شهادة التوحيد ونواقضها

- ‌رأى الشيخ الصاوى:

- ‌المناقشة:

- ‌الفصل الثالث: (آراؤه في الأسماء والصفات)

- ‌تمهيد

- ‌(المبحث الأول): المسائل المتعلقة بالأسماء الحسنى

- ‌أسماء الله تعالى كلها حسنى:

- ‌أسماء الله تعالى توقيفية:

- ‌أسماء الله تعالى غير محصورة بعدد:

- ‌ أسماء الله تعالى غير مخلوقة:

- ‌رأى الشيخ الصاوي:

- ‌المناقشة:

- ‌(المبحث الثاني): المسائل المتعلقة بصفات الله تعالى

- ‌أولًا: الصفات السلبية

- ‌ثانيًا: صفات المعاني

- ‌ثالثًا: الصفة النفسية

- ‌رابعًا: الصفات المعنوية

- ‌خامسًا: موقفه من الصفات الأخرى

- ‌ أولًا: صفة الرحمة والغضب والمحبة:

- ‌ ثانيًا الصفات الخبرية الذاتية:

- ‌الفصل الرابع: آراؤه في الإيمان

- ‌تمهيد

- ‌(المبحث الأول): حقيقة الإيمان

- ‌رأى الشيخ الصاوي:

- ‌المناقشة:

- ‌(المبحث الثاني): العلاقة بين الإسلام والإيمان

- ‌رأي الشيخ الصاوي:

- ‌المناقشة:

- ‌(المبحث الثالث): الأسماء والأحكام

- ‌أولًا: حقيقة الإيمان، وبيان ما يناقضه:

- ‌ثانيًا: تحقيق الوعد مع وجود مسببه من الإيمان:

- ‌ثالثًا: تحقق الوعيد مع وجود المقتضى من الكفر:

- ‌رابعًا: موانع إنفاذ الوعيد لأصحاب الكبائر من المسلمين:

- ‌خامسًا: الرد على شبه الوعيدية:

- ‌سادسًا: موقفه من مخالفيه (دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله:

- ‌الفصل الخامس: (آراؤه في الإيمان بالملائكة)

- ‌(المبحث الأول): الإيمان بالملائكة الأطهار

- ‌(المبحث الثاني) عالم الجن والشياطين

- ‌الفصل السادس: آراؤه في الإيمان بالكتب

- ‌تمهيد

- ‌(المبحث الأول): تعريف الوحي

- ‌رأي الشيخ الصاوي:

- ‌تعليق:

- ‌(المبحث الثاني): الإيمان بالكتب السابقة

- ‌رأي الشيخ الصاوي:

- ‌كلامه في التوراة:

- ‌كلامه في الإنجيل:

- ‌كلامه في الزبور:

- ‌مناقشة:

- ‌(المبحث الثالث): الإيمان بالقرآن الكريم

- ‌رأي الشيخ الصاوي:

- ‌المناقشة:

- ‌الفصل السابع: آراؤه في الإيمان بالنبوات

- ‌تمهيد

- ‌(المبحث الأول): مفهوم النبوة والرسالة

- ‌رأي الشيخ الصاوي:

- ‌تعليق:

- ‌(المبحث الثاني): الإيمان بالرسل والأنبياء

- ‌رأي الشيخ الصاوي:

- ‌التعليق:

- ‌أولًا: المفاضلة بين البشر والملائكة:

- ‌ثانيًا: عصمة الأنبياء:

- ‌ثالثًا: ما يتعلق بالأحوال البشرية:

- ‌(المبحث الثالث): خاتم الأنبياء عموم رسالته

- ‌رأي الشيخ الصاوي:

- ‌أسماؤه الشريفة:

- ‌مكانته بين الرسل:

- ‌خصائصه صلى الله عليه وسلم

- ‌مظاهر الغلو فيه صلى الله عليه وسلم

- ‌المناقشة:

- ‌أولًا: أسماؤه الشريفة:

- ‌ثانيًا: قضية التفضيل:

- ‌ثالثًا: الغلو فيه صلى الله عليه وسلم

- ‌(المبحث الرابع): دلائل النبوة

- ‌رأي الشيخ الصاوي:

- ‌تعليق:

- ‌الفصل الثامن: (آراؤه في الإيمان باليوم الآخر)

- ‌تمهيد

- ‌(المبحث الأول): تعريف اليوم الآخر، وأدلته

- ‌رأي الشيخ الصاوي:

- ‌تعليق:

- ‌(المبحث الثاني): الإيمان بأشراط الساعة

- ‌رأي الشيخ الصاوي:

- ‌تعليق:

- ‌(المبحث الثالث): الموت، وحياة البرزخ

- ‌الروح والموت

- ‌حياة البرزخ

- ‌(المبحث الرابع): حقائق يوم القيامة

- ‌ المحشر وعرضات يوم القيامة

- ‌الجنة والنار

- ‌الفصل التاسع: (آراؤه في الإيمان بالقضاء والقدر)

- ‌(المبحث الأول): القضاء والقدر (تعريفه ومراتبه)

- ‌رأي الشيخ الصاوي:

- ‌أولًا: تعريف القدر:

- ‌ثانيًا: تعريف القضاء:

- ‌ثالثًا: مراتب القدر:

- ‌مرتبة العلم:

- ‌مرتبة الكتابة:

- ‌مرتبة المشيئة:

- ‌مرتبة الخلق:

- ‌المناقشة:

- ‌(المبحث الثاني): الحكمة والتعليل في أفعال الله تعالى

- ‌رأي الشيخ الصاوي:

- ‌موقفه من الظلم:

- ‌المناقشة:

- ‌حقيقة الظلم:

- ‌(المبحث الثالث): أفعال العباد

- ‌أدلة القدرية والجبرية:

- ‌رأي الشيخ الصاوي:

- ‌أولًا: أفعال العباد وحقيقتها القدرية:

- ‌ثانيًا: الأسباب، وموقف الناس منها:

- ‌ثالثًا: أدلة رجح بها مذهب الأشعري، ورد بها على مخالفيه:

- ‌الأدلة السمعية:

- ‌الأدلة العقلية:

- ‌رابعًا: حقيقة القدر في الفكر الصوفي:

- ‌المناقشة:

- ‌ نظرية الكسب في الفكر الأشعري

- ‌الفصل العاشر: آراؤه في الصحابة والإمامة

- ‌تمهيد

- ‌(المبحث الأول): الصحابة الكرام

- ‌أولًا: تعريف الصحابة:

- ‌ثانيًا: فضائل الصحابة:

- ‌ثالثًا الدفاع عن الصحابة:

- ‌التعليق:

- ‌ تعريف الصحابة:

- ‌فضل الصحابة:

- ‌الدفاع عن الصحابة:

- ‌(المبحث الثاني): الإمامة

- ‌تعليق:

- ‌أولًا: حكم تنصيب الوالي:

- ‌ثانيًا: ما تنعقد به البيعة:

- ‌صفات الوالي:

- ‌تعدد الولاة:

- ‌حق الإمام:

- ‌الباب الثالث: (آراؤه في باب السلوك)

- ‌الفصل الأول: (التصوف وآدابه)

- ‌تمهيد

- ‌(المبحث الأول): مفهوم التصوف

- ‌(المبحث الثاني): آداب التصوف

- ‌رأي الشيخ الصاوي:

- ‌أهمية اختيار الشيخ:

- ‌صفات الشيخ:

- ‌آداب السلوك:

- ‌أولًا: ما يتعلق بآداب اختيار العلم:

- ‌ثانيًا: الآداب المتعلقة بحق الشيخ:

- ‌الآداب المتعلقة بجماعة الطلاب:

- ‌المناقشة:

- ‌أولًا: مكانة علم التصوف بين العلوم:

- ‌ثانيًا: صفات الشيخ:

- ‌آداب التلقي:

- ‌احترازات في التلقي:

- ‌أولًا: طاعة الشيخ:

- ‌ثانيًا: التبرك بالشيخ:

- ‌ثالثًا: ملاحظة الشيخ:

- ‌رابعًا: الاستغناء بالشيخ:

- ‌الفصل الثاني: (المقامات والأحوال)

- ‌تمهيد

- ‌تعريف المقام:

- ‌تعريف الحال:

- ‌(المبحث الأول): أقسام المقامات (عند الصوفية)

- ‌الفناء والبقاء:

- ‌الجمع والفرق:

- ‌أحكام البقاء:

- ‌مقام الجمع:

- ‌مقام الفرق:

- ‌(المبحث الثاني): منهج الصوفية في التأصيل للمقامات

- ‌رأي الشيخ الصاوي:

- ‌المناقشة:

- ‌(المبحث الثالث): وحدة الوجود ووحدة الشهود

- ‌أولًا: وحدة الوجود:

- ‌ثانيًا: وحدة الشهود:

- ‌المناقشة:

- ‌أولًا: نقض وحدة الوجود:

- ‌موقف الصاوي:

- ‌ثانيًا: حقيقة وحدة الشهود:

- ‌(المبحث الرابع): الترقي في المقامات

- ‌رأي الشيخ الصاوي:

- ‌أولًا: عقبات الترقي:

- ‌ثانيًا: طريق الخلاص:

- ‌المناقشة:

- ‌الفصل الثالث: (الولاية والكرامة)

- ‌تمهيد

- ‌(المبحث الأول): حقيقة الولاية

- ‌ تعريف الولاية:

- ‌ حقيقة الولي

- ‌رأي الشيخ الصاوي:

- ‌صفات الولي:

- ‌شرط الولاية:

- ‌الفرق بين الولي والدعي:

- ‌جزاء الأولياء:

- ‌طرق الولاية:

- ‌فضائل الأولياء:

- ‌زمن الولاية:

- ‌المناقشة:

- ‌حقيقة الولاية:

- ‌ معرفة الولي:

- ‌طرق الولاية:

- ‌فضائل الأولياء:

- ‌مدة الولاية:

- ‌المبحث الثاني: حقيقة الكرامة

- ‌رأي الشيخ الصاوي:

- ‌المناقشة:

- ‌الخاتمة

- ‌المصادر والمراجع

الفصل: ‌ ‌زمن الولاية: - ومما أتم به الحديث عن الولاية: فترتها الزمنية

‌زمن الولاية:

- ومما أتم به الحديث عن الولاية: فترتها الزمنية الممكنة، حيث بين أن الولاية باقية ببقاء القرآن وتختتم برفعة وبموت عيسى، ويعلل ذلك بقوله:"لأنه ما دام المتذكرون للقرآن المعتبرون به فهو باقٍ، فعلامة انعدام الأولياء رفع القرآن".

وبهذا تبين أن كل ما يحدث في خلال هذه المدة، مما قد يظن في ظاهره انعدام وجود الولي، كنزول البلايا وحلول الفتن، فلا يعد في حقيقته مانعًا لوجود الأولياء، يقول:"ونزول البلايا ليس دليلًا على عدم وجود الأولياء، فإن البلايا كانت تنزل في زمن الأنبياء، وفي الحديث: "يا رسول الله، أنهلك وفينا الصالحون؟ قال:(نعم، إذا كثر الخبث)(1) " (2).

‌المناقشة:

‌حقيقة الولاية:

عند سبر أقوال الصاوي في هذا المبحث، يظهر جليًا موقفه المعتدل مقارنة بما سبق بيانه من الاتجاهات الصوفية الغالية، فالصاوي يرى وجوب التمسك بالشرع، ببيان أن الاستقامة هي طريق الولاية الأوحد، فالتقوى والإيمان هي من أهم صفات الولي كما أشار إلى ذلك في تفسير قوله تعالى:{أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} .

فحقيقة الولاية؛ كما تقدم هي متابعة المولى تعالى في أمره ونهيه، حتى يكون موافقًا له في مراده المحبوب، وهذا هو مقتضى الإيمان الشرعي الذي يحمل على التزام التقوى ومجانبة الهوي، وعليه فإن المقياس الصحيح في ثبوت وصف الولاية للمعين هو المتابعة التامة للمأمور الشرعي "إذ الولي لا يكون وليًا لله إلا بمتابعة الرسول باطنًا وظاهرًا فعلى قدر المتابعة للرسول يكون قدر الولاية"(3).

(1) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الأنبياء - باب قصة يأجوج ومأجوج، رقم الحديث:3346.

(2)

حاشية الجوهرة: 45.

(3)

فتاوى شيخ الإسلام: (2/ 225).

ص: 790

فـ "أصل الولاية الحب، وهذا لأن حقيقة التوحيد ألَّا يحب إلا الله، ويحب ما يحبه الله الله، فلا يحب إلا لله، ولا يبغض إلا لله"(1).

فإذا تحقق هذا الأصل في قلب العبد فإنه "يصير محبًا لما أحب الرب مبغضًا لما أُبغض، مواليًا لمن يوالي، معاديًا لمن يعادي، "فيتحد مراده مع المراد المأمور به الذي يحبه الله ويرضاه، وهذا مما يدخل في موالاة العبد لربه، وموالاة الرب لعبده، فإن الولاية ضد العداوة، والولاية تتضمن المحبة والموافقة، والعداوة تتضمن البغض والمخالفة" (2).

ويعرف الحافظ ابن حجر رحمه الله الولي وفق هذا المفهوم السلفى، فيقول:"المراد بولى الله العالم بالله تعالى، المواظب على طاعته المخلص في عبادته".

ولهذا فقد استحق الولي موالاة الله له بإتمام نعمته عليه وهدايته إلى الصراط المستقيم: {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} . ومن هنا فإن كل من ثبت له وصف الإيمان فإنه ولي لله تعالى، يقول الإمام ابن القيم رحمه الله في بيان هذه الحقيقة:"فإن الله قد وصف الولى بصفة المؤمن فقال: {وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} [الأنفال: 34]، وهذه صفة المؤمن ثم لا يجوز أن يصف نفسه بأنه ولي وكذلك المؤمن، ولأنه إنما يكون وليًا بتوليه لطاعات الله وقيامه بها كالمؤمن - و - لأن الولاية هي القرب من الله عز وجل؛ فولي الله هوالقريب منه المختص به، والولاء هو في اللغة القرب، ولهذا علامات وأدلة وله أسباب وشروط وموجبات، وله موانع وآفات وقواطع".

ومع هذا إلا أن المؤمنين في ثبوت الولاية لهم على مراتب، فكما أن أهل الإيمان على درجات متفاوتة فيه؛ فكذلك حالهم مع الولاية، فإنه بحسب التزام العبد بمقتضيات الإيمان يكون حظه من ولاية الله تعالى له، وكأن منزلة الولاية التامة - بمعناها الخاص - مقارنة لمرتبة الإحسان من حيث ملازمة أسباب القرب،

(1) المرجع السابق: (10/ 465).

(2)

المرجع السابق: (5/ 510).

ص: 791

واكتمال أوصاف العبودية، يقول ابن القيم متممًا حديثه في هذه الحقائق: فـ "ولاية الله تعالى نوعان: عامة وخاصة، فالعامة: ولاية كل مؤمن، فمن كان مؤمنًا لله تقيًا كان له وليًا، وفيه من الولاية بقدر إيمانه وتقواه. .

والولاية الخاصة: إن من علم من نفسه أنه قائم لله بجميع حقوقه، مؤثر له على كل ما سواه في جميع حالاته، قد صارت مراضي الله ومحابه هي همه، ومتعلق خواطره، يصبح ويمسي وهمه مرضاة ربه، وإن سخط الخلق؛ فهذا إذا قال: أنا ولي الله، كان صادقًا" (1).

وإذا علمت حقيقة الولاية أدركت درجات التفاضل بين الأولياء فيكون "أفضل أولياء الله هم الأنبياء، وأفضل الأنبياء هم المرسلون، وأفضل الرسل هم أولو العزم: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى، ومحمد صلى الله عليه وسلم، وأفضل أولي العزم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وهو الذي أنزل سبحانه عليه: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} فجعل سبحانه صدق محبة الله عز وجل متوقفة على اتباعه، وجعل اتباعه سبب حصول المحبة من الله سبحانه"(2).

فبتحقق الاتباع من العبد وفق الطريقة النبوية؛ يتحقق البرهان الأوحد على صدق المحبة التي هي أصل الولاية وغايتها، فعلاقة الاتباع بالولاية حينئذ علاقة تلازم واقتضاء لا يصلح انفكاكها عنه، وإلا فسد الإدعاء وصار كحال اليهود والنصارى حيث قالوا:{نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُه} ، فجاء الرد عليهم بما يدل على عدم إتيانهم بمقتضى المحبة من الاتباع والتزام أسباب النجاة:{قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ} [المائدة: 18].

وقد أكد الصاوي على أن هذه هي حقيقة الولي في مقابل الدعي الذي لم يلتزم طريق الولاية الحقة من اتباع الطريقة النبوية، فخالفها إلى الابتداع بارتكاب أمور ما

(1) بدائع الفوائد: (3/ 621).

(2)

قطر الولى على حديث الولى، للشوكاني:238.

ص: 792

أنزل الله بها من سلطان، كاستخدام الطبول والزمور والكاسات خصوصًا في مساجد الله، فقد أجاد رحمه الله ببيان بطلان هذه المحدثات وأن من ادعى ولايته على أساسها فهو موافق لطريقة الشيطان لا طريقة الرحمن.

وبهذا فالصاوي قد وافق منهج السلف الصالح في تحديد الطريق إلى الولاية، ومع ذلك فلم تمنعه هذه البداية المسددة من الانحراف في بقية مقتضيات الولاية ومستلزماتها، وسأقوم بتناول هذه الملاحظات على جهة الترتيب، كما أوردتها في أقواله:

1 -

شروط الولي: إن ما ذكره الصاوي من أن الولى يشترط لصحة ولايته أن يتعمق في تقوى الله ومراقبته؛ حتى يستدل بالحق على الخلق، فحقيقته اعتقاد أن معرفة الله تعالى من أعرف المعارف أي من الضروريات، التي يستدل بها ولا يستدل لها، ومع التسليم له بهذه الحقيقة إلا أن هذا لا يخرج عن كونه فناء في ربوبية المولى، ولم يكن هذا هو المقصد الأعظم من إرسال الرسل وإنزال الكتب، بل حقيقة التوحيد الذي دعا إليه الأنبياء هو إفراد الله تعالى بالعبادة، قال تعالى:{وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} .

وهذا يرجع إلى ما أسلفت الحديث عنه، من أن معرفة الله تعالى فطرية في النفوس، وإنما كانت الخصومة فيما تقتضيه هذه المعرفة، من وجوب إفراد الله بالعبادة على الطريقة التي شرعها، وأنزلها على أنبيائه ورسله.

بقى معرفة حقيقة الاستدلال على وجود الله بالخلق هل هو - كما يدعي الصاوي - من مسالك العوام في معرفة الله، دون الخواص من الأولياء؟

إن مصادر التلقي الشرعية، التي هي محور الاستدلال الديني، لتدل في الكثير من مواضعها على شرعية هذا المسلك، بل وعلى بيان فضله ومنزلة سالكيه، فالآيات والأحاديث في هذا كثيرة، مما يصعب استقصاؤه هنا، ولعلى اكتفى منها بقوله تعالى في سورة آل عمران: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ

ص: 793

وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [آل عمران: 190، 191].

إن هذا القرآن الذي جاء ليخاطب الفطرة الإنسانية بما أودع فيها من ركائز، ليسمو بالمخاطب في درجات العبودية بحثه على إعمال تلك الركائز المودعة فيه، فيجعل منها طريقًا يصل به إلى إدراك أسمى المعارف والعلوم الدينية، فليس ثمة تناقض بينها، وليس في اعتمادها ما يشين العبد، كما يظن أمثال هؤلاء المتصوفة، إن السبيل الأوحد لمرضاة الله تعالى هو موافقة المنهج القرآني، الذي يرسم الطريق الأمثل في إدراك حقائق العبودية، ذلك السبيل الذي يتسم بتحقيق التوازن بين القدرات البشرية، وبين متطلبات العبودية، دون إفراط أو تفريط.

- ومما اشترطه الصاوي لأجل الولاية الحفظ، وعلل ذلك بأنه من كان للشرع عليه اعتراض فهو مغرر مخادع، ومع ما قدمت من بيان أصل هذا المعتقد عند الصوفية، وأن مقصودهم بذلك هو اعتقاد العصمة للولى، بحيث لا يمكن أن يتردى عن هذه المنزلة التي وصل إليها، واعتمدت من كلامهم الكثير في هذا مما أورده الكلاباذي، حيث عمد إلى عقد مقارنة بين النبي والولي، ببيان أنه كما لا يجوز سلب مقام النبوة عن النبي بعد اختياره لها، فكذلك لا يجوز هذا في حال الولي.

فإذا كنت قد أشرت إلى أن مرادهم بهذا الحفظ هو عدم الاعتراض على الولي؛ حتى ولو أتى بما يخالف الشرع، فإن ما وقع به الصاوي من التناقض في هذا المجال، ليدل صراحة على هذا المعنى، حيث أوجب على المريد تعظيم الشيخ، وعدم الاعتراض عليه، حتى ولو أتى بما يخالف ظاهر الشرع، وأن على المريد تأويل تلك المخالفة بما لا يخلع عن الولي مهابة الحفظ، التي توجب الاتباع والتقدير.

يقول شيخ الإسلام في بيان حقيقة الحفظ: "وكثير من الغلاة في المشايخ يعتقد أحدهم في شيخه نحو ذلك، ويقولون: الشيخ محفوظ، ويأمرون باتباع الشيخ في

ص: 794