المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌المناقشة: عند سبر أبعاد قضية الإيمان، والأقوال المتعددة فيها، نجد أن - آراء الصاوي في العقيدة والسلوك

[أسماء بنت محمد توفيق بركات ملا حسين]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة

- ‌الباب الأول: حياة الشيخ الصاوى

- ‌الفصل الأول: عصر الصاوي

- ‌(المبحث الأول): الحالة السياسية

- ‌الاضطرابات والقلاقل السياسية:

- ‌ مذبحة المماليك بالقلعة سنة 1811 م:

- ‌محاربة الدعوة السلفية:

- ‌ القضاء على الزعامة الشعبية والدينية بنفى عمر مكرم:

- ‌(المبحث الثاني): الحالة الاجتماعية

- ‌(المبحث الثالث): الحالة العلمية والدينية

- ‌الفصل الثاني: حياة الصاوى

- ‌(المبحث الأول): سيرته الذاتية

- ‌1 - اسمه ونشأته:

- ‌2 - صفاته وأخلاقه

- ‌3 -‌‌ شيوخهوتلاميذه

- ‌ شيوخه

- ‌تلاميذه:

- ‌(المبحث الثاني): مكانته العلمية ومؤلفاته

- ‌مكانتها العلمية:

- ‌الحواشى العقدية:

- ‌الفصل الثالث: منهجه في تحري مسائل الاعتقاد

- ‌(المبحث الأول): مصادره في العقيدة

- ‌أولًا: مكانة العقل في التلقى:

- ‌ثانيًا: حجية الإلهام:

- ‌المناقشة:

- ‌أولًا: مصادر التلقى:

- ‌ثانيًا: نقض دعاويهم في تقديم العقل:

- ‌ثالثًا: التناقض لازم لهذا المسلك:

- ‌رابعًا: حجية الإلهام:

- ‌(المبحث الثاني): منهجه في الاستدلال

- ‌أولًا: الاستدلال بقياس الغائب على الشاهد:

- ‌مناقشة:

- ‌ثانيًا: الاستدلال بالسبر والتقسيم:

- ‌ثالثًا: الاستدلال بالقياس المنطقي:

- ‌المناقشة:

- ‌ثالثًا: منهجه في الاستدلال بالقرآن والسنة:

- ‌أولًا: الاستدلال بالنص:

- ‌ثانيًا: الاستدلال بالظاهر:

- ‌المناقشة:

- ‌مسلك التأويل والتفويض:

- ‌ أولًا المراد بالمتشابه:

- ‌ ثانيًا: المراد بالتأويل:

- ‌الباب الثاني: (آراؤه في العقيدة)

- ‌الفصل الأول: (آراؤه في معرفة الله والاستدلال على وجوده)

- ‌(المبحث الأول): معرفة الله تعالى

- ‌(تمهيد)

- ‌طرق المعرفة

- ‌رأى الشيخ الصاوى:

- ‌المناقشة:

- ‌التقليد وحكم المقلد

- ‌رأى الشيخ الصاوى:

- ‌المناقشة:

- ‌(المبحث الثاني): الاستدلال على وجود الله تعالى

- ‌ دليل حدوث الأجسام

- ‌رأي الشيخ الصاوي:

- ‌المناقشة:

- ‌دليل الإمكان

- ‌رأي الشيخ الصاوي:

- ‌المناقشة:

- ‌الفصل الثاني: (آراؤه في التوحيد)

- ‌تمهيد

- ‌(المبحث الأول): تعريف التوحيد

- ‌رأي الشيخ الصاوي:

- ‌المناقشة:

- ‌(المبحث الثاني): دليل التوحيد

- ‌رأي الشيخ الصاوى:

- ‌المناقشة:

- ‌(المبحث الثالث): شهادة التوحيد ونواقضها

- ‌رأى الشيخ الصاوى:

- ‌المناقشة:

- ‌الفصل الثالث: (آراؤه في الأسماء والصفات)

- ‌تمهيد

- ‌(المبحث الأول): المسائل المتعلقة بالأسماء الحسنى

- ‌أسماء الله تعالى كلها حسنى:

- ‌أسماء الله تعالى توقيفية:

- ‌أسماء الله تعالى غير محصورة بعدد:

- ‌ أسماء الله تعالى غير مخلوقة:

- ‌رأى الشيخ الصاوي:

- ‌المناقشة:

- ‌(المبحث الثاني): المسائل المتعلقة بصفات الله تعالى

- ‌أولًا: الصفات السلبية

- ‌ثانيًا: صفات المعاني

- ‌ثالثًا: الصفة النفسية

- ‌رابعًا: الصفات المعنوية

- ‌خامسًا: موقفه من الصفات الأخرى

- ‌ أولًا: صفة الرحمة والغضب والمحبة:

- ‌ ثانيًا الصفات الخبرية الذاتية:

- ‌الفصل الرابع: آراؤه في الإيمان

- ‌تمهيد

- ‌(المبحث الأول): حقيقة الإيمان

- ‌رأى الشيخ الصاوي:

- ‌المناقشة:

- ‌(المبحث الثاني): العلاقة بين الإسلام والإيمان

- ‌رأي الشيخ الصاوي:

- ‌المناقشة:

- ‌(المبحث الثالث): الأسماء والأحكام

- ‌أولًا: حقيقة الإيمان، وبيان ما يناقضه:

- ‌ثانيًا: تحقيق الوعد مع وجود مسببه من الإيمان:

- ‌ثالثًا: تحقق الوعيد مع وجود المقتضى من الكفر:

- ‌رابعًا: موانع إنفاذ الوعيد لأصحاب الكبائر من المسلمين:

- ‌خامسًا: الرد على شبه الوعيدية:

- ‌سادسًا: موقفه من مخالفيه (دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله:

- ‌الفصل الخامس: (آراؤه في الإيمان بالملائكة)

- ‌(المبحث الأول): الإيمان بالملائكة الأطهار

- ‌(المبحث الثاني) عالم الجن والشياطين

- ‌الفصل السادس: آراؤه في الإيمان بالكتب

- ‌تمهيد

- ‌(المبحث الأول): تعريف الوحي

- ‌رأي الشيخ الصاوي:

- ‌تعليق:

- ‌(المبحث الثاني): الإيمان بالكتب السابقة

- ‌رأي الشيخ الصاوي:

- ‌كلامه في التوراة:

- ‌كلامه في الإنجيل:

- ‌كلامه في الزبور:

- ‌مناقشة:

- ‌(المبحث الثالث): الإيمان بالقرآن الكريم

- ‌رأي الشيخ الصاوي:

- ‌المناقشة:

- ‌الفصل السابع: آراؤه في الإيمان بالنبوات

- ‌تمهيد

- ‌(المبحث الأول): مفهوم النبوة والرسالة

- ‌رأي الشيخ الصاوي:

- ‌تعليق:

- ‌(المبحث الثاني): الإيمان بالرسل والأنبياء

- ‌رأي الشيخ الصاوي:

- ‌التعليق:

- ‌أولًا: المفاضلة بين البشر والملائكة:

- ‌ثانيًا: عصمة الأنبياء:

- ‌ثالثًا: ما يتعلق بالأحوال البشرية:

- ‌(المبحث الثالث): خاتم الأنبياء عموم رسالته

- ‌رأي الشيخ الصاوي:

- ‌أسماؤه الشريفة:

- ‌مكانته بين الرسل:

- ‌خصائصه صلى الله عليه وسلم

- ‌مظاهر الغلو فيه صلى الله عليه وسلم

- ‌المناقشة:

- ‌أولًا: أسماؤه الشريفة:

- ‌ثانيًا: قضية التفضيل:

- ‌ثالثًا: الغلو فيه صلى الله عليه وسلم

- ‌(المبحث الرابع): دلائل النبوة

- ‌رأي الشيخ الصاوي:

- ‌تعليق:

- ‌الفصل الثامن: (آراؤه في الإيمان باليوم الآخر)

- ‌تمهيد

- ‌(المبحث الأول): تعريف اليوم الآخر، وأدلته

- ‌رأي الشيخ الصاوي:

- ‌تعليق:

- ‌(المبحث الثاني): الإيمان بأشراط الساعة

- ‌رأي الشيخ الصاوي:

- ‌تعليق:

- ‌(المبحث الثالث): الموت، وحياة البرزخ

- ‌الروح والموت

- ‌حياة البرزخ

- ‌(المبحث الرابع): حقائق يوم القيامة

- ‌ المحشر وعرضات يوم القيامة

- ‌الجنة والنار

- ‌الفصل التاسع: (آراؤه في الإيمان بالقضاء والقدر)

- ‌(المبحث الأول): القضاء والقدر (تعريفه ومراتبه)

- ‌رأي الشيخ الصاوي:

- ‌أولًا: تعريف القدر:

- ‌ثانيًا: تعريف القضاء:

- ‌ثالثًا: مراتب القدر:

- ‌مرتبة العلم:

- ‌مرتبة الكتابة:

- ‌مرتبة المشيئة:

- ‌مرتبة الخلق:

- ‌المناقشة:

- ‌(المبحث الثاني): الحكمة والتعليل في أفعال الله تعالى

- ‌رأي الشيخ الصاوي:

- ‌موقفه من الظلم:

- ‌المناقشة:

- ‌حقيقة الظلم:

- ‌(المبحث الثالث): أفعال العباد

- ‌أدلة القدرية والجبرية:

- ‌رأي الشيخ الصاوي:

- ‌أولًا: أفعال العباد وحقيقتها القدرية:

- ‌ثانيًا: الأسباب، وموقف الناس منها:

- ‌ثالثًا: أدلة رجح بها مذهب الأشعري، ورد بها على مخالفيه:

- ‌الأدلة السمعية:

- ‌الأدلة العقلية:

- ‌رابعًا: حقيقة القدر في الفكر الصوفي:

- ‌المناقشة:

- ‌ نظرية الكسب في الفكر الأشعري

- ‌الفصل العاشر: آراؤه في الصحابة والإمامة

- ‌تمهيد

- ‌(المبحث الأول): الصحابة الكرام

- ‌أولًا: تعريف الصحابة:

- ‌ثانيًا: فضائل الصحابة:

- ‌ثالثًا الدفاع عن الصحابة:

- ‌التعليق:

- ‌ تعريف الصحابة:

- ‌فضل الصحابة:

- ‌الدفاع عن الصحابة:

- ‌(المبحث الثاني): الإمامة

- ‌تعليق:

- ‌أولًا: حكم تنصيب الوالي:

- ‌ثانيًا: ما تنعقد به البيعة:

- ‌صفات الوالي:

- ‌تعدد الولاة:

- ‌حق الإمام:

- ‌الباب الثالث: (آراؤه في باب السلوك)

- ‌الفصل الأول: (التصوف وآدابه)

- ‌تمهيد

- ‌(المبحث الأول): مفهوم التصوف

- ‌(المبحث الثاني): آداب التصوف

- ‌رأي الشيخ الصاوي:

- ‌أهمية اختيار الشيخ:

- ‌صفات الشيخ:

- ‌آداب السلوك:

- ‌أولًا: ما يتعلق بآداب اختيار العلم:

- ‌ثانيًا: الآداب المتعلقة بحق الشيخ:

- ‌الآداب المتعلقة بجماعة الطلاب:

- ‌المناقشة:

- ‌أولًا: مكانة علم التصوف بين العلوم:

- ‌ثانيًا: صفات الشيخ:

- ‌آداب التلقي:

- ‌احترازات في التلقي:

- ‌أولًا: طاعة الشيخ:

- ‌ثانيًا: التبرك بالشيخ:

- ‌ثالثًا: ملاحظة الشيخ:

- ‌رابعًا: الاستغناء بالشيخ:

- ‌الفصل الثاني: (المقامات والأحوال)

- ‌تمهيد

- ‌تعريف المقام:

- ‌تعريف الحال:

- ‌(المبحث الأول): أقسام المقامات (عند الصوفية)

- ‌الفناء والبقاء:

- ‌الجمع والفرق:

- ‌أحكام البقاء:

- ‌مقام الجمع:

- ‌مقام الفرق:

- ‌(المبحث الثاني): منهج الصوفية في التأصيل للمقامات

- ‌رأي الشيخ الصاوي:

- ‌المناقشة:

- ‌(المبحث الثالث): وحدة الوجود ووحدة الشهود

- ‌أولًا: وحدة الوجود:

- ‌ثانيًا: وحدة الشهود:

- ‌المناقشة:

- ‌أولًا: نقض وحدة الوجود:

- ‌موقف الصاوي:

- ‌ثانيًا: حقيقة وحدة الشهود:

- ‌(المبحث الرابع): الترقي في المقامات

- ‌رأي الشيخ الصاوي:

- ‌أولًا: عقبات الترقي:

- ‌ثانيًا: طريق الخلاص:

- ‌المناقشة:

- ‌الفصل الثالث: (الولاية والكرامة)

- ‌تمهيد

- ‌(المبحث الأول): حقيقة الولاية

- ‌ تعريف الولاية:

- ‌ حقيقة الولي

- ‌رأي الشيخ الصاوي:

- ‌صفات الولي:

- ‌شرط الولاية:

- ‌الفرق بين الولي والدعي:

- ‌جزاء الأولياء:

- ‌طرق الولاية:

- ‌فضائل الأولياء:

- ‌زمن الولاية:

- ‌المناقشة:

- ‌حقيقة الولاية:

- ‌ معرفة الولي:

- ‌طرق الولاية:

- ‌فضائل الأولياء:

- ‌مدة الولاية:

- ‌المبحث الثاني: حقيقة الكرامة

- ‌رأي الشيخ الصاوي:

- ‌المناقشة:

- ‌الخاتمة

- ‌المصادر والمراجع

الفصل: ‌ ‌المناقشة: عند سبر أبعاد قضية الإيمان، والأقوال المتعددة فيها، نجد أن

‌المناقشة:

عند سبر أبعاد قضية الإيمان، والأقوال المتعددة فيها، نجد أن الاضطراب الذي حصل في المفهومات، والذي أوقع الخوإرج في قضية تكفير مرتكب الكبيرة كان له أسوء الأثر على الوسط الإسلامى، فإنه لما انعدم الفهم الصحيح للسبب الرئيس الذي حمل الخوارج على تكفير مرتكب الكبيرة، ظن المرجئة أن فهم الخوارج لحقيقة الإيمان خاطئ من حيث إدخالهم العمل في مسمى الإيمان، واعتقدوا أن مخالفتهم في هذا تكفى في رد حجتهم وإبطالها، فراموا إبطال بدعتهم بأخرى لا تقل عنها سوءً وبعدًا عن الحقيقة، ولم يفطنوا إلى أن مكمن الضلال إنما تحصل من التصور السقيم للإيمان؛ حيث اعتقد الخوارج أنه جملة واحدة وأن ذهاب البعض يؤذن بذهاب الكل.

هنا ولهذه الحقيقة التي استرعت انتباه كثير من الباحثين من سلف هذه الأمة، صار محور النقاش من المسألة يدور حول أمرين، لا انفكاك لأحدهما عن الآخر:

1 -

حقيقة الإيمان الشرعية التي نطقت بها آيات الكتاب الكريم وسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم أنه قول وعمل.

2 -

إن الإيمان شعب، ثم إنه يزيد بزيادة شعبه وينقص بنقصانها، وليست هذه الشعب بمنزلة واحدة، فمنها ما لا يصح الإيمان إلا به، ومنها ما هو فرض أو واجب أو سنة. وزوال ما هو في الرتبة العليا ليس كزوال ما هو دونها.

وأدلة هذين الأصلين في الكتاب والسنة كثيرة تجل عن الحصر، منها قوله تعالى:{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [الأنفال: 2].

وقوله تعالى: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} [آل عمران: 173] ..

ص: 283

وقد أجمع السلف لدلالة هذه النصوص القطعية على فهمهم لحقيقة الإيمان بأنه قول وعمل، حيث قال:"اتفقت الصحابة والتابعون فمن بعدهم من أهل السنة على أن الأعمال من الإيمان لقوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ}: فجعل الأعمال كلها إيمانًا". (1)

- ومن السنة المطهرة حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم: (الإيمان بضع وسبعون، أو بضع وستون شعبة فأفضلها: قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان). (2)

"فجعل الإيمان شعبًا: بعضها باللسان، والشفتين، وبعضها بالقلب، وبعضها بسائر الجوارح". (3)

وهذا الذي ذكرته إنما هو بعض ما ورد في الكتاب والسنة وأقوال السلف - رضوان الله تعالى عليهم - وبهذا يعلم أن ما ذهب إليه الصاوي في تعريف الإيمان موافقة للأشعرية غير صحيح؛ إذ الإيمان كغيره من المصطلحات الشرعية التي صار لها حقيقة شرعية مقيدة لأصلها اللغوى كالصلاة والصيام والزكاة وغيرها، (4) لذا كان الواجب على كل من أراد أن يعرف معنى الألفاظ القرآنية أن يرجع إلى تفسيرها عند النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام - رضوان الله عليهم -.

وفى بيان هذا يقول شيخ الإسلام: "مما ينبغى أن يعلم أن الألفاظ الموجودة في القرآن والحديث إذا عرف تفسيرها وما أريد بها من جهة النبي صلى الله عليه وسلم يحتج في ذلك إلى الاستدلال بأقوال أهل اللغة ولا غيرهم، . . . . إلى أن قال: واسم الإيمان والإسلام والنفاق والكفر هي أعظم من هذا كله، فالنبي صلى الله عليه وسلم قد بين المراد

(1) شرح السنة: (1/ 78).

(2)

أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الإيمان - باب أمور الإيمان، حديث رقم:9.

(3)

الإيمان لابن مندة: (1/ 232).

(4)

الإيمان لشيخ الإسلام: 283.

ص: 284

بهذه الألفاظ بيانًا لا يحتاج معه إلى الاستدلال على ذلك بالاشتقاق، وشواهد استعمال العرب ونحو ذلك، فلهذا يجب الرجوع في مسميات هذه الأسماء إلى بيان الله ورسوله، فإنه شافٍ كافٍ، بل معانى هذه الأسماء معلومة من حيث الجملة للخاصة والعامة". (1)

كما أنه رحمه الله أشار إلى قضية مهمة تتعلق بكل ما خاطب الشارع به العباد وهى المسألة التي تعرف في الأصول بـ هل يجوز تأخير البيان عن مورد الخطاب إلى وقت الحاجة؟ وخلص إلى أن هذا غير واقع في الشريعة أصلًا، وأن الإيمان من أبين الألفاظ التي عرف مقصود الشارع منها. (2)

وبهذا تعلم حقيقة الإيمان الذي ورد مطلقًا في القرآن الكريم "فقد بين فيه أنه لا يكون الرجل مؤمنًا إلا بالعمل مع التصديق". (3)

* * *

وبناء على ما تقدم، فإنه من الخطأ البين أن تعد الأعمال الصالحة ثمرة للإيمان، بل هي ركنه الذي لا يكون إلا به. فأصل الإيمان في القلب، والعمل الصالح لازم له، إذا وجد دل على ما في القلب وإذا انتفى دل على انتفائه. (4)

قال تعالى: {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} [النور: 51]

أما ما ذهب إليه الصاوي من أن الأعمال أنما تدخل في مسمى الإيمان الكامل فليس بصحيح على جهة الإطلاق، إذ الأعمال الواجبة المفروضة من الأصول والفروع إنما تدخل في الإيمان الواجب، أما المستحبات التي لا يعد تاركها آثمًا فهذه التي تدخل في ما أطلق عليه بالإيمان الكامل. (5)

(1) المرجع السابق: 271.

(2)

فتاوى شيخ الإسلام: (7/ 104).

(3)

المرجع السابق: 122.

(4)

المرجع السابق: 186.

(5)

المرجع السابق.

ص: 285

كما أن في القول بأن العمل يدخل في مسمى الإيمان الكامل مناقضة لأصل مذهبه في تعريف الإيمان بأنه التصديق فقط. وهذا معلوم من حال أهل الابتداع حيث يظهر التناقض كثيرًا في تقريرهم لمسائل الاعتقاد.

ومن خلال اعتراض الصاوي على تعريف الخوارج للإيمان بأنه مركب من قول وعمل، نخلص إلى الشبهة التي اعتمدها - كغيره من الأشاعرة - في قصر الإيمان على التصديق دون العمل؛ فإنه جعل دمج المعتزلة العمل في مسمى الإيمان سببًا لاعتقادهم تكفير مرتكب الكبيرة.

والحقيقة أن هذه الشبهة التي اعتمدها في رده لإدخال العمل في صميم الإيمان لا تسلم له؛ بل الذي حمل الخوارج ومنهم المعتزلة على تكفير مرتكب الكبيرة هو اعتقاد كون الإيمان حقيقة واحدة، وأصل واحد، وأن شعبه بمنزلة واحدة، لا يزيد ولا ينقص، وأن نقصان أي شعبة منه يعني زواله بالكلية، فلم يفرقوا بين ما هو أصل منها بحيث ينتفى الإيمان بانتفائه، كالصلاة مثلًا، وما هو من عداد الفروض والواجبات التي لا تقدح في أصل الإيمان، وإنما في كماله الواجب كالجهاد مثلًا.

وهذا ما يمنع الفصل في فهم السلف لحقيقة الإيمان الشرعية، فهو: قول وعمل يزيد وينقص فلا يذهب بالكلية.

يقول الإمام الطبري: "الصواب فيه - أي الإيمان - قول من قال: هو قول وعمل يزيد وينقص، وبه جاء الخبر عن جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعليه مضى أهل الدين والفضل". (1)

إيماننا قول وقصد وعمل

تزيده التقوى وينقص بالزلل (2)

* * *

(1) صريح السنة: 25.

(2)

القصيدة للإمام: محمد بن أحمد السفاريني، تحقيق: أشرف بن عبد المقصود: 68.

ص: 286

ولكن الصاوي في هذه المسألة قد خالف قول الأشاعرة في منع الزيادة والنقصان، واتفق مع السلف في هذه القضية المهمة، وقد كان حرى بمثله أن يوافق السلف في أصل تعريفهم للإيمان واعتقاد كونه قول وعمل، وألَّا يحمله تكفير الخوارج لمرتكب الكبيرة؛ على اعتقاد أن سبب ذلك هو إدخالهم العمل في مسمى الإيمان، وكان عليه أن يدرك أساس ضلالهم، وأنه يرجع في الحقيقة إلى منعهم الزيادة والنقصان في الإيمان.

ولهذا فإن مناقشته في هذه القضية، تعود إلى بيان مكانة العمل ومنزلته من الدين، وما ورد في بيان أهمية إقامة شعائر الإسلام وعلى رأسها الصلاة (1)، وأنه مع موافقته السلف في إمكان الزيادة والنقص إلا أنه يخالفهم في اعتقاد صحة إيمان من تخلى عن العمل بالكلية، وأن ذلك لا يترتب عليه شيء سوى ضعف للإيمان دون زواله بالكلية، وهذا ما يمتنع؛ استدلالًا بما ورد في الكتاب والسنة من بيان مكانة العمل (2).

وتجدر الإشارة إلى أن الأدلة التي استدل بها الصاوي على زيادة الإيمان ونقصانه هي نفسها أدلة السلف على ذلك. (3) هذا والأدلة كثيرة من الكتاب والسنة وأقوال السلف في تقرير هذه الحقيقة. أذكر منها زيادة على ما تقدم:

- قوله تعالى: {وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} [التوبة: 124].

- ومن السنة في إثبات النقص، ما رواه ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ما رأيت من ناقصات عقل ولا دين أغلب لذى لب منكن. قالت

(1) وهذا ما سيتضح في مبحث التكفير الأسماء والأحكام: 300.

(2)

انظر: كتاب الإيمان لشيخ الإسلام: 347.

(3)

انظر: كتاب الإيمان لشيخ الإسلام: 219 - 224.

ص: 287

: وما نقصان العقل والدين؟ قال: أما نقصان العقل فشهادة امرأتين شهادة رجل وأما نقصان الدين: فإن إحداكن تفطر رمضان، وتقيم أيامًا لا تصلى). (1)

وقد حكى إجماع السلف على ما تقدم الإمام ابن عبد البر، يقول:"أما سائر الفقهاء من أهل الرأى والآثار بالحجاز والعراق والشام ومصر فقالوا: الإيمان قول وعمل: قول باللسان والإقرار، واعتقاد بالقلب، وعمل بالجوارح مع الإخلاص بالنية الصادقة، قالوا: وكل ما يطاع الله عز وجل به من فريضة ونافلة فهو من الإيمان، والإيمان يزيد بالطاعات، وينقص بالمعاصى". (2)

* * *

(1) أخرجه البخاري: كتاب الحيض - باب ترك الحائض الصوم، رقم الحديث:304.

(2)

التمهيد: (9/ 248).

ص: 288