الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المناقشة:
عند سبر أبعاد قضية الإيمان، والأقوال المتعددة فيها، نجد أن الاضطراب الذي حصل في المفهومات، والذي أوقع الخوإرج في قضية تكفير مرتكب الكبيرة كان له أسوء الأثر على الوسط الإسلامى، فإنه لما انعدم الفهم الصحيح للسبب الرئيس الذي حمل الخوارج على تكفير مرتكب الكبيرة، ظن المرجئة أن فهم الخوارج لحقيقة الإيمان خاطئ من حيث إدخالهم العمل في مسمى الإيمان، واعتقدوا أن مخالفتهم في هذا تكفى في رد حجتهم وإبطالها، فراموا إبطال بدعتهم بأخرى لا تقل عنها سوءً وبعدًا عن الحقيقة، ولم يفطنوا إلى أن مكمن الضلال إنما تحصل من التصور السقيم للإيمان؛ حيث اعتقد الخوارج أنه جملة واحدة وأن ذهاب البعض يؤذن بذهاب الكل.
هنا ولهذه الحقيقة التي استرعت انتباه كثير من الباحثين من سلف هذه الأمة، صار محور النقاش من المسألة يدور حول أمرين، لا انفكاك لأحدهما عن الآخر:
1 -
حقيقة الإيمان الشرعية التي نطقت بها آيات الكتاب الكريم وسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم أنه قول وعمل.
2 -
إن الإيمان شعب، ثم إنه يزيد بزيادة شعبه وينقص بنقصانها، وليست هذه الشعب بمنزلة واحدة، فمنها ما لا يصح الإيمان إلا به، ومنها ما هو فرض أو واجب أو سنة. وزوال ما هو في الرتبة العليا ليس كزوال ما هو دونها.
وأدلة هذين الأصلين في الكتاب والسنة كثيرة تجل عن الحصر، منها قوله تعالى:{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [الأنفال: 2].
وقوله تعالى: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} [آل عمران: 173] ..
وقد أجمع السلف لدلالة هذه النصوص القطعية على فهمهم لحقيقة الإيمان بأنه قول وعمل، حيث قال:"اتفقت الصحابة والتابعون فمن بعدهم من أهل السنة على أن الأعمال من الإيمان لقوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ}: فجعل الأعمال كلها إيمانًا". (1)
- ومن السنة المطهرة حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم: (الإيمان بضع وسبعون، أو بضع وستون شعبة فأفضلها: قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان). (2)
"فجعل الإيمان شعبًا: بعضها باللسان، والشفتين، وبعضها بالقلب، وبعضها بسائر الجوارح". (3)
وهذا الذي ذكرته إنما هو بعض ما ورد في الكتاب والسنة وأقوال السلف - رضوان الله تعالى عليهم - وبهذا يعلم أن ما ذهب إليه الصاوي في تعريف الإيمان موافقة للأشعرية غير صحيح؛ إذ الإيمان كغيره من المصطلحات الشرعية التي صار لها حقيقة شرعية مقيدة لأصلها اللغوى كالصلاة والصيام والزكاة وغيرها، (4) لذا كان الواجب على كل من أراد أن يعرف معنى الألفاظ القرآنية أن يرجع إلى تفسيرها عند النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام - رضوان الله عليهم -.
وفى بيان هذا يقول شيخ الإسلام: "مما ينبغى أن يعلم أن الألفاظ الموجودة في القرآن والحديث إذا عرف تفسيرها وما أريد بها من جهة النبي صلى الله عليه وسلم يحتج في ذلك إلى الاستدلال بأقوال أهل اللغة ولا غيرهم، . . . . إلى أن قال: واسم الإيمان والإسلام والنفاق والكفر هي أعظم من هذا كله، فالنبي صلى الله عليه وسلم قد بين المراد
(1) شرح السنة: (1/ 78).
(2)
أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الإيمان - باب أمور الإيمان، حديث رقم:9.
(3)
الإيمان لابن مندة: (1/ 232).
(4)
الإيمان لشيخ الإسلام: 283.
بهذه الألفاظ بيانًا لا يحتاج معه إلى الاستدلال على ذلك بالاشتقاق، وشواهد استعمال العرب ونحو ذلك، فلهذا يجب الرجوع في مسميات هذه الأسماء إلى بيان الله ورسوله، فإنه شافٍ كافٍ، بل معانى هذه الأسماء معلومة من حيث الجملة للخاصة والعامة". (1)
كما أنه رحمه الله أشار إلى قضية مهمة تتعلق بكل ما خاطب الشارع به العباد وهى المسألة التي تعرف في الأصول بـ هل يجوز تأخير البيان عن مورد الخطاب إلى وقت الحاجة؟ وخلص إلى أن هذا غير واقع في الشريعة أصلًا، وأن الإيمان من أبين الألفاظ التي عرف مقصود الشارع منها. (2)
وبهذا تعلم حقيقة الإيمان الذي ورد مطلقًا في القرآن الكريم "فقد بين فيه أنه لا يكون الرجل مؤمنًا إلا بالعمل مع التصديق". (3)
* * *
وبناء على ما تقدم، فإنه من الخطأ البين أن تعد الأعمال الصالحة ثمرة للإيمان، بل هي ركنه الذي لا يكون إلا به. فأصل الإيمان في القلب، والعمل الصالح لازم له، إذا وجد دل على ما في القلب وإذا انتفى دل على انتفائه. (4)
قال تعالى: {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} [النور: 51]
أما ما ذهب إليه الصاوي من أن الأعمال أنما تدخل في مسمى الإيمان الكامل فليس بصحيح على جهة الإطلاق، إذ الأعمال الواجبة المفروضة من الأصول والفروع إنما تدخل في الإيمان الواجب، أما المستحبات التي لا يعد تاركها آثمًا فهذه التي تدخل في ما أطلق عليه بالإيمان الكامل. (5)
(1) المرجع السابق: 271.
(2)
فتاوى شيخ الإسلام: (7/ 104).
(3)
المرجع السابق: 122.
(4)
المرجع السابق: 186.
(5)
المرجع السابق.
كما أن في القول بأن العمل يدخل في مسمى الإيمان الكامل مناقضة لأصل مذهبه في تعريف الإيمان بأنه التصديق فقط. وهذا معلوم من حال أهل الابتداع حيث يظهر التناقض كثيرًا في تقريرهم لمسائل الاعتقاد.
ومن خلال اعتراض الصاوي على تعريف الخوارج للإيمان بأنه مركب من قول وعمل، نخلص إلى الشبهة التي اعتمدها - كغيره من الأشاعرة - في قصر الإيمان على التصديق دون العمل؛ فإنه جعل دمج المعتزلة العمل في مسمى الإيمان سببًا لاعتقادهم تكفير مرتكب الكبيرة.
والحقيقة أن هذه الشبهة التي اعتمدها في رده لإدخال العمل في صميم الإيمان لا تسلم له؛ بل الذي حمل الخوارج ومنهم المعتزلة على تكفير مرتكب الكبيرة هو اعتقاد كون الإيمان حقيقة واحدة، وأصل واحد، وأن شعبه بمنزلة واحدة، لا يزيد ولا ينقص، وأن نقصان أي شعبة منه يعني زواله بالكلية، فلم يفرقوا بين ما هو أصل منها بحيث ينتفى الإيمان بانتفائه، كالصلاة مثلًا، وما هو من عداد الفروض والواجبات التي لا تقدح في أصل الإيمان، وإنما في كماله الواجب كالجهاد مثلًا.
وهذا ما يمنع الفصل في فهم السلف لحقيقة الإيمان الشرعية، فهو: قول وعمل يزيد وينقص فلا يذهب بالكلية.
يقول الإمام الطبري: "الصواب فيه - أي الإيمان - قول من قال: هو قول وعمل يزيد وينقص، وبه جاء الخبر عن جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعليه مضى أهل الدين والفضل". (1)
إيماننا قول وقصد وعمل
…
تزيده التقوى وينقص بالزلل (2)
* * *
(1) صريح السنة: 25.
(2)
القصيدة للإمام: محمد بن أحمد السفاريني، تحقيق: أشرف بن عبد المقصود: 68.
ولكن الصاوي في هذه المسألة قد خالف قول الأشاعرة في منع الزيادة والنقصان، واتفق مع السلف في هذه القضية المهمة، وقد كان حرى بمثله أن يوافق السلف في أصل تعريفهم للإيمان واعتقاد كونه قول وعمل، وألَّا يحمله تكفير الخوارج لمرتكب الكبيرة؛ على اعتقاد أن سبب ذلك هو إدخالهم العمل في مسمى الإيمان، وكان عليه أن يدرك أساس ضلالهم، وأنه يرجع في الحقيقة إلى منعهم الزيادة والنقصان في الإيمان.
ولهذا فإن مناقشته في هذه القضية، تعود إلى بيان مكانة العمل ومنزلته من الدين، وما ورد في بيان أهمية إقامة شعائر الإسلام وعلى رأسها الصلاة (1)، وأنه مع موافقته السلف في إمكان الزيادة والنقص إلا أنه يخالفهم في اعتقاد صحة إيمان من تخلى عن العمل بالكلية، وأن ذلك لا يترتب عليه شيء سوى ضعف للإيمان دون زواله بالكلية، وهذا ما يمتنع؛ استدلالًا بما ورد في الكتاب والسنة من بيان مكانة العمل (2).
وتجدر الإشارة إلى أن الأدلة التي استدل بها الصاوي على زيادة الإيمان ونقصانه هي نفسها أدلة السلف على ذلك. (3) هذا والأدلة كثيرة من الكتاب والسنة وأقوال السلف في تقرير هذه الحقيقة. أذكر منها زيادة على ما تقدم:
- قوله تعالى: {وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} [التوبة: 124].
- ومن السنة في إثبات النقص، ما رواه ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ما رأيت من ناقصات عقل ولا دين أغلب لذى لب منكن. قالت
(1) وهذا ما سيتضح في مبحث التكفير الأسماء والأحكام: 300.
(2)
انظر: كتاب الإيمان لشيخ الإسلام: 347.
(3)
انظر: كتاب الإيمان لشيخ الإسلام: 219 - 224.
: وما نقصان العقل والدين؟ قال: أما نقصان العقل فشهادة امرأتين شهادة رجل وأما نقصان الدين: فإن إحداكن تفطر رمضان، وتقيم أيامًا لا تصلى). (1)
وقد حكى إجماع السلف على ما تقدم الإمام ابن عبد البر، يقول:"أما سائر الفقهاء من أهل الرأى والآثار بالحجاز والعراق والشام ومصر فقالوا: الإيمان قول وعمل: قول باللسان والإقرار، واعتقاد بالقلب، وعمل بالجوارح مع الإخلاص بالنية الصادقة، قالوا: وكل ما يطاع الله عز وجل به من فريضة ونافلة فهو من الإيمان، والإيمان يزيد بالطاعات، وينقص بالمعاصى". (2)
* * *
(1) أخرجه البخاري: كتاب الحيض - باب ترك الحائض الصوم، رقم الحديث:304.
(2)
التمهيد: (9/ 248).