المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الفصل الرابعنشاط الشعر والشعراء - تاريخ الأدب العربي لشوقي ضيف - جـ ١٠

[شوقي ضيف]

فهرس الكتاب

- ‌مقدّمة

- ‌1 - [الجزائر]

- ‌2 - [المغرب الأقصى]

- ‌3 - [موريتانيا]

- ‌4 - [السودان]

- ‌القسم الأولالجزائر

- ‌الفصل الأوّلالجغرافية والتاريخ

- ‌1 -الجغرافية

- ‌3 -الفتح والولاة-الأغالبة-الإباضية-تلمسان

- ‌(ب) الأغالبة

- ‌(ج) الإباضيون

- ‌(د) تلمسان

- ‌4 -الدولة العبيدية-الدولة الصنهاجية-بنو حماد

- ‌(أ) الدولة العبيدية

- ‌(ج) بنو حماد

- ‌5 -دولة الموحدين-الدولة الحفصية-بنو عبد الواد

- ‌الفصل الثّانىالمجتمع الجزائرى

- ‌2 -المعيشة

- ‌(أ) الثراء

- ‌(ب) الرّفة

- ‌(ج) الموسيقى

- ‌4 -الدين-المالكية والحنفية-الإباضية-المعتزلة

- ‌(أ) الدين

- ‌(د) المعتزلة

- ‌الفصل الثالثالثقافة

- ‌1 -الحركة العلمية

- ‌(أ) فاتحون ناشرون للإسلام ومعلمون

- ‌(ب) دور العلم:‌‌ الكتاتيب-‌‌المساجد-المدارس-الزوايا-المكتبات

- ‌ الكتاتيب

- ‌المساجد

- ‌المدارس

- ‌الزوايا

- ‌المكتبات

- ‌(ج) نمو الحركة العلمية

- ‌5 -التاريخ

- ‌الفصل الرّابعنشاط الشعر والشعراء

- ‌2 -كثرة الشعراء

- ‌3 -شعراء المديح

- ‌ عبد الكريم النهشلى

- ‌ ابن خميس

- ‌ الشهاب بن الخلوف

- ‌ محمد القوجيلى

- ‌4 -شعراء الفخر والهجاء

- ‌(أ) شعراء الفخر

- ‌(ب) شعراء الهجاء

- ‌ بكر بن حماد التاهرتى

- ‌ سعيد المنداسى

- ‌5 -الشعراء والشعر التعليمى

- ‌ عبد الرحمن الأخضرى

- ‌الفصل الخامسطوائف من الشعراء

- ‌1 -شعراء الغزل

- ‌ ابن على

- ‌2 -شعراء وصف الطبيعة

- ‌ عبد الله بن محمد الجراوى

- ‌3 -شعراء الرثاء

- ‌4 -شعراء الزهد والتصوف

- ‌(أ) شعراء الزهد

- ‌(ب) شعراء التصوف

- ‌ إبراهيم التازى

- ‌5 -شعراء المدائح النبوية

- ‌الفصل السّادسالنثر وكتّابه

- ‌1 -الخطب والوصايا

- ‌2 -الرسائل الديوانية

- ‌3 -الرسائل الشخصية

- ‌4 -المقامات

- ‌5 -كبار الكتاب

- ‌[(ب)] الوهرانى

- ‌القسم الثانىالمغرب الأقصى

- ‌الفصل الأوّلالجغرافية والتاريخ

- ‌1 -الجغرافية

- ‌3 -الفتح والولاة-ثورة الصفرية-بنو مدرار-الأدارسة-بعد الأدارسة والمدراريين

- ‌(ب) ثورة الصفرية

- ‌(د) الأدارسة

- ‌4 -المرابطون-الموحدون-بنومرين

- ‌(أ) المرابطون

- ‌(ب) الموحدون

- ‌5 -السعديون-الطرق الصوفية-العلويون

- ‌(أ) السعديون

- ‌(ج) العلويون

- ‌الفصل الثّانىالمجتمع المغربى

- ‌1 -عناصر السكان

- ‌2 -المعيشة

- ‌3 -الثراء-الرّفة-الموسيقى-المرأة

- ‌(أ) الثراء

- ‌(ب) الرّفة

- ‌(ج) الموسيقى

- ‌(د) المرأة

- ‌4 -المالكية-الصفرية-المعتزلة-الظاهرية

- ‌(أ) المالكية

- ‌(ب) الصفرية

- ‌(ج) المعتزلة

- ‌(د) الظاهرية

- ‌5 -الزهاد-المتصوفة

- ‌(أ) الزهاد

- ‌(ب) المتصوفة

- ‌الفصل الثالثالثقافة

- ‌1 -الحركة العلمية

- ‌(أ) فاتحون ناشرون للإسلام ومعلمون

- ‌ الكتاتيب

- ‌(ب) دور العلم: الكتاتيب-المساجد-المدارس-الزوايا-المكتبات

- ‌المساجد

- ‌المدارس

- ‌الزوايا

- ‌المكتبات

- ‌(ج) نمو الحركة العلمية

- ‌2 -علوم الأوائل

- ‌3 -علوم اللغة والنحو والعروض والبلاغة

- ‌5 -التاريخ

- ‌الفصل الرّابعنشاط الشعر والشعراء

- ‌1 -تعرب المغرب الأقصى-كثرة الشعراء

- ‌(أ) تعرب المغرب الأقصى

- ‌(ب) كثرة الشعراء

- ‌2 -شعراء الموشحات والأزجال

- ‌(أ) شعراء الموشحات

- ‌ ابن غرلة

- ‌ ابن الصباغ

- ‌ ابن زاكور

- ‌(ب) شعراء الأزجال

- ‌ابن عمير

- ‌3 -شعراء المديح

- ‌ ابن زنباع

- ‌ ابن حبوس

- ‌الجراوى

- ‌ ابن عبد المنان

- ‌الهوزالى

- ‌الدغوغى

- ‌البوعنانى

- ‌4 -شعراء الفخر والهجاء

- ‌(أ) الفخر

- ‌ الشاذلى

- ‌(ب) الهجاء

- ‌5 -الشعراء والشعر التعليمى

- ‌ عبد العزيز الملزوزى

- ‌ابن الونان

- ‌الفصل الخامسطوائف من الشعراء

- ‌1 -شعراء الغزل

- ‌ أبو الربيع الموحدى

- ‌ عمر السلمى

- ‌2 -شعراء الوصف

- ‌3 -شعراء الرثاء

- ‌ ابن شعيب الجزنائى

- ‌4 -شعراء الزهد والتصوف

- ‌(أ) شعراء الزهد

- ‌(ب) شعراء التصوف

- ‌ ابن المحلى

- ‌5 -شعراء المدائح النبوية

- ‌ميمون بن خبازة

- ‌ مالك بن المرحل

- ‌الفصل السادسالنثر وكتّابه

- ‌1 -الخطب والمواعظ

- ‌2 -الرسائل الديوانية

- ‌3 -الرسائل الشخصية

- ‌4 -المقامات والرحلات

- ‌(أ) المقامات

- ‌(ب) الرحلات

- ‌ رحلة ابن رشيد

- ‌ رحلة العياشى

- ‌ رحلة ابن ناصر

- ‌5 -كبار الكتّاب

- ‌(أ) القاضى عياض

- ‌القسم الثالثموريتانيا

- ‌الفصل الأوّلالجغرافية والتاريخ

- ‌1 -الجغرافية

- ‌2 -التاريخ

- ‌الفصل الثّانىالمجتمع والثقافة

- ‌1 -المجتمع

- ‌(أ) صنهاجة وقبائل المعقل العربية

- ‌(ب) الزروع والمراعى

- ‌(ج) التجارة

- ‌(د) حياة يدوية

- ‌2 -الثقافة

- ‌(أ) نشاط دينى تعليمى كبير

- ‌(ب) التعليم والطلاب والشيوخ

- ‌(ج) أمهات الكتب والمتون والشروح المتداولة

- ‌(د) أعلام العلماء فى موريتانيا

- ‌(هـ) القراء والمفسرون والمحدثون والفقهاء

- ‌(و) أعلام النحاة والمتكلمين

- ‌الفصل الثالثنشاط الشعر والشعراء

- ‌1 -تعرّب موريتانيا

- ‌2 -شعراء المديح

- ‌ ابن رازكة

- ‌3 -شعراء الفخر والهجاء

- ‌(أ) شعراء الفخر

- ‌ المختار بن بون

- ‌(ب) شعراء الهجاء

- ‌4 -شعراء الرثاء

- ‌الفصل الرّابعطوائف من الشعراء

- ‌1 -شعراء الغزل

- ‌ الأحول الحسنى

- ‌ يقوى الفاضلى

- ‌2 -شعراء التصوف

- ‌ المختار الكنتى

- ‌الشيخ سيديّا

- ‌3 -شعراء المدائح النبوية

- ‌ محمد بن محمد العلوى

- ‌4 -الشعراء والشعر التعليمى

- ‌القسم الرابعالسودان

- ‌الفصل الأوّلالجغرافية والتاريخ

- ‌1 -الجغرافية

- ‌2 -التاريخ

- ‌3 -(ج) دولة الفونج

- ‌4 -محمد على والسودان-عهد إسماعيل

- ‌5 -حركة المهدى-خليفته عبد الله التعايشى

- ‌الفصل الثّانىالمجتمع السودانى-الثقافة

- ‌(أ) نزعة صوفية عامة

- ‌(ب) المرأة ومكانتها فى التصوف

- ‌(ج) التصوف والتربية الخلقية والدينية

- ‌(د) طرق صوفية جديدة

- ‌(هـ) دعوة المهدى ومبادئها الستة

- ‌2 -الثقافة

- ‌(أ) كتاتيب-زوايا-مساجد

- ‌(ب) حركة علمية نشيطة فى عهد الفونج

- ‌(ج) سودانيون أزهريون وعلماء مصريون

- ‌(د) التعليم المدنى الحديث وتوقفه

- ‌(هـ) إنشاء معهد دينى وعودة التعليم المدنى الحديث

- ‌الفصل الثالثنشاط الشعر والشعراء

- ‌2 -شعراء المديح

- ‌ الشيخ حسين زهراء

- ‌ الشيخ محمد عمر البناء

- ‌3 -شعراء الفخر والحماسة

- ‌ الشيخ يحيى السلاوى السودانى

- ‌ عثمان هاشم

- ‌4 -شعراء الرثاء

- ‌(أ) رثاء الأفراد

- ‌ الشيخ محمد سعيد العباسى

- ‌(ب) رثاء المدن

- ‌الفصل الرّابعطوائف من الشعراء

- ‌1 -شعراء الغزل العفيف

- ‌2 -شعراء النقد العنيف والشكوى من الزمن

- ‌الشيخ عبد الله البناء

- ‌ صالح عبد القادر

- ‌3 -شعراء التصوف

- ‌4 -شعراء المدائح النبوية

- ‌ الشيخ عمر الأزهرى

- ‌ الشيخ عبد الله عبد الرحمن

الفصل: ‌الفصل الرابعنشاط الشعر والشعراء

‌الفصل الرّابع

نشاط الشعر والشعراء

1 -

تعرب (1) الجزائر

ذكرنا-فيما أسلفنا-أنه كان بالجزائر قبل الفتوح العربية الإسلامية عناصر جنسية مختلفة، جمهورها من البربر ومن نزلوا بديارهم من الفينيقيين والقرطاجيين واليهود والرومان والوندال الألمان والإغريق البيزنطيين، ثم نزلها العرب ومن انتظم فى جيوشهم من أهل البلاد الإسلامية: من إيران والعراق والشام ومصر، وظلت جيوش متعاقبة تنزلها فى العهدين الأموى والعباسى، كما ظلت جموع متفاوتة من هذه الجيوش تستقر فى البلاد المغربية من برقة إلى المحيط الأطلسى مختلطة بالسكان وناشرة للإسلام ولغته العربية. وعاملان أساسيان ساعدا بسرعة على نشر الإسلام ولغته هناك، هما تعاليم الإسلام السمحة التى حررت البربر من ظلم الدول السابقة التى احتلت ديارهم قرونا متطاولة وأرهقتهم بضرائب باهظة مع العسف والبغى الشديد، وليس ذلك فحسب، فقد رأوه دينا قويما يسوّى بين أتباعه فى جميع الحقوق، والعامل الثانى سياسة ولاته وخاصة فى القرن الأول الهجرى وما كفلوا للبربر من العدل والمساواة بينهم وبين العرب فى جميع الحقوق: فى الجهاد وفى غنائم الحرب وفى الولاية على القبائل والمدن. وعنى موسى بن نصير الوالى هناك (86 - 96 هـ) بأن يعهد فى الأنحاء التى لم يتم إسلامها حتى عهده إلى فقهاء ومعلمين يعلمون أهلها فرائض الإسلام ويحفظونهم القرآن الكريم، ودخلت جماعات بربرية كثيرة لعهده فى الدين الحنيف، وانضم كثيرون من البربر إلى جيوشه فى فتوح المغرب، وفتح الأندلس بقيادة قائد منهم هو طارق بن زياد على نحو ما هو معروف. وعنى عمر بن عبد العزيز بإرسال بعثة-كما مر بنا-لنشر الإسلام هناك بأخرة من القرن الأول الهجرى. وينحرف حكام بنى أمية-منذ أوائل القرن الثانى-عن جادة الإسلام الرشيدة فى حكم الشعوب التى اعتنقته، ويثور البربر فى الجزائر وغير الجزائر، وتقدم إليهم جيوش مختلفة وتظل منها بقايا كثيرة فى ديارهم. ويحدث ذلك نفسه فى أوائل عهد العباسيين، حتى إذا ولى يزيد بن حاتم المهلبى (154 - 170 هـ) هدأت المغرب فى الجزائر وغير الجزائر وعمّ الأمن والرخاء فى البلاد، ويؤسس إبراهيم بن الأغلب الدولة الأغلبية منذ سنة 184

(1) راجع النصوص عن ابن خلدون فى الجزء السادس من تاريخه.

ص: 110

ويقول ابن خلدون: «فى أيامه انخضدت شوكة البربر واستكانوا للغلب وأطاعوا الدين، فضرب الإسلام بجرانه» أى ثبت واستقر نهائيا فى الديار المغربية.

ونمضى إلى القرن الخامس الهجرى، ويحدث حدث كبير أتمّ تعرب البربر فى الجزائر وغير الجزائر، فإن المعز بن باديس الصنهاجى حاكم برقة وإفريقية التونسية وشرقى الجزائر للدولة العبيدية الفاطمية فى القاهرة نقض طاعته لتلك الدولة، وحوّل الدعوة فى ولايته إلى الخلافة العباسية وأرسل إلى الخليفة العباسى القائم أبى جعفر بن القادر ببيعته له ودعا له على منابر القيروان وغير القيروان سنة 438 وأرسل إليه القائم بالتقليد وبالخلع، وعرف ذلك الخليفة العبيدى الفاطمى المستنصر وصمم على الانتقام منه. وكان القرامطة قد اشتبكوا فى حرب سنة 359 مع الخليفة الفاطمى العزيز نزار فى فلسطين ومدخل مصر، وكانت تؤازرهم قبيلتا سليم وهلال اللتان كانتا تزعجان قوافل الحجاج حول المدينة، فلما انتصر عليهم العزيز أنزل هاتين القبيلتين فى الصحراء الشرقية بالصعيد بين النيل والبحر الأحمر، وكانتا تحدثان غير قليل من الإضرار بسكانه، فأشار على الخليفة الفاطمى العزيز وزيره اليازورى أن يصطنع مشايخ هاتين القبيلتين وأن يغريهم بالهجرة إلى المغرب مع من يوالونهم من البدو وقال له إن ظفروا بالمعز بن باديس الصنهاجى صاروا أولياء للدولة وعمالا لها بتلك الأنحاء النائية، وإلا دبرنا له ما يقضى عليه، وأعجبت المستنصر الفاطمى تلك الفكرة، فاستقدم شيوخ القبيلتين وعرضها عليهم سنة 441 للهجرة فقبلوها، وفرض لكل بدوى مهاجر بعيرا ودينارا. وعبرت سيولهم النيل سنة 442 واندفعت إلى برقة وما وراءها من البلاد المغربية كالجراد المنتشر لا يمرون بشئ إلا أتوا عليه كما يقول ابن خلدون، واستولت سليم على برقة جميعها وبعض البلدان الشرقية لإفريقية التونسية، واتجه بنو هلال إلى إفريقية ووصلوا القيروان سنة 443 للهجرة ونازلوا المعز بن باديس، وتمت لهم الغلبة واحتلوا القيروان وغيرها من البلدان التونسية وخرّبوا المبانى وطمسوا معالم الحسن والرونق فيها، وأهلكوا كثيرا من الزروع فى الريف، حتى أصبحت يبابا؟ ؟ ؟ ومفاوز كما يقول ابن خلدون. ولما تمّ استيلاؤهم على البلاد التونسية اكتسحت سيولهم الجزائر واقتسمتها القبائل الهلالية وبعض عشائر من سليم، وظلت تتقاتل مع القبائل البربرية هناك فى السهول وخاصة زناتة وصنهاجة وعشائرهما حتى عجزوا عن مدافعتهم، ونازلوا الناصر بن علنّاس الحمادى صاحب القلعة وخربوا جنباتها وجنبات طبنة والمسيلة (المحمدية) وغيرهما. ويقول ابن خلدون إنهم أزعجوا ساكنى هذه البلدان وكل ما يتصل بها من المنازل والقرى والضياع حتى أصبحت قاعا صفصفا، ولم يزل ذلك دأبهم حتى هجر الناصر بن علنّاس سكنى القلعة واختط بالساحل مدينة بجاية ونقل إليها ذخيرته وأعدّها لسكنه، ونزلها بعده ابنه المنصور فرارا من ضيم هؤلاء الأعراب، واتخذ كثيرون من البربر الجبال والمرتفعات الوعرة حصونا منيعة لهم. أما هم فاقتسموا السهول لخصبة التى احتلوها واستقروا فيها شمالى

ص: 111

البلاد وأواسطها، وبمرور الزمن اختلطوا بالبربر وصاهروهم. وتنبه عبد المؤمن مؤسس دولة الموحدين لهم فنازلهم فى الأربعينيات من القرن السادس حتى إذا تغلب عليهم أخذ يصانعهم هو وابنه يوسف وحفيده المنصور وجندوا منهم كثيرين أشركوهم فى حرب نصارى الأندلس وأبلوا فيها بلاء عظيما، وأنزلوا عشائر كثيرة منهم فى الشمال الغربى لمراكش، واستوطن كثيرون منهم إقليم وهران وكان لهم فيما بعد أثر عظيم فى مجاهدة الإسبان مع بنى زيان.

وهذه الهجرة الأعرابية الضخمة التى يقول المؤرخون إن عددها كان يزيد عن نصف مليون أعرابى والتى انتشرت فى الجزائر وغيرها من الأقاليم المغربية كان لها فضل عظيم فى إتمام تعرب المغرب واصطباغه بصبغة عربية كاملة، ويصور ذلك ابن خلدون فى حديثه عن بعض القبائل البربرية مثل بنى يفرن إذ يقول إنهم «نسوا رطانة الأعاجم وتكلموا بلغات العرب وتحلوا بشعائرهم فى جميع أحوالهم» ويقول عن قبيلة هوارة إنهم صاروا فى عداد الناجعة (طلاب المراعى) من عرب بنى سليم فى اللغة والزّىّ وسكنى الخيام وركوب الخيل والإبل وممارسة الحروب وإيلاف الرحلتين فى الشتاء والصيف فى تلالهم قد نسوا رطانة البربر واستبدلوا منها فصاحة العرب فلا يكاد يفرّق بينهم». وهو قول يعم جميع البربر فى سهول الجزائر ومدنها إلا من اعتصم بالجبال والأنجاد الوعرة، أما عامة البربر فقد أصبحوا عربا فى اللغة والدين والزى والعادات وأساليب الحياة والخصال الكريمة من المروءة والفروسية، أو بعبارة أخرى أصبح المغرب جميعه فى الجزائر وغير الجزائر شعبا عربيا عظيما وتغلغل الشعور بعروبته فى أعماقه، مما جعل قبائل البربر فى جميع الأنحاء المغربية شرقا وغربا تصطنع لها أنسابا إلى القبائل اليمنية والمضرية وتتكلم العربية إلا فى أنحاء من الجبال لتوعر مسالكها وفى بعض جهات نائية اعتنقوا الإسلام وظلوا يتكلمون لغتهم البربرية مع غيرتهم وحميتهم للدين الحنيف.

ولا نبالغ إذا قلنا إن الجزائر-منذ هذه الهجرة الأعرابية الكبرى-أخذت تصطنع العربية لغة هؤلاء الأعراب فى لسانها، وعمت بين جماهيرها فى الزاب وقسنطينة وبونة (عنابة) والمدن الساحلية التى سكنها هؤلاء الأعراب. والمظنون أنها ظلت فصيحة سليمة طوال قرنين على الأقل، ثم أخذت تتحول حتى فى ألسنة الأعراب أنفسهم إلى لغة عامية تفتقد الإعراب وكانت كثرتهم فى الجزائر من القبائل الهلالية، ونزلت منها الأثبج فى الشمال ومنها دريد، وقد نزلوا بين بونة (عنابة) وقسنطينة، وانتشرت بطونهم غربى قسنطينة ونواحى جبال أوراس، ونزلت زغبة فى القفار من نواحى تلمسان، ونزل بنو رياح الهلاليون فى قسنطينة بينما نزل بنو عامر فى وهران وأنحائها. ويسهب ابن خلدون فى الجزء السادس من تاريخه فى توزيع القبائل الهلالية فى الجزائر من بونة إلى تلمسان، وفى أثناء ذلك يقول: ولهؤلاء الهلاليين فى الحكاية عن دخولهم إلى إفريقية طرق فى الخبر يزعمون أن الشريف ابن هاشم

ص: 112

كان صاحب الحجاز ويسمونه شكر بن أبى الفتوح أصهر إلى أحد رجالات وشيوخ بنى هلال الحسن بن سرحان فى أخته الجازية، وولدت منه ولدا سمته محمدا. ثم حدث بينهم وبين الشريف مغاضبة، فأجمعوا على الرحلة من نجد إلى إفريقية، واحتالوا عليه فى استرجاع الجازية، وطالبته بزيارة أبويها، فأزارها إياهم، ولم يلبثوا أن ارتحلوا به وبها وكتموا عنه مقصودهم من رحلتهم مموّهين عليه بأنهم يباكرون به للصيد والقنص ثم يعودون إلى منازلهم، ورآهم يبعدون فى ارتحالهم، ولما تبين له أنهم مكروا به فارقهم إلى دار ملكه فى مكة وبين جوانحه من حب الجازية داء دفين، وكلفت بحبه على الرغم من اقترانها ببعض أبناء عمومتها فى مسيرتها معهم إلى إفريقية، إذ ظلت تذكره إلى أن ماتت. يقول ابن خلدون إنهم يتناقلون من أخبارها فى ذلك ما يعفّى على أخبار قيس (صاحب ليلى) ويروون كثيرا من أشعار الحكاية محكمة المبانى متقنة الأطراف، وفيها المطبوع والمنتحل والمصنوع، لم يفقد فيها من البلاغة شئ، وإنما أخلّوا فيها بالإعراب فقط. . والخاصة من أهل العلم بالمدن يزهدون فى روايتها ويستنكفون عنها لما فيها من خلل الإعراب. . وفى هذه الأشعار كثير دخلته الصنعة وفقدت فيه صحة الرواية، ولذلك لا يوثق به، ولو صحت روايته لكانت فيه شواهد بأيامهم ووقائعهم وحروبهم مع زناتة (فى المغرب) وضبط لأسماء رجالاتهم وكثير من أحوالهم، لكنا لا نثق بروايتها. وربما يشعر البصير بالبلاغة بالمصنوع منها ويتهمه، وهذا قصارى الأمر فيه، وهم متفقون على الخبر عن حال هذه الجازية والشريف خلفا عن سلف وجيلا عن جيل». والحكاية التى يتحدث عنها ابن خلدون هى حكاية الهلالية المعروفة فى الملحمة المشهورة باسم «سيرة بنى هلال» وتعرف أيضا باسم قصة أبى زيد الهلالى، وكانت إلى عهد قريب ينشدها شخص يسميه المصريون باسم الشاعر على ربابة فى مقاهى مصر وبلدانها المختلفة. والتاريخ الحقيقى للرحلة الهلالية إلى إفريقية وسببها ذكرناه فيما أسلفنا، غير أن ما وضع للحكاية أو الملحمة من قصة زواج الجازية الهلالية بشكر بن أبى الفتوح أمير مكة الحسنى (430 - 453 هـ) يبدو أنه صحيح وقد أنجب منها ابنه محمدا الذى خلفه فى الحكم، ويبدو أيضا أنها زارت أبويها وعشيرتها حين كانوا ينوون الرحلة مع القرامطة لحرب الفاطميين، وارتحلت معهم. والحكاية أو القصة تجعلها بطلتها، وتروى على لسانها أشعارا بديعة، من ذلك قولها لولدها أو غلامها الصغير ناصحة مرشدة:

ولا خير فى الطفل الصغير إذا نشا

وكانه رقّادا كثير همائده

وإما يمت يرتاح من عيشة الرّدى

وإلا يعد كالصّقر مالى مخالبه

وهى تقول لطفلها لا خير ولا نفع فيمن ينشأ نواما كسولا، يرضى بالجلوس ولا يخرج فى طلب الرزق، وحرى بالشخص أن يمضى شرقا وغربا طالبا معاشه مقطعا فى ذلك أوعية زاده غير مبق منه شيئا. وإما أن يموت فيرتاح من المعيشة التعسة الضنك، وإما أن يعود كالصقر

ص: 113

الجارح بصيده وقد ملأ مخالبه. وينشد ابن خلدون لبعض بنى دريد الهلاليين من عشيرة الجازية مفاخرا بساداتها مع حنينه إلى القيروان حين نزلوا بها فى أول قدومهم إلى الإقليم رامزا لها بصبرة التى بناها فى جنوبيها المنصور العبيدى:

دريد سراة البدو للجود منقع

كما كلّ أرض منقع الما خيارها

وهم غرّبوا الأعراب حتى تعرّفت

بطرق المعالى ما يوفّى قصارها

وطرّوا طريق البارمين ثنيّه

وقد كان ما تقوى المطايا حجارها

والشاعر يقول دريد الراحلة أشراف البدو ومنقع الجود ينهل منه كل ظامئ، وهم أصحاب الفضل فى قيادة الهلاليين إلى ديار المغرب حتى تعرفوا طرق المعالى المفرطة الطول الشاقة وقد طروا أى مهّدوا طريق البارمين إلى الجزائر وأنحاء بونة وما بها من ثنيات وممرات فى الجبال وكانت المطايا والإبل لا تستطيع السير فيه لكثرة ما به من الحجارة والصخور، فأصبح ممهدا ذلولا. والأبيات فصيحة وتجرى على سنن العربية فى الإعراب، ولا ندرى هل أشعار القصص فى الهلالية بدأت معربة ثم فقدت الإعراب مع الزمن أو أنها وضعت غير معربة، ومن المؤكد أنها لم توضع عقب الرحلة والاستقرار فى المغرب مباشرة، بل وضعت بعد ذلك حين أخذت تسود العامية فى الأفواه بالقرن السادس وما بعده، وبها كثير من الأشعار البليغة بما تحوى من العبارات الرصينة والمشاعر الرقيقة والصور البديعة. ومن هذا الميراث عن الأعراب ما دخل على اللغة البربرية من ألفاظ عربية سليمة اقترضوها من الفصحى وتبلغ فى بعض الأنحاء نحو ثلث اللغة البربرية المتداولة.

ويعقد ابن خلدون فى مقدمته فصلا فى أشعار العرب المستعجمة أو المستحدثة بالعامية لعهده فى القرن الثامن الهجرى فيقول: «فأما العرب أهل هذا الجيل المستعجمون عن لغة سلفهم من مضر فيقرضون الشعر لهذا العهد فى سائر الأعاريض على ما كان عليه سلفهم المستعربون ويأتون منه بالمطولات مشتملة على مذاهب الشعر وأغراضه من النسيب والمدح والرثاء والهجاء، ويستطردون فى الخروج من فن إلى فن فى الكلام، وربما هجموا على المقصود لأول كلامهم، وأكثر ابتدائهم فى قصائدهم باسم الشاعر؛ ثم بعد ذلك ينسبون، وأهل أمصار المغرب من العرب يسمون هذه القصائد باسم الأصمعيات نسبة إلى الأصمعى راوية العرب لأشعارهم. ولهم فن آخر فى كلامهم كثير التداول فى نظمهم يجيئون به معصّبا على أربعة أجزاء يخالف آخرها الثلاثة قبله فى رويه ويلتزمون القافية الرابعة فى كل بيت (دور) إلى آخر القصيدة شبيها بالمربعات والمخمسات التى أحدثها المتأخرون من المولدين. ولهؤلاء العرب (البدو) فى هذا الشعر بلاغة فائقة، وفيهم الفحول والمتأخرون

ص: 114

(المتخلّفون). والكثيرون من المنتحلين للعلوم لهذا العهد-وخصوصا علم اللسان- يستنكرون هذه الفنون التى لهم إذا سمعوها، ويمجّون نظمهم إذا أنشد، ونعتقد أن ذوقهم إنما نبا عنها واستهجنها لفقدان الإعراب منها. . وأساليب الشعر وفنونه موجودة فى أشعارهم هذه ما عدا حركات الإعراب فى أواخر الكلم، فإن غالب كلماتهم موقوفة الآخر (ساكنة) ويتميز عندهم الفاعل من المفعول والمبتدأ من الخبر بقرائن الكلام لا بحركات الإعراب». وينشد ابن خلدون طائفة من أشعار الملحمة الهلالية على لسان الشريف ابن هاشم يبكى الجازية أخت الحسن بن سرحان، ويذكر ارتحالها مع قومها إلى المغرب وعتابا منه لزوجها ماضى بن مقرب ورثاء بعض شعرائهم للزناتى خليفة، ويسوق أشعارا أخرى لشعرائهم. ومن الصعب التمثل بأبيات منها لأنها غير مضبوطة بالشكل، ولأن كثيرا من الكلم فيها أصابه غير قليل من التحريف، بحيث يصعب فهمها ونطقها نطقا سليما. وكلما تقدمنا فى الزمن بعد عصر ابن خلدون فى القرن التاسع الهجرى يتكاثر هذا الشعر العامى أو الشعبى. ويزداد طغيانه على الشعر الفصيح فى العهد العثمانى، وكان ينظم فى المولد النبوى وفى الجهاد الحربى للأجانب وفى الأزمات الاقتصادية والأحوال المعيشية. ولسعيد المنداسى مدحة نبوية عامية سماها «العقيقة» عنى بها غير شارح، وممن شرحها ابن سحنون. واشتهر بتلمسان فى القرن الثانى عشر الهجرى ثلاثة شعراء شعبيون هم: محمد بن مسائب وابن التريكى والزناقى، ولهم أشعار دينية مختلفة، سوى ما لكل منهم-كما فى كتاب تاريخ الجزائر الثقافى-من رحلة حجازية منظومة.

ومن الحق أن الشعر العامى الشعبى فى الجزائر سواء نظم على لسان البدو من الأعراب أو على لسان أهل الحضر والمدن لم ترجح يوما كفّته على كفّة الشعر الفصيح، والجزائر فى ذلك مثل بقية البلاد المغربية والعربية عامة إنما كانت تعنى الطبقات المثقفة فيها عناية أكبر وأوسع بالشعر الفصيح. ومن الحق أيضا أن الهجرة الأعرابية الكبرى إلى الجزائر استطاعت-منذ القرن الخامس الهجرى-أن تفرض لغتها العربية على سكان البوادى وسفوح الجبال والسهول والحواضر بفضل امتزاج هؤلاء الأعراب بالبربر فى المعاش وعن طريق المصاهرة ودفعهم إلى التخاطب بالعربية مما جعل اللغة البربرية تتقهقر وتتراجع أمامها إلى الجبال والمعاقل النائية المنيعة، ومع ذلك لحقتها العربية هناك واستولت على ألسنة كثيرين من أهلها، بل لقد استولت على اللغة البربرية هناك فأشاعت فيها كثيرا من ألفاظها، مما جعل سكان الجزائر-منذ أواسط القرن الخامس الهجرى أو بعد ذلك بقليل-يعدون شعبا عربيا تاما فى دينه الحنيف ولغته وثقافته وآدابه وأشعاره، مع ما اقتبسوه من معيشة هؤلاء الأعراب ومن تقاليدهم وعاداتهم فى حياتهم الاجتماعية، وكل ذلك استقر وثبت ثبوت الراسيات.

ص: 115