المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌1 -شعراء الغزل العفيف - تاريخ الأدب العربي لشوقي ضيف - جـ ١٠

[شوقي ضيف]

فهرس الكتاب

- ‌مقدّمة

- ‌1 - [الجزائر]

- ‌2 - [المغرب الأقصى]

- ‌3 - [موريتانيا]

- ‌4 - [السودان]

- ‌القسم الأولالجزائر

- ‌الفصل الأوّلالجغرافية والتاريخ

- ‌1 -الجغرافية

- ‌3 -الفتح والولاة-الأغالبة-الإباضية-تلمسان

- ‌(ب) الأغالبة

- ‌(ج) الإباضيون

- ‌(د) تلمسان

- ‌4 -الدولة العبيدية-الدولة الصنهاجية-بنو حماد

- ‌(أ) الدولة العبيدية

- ‌(ج) بنو حماد

- ‌5 -دولة الموحدين-الدولة الحفصية-بنو عبد الواد

- ‌الفصل الثّانىالمجتمع الجزائرى

- ‌2 -المعيشة

- ‌(أ) الثراء

- ‌(ب) الرّفة

- ‌(ج) الموسيقى

- ‌4 -الدين-المالكية والحنفية-الإباضية-المعتزلة

- ‌(أ) الدين

- ‌(د) المعتزلة

- ‌الفصل الثالثالثقافة

- ‌1 -الحركة العلمية

- ‌(أ) فاتحون ناشرون للإسلام ومعلمون

- ‌(ب) دور العلم:‌‌ الكتاتيب-‌‌المساجد-المدارس-الزوايا-المكتبات

- ‌ الكتاتيب

- ‌المساجد

- ‌المدارس

- ‌الزوايا

- ‌المكتبات

- ‌(ج) نمو الحركة العلمية

- ‌5 -التاريخ

- ‌الفصل الرّابعنشاط الشعر والشعراء

- ‌2 -كثرة الشعراء

- ‌3 -شعراء المديح

- ‌ عبد الكريم النهشلى

- ‌ ابن خميس

- ‌ الشهاب بن الخلوف

- ‌ محمد القوجيلى

- ‌4 -شعراء الفخر والهجاء

- ‌(أ) شعراء الفخر

- ‌(ب) شعراء الهجاء

- ‌ بكر بن حماد التاهرتى

- ‌ سعيد المنداسى

- ‌5 -الشعراء والشعر التعليمى

- ‌ عبد الرحمن الأخضرى

- ‌الفصل الخامسطوائف من الشعراء

- ‌1 -شعراء الغزل

- ‌ ابن على

- ‌2 -شعراء وصف الطبيعة

- ‌ عبد الله بن محمد الجراوى

- ‌3 -شعراء الرثاء

- ‌4 -شعراء الزهد والتصوف

- ‌(أ) شعراء الزهد

- ‌(ب) شعراء التصوف

- ‌ إبراهيم التازى

- ‌5 -شعراء المدائح النبوية

- ‌الفصل السّادسالنثر وكتّابه

- ‌1 -الخطب والوصايا

- ‌2 -الرسائل الديوانية

- ‌3 -الرسائل الشخصية

- ‌4 -المقامات

- ‌5 -كبار الكتاب

- ‌[(ب)] الوهرانى

- ‌القسم الثانىالمغرب الأقصى

- ‌الفصل الأوّلالجغرافية والتاريخ

- ‌1 -الجغرافية

- ‌3 -الفتح والولاة-ثورة الصفرية-بنو مدرار-الأدارسة-بعد الأدارسة والمدراريين

- ‌(ب) ثورة الصفرية

- ‌(د) الأدارسة

- ‌4 -المرابطون-الموحدون-بنومرين

- ‌(أ) المرابطون

- ‌(ب) الموحدون

- ‌5 -السعديون-الطرق الصوفية-العلويون

- ‌(أ) السعديون

- ‌(ج) العلويون

- ‌الفصل الثّانىالمجتمع المغربى

- ‌1 -عناصر السكان

- ‌2 -المعيشة

- ‌3 -الثراء-الرّفة-الموسيقى-المرأة

- ‌(أ) الثراء

- ‌(ب) الرّفة

- ‌(ج) الموسيقى

- ‌(د) المرأة

- ‌4 -المالكية-الصفرية-المعتزلة-الظاهرية

- ‌(أ) المالكية

- ‌(ب) الصفرية

- ‌(ج) المعتزلة

- ‌(د) الظاهرية

- ‌5 -الزهاد-المتصوفة

- ‌(أ) الزهاد

- ‌(ب) المتصوفة

- ‌الفصل الثالثالثقافة

- ‌1 -الحركة العلمية

- ‌(أ) فاتحون ناشرون للإسلام ومعلمون

- ‌ الكتاتيب

- ‌(ب) دور العلم: الكتاتيب-المساجد-المدارس-الزوايا-المكتبات

- ‌المساجد

- ‌المدارس

- ‌الزوايا

- ‌المكتبات

- ‌(ج) نمو الحركة العلمية

- ‌2 -علوم الأوائل

- ‌3 -علوم اللغة والنحو والعروض والبلاغة

- ‌5 -التاريخ

- ‌الفصل الرّابعنشاط الشعر والشعراء

- ‌1 -تعرب المغرب الأقصى-كثرة الشعراء

- ‌(أ) تعرب المغرب الأقصى

- ‌(ب) كثرة الشعراء

- ‌2 -شعراء الموشحات والأزجال

- ‌(أ) شعراء الموشحات

- ‌ ابن غرلة

- ‌ ابن الصباغ

- ‌ ابن زاكور

- ‌(ب) شعراء الأزجال

- ‌ابن عمير

- ‌3 -شعراء المديح

- ‌ ابن زنباع

- ‌ ابن حبوس

- ‌الجراوى

- ‌ ابن عبد المنان

- ‌الهوزالى

- ‌الدغوغى

- ‌البوعنانى

- ‌4 -شعراء الفخر والهجاء

- ‌(أ) الفخر

- ‌ الشاذلى

- ‌(ب) الهجاء

- ‌5 -الشعراء والشعر التعليمى

- ‌ عبد العزيز الملزوزى

- ‌ابن الونان

- ‌الفصل الخامسطوائف من الشعراء

- ‌1 -شعراء الغزل

- ‌ أبو الربيع الموحدى

- ‌ عمر السلمى

- ‌2 -شعراء الوصف

- ‌3 -شعراء الرثاء

- ‌ ابن شعيب الجزنائى

- ‌4 -شعراء الزهد والتصوف

- ‌(أ) شعراء الزهد

- ‌(ب) شعراء التصوف

- ‌ ابن المحلى

- ‌5 -شعراء المدائح النبوية

- ‌ميمون بن خبازة

- ‌ مالك بن المرحل

- ‌الفصل السادسالنثر وكتّابه

- ‌1 -الخطب والمواعظ

- ‌2 -الرسائل الديوانية

- ‌3 -الرسائل الشخصية

- ‌4 -المقامات والرحلات

- ‌(أ) المقامات

- ‌(ب) الرحلات

- ‌ رحلة ابن رشيد

- ‌ رحلة العياشى

- ‌ رحلة ابن ناصر

- ‌5 -كبار الكتّاب

- ‌(أ) القاضى عياض

- ‌القسم الثالثموريتانيا

- ‌الفصل الأوّلالجغرافية والتاريخ

- ‌1 -الجغرافية

- ‌2 -التاريخ

- ‌الفصل الثّانىالمجتمع والثقافة

- ‌1 -المجتمع

- ‌(أ) صنهاجة وقبائل المعقل العربية

- ‌(ب) الزروع والمراعى

- ‌(ج) التجارة

- ‌(د) حياة يدوية

- ‌2 -الثقافة

- ‌(أ) نشاط دينى تعليمى كبير

- ‌(ب) التعليم والطلاب والشيوخ

- ‌(ج) أمهات الكتب والمتون والشروح المتداولة

- ‌(د) أعلام العلماء فى موريتانيا

- ‌(هـ) القراء والمفسرون والمحدثون والفقهاء

- ‌(و) أعلام النحاة والمتكلمين

- ‌الفصل الثالثنشاط الشعر والشعراء

- ‌1 -تعرّب موريتانيا

- ‌2 -شعراء المديح

- ‌ ابن رازكة

- ‌3 -شعراء الفخر والهجاء

- ‌(أ) شعراء الفخر

- ‌ المختار بن بون

- ‌(ب) شعراء الهجاء

- ‌4 -شعراء الرثاء

- ‌الفصل الرّابعطوائف من الشعراء

- ‌1 -شعراء الغزل

- ‌ الأحول الحسنى

- ‌ يقوى الفاضلى

- ‌2 -شعراء التصوف

- ‌ المختار الكنتى

- ‌الشيخ سيديّا

- ‌3 -شعراء المدائح النبوية

- ‌ محمد بن محمد العلوى

- ‌4 -الشعراء والشعر التعليمى

- ‌القسم الرابعالسودان

- ‌الفصل الأوّلالجغرافية والتاريخ

- ‌1 -الجغرافية

- ‌2 -التاريخ

- ‌3 -(ج) دولة الفونج

- ‌4 -محمد على والسودان-عهد إسماعيل

- ‌5 -حركة المهدى-خليفته عبد الله التعايشى

- ‌الفصل الثّانىالمجتمع السودانى-الثقافة

- ‌(أ) نزعة صوفية عامة

- ‌(ب) المرأة ومكانتها فى التصوف

- ‌(ج) التصوف والتربية الخلقية والدينية

- ‌(د) طرق صوفية جديدة

- ‌(هـ) دعوة المهدى ومبادئها الستة

- ‌2 -الثقافة

- ‌(أ) كتاتيب-زوايا-مساجد

- ‌(ب) حركة علمية نشيطة فى عهد الفونج

- ‌(ج) سودانيون أزهريون وعلماء مصريون

- ‌(د) التعليم المدنى الحديث وتوقفه

- ‌(هـ) إنشاء معهد دينى وعودة التعليم المدنى الحديث

- ‌الفصل الثالثنشاط الشعر والشعراء

- ‌2 -شعراء المديح

- ‌ الشيخ حسين زهراء

- ‌ الشيخ محمد عمر البناء

- ‌3 -شعراء الفخر والحماسة

- ‌ الشيخ يحيى السلاوى السودانى

- ‌ عثمان هاشم

- ‌4 -شعراء الرثاء

- ‌(أ) رثاء الأفراد

- ‌ الشيخ محمد سعيد العباسى

- ‌(ب) رثاء المدن

- ‌الفصل الرّابعطوائف من الشعراء

- ‌1 -شعراء الغزل العفيف

- ‌2 -شعراء النقد العنيف والشكوى من الزمن

- ‌الشيخ عبد الله البناء

- ‌ صالح عبد القادر

- ‌3 -شعراء التصوف

- ‌4 -شعراء المدائح النبوية

- ‌ الشيخ عمر الأزهرى

- ‌ الشيخ عبد الله عبد الرحمن

الفصل: ‌1 -شعراء الغزل العفيف

‌الفصل الرّابع

طوائف من الشعراء

‌1 -

شعراء الغزل العفيف

مر بنا فى الجزء الخاص بالعصر الإسلامى أن الغزل حينئذ كان نوعين: نوعا ماديا صريحا ونوعا عذريا عفيفا، وشاع النوع الأول فى المدن التى تحضرت على لسان عمر بن أبى ربيعة وأضرابه، بينما شاع النوع الثانى فى بوادى نجد والحجاز وعلى لسان فقهاء المدينة من أمثال عبد الرحمن بن أبى عمار الجشمى. ولم يعرف السودان النوع الأول الصريح الذى يصور جمال المرأة المادى وحب الشاعر الحضرى وأحاسيسه وصدوره فيه أحيانا عن الغريزة النوعية، إنما عرف الغزل العذرى النقى الطاهر على لسان بعض شيوخه وألسنة شبابه، لأن حياتهم كانت تقوم دائما على الخلق الكريم ومثالية الإسلام السامية. ونسوق بعض أمثلة توضح ذلك، مع ملاحظة أن كثيرا من هذا الغزل كان ينظم فى فواتح قصائد المديح وغيره أسوة بالشعراء القدماء، على نحو ما نجد عند الشيخ عمر الأزهرى المتوفى سنة 1915 للميلاد فى افتتاحه لنبوياته كقوله فى مطلع إحداها (1):

باد هواه وزائد خفقانه

صبّ تفرّق بالنّوى أخدانه (2)

قد خانه حسن التصبّر بعد ما

بانوا ووفّت بالبكا أجفانه

عجبا لربع باللّوى لعبت به

أيدى النّوى فتفرّقت سكّانه

يا ظاعنا يطوى الفلا رفقا فإنّ

الرّكب ضلّ من السّرى وخدانه (3)

وقف المطىّ ولو كلمحة ناظر

فعسى المعنّى تنطفى نيرانه

وارحم محبّا صدره ضاقت به

أسراره وتزايدت أشجانه

وهو يذكر أن علامات الهوى من الشحوب والضّنا واضحة عليه وخفقان قلبه مفرط، إنه محب، شتّت النوى والبعاد أصدقاءه، ولم يعد يستطيع صبرا بعد نأيهم وفراقهم وقد انهمرت الدموع من أجفانه، ويعجب لعبث أيدى الفراق بسكان ربع باللّوى: ربع الحبيبة، ويهتف بالراحل مع ركبه يطوى الفيافى أن يرفق به فإن الركب ضل فى الليل بسيره السريع،

(1) شعراء السودان ص 252.

(2)

أخدانه جمع خدن: الصديق.

(3)

الوخدان: ضرب من سير الابل السريع

ص: 677

ويقول له قف المطىّ ولو لمحة ليتملّى بجمال صاحبته، عسى نيران الحب المشتعلة فى فؤاده تنطفئ، ويسأله الرحمة بمحب ازدحمت فى صدره أسرار الهوى وشجونه. وللشيخ محمد عمر البناء فى صدر مدحة قوله متغزلا (1):

أبدا يؤرّقنى عبير شذاك

ويزيدنى قلقا دوام جفاك

ويردّنى من حالة العقلا إلى

حال الخبال تذلّلى وإباك

ويزيدنا طربا وحسن مسرّة

برق تألق من ضياء سناك

يا ربّة الحسن الذى فتن الورى

أكذا يكون جزاء من يهواك

عذّبتنى بالصّدّ والهجران ما

ذنبى سوى أنى أروم لقاك

والشيخ محمد عمر البناء يقول إنه دائما مؤرّق، يؤرقه طيب عطر صاحبته وانتشاره، ويزيده قلقا وحيرة دوام جفائها، ويكاد يختبل عقله من كثرة تذلله لها وشدة إبائها، وإنه ليسره ويطربه شعاع برق يتألق من ضياء نورها، ويضرع لها قائلا: يا ربّة الحسن الذى فتنت به الناس أهكذا تجزين من يحبك، لقد عذّبتنى بالصد والهجران ولا ذنب لى سوى أنى أريد لقاءك لأروى الظمأ الحار إلى هذا اللقاء. ويلقانا معاصره الشيخ أبو القاسم أحمد هاشم وسنفرد له ترجمة، ويقول الشيخ مجذوب جلال الدين المدرس بالقسم الثانوى بكلية غردون متغزلا (2):

ملك النّهى والملك بعض صفاته

ريم أغنّ يتيه بين لداته (3)

رشأ شدا فزعا لأنى رعته

إذ جئته وفزعت من لفتاته (4)

نشوان من خمر الدّلال حسبته

هاروت كلّ السحر فى لحظاته

وسنان كامل يقظة لكنه

كسر الجفون لكسر قلب دعاته

كسلان أنشط من رأيت إذا أح

سّ بهائم متعشّق لصفاته

ضمّت جوانحه اللطيفة صخرة

هى قلبه هيهات لين صفاته (5)

يا نرجسا يسقى لروض خدوده

كفكف لنجنى الورد من ثمراته

والشيخ مجذوب يقول عن صاحبته إنها ظبى فى صوته غنّة يتيه دلالا وجمالا بين لداته، إنها ظبى لا يزال صغيرا، ترنّم بصوته فزعا لأنه خاف حين رآنى، وذعرت من كثرة لفتاته، وحسبته منتشيا من خمر الدلال كأنه هاروت وكل السحر فى لحظاته. ويرى كأنه وسنان لفتور عينية وهو كامل اليقظة، وكأنما كسر جفونه-كما يقول-لكسر قلوب محبيه، ويظن أن به كسلا وهو أنشط ما يكون إذار أى صبّا عاشقا له، وقد ضم بين جوانحه قلبا كأنه

(1) شعراء السودان ص 281.

(2)

شعراء السودان ص 265.

(3)

ريم: ظبى. أغن: بصوته غنة. لداته: أترابه.

(4)

رشأ: ظبى صغير. شدا: ترنم.

(5)

الصفاة: حجر أملس عريض.

ص: 678

صخرة أو صفاة أو حجر لا يلين أبدا. ويذرى الدّمع كأنما يريد أن يسقى روض خدوده، ويقول له قف الدمع لنجنى الورد من روض الخدود البديع. ويقول صالح (1) عبد القادر:

وغزال همت فيه

أسهر العين وناما

ما كفاه الهجر حتى

حرم العين المناما

هو عمدا نكث العه

د ولم يرع الذّماما

لا تلوموا ذا شجون

سنّ للناس الغراما

كلما ناح اشتياقا

علّم النّوح الحماما

وصالح عبد القادر هام بغزال أسهره، وكأنما لم يكفه الهجران، فحرم عينيه النوم، وقد نقض العهد ولم يرع الذمام والميثاق، ويقول لقومه لا تلوموا محبا شرع للناس سنن الحب وكلما ناح اشتياقا وولعا وهياما خيّل إلى سامعه كأنما هو الذى علم الحمام النوح والعويل. ويقول عثمان هاشم متغزلا (2):

يا ظبى هل لأسير لحظك فادى

أم لافكاك له من الأصفاد (3)

جرّدت من لحظيك عضبا فاتكا

وهززته ففتكت بالآساد (4)

نلت المنى فى الحسن أنت ولم أنل

من طيب وصلك بغيتى ومرادى

لولا الحياء لقادنى لك فى الدّجى

شوق أذاب حشاشتى وفؤادى (5)

وهو يسأل صاحبته هل يوجد من يفدى أسيرا لعينيك الجميلتين أم لا خلاص له من أغلال هذا الأسر وقيوده، ويقول: لقد سللت من عينيك سيفا قاطعا، وفتكت بالأسد الشجاع، ولقد نلت فى الحسن كل ما تمنيت، ولم أنل شيبا من طيب وصلك، ولولا حيائى لقادنى إليك فى الليل شوق أذاب منى الحشاشة والفؤاد. ويقول الشيخ محمد سعيد العباسى (6):

بالله يا حلو اللّما

مالك تجفو مغرما (7)

صددت عنى ظالما

أفديك يا من ظلما

هلا ذكرت يا رشا

عيشا تقضّى بالحمى

رفقا بصبّ راح يه

وى طيفك المسلّما

إن شام من نحوكم

برقا أقام مأتما (8)

ويكتم الوجد وكم

يغلبه أن يكتما

(1) شعراء السودان ص 149.

(2)

شعراء السودان ص 221.

(3)

الأصفاد: الأغلال.

(4)

جردت: سللت. عضبا: سيفا حادا. فاتكا: قاطعا.

(5)

حشاشتى: بقية روحى.

(6)

نفثات البراع ص 136 وشعراء السودان ص 295 وكتاب محمد سعيد العباسى ص 197 وراجع ديوانه.

(7)

اللما: سمرة فى الشفة.

(8)

شام: رأى.

ص: 679

والغزل عذب رقيق رقة مفرطة، وهو يستهله باستحلافه لحلو اللما أو سمرة الشفة ماله يجفو صبّا مغرما به. ومع أنه يصد عنه ظالما يفديه بروحه، ويذكّره بعيش وأيام مرت بالحمى، ويقول له: ارفق بصبّ، لم يعد له إلا طيفك فى الحلم يهواه، وإن رأى برقا لمع من أفقكم ندب وبكى طويلا، ويكتم الوجد والهيام وكم يغلبه كتمانه. ويمضى فى القصيدة منشدا:

لله محبوب رأى

حبّة قلبى فرمى

أعيذه من جائر

حكّمته فاحتكما (1)

لقيته فى أربع

بيض كأمثال الدّما

شابهن أزهار الرّبي

ع وحكين الأنجما

وقفت فاستسقيته

وشدّ ما بى من ظما

جاء بماء قلت هل

حاجة مثلى منك ما (2)

وهو يشكو محبوبه لربه فقد أبصر سويداء قلبه وفؤاده فرماه، ويعيذه أن يكون ظالما فقد حكّمه فتصرف حسب هواه ومشيئته. ويقول إنه لقيها فى أربع جميلات من حولها كأمثال الدّمى البديعة، شايهن أزهار الربيع العاطرة والأنجم الساطعة، وطلب منها جرعة ماء تشفى ظمأه، وجاءته بالماء، فقال لها مداعبا: وهل حاجة الصبّ المغرم مثلى منك إلى ماء؟ ! . وهو يسترسل فى القصيدة من هذا الحب للفتاة إلى حبه لمصر التى قضى فيها فترة من شبابه، فملكت عليه ذات نفسه، وظل يمجّدها ويتغنى بها غناء حارا طوال حياته فى أشعاره وقصائده الرائعة. ونتوقف قليلا لنترجم للشيخ الجليل أبى القاسم أحمد هاشم، ونعرض بعض غزلياته العفيفة الطاهرة.

الشيخ أبو القاسم (3) أحمد هاشم وغزله العذرى العفيف

ولد فى «برى» إحدى ضواحى الخرطوم سنة 1287 هـ/1861 م وهو من بيت شيوخ دين وقضاة ينتمون إلى العباس بن عبد المطلب، وألحقه أبوه الشيخ أحمد هاشم بقرّاء حفّظوه القرآن الكريم، وحفظه وهو فى العاشرة من عمره، وانتقل أبوه إلى بربر قاضيا لمديريّتها، وألحقه بمدرستها، حتى إذا اشتد عوده قليلا أخذ يدرس العلوم الدينية واللغوية على أستاذه الشيخ محمد الخير عبد الله، ثم على أستاذه الحسنى السيد حسين المجدى الأزهرى، وعليه درس النحو وكتاب جمع الجوامع فى الأصول. حتى إذا نضج علميا عيّن مدرسا بجامع بربر واستولى عليها المهدى فقرّ به منه واتخذه كاتبا له، وبالمثل اتخذه خليفته عبد الله التعايشى،

(1) احتكم هنا: تصرّف كما يشاء.

(2)

ما: ماء.

(3)

انظر فى ترجمة أبى القاسم وشعره شعراء السودان ص 31 وما بعدها والشعر الحديث فى السودان للدكتور الشوش ص 17.

ص: 680

حتى إذا سقطت الدعوة المهدية وقام الحكم الثنائى المصرى الإنجليزى بالسودان عيّن قاضيا لمدينة سنار سنة 1899 للميلاد. وفى سنة 1906 نقل إلى مديرية النيل الأزرق قاضيا، ولمكانته العلمية وسيرته الحميدة عين سنة 1912 شيخا لعلماء السودان، وأقنع الحكومة ببناء مسجد جديد فى أم درمان وبناء معهد دينى يلحق به، وكان المعهد قد أنشئ منذ سنة 1901 فى جامع أم درمان لتدريس العلوم الدينية، فجعل له مبنى مستقلا، وجعل نظام التدريس فيه مثل نظام الأزهر، فالطلاب يختلفون فيه إلى ثلاث مراحل، كل مرحلة أربع سنوات، وفى السنة الأخيرة ينالون شهادة العالمية، وكان ذلك عملا جليلا للشيخ أبى القاسم، إذ بدأ به نهضة علمية دينية فى السودان، وظل يتعهده نحو عشرين عاما إلى وفاته. وكان شاعرا بارعا، وله غزليات عذرية عفيفة تارة يفردها وتارة يجعلها مقدمة لمدائحه النبوية، ومن مقدماته لإحدى تلك المدائح قوله:

ليلى بدت لما أضاء الكوكب

فمحت ضياه وزال عنا الغيهب (1)

واستقبلت قمر الزمان فناله

من حسنها الكلف الذى لا يذهب (2)

وتفرّدت فى حسنها ودلالها

وحوت من الأوصاف ما يستغرب

فتزاحمت عشاق حسن جمالها

كلّ لحسن وصالها يتطلّب

والعشق صعب لا يطيق صروفه

إلا الذى لعذابه يستعذب

والشيخ أبو القاسم يقول لما بدا ضياء وجه ليلى محا ضياء الكوكب لأنه أشد منه سطوعا، واستقبلت القمر فناله من حسنها-خفرا وحياء-غضون لا تفارق وجهه أبدا. ويقول إنها انفردت بحسنها ودلالها وحوت من أوصاف الجمال ما يخال مستغربا، فتزاحمت عشاقها وكلّ يتمنى الوصال، والعشق-بحق-صعب، ولا يطيق أحواله وآلامه إلا من يجد عذابه مستعذبا حلوا. ويقول متغزلا:

فتور بجفنى من أحبّ سبانى

وتوريد خدّيه استطار جنانى (4)

ورقّة خصر واحتشام شمائل

حكمن بأسرى واستننّ هوانى

وإن الهوى العذرىّ أيسر حاله

توقّد نيران بغير دخان

وإنّى مذ علّقت ليلى بخاطرى

جفيت منامى وافتقدت الأمانى

سلاها فهل قلبى سلاها وهل جرى

حديث سواها فى فمى ولسانى

وهو يذكر أن الفتور بجفنى محبوبته أسره، وتوريد خديها أذهله وأطار عقله، وبالمثل رقة الخصر وحسن الخلال، كل ذلك حكم عليه بالأسر واستنّ هوانه. وما أشد الهوى العذرى

(1) الغيهب: الظلام.

(2)

كلف القمر: ما يرى على سطحه من بعض التغيرات.

(4)

استطار: أطار، أذهل. الجنان: العقل.

ص: 681

إن أيسر أحواله توقد نيرانه فى الصدر والفؤاد، وإنه مذ أحبّ ليلى جفاه النوم وفقد كل أمانيه إلا أمنية وصالها، واسألاها هل سلاها قلبى وهل نطق فمى ولسانى بحديث سواها، إنها كل شغلى فى الحياة. ويقول:

بسمت عن درّ ثغر مستيين

منع البدر ضياه أن يبين

وبدت للورد فى خدّ نضي

ر فراح الورد مصفرّ الجبين

وأمالت قدّها فالبان فى

خجلة يضحك منها الياسمين

ورمت باللّحظ منها فأصا

بت به حبّ قلوب العاشقين

فتراهم من جراحات اللوا

حظ ما بين قتيل وطعين

هكذا من يعشق الخود الحسا

ن يذق مرّ الهوى عذبا معين (1)

وكأن الله قد صوّرها

من هوى الأنفس لا ماء وطين

فصاحبته أو محبوبته بسمت عن لآلئ ثغر واضح منع ضياء البدر أن يبين، وبدا للورد خدها الناضر فصار مصفرّ الجبين حياء وخجلا، وأمالت قدها الممشوق فخجل شجر البان المشهور بقدّه الجميل خجلا يضحك منه الياسمين، ورمت بسهام لحظها فأصابت به أفئدة العاشقين، فتراهم من جراح السهام ما بين قتيل وجريح طعين. وهكذا من يعشق الفاتنات الحسان يذق مر الهوى، ويصبح فى فمه عذبا سائغا، وكأن الله صورها من هوى الأنفس ومحبتها لا من ماء وطين كغيرها من البشر، إنها ملاك إنسى. ويقول متغزلا:

تجنّى على مقتوله وتجرّما

أشأن غزال الحسن أن يهدر الدّما

وما حيلتى والقلب أسر لحاظها

ومهما رنت مال الضمير مسلّما

فإن أقبلت فالجنّة الخلد نزله

وإن أعرضت قد حلّ نزلا جهنّما (2)

فكيف خلاصى يا رفاقى ودأبها ال

صّدود وركن الصّبر منى تهدّما

وإن قلت إنّي صادق الودّ والوفا

تقول ألا مت فى صدودى متيّما

وحرت لأنى لم أجد من عنا الهوى

خلاصا فأنجو أو إلى الوصل سلّما

وحسبى أن أحظى بطيف خيالها

إذا هى لم تسمح بوصلى تكرّما

والشيخ أبو القاسم يذكر أن صاحبته تجنت على قتيلها بسهام عينيها، وهل ذلك شأن الغزال الجميل أن يهدر الدماء، ويقول ما حيلتى وقد أسرت القلب بلحاظها، والضمير دائما مسلّم لها مستسلم، وإن هى أقبلت أحسّ القلب كأنه فى منزل من منازل الجنة، وإن هى أعرضت أحسّ كأنه فى منزل من منازل الجحيم، فكيف خلاصه ودأبها دائما الصدود

(1) معين: سائغ.

(2)

نزلا: منزلا.

ص: 682