الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
إلا جنة، قد فاحت مباخرها بالطيب والمسك وسطع شذاها سطوعا عظيما. وحرى أن نفرد ترجمة لكل من
عبد الله بن محمد الجراوى
وإبراهيم بن عبد الجبار الفجيجى.
عبد الله بن محمد الجراوى (1)
شاعر جزائرى من جراوة بين مدينة قسنطينة وقلعة بنى حماد، تأدب فى مسقط رأسه جراوة داخل الجزائر، وقدم إلى القيروان-كما يقول ابن رشيق-فى أوائل العقد الرابع من حياته، وتعلق بخدمة المعز بن باديس. ويقول ابن رشيق: كان شاعرا فحلا وصافا جيد الفكر والخاطر، تحسب بديهته رويّته، يتحدّر كلامه كالسيل، وكان حسن الخلق جميل العشرة مزاحا، سأله أيوب بن يطوفت أحد رجالات صنهاجة: أى بروج السماء لك؟ فقال: وا عجبا منك مالى فى الأرض بيت فكيف يكون لى برج فى السماء، فضحك، وأمر له بدار جواره. ويذكر ابن رشيق أنه: توفى سنة خمس عشرة وأربعمائة وقد بلغت سنه نيفا وأربعين سنة، وكانوا قد أغروا به القائد حماد بن سيف (العزيز بالله) فدسّ عليه من قتله ليلا، وعرف خطأه فأسف عليه. وقد أشاد به ابن رشيق كما رأينا فى الشعر إشادة رائعة، ومما أنشد له قوله البديع فى وصف ديك:
وكائن نفى النوم عن عترفان
…
بديع الملاحة حلو المعانى (2)
بأجفان عينيه يا قوتتان
…
كأن وميضهما جمرتان
على رأسه التاج مستشرفا
…
كتاج ابن هرمز فى المهرجان
وقرطان من جوهر أحمر
…
يزينانه زين قرط الحصان
له عنق حولها رونق
…
كما حوت الخمر إحدى القنانى
ودار برائله حولها
…
كما نوّرت شعرة الزعفران (3)
والجراوى يقول إن النوم انتفى عن الديك وظل مسهدا طوال الليل بديع الجمال حلو المعانى وبأجفانه ياقوتتان تومضان كأنهما جمرتان وعلى رأسه تاج عرفه كتاج ابن هرمز فى احتفال يوم المهرجان، وله قرطان من ياقوت أحمر يزينانه كما يزينان المرأة العفيفة الطاهرة، ويستدير حول جيده رونق من الجمال الرائع: وله ريش بديع زاه زهو الزعفران، ويستتم وصفه للديك قائلا:
ودارت بجؤجئه حلّة
…
تروق كما راقك الخسروانى (4)
وقام به ذنب معجب
…
كباقة زهر بدت من بنان
وقاس جناحا على ساقه
…
قيس ستر على خيزران
(1) انظر ترجمة الجراوى فى الأنموذج ص 216.
(2)
العترفان: الديك.
(3)
برائله: ريش يستدير حول عنقه.
(4)
الجؤجؤ: الصدر. الخسروانى: الطليسان.
وصفّق تصفيق مستهتر
…
بمحمرّة من بنات الدّنان
وغرّد تغريد ذى لوعة
…
يبوح بأشواقه للغوانى
يقول الجراوى: قد استدارت حلة بصدره كما يروق الطيلسان الخسروانى، وبدا له ذيل زاه كباقة زهر، ورفرف بجناحه على ساقه وكأنه مقيس عليه كستر يسدل على خيزران، وصفّق به تصفيق مخمور، وغرد تغريد ملتاع يبوح للغوانى بأشواقه الحارّة.
إبراهيم (1) بن عبد الجبار الفجيجى التلمسانى
فجيج المنسوب إليها إبراهيم بن عبد الجبار هو وأبوه وأسرته فى أقصى الجنوب من تلمسان، وكان أبوه فقيها ومفسرا وله تفسير للقرآن الكريم فى اثنى عشر جزءا ومختصر لحياة الحيوان، ونشأ ابنه إبراهيم على غراره يعنى بتحصيل العلوم، ورحل فى سبيل العناية بها إلى فاس وتلمسان ولقى علماءهما وأخذ عنهم، ويقال إنه رحل إلى مصر وأخذ عن علمائها. وعاد إلى موطنه، وله منظومتان: منظومة فى علم الصيد بالصقر سماها روضة السلوان وهى فى مائتى بيت وأربعة عشر، ومنظومة ثانية فى الفقه سماها مفيدة الولدان. وكان حيا سنة 920 وتوفى بمدينة جى ببلاد السودان الغربى القديم. وشرح قصيدة الصيد ابن أخيه أبو القاسم بن محمد بن عبد الجبار سنة 986. ويستهل أبو إسحاق إبراهيم الفجيجى مطولته ببيان منافع الصيد فى عشرين بيتا ويتلوها بصفات الصائد فى اثنى عشر بيتا، ومنها العفة والنزاهة وعدم الاختلاط بأهل اللؤم والغيبة، فلا سوء عشرة ولا هتك هيبة. ويصف الصقر بمثل قوله:
طويل ثلاث لا كطول بغاثها
…
جناح وعنق ثمّ طالت أصابع (2)
رحيب ثلاث وهى ما هى كفّه
…
وما بين منكبيه والصدر واسع (3)
عظيم ثلاث: رأسه ثم فخذه
…
ومنسره لجزر ما هو صارع (4)
له عدّة من نفسه فى مخالب
…
شديد سوادها، حداد، لواسع (5)
بيمناه بارق محيط بزنده
…
من الفضة البيضاء كالسيف لامع (6)
كذلك فى يسراه ثان وجلجل
…
تلوّن بالإبريز أصفر فاقع (7)
(1) انظر فى إبراهيم الفجيجى وترجمته شرح ابن أخيه أبى القاسم محمد بن عبد الجبار لقصيدته المسمى الفريد فى تقييد الشريد وتوصيد الوبيد بتحقيق الدكتور عبد الهادى التازى، وراجع تعريف الخلف 2/ 7 ولأبى راس شرح عليها باسم الشقائق النعمانية فى شرح الروضة السلوانية.
(2)
البغاث: من ضعاف الطير.
(3)
رحيب: متسع.
(4)
المنسر من الطير كالشفة من الإنسان. جزر: نحر. صارع: فاتك.
(5)
حداد: قاطعة. لواسع: تلسع كالعقرب.
(6)
بارق: خلخال لامع.
(7)
الجلجل: الجرس الصغير. الإبريز: الذهب الخالص.
إذا انقضّ خلت البرق والريح عاصفا
…
ورعدا به رجز على الصيد واقع (1)
دوىّ جلاجل ولمع خلاخل
…
وخفق جناح كلّ ذلك فاجع
والفجيجى يقول إن صقره يحوز صفات الصقر الحميد فهو طويل الجناح والعنق والأصابع، وهو واسع الكف والصدر بعيد ما بين المنكبين عظيم الهامة ممتلئ الفخذين صلب المنقار لجزر ما يفتك به، وعدّته مخالبه الشديدة السواد القاطعة التى تلسع لسع العقارب، وفى يمناه خلخال لامع من الفضة بزنده، وفى يسراه خلخال وجرس صغير أصفر مموه بذهب فاقع، وإذا انقض على فريسته من الطير ظننت البرق والريح والرعد كل ذلك هجم عليه، ولا تسمع سوى دوى جلاجل ولمع خلاخل وخفق أجنحة، كل ذلك ينقض على الفريسة. ويصور الفجيجى انقضاضه على طائر الحبارى منشدا:
ويلجأ لات حين يأويه ملجأ
…
فلا الأرض تنجيه ولا الجوّ مانع
ذؤابته فى كفّ من لا يقيله
…
يساق بها للموت وهو يوادع
وتندبه حباريات ألفنه
…
بفيفاء مجهل وهنّ جوازع (2)
نوائح أعراب على الطّبل حلقة
…
يحاجلن مجنونا لهن تواجع
شققن جيوبا ناشرات الرءوس قد
…
جرحن خدودا ما لهنّ براقع
والفجيجى يقول إن الحبارى كان يطلب ملجأ حين رأى الصقر، وضاق عليه الجو بأعاليه وضاقت عليه الأرض بجبالها الشاهقة وما رحبت، وأخذ الصقر بذؤابة رأسه وريشه الطويل، ولم يعد يجد مناصا ولا خلاصا منه فهو يوادعه موادعة اليائس من الحياة، وتندبه حباريات ألفنه متجرعات عليه غصص الجزع. وشبههن الفجيجى بنوائح الأعراب حين يتحلقن على الطبل بحرقة الحزن، ويحاجلن ندّابهن الذى يزيد فى حزنهن ويشعله فى نفوسهن، ويشققن جيوبهن وينشرن شعورهن ويخمشن وجوههن السافرة حزنا على فقيدهن. ويمضى الفجيجى متمنيا لو عادت أيام الصغر أو أيام الشباب ويذكر مواضع كثيرة فى الربيع والشتاء كان يرودها للصيد ويندد بمن كانوا يتلومونه لاهتمامه به، ويقول إن مثلهم مثل من لا تحرّكه بهجة الربيع ولا متعة العود والموسيقى وكأنهم لم يشعروا يوما بالحب والهوى. ويفيض فى عرض فقه الصيد وما أحلّه الشارع منه وما حرّمه وواجبات القانص إزاء ذلك وأجناس صيده فى البر، ويتجه إلى قارئ قصيدته بعد نحو مائتى بيت قائلا:
أتيتك بالتحقيق نظما فخذ به
…
ودع عنك ما سواه فهو جعاجع
فدونكها من بحر فكرى درّة
…
تفجّر منها للعلوم ينابع
فمن كان ذا جدّ وعى خصب حكمة
…
ومن يبتغ الإحماض فالمرج واسع
(1) رجز: شدة فى الصوت.
(2)
فيفاء: صحراء واسعة.