الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
للدفاع عنك وثبوا إليك سراعا، وهم مشهورون سمحاء كرام مترفعون سادة مزهوون بأمجادهم أصحاب فراسة، بل هم سادة فضلاء. وللشاعر مقطوعة ثانية فى الفخر يقول فيها عن قومه:
قوم لقد طابت سرائرهم فلم
…
تر غير بذل ندى وبسط كفوف
هم أفضل العرب الكرام عشيرة
…
وأعز أنسابا وشمّ أنوف (1)
وهم الشموس إذا الحوادث أظلمت
…
وهم البدور بنورها المعروف
وهو يقول إن قومه قد طابت سرائرهم ودخائلهم، وهم غيوث مدرارة فى الجود والكرم. وهم أفضل العرب عشيرة، إذ هم من عشيرة الرسول صلى الله عليه وسلم، لذلك كانوا أعزّ أنسابا وشمّ أنوف مترفعين، وإذا أظلمت الدنيا كانوا شموسها المنيرة وبدورها المضيئة.
4 -
شعراء الرثاء
(أ) رثاء الأفراد
بأخذ رثاء الأفراد فى الشعر العربى أشكالا ثلاثة هى الندب والتأبين والعزاء، والندب عادة للأقارب وخاصة الأبناء ويمتلئ بالتفجع عليهم والتحسر والحزن الممض، والتأبين لشخصيات القبيلة والأمة لبيان فضائلهم وأعمالهم وخسارة المجتمع فيهم، والعزاء لبيان أن الموت من سنن الحياة وأنه لا يبقى على أحد سيد ومسود. وقد يجمع الشاعر بين هذه الأشكال الثلاثة أو يفرد مرثيته لشكل أو شكلين، ولكل أمة عربية مراثيها، وخاصة لرجالاتها المهمين، وقد مرت بنا دعوة المهدى، وهو أهم الشخصيات السودانية فى القرن الماضى، وقد حقق للسودان استقلاله فى سنوات معدودات، ولبي سريعا نداء ربه وهو فى الحادية والأربعين من عمره، وبكته السودان وبكاه شعراؤها وفى مقدمتهم الشيخ إبراهيم شريف الدولابى الكردفانى، ويستهل مرثيته بقوله (2):
كيف التئام فؤادى المفطور
…
ورقوء دمع محاجرى المفجور (3)
أم كيف ينفكّ الضّنا عن مهجة
…
أحشاؤها تصلى على التّنوّر (4)
أسف على المهدىّ من مهد الصّبا
…
قد كان معصوما عن المحظور
فتح الفتوح ودمّر الكفّار فى
…
كلّ البلاد بجيشه المنصور
هو مجمع البحرين: بحر شريعة
…
طام وبحر حقيقة مسجور (5)
وهو يقول إن فؤاده انفطر وانشق حزنا لموت المهدى ولن يرقأ أو يجف دمعه المتفجر،
(1) شم أنوف: متعالون مترفعون.
(2)
انظر القصيدة فى شعراء السودان ص 27 وشعراء الوطنية ص 336.
(3)
المفطور: المنشق. رقوء: انقطاع.
(4)
التنور: الموقد.
(5)
مسجور: مملوء.
ولن ينفكّ الضنا عن مهجته، وكأنما تصلى أحشاؤها وتحترق على تنور مشتعل، ويأسف على المهدى ويقول إنه كان معصوما عن المحظور المحرم منذ صغره، ودمّر جيشه الجيوش التى لقيته. وينعته بأنه كان مجمعا لبحر الشريعة الطامى الزاخر وبحر الحقيقة الإلهية المملوء نسكا. ويمضى الشاعر فى مرثيته منشدا:
قد كان قوّام الدّجى متبتّلا
…
متواصل الإحسان غير فخور
طلق المحيّا خاشعا متواضعا
…
كهف الفقير وجابر المكسور
لا يبتغى جاها ولا مالا ولا
…
عزّ الملوك ولا ارتفاع الدور
تبكى المساجد والمحارب فقده
…
ومواطن الأذكار والتذكير
يا طيب أرض ضمّ جسمك تربها
…
تزرى بعرف المسك والكافور
وهو يصف المهدى بأنه كان قوّام الليل مصليا متبتلا لربه، مواصل الإحسان للفقراء والمساكين دون أى فخر أو منّ، طلق المحيا بشوشا خاشعا متواضعا، كهفا للفقير وملجأ وجابرا للمكسور، لا يفكر فى جاه ولا فى مال ولا فى عز الملوك وحياتهم المترفة ولا فى القصور المشيّدة، وبكته المساجد والمحارب وبقاع أذكاره وتذكيره، وما أطيب الأرض التى ضمت جسده، إن شذاها يزرى بشذا الطيب من المسك والكافور. ويبكى المهدىّ الشيخ محمد الطاهر المجذوب بمرثية يفتتحها بقوله (1):
دهتنا دواه يضرس القلب نابها
…
ويوقد فى الأحشاء نارا منابها (2)
غداة نعى الناعون مهديّنا الذى
…
به ملّة الإسلام جلّ مصابها
إمام الهدى المهدىّ أفضل من دعا
…
إلى الله مفتاح النجاة وبابها
ألا قد أصبنا إذ عدمنا حبيبنا
…
وضاقت بنا الأرض الوسيع رحابها
ليبك له الدين الحنيف وملّة
…
أبان هداها حين تمّ خرابها
والشيخ المجذوب يقول إنه نزلت بهم دواه يعض نابها القلب ويوقد منابها فى الأحشاء نارا غداة نعى الناعون المهدى الذى جلّ مصاب الدين الحنيف فيه، إنه إمام الهدى ومفتاح النجاة من النار وبابها، ولقد أصبنا فى حبيبنا وضاقت بنا الأرض الفسيحة الواسعة الرحاب، ألا فليبكه الإسلام وملة أوضح هداها بعد أن خربت خرابا لا آخر له. ويكثر رثاء الشعراء لآبائهم فى السودان، من ذلك قول القاضى أحمد المرضى المولود سنة 1884 للميلاد فى رثاء أبيه (3):
(1) نفثات البراع ص 94 وشعراء السودان ص 311 وشعراء الوطنية ص 331.
(2)
يضرس: يعضّ.
(3)
نفثات اليراع ص 150.
لقد آن أن أبكى وأغرى البواكيا
…
وأنظم من حبّ الدموع المراثيا
وأصبغ عبراتى دما ليس ناضبا
…
يخدّ خدودى مترعا والأماقيا (1)
أبى ما أبى حرّ كريم وذو وفا
…
وما كان ذا وجهين وغلا مداجيا (2)
أمين على سرّ الأخلاء حافظ
…
وكان لإخوان الصفاء مواسيا
تبوّأ مهد العزّ من نشأة الصّبا
…
وشبّ على هام المكارم ساميا
والمرضى يقول إنه حان أن يبكى ويغرى الباكيات بالبكاء وينظم من درر الدموع عقود المراثى ويصبغ عبراته بالدم الذى لا ينضب ولا يجفّ، بل يشق الخدود وآماق العيون شقوقا ملأى به. وينوه بأبيه فهو حر كريم وفىّ، وما كان يوما ذا وجهين نذلا منافقا، بل كان دائما أمينا على سر إخوانه: إخوان الصفاء مواسيا لهم، نزل مهد العز وأقام به منذ صباه، وشبّ على رءوس المكارم ساميا سموا متصلا. ويبكى الشاعر الشيخ عبد الله البناء أباه الشيخ محمد بن عمر البناء مفتش المحاكم الشرعية الذى ترجمنا له بين شعراء المديح بمرثية مؤثرة، وفيها يقول (3):
عين الكمال لهول يومك تذرف
…
والمجد يرعد والشريعة ترجف
رفّاع ألوية العلاء أرى العلا
…
مهجورة طرقاتها تتلهّف
كشّاف غمّاء المظالم بالهدى
…
حار الهدى لما ثوى من ينصف
يا قوم حامى السّرح أقصده الرّدى
…
بكّوا له بدم القلوب ونزّفوا
حجبوا السّناء عن النواظر حينما
…
هالوا عليك من التراب وأسرفوا
وهو يقول لأبيه إن عين الكمال تذرف الدمع مدرارا لهول يوم موتك، والمجد يرعد رهبة والشريعة ترجف فزعا لموتك، ويخاطبه: يا رافع ألوية العلاء والشرف أرى العلا هجرت طرقاتها وتتلفت متلهفة لو تراك. ويا كاشف غمة المظالم فى القضاء بنور هداك حار الهدى لما مات من ينصف المظلومين. ويلتفت الشاعر إلى قومه فيقول لهم إن الموت طعن حامى الحمى طعنة نافذة فابكوا له بدم القلوب حتى تنزفوه وتفنوه، ولقد حجبوا ضياءك عن العيون حين هالوا عليك التراب وأكثروا منه. وكان يعاصر هذا الشاعر محمد سعيد العباسى، وأنشد له صاحب كتاب الشعراء فى السودان طائفة غير قليلة من المراثى.
(1) ناضبا: نافدا. يخد: يشق.
(2)
وغلا: نذلا. مداجيا: منافقا
(3)
ديوان البناء 1/ 165.