الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
2 -
شعراء الموشحات والأزجال
(أ) شعراء الموشحات
أخذت تنشأ-منذ عصر دولة المرابطين-علاقات أدبية بين الأندلس وبين المغرب الأقصى وقدم من الأندلس إلى دياره بعض شعراء الأندلس بحثا عن رعاة لشعرهم، وكان بينهم غير وشاح، وأول وشاح أمّ تلك الديار على بن عبد الغنى الحصرى القيروانى الكفيف المهاجر إلى الأندلس منذ سنة 450 للهجرة فقد عبر الزقاق ثانية إلى طنجة سنة 483 وأمضى بها الشطر الأخير من حياته وكان وشّاحا وشاعرا بارعا فالتف حوله كثيرون من شباب طنجة ينشدهم أشعاره وموشحاته وقد أنشد الصفدى إحداها فى كتابه:«توشيع التوشيح» . وأوغل بعده ابن اللبانة الوشاح المشهور المتوفى سنة 507 للهجرة فى ديار المغرب حتى بجاية فى الجزائر ونزل على أميرها باديس الحمادى (498 هـ.) ومدحه بموشحة بديعة أنشدها صاحب فوات الوفيات فى ترجمته. وأهم منه ابن بقى الوشاح الأندلسى نزيل سلا-بجوار الرباط على المحيط-على بنى عشرة قضاتها، وكانوا بحورا فياضة فى الجود فغمروه بعطاياهم وخاصة يحيى بن على بن القاسم وأخويه أحمد ويوسف، وله فيهم موشحات كثيرة، إذ أقام لديهم مددا متطاولة. وظل وراء هؤلاء الوشاحين الراحلين أو المهاجرين وشاحون كثيرون فى الأندلس يهدون موشحاتهم إلى حكامها من الأمراء المرابطين مثل ابن باجة المتفلسف وموشحاته البديعة فى أبى بكر بن تيفلويت المرابطى والى سرقسطة.
وعلى هذا النحو أخذت تتوثق الصلة بين الوشاحين الأندلسيين والشباب المغربى، فإذا من هؤلاء الشباب من يعكف على موشحات الحصرى وابن بقى وابن باجة وأضرابهم حتى تمثل عذوبة النغم فيها وحسن اختيار الألفاظ وأخذ ينشئ على غرارها موشحات مغربية تفيض نعومة وسلاسة وحلاوة جرس، ولم يتحقق ذلك توّا فى عصر المرابطين القصير، إنما حدث منذ أول عصر الموحدين التالى لعصرهم على لسان ابن غرلة، وسنفرد له ترجمة، وتلاه غير وشاح مثل أبى حفص عمر السلمى المتوفى سنة 602 غير أنه لم تؤثر له موشحة. وجاء بعده فى العصر أبو عبد الله محمد بن أحمد بن الصباغ الجذامى وجميع موشحاته نبوية فى مديح الرسول صلى الله عليه وسلم، وسنخصه بترجمة-ونلتقى أواخر عصر المرينيين زمن الوطاسيين بوشاح بارع هو ابن سعيد عثمان المكناسى، وله موشحة نبوية بديعة أنشدها ابن القاضى فى كتابه عن الخليفة المنصور والمقرى فى الجزء الثانى من أزهار الرياض، يستهلها بقوله (1):
(1) انظر المنتقى المقصور على مآثر الخليفة المنصور ص 821 وأزهار الرياض 2/ 229.
يا عريب الحىّ من حىّ الحمى
…
أنتم عيدى وأنتم عرسى
وهو استهلال رائع لما سيتلوه من المديح النبوى وقد عارض بها موشحتين قفلهما سينى لابن سهل وابن الخطيب، وهما بالترتيب: هل درى ظبى الحمى-وجادك الغيث. وفى نهاية الموشحة يقول:
همت فى أطلال ليلى وأنا
…
ليس فى الأطلال لى من أرب
ما مرادى رامة والمنحنى
…
لا ولا ليلى وسعدى مطلبى
إنما سؤلى وقصدى والمنى
…
سيّد العجم وتاج العرب
أحمد المختار طه من سما
…
الشريف بن الشريف الكيّس
خاتم الرّسل الكريم المنتمى
…
طاهر الأصل زكىّ النّفس
فهو إن هام صبابة بأطلال ليلى ليس له من مأرب فيها ولا فى تغنيه برامة والمنحنى حيث اللقاء المأمول ولا مطلبه ليلى ولا سعدى ولا غيرهما ممن يذكرهن إنما سؤله وقصده وكل مناه رسول الله سيد العجم وتاج العرب. والموشح بالغ الروعة، ويذكر له الأستاذ ابن تاويت موشحا على غراره ختمه بهذا الابتهال لربه:
طامع فى رحمة الله وما
…
خاب عبد طامع لم ييأس
يا إلهى جد علينا كرما
…
يا كريما قبل أخذ الأنفس
وما من مسلم إلا ويطمع فى رحمة الله الغفور الرحيم.
ويكثر الوشّاحون فى عصر السعديين، وفى مقدمتهم الخليفة المنصور الذهبى، وكان واسع الثقافة عالما مؤلفا، كما كان أديبا شاعرا، وازدهر العلم والأدب فى المغرب الأقصى بأيامه، واستحالت مجالسه إلى مناظرات علمية متعمقة ومساجلات شعرية مع وفرة جوائزه وعطاياه، وينوه المؤرخون غربا وشرقا به، وعليه قصر ابن القاضى كتابه: المنتقى المقصور على مآثر الخليفة المنصور تحدث فيه عن نسبه وحسبه وشيوخه وخلافته وسياسته وشمائله الحميدة وتعظيمه الميلاد النبوى وغزواته وعلو همته، ويلم من حين إلى حين ببعض أشعاره، ويذكر أن له موشحات كثيرة، وينشد له موشحة، يقول المنصور الذهبى فى غصنها الأخير (1):
قلت له وقد نهد
…
وجدّ فى حربى (2)
وغلب الظّبى الأسد
…
ففاز بالغلب
الشمس برجها الأسد
…
فاسع إلى قلبى
وهو يستغلّ ما يقوله الفلكيون من أن برج الشمس الأسد، فيقول لصاحبته وقد اكتمل
(1) المنتقى ص 662.
(2)
نهدت الجارية: اكتمل شبابها.