الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
2 -
التاريخ
(أ) السودان فى العصور (1) القديمة
يرتبط السودان فى تاريخه السحيق بمصر منذ عهد الأسرات الأولى لحضارة قدماء المصريين بعامل حفاظ تلك الأسرات على الأمن فى جنوبى مصر وعلى طريق التجارة. وفى أخبار الأسرة الرابعة أن سنفروقام بحملة فى الجنوب، لعلها كانت حملة تأديبية، وتتجدد الصلات فى عهد الدولة الوسطى بغرض السيطرة على أرض النوبة فى الجنوب وأخذت هذه الصلات تتسع فى عهد الدولة الحديثة إذ مدت سيطرتها إلى الشلال الرابع. وسميت الأراضى الممتدة إلى ذلك الشلال-منذ ذلك الحين-باسم أراضى النوبة وكانت قسمين شماليا وجنوبيا ومصرّت تماما فى عهد تلك الدولة، وسكن النوبة الجنوبية كوشيون طبعوا بطوابع الحضارة المصرية كما تدل آثارهم المكتشفة فى أراضيهم، وكان الحاكم هناك يعد نائبا لملك مصر. ويدور الزمن دورات ويدخل الليبيون مصر ويطردون منها، ويتسمى حكامهم باسم الملوك. وتلى ذلك حقبة غامضة لا نكاد نعرف عنها شيئا، وتكونت حينئذ ثلاث دول نوبية: الأولى فى الشمال وعاصمتها نوس وتسمى نوباديا بعد الشلال الأول والثانية فى الوسط بإقليم دنقلة وتسمى مقرة. والثالثة جنوبى الخرطوم مباشرة وعاصمتها سوبا وتسمى علوة.
ولما اضطهدت روما المسيحية المسيحيين فى مصر فرّ كثيرون من معتنقى المسيحية إلى نوباديا دولة النوبة الشمالية، وهناك أخذوا يدعون لدينهم المسيحى واعتنقه بعض النوبيين، ولما أصبحت المسيحية فى روما دين الدولة الرسمى فى عهد قسطنطين سنة 312 للميلاد نشطت فى نوباديا البعثات التبشيرية، وممن اشتهروا بهذا النشاط التبشيرى تيودور أسقف أسوان وفيلة ونزل نوباديا واختلط بالزعماء النوبيين فيها واعتنق كثير منهم الدين المسيحى كما اعتنقه كثير من أهل نوباديا.
واتسعت حركة التبشير للدين المسيحى فى عهد الإمبراطور جوستنيان (517 - 565 م) وكانت الكنيسة المصرية تنادى بالطبيعة الواحدة للمسيح ضد القائلين من كنيسة روما والقسطنطينية بأن للمسيح طبيعتين. وحاول جوستنيان أن يرسل بعثة إلى نوباديا للدعوة إلى عقيدته، ووصلت إلى جزيرة فيلة مع أسقفها تيودور، فجهزها ورافقها إلى نوباديا للدعوة إلى عقيدته وسارعت الكنيسة القبطية بإرسال بعثة للدعوة إلى عقيدتها برياسة جوليان، ووصلت
(1) انظر فى تاريخ السودان بالعصور القديمة كتاب السودان عبر القرون للدكتور مكى شبيكة (نشر وتوزيع دار الثقافة ببيروت) وانظر تاريخ السودان القديم والحديث لنعوم شقير والسودان فى دائرة المعارف الإسلامية.
البعثة إلى جزيرة فيلة وجهزها ورافقها إلى نوباديا ونجحت البعثة فى مهمتها وأخفقت بعثة الإمبراطور جوستنيان، وتوفى جوليان فعيّن مكانه أسقفا لبلاد النوبة لونجنيوس سنة 569 للميلاد، والتفوا حوله، ودعاه ملك علوة فى الجنوب، فذهب إليها وأصبحت مسيحية يعقوبية تدين بعقيدة مصر فى طبيعة المسيح الواحدة. وأخذت دولة مقرة تدخل بدورها فى المسيحية، ويقال إنها اعتنقت أولا فكرة الطبيعتين فى المسيح ثم تركتها إلى فكرة الطبيعة الواحدة مثل نوباديا وعلوة، ونظن أنها تأخرت فى التنصر بعد نوباديا وعلوة وأنها أخذت بعد ذلك فى التنصر تدريجا على مذهبهما اليعقوبى، وأنها لم تبدأ تنصرها على مبدأ الطبيعتين كما يقال. ويبدو أن مملكة نوباديا ذابت فى مملكة المقرة ولم يعد هناك سوى مملكتين: مملكة مقرة ومملكة علوة، وذلك إما قبيل الإسلام أو بعده بقليل.
(ب) السودان (1) فى العصور الإسلامية
ذكرنا فى حديثنا عن فتح العرب لدول المغرب الأقصى أنهم لم يكونوا غزاة فاتحين طلبا لمغانم مادية إنما كانوا دعاة للإسلام مجاهدين، ونرى عبد الله بن سعد بن أبى سرح والى الخليفة عثمان على مصر بعد أن يتم له فتح ليبيا وتونس يوجه حملة إلى أرض النوبة سنة 31 هـ/651 م تتوغل حتى دنقلة عاصمة دولة المقرة واضطرت القائمين عليها إلى عقد معاهدة جاء فيها أن على أهل مقرة حفظ المسجد الذى بناه المسلمون بدنقلة وخدمته وإسراجه وأن لا يتعرضوا لمسلم يصلى فيه، ويؤدوا لمصر سنويا ثلاثمائة وستين من شباب رقيقهم ذكرانا وإناثا، وتعهدت مصر بإمدادهم سنويا بكميات من الحبوب والملابس. وظلت علاقات الدول الإسلامية فى مصر بمملكة مقرة النوبية قائمة على أساس هذه المعاهدة نحو ستة قرون.
وكانت قبائل البجّة السودانية تنزل فى الصعيد بالصحراء شرقى أسوان إلى دهلك (مصوع) وقامت بغارات على أسوان فى عهد المأمون العباسى فأرسل إليهم حملة بقيادة عبد الله بن الجهم سنة 217 هـ/841 م وهزمهم وأملى عليهم معاهدة قبلوها، فيها أن يؤدى ملك البجّة أو أميرهم خراجا سنويا: مائة من الإبل أو ثلاثمائة دينار وأن يحترم البجة الإسلام ولا يقتلوا مسلما. وأهم من ذلك «أن عليهم أن لا يهدموا شيئا من المساجد التى بناها المسلمون فى سائر بلادهم طولا وعرضا» مما يدل على أنه كان قد نزل بديارهم عرب مسلمون بنوا هذه المساجد، وكانت قد نزلت بينهم-قبل هذا التاريخ فيما يبدو-قبائل أو بعبارة أدق جماعات
(1) انظر فى هذا الموضوع خطط المقريزى فى مواضع متعددة وكذلك مروج الذهب للمسعودى وتاريخ ابن خلدون والسودان عبر القرون للدكتور مكى شبيكة ص 25 وما بعدها وكتاب دراسات سودانية للدكتور عبد المجيد عابدين (طبع جامعة الخرطوم) والإسلام والنوبة للدكتور مصطفى محمد مسعد وكتاب العربية فى السودان للشيخ عبد الله عبد الرحمن ودائرة المعارف الإسلامية.
من قبيلتى بلىّ وجهينة للرعى وللتجارة ولاستخراج الذهب فى منطقة العلاقى، وعبرت البحر الأحمر جماعات من هوازن ونزلت فى إقليم البجة ثم رحلت إلى منطقة كسلا داخل السودان. ونجد البجة فى عهد المتوكل تعود إلى العصيان وتحاول الاستيلاء على مناجم الذهب فى العلاقى من أيدى العرب، ويرسل إليهم المتوكل جيشا سنة 240 هـ/854 م بقيادة محمد بن عبد الله القمى ويتغلب عليهم، ويطلب ملكهم الصلح على أن لا يتعرض للعرب العاملين فى معدن الذهب ويدفع الخراج المفروض سنويا. ويزور بغداد وتبهره حضارتها.
وعند ما استولى أحمد بن طولون على زمام الحكم بمصر سنة 255 هـ/868 م أرسل إلى بلاد البجة والنوبة حملة بقيادة أبى عبد الرحمن عبد الله بن عبد الحميد العمرى واشترك فيها كثير من قبيلتى ربيعة وجهينة، ونزل كثير من جنوده فى النوبة وأرض البجة. ويذكر المسعودى الذى زار مصر سنة 328 هـ/940 م أن ربيعة اختلطت بالبجة فى أرض المناجم وأصبحوا أسرة أو قبيلة واحدة. ويذكر المقريزى أن ابن طولون جنّد من النوبيين أربعين ألفا ألحقهم بجيشه، ولا بد أنهم جميعا أسلموا أو لعل كثيرين منهم كانوا مسلمين قبل استخدامه لهم.
وبدون ريب هيّأ نزول القبائل العربية الكثيرة فى البجة والنوبة لاعتناق كثيرين منهما الإسلام، ومع ذلك ظلت الكثرة فى النوبة مسيحية. ويزور بلاد النوبة فى أوائل عهد الفاطميين ابن سليم الأسوانى، ويروى المقريزى عنه أن المسلمين هناك معزّزون وفى حالة استقرار وأنّ كثيرين من النوبيين اعتنقوا الإسلام مع تمسكهم بلغاتهم وجهلهم للعربية. ويذكر ابن سليم أن المسلمين تغلغلوا فى الأراضى السودانية حتى علوة جنوبى الخرطوم، واستطاعوا فى القرن الرابع الهجرى/العاشر الميلادى أن يبنوا لهم مسجدا فى سوبا عاصمة علوة. وكانت أم الخليفة المستنصر الفاطمى فى القرن الحادى عشر الهجرى سودانية وبلغ المجندون من النوبة فى الجيش الفاطمى-بتشجيع منها-خمسين ألفا. وأصبح للعرب من بنى ربيعة-فى العهد الفاطمى- مساكن على وادى العلاقى الممتد من أسوان إلى عيذاب على البحر الأحمر وما به من مناجم الذهب، وفى سنة 470 هـ/1077 م أعلن شيخهم دخوله فى طاعة الفاطميين فلقّبه الخليفة الفاطمى المستنصر بلقب كنز الدولة وعرف قومه بالكنوز، ولما استولى الأيوبيون على صولجان الحكم فى مصر من أيدى الفاطميين انسحب عرب الكنوز من حدود أسوان إلى بلاد النوبة. وكان ثغر عيذاب قد ازدهر منذ العصر الفاطمى بسبب احتلال حملة الصّليب لفلسطين وقيام مملكة بيت المقدس وتحوّل الطريق الرئيسى لحجاج مصر والبلاد المغربية إليه.
وفى سنة 670 هـ/1272 م أغار النوبيون على ميناء عيذاب ونهبوا متاجره وقتلوا القاضى والوالى عليه من قبل مصر لعهد الظاهر بيبرس، وأغاروا على أسوان ونهبوا أسواقها، وأرسل بيبرس فى السنة التالية حملة إلى النوبة يقودها والى قوص، ووصل إلى دنقلة وملك النوبة داود يفر أمامه. وجاء إلى القاهرة ابن أخته شكنده متظلما منه، وانتهز الفرصة بيبرس، فجهز له
جيشا مع بعض قواده، ومضى الجيش حتى دنقلة، ولقى داود وجماعته وهرب، وتوج شكنده (إسكندر) ملكا على مقرة بنفوذ وقوة الجيش المصرى المملوكى مع إعلان أنه نائب للسلطان وعليه أن يرسل إليه نصف ما يجمعه من الضرائب والجزية على الشباب من غير المسلمين وكانت فى واقعها ضريبة دفاع، وبذلك عدّ أهل مقرة المسيحيين أهل ذمة. وتوفى شكنده سنة 675 هـ/1277 م وتولى بعده أمير من البيت المالك دون رجوع إلى السلطان قلاوون الذى خلف الظاهر بيبرس فأرسل إلى بلاد النوبة حملة قضت على الملك الجديد، ونصبت سمامون ملكا على مقرة ونائبا لقلاوون بنفس شروط شكندة السالفة غير أن سمامون لم يلبث أن أظهر عدم إخلاصه وولائه لقلاوون، فأرسل إليه حملة تأديبية بقيادة أيدمر والى قوص، وهزم سمامون وفر إلى الجنوب وأقيم مكانه ابن أخته ورأى قلاوون أن يبقى معه المملوك أيدمر.
وبعد عودة الجيش المصرى المملوكى اضطر سمامون الملك الجديد نائب قلاوون وأيدمر إلى العودة إلى القاهرة فجهز قلاوون حملة كبيرة لمنازلة سمامون سنة 687 هـ/1289 م ووصل الجيش دنقلة ففرّ سمامون أمامه متوغلا فى الجنوب، وكان الملك الجديد توفى فى الطريق، فنصّب ابن أخته بدنقلة ملكا على مقرة، وبقيت هناك فرقة من الجيش المصرى مع أمير مملوكى. وعاد سمامون ثانية إلى دنقلة، وقبض على الأمير المملوكى وأرسله ورجاله إلى القاهرة وقتل الملك الجديد، وأرسل إلى قلاوون متعهدا له بأداء كل الالتزامات، وقبل قلاوون منه ذلك وتوفى وخلفه ابنه خليل فامتنع سمامون عن أداء الجزية والضرائب، وجهز له السلطان خليل حملة فرّ أمامها من دنقلة، ونصّب مكانه ملك جديد، وكان الأمير عبد الله برشمبو لجأ إلى القاهرة واعتنق الإسلام ودخل فى ولاء محمد الناصر بن قلاوون، وكان من الأسرة النوبية المالكة فرأى الناصر تعيينه نائبا له فى دنقلة وملكا مسلما عليها لأول مرة سنة 716 هـ/1316 م وأرسل معه حملة لتنفيذ ذلك، وبذلك استولى على صولجان الحكم فى مقرة المسيحية أول ملك مسلم. ولم يلبث أن نازعه الملك شيخ ربيعة الملقب بكنز الدولة، واستطاع القضاء عليه، ونصّب شيخ ربيعة نفسه ملكا على مقرة، ودخلت معه إلى أرض النوبة قبائل عربية كثيرة عملت على نشر الإسلام فيها بحيث يأخذ المسيحيون هناك فى التضاؤل، ولا يبقى منهم فى نهاية القرن التاسع الهجرى/الخامس عشر الميلادى إلا عدد قليل جدا. وتلك حسنة واضحة لاقتحام القبائل العربية لأرض النوبة، وهذه الحسنة رافقها توزيع أراضى النوبة بين القبائل العربية وقيام إمارات كثيرة صغرى فيها مما قضى نهائيا على مملكة المقرة.
وكانت الحدود الشمالية لمملكة علوة الواقعة جنوبى مملكة مقرة تسمى الأبواب وكان يقوم عليها حاكم يسمى ملك الأبواب، وخلال القرنين الثالث عشر والرابع عشر للميلاد كان يرسل لسلاطين المماليك بولائه، وحين كان يعصى ملك مقرة هؤلاء السلاطين ويفرّ إلى الأبواب كان كثيرا ما يقبض عليه ويرسل به إليهم. ومنذ قامت فى دنقلة دولة إسلامية سنة 716 هـ/1316 م