الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أسرى جيوشها الغازية فى البلاد الأوربية، وكانت تعنى بتربيتهم تربية عسكرية إسلامية، وترسل إلى الجزائر-كما ترسل إلى ولاياتها الأخرى-بضعة آلاف منهم، وكانوا يتزوّجون من جزائريات أحيانا مما جعلهم يرتبطون بأسرهن وبالجزائر ارتباطا وثيقا. والمجتمع الجزائرى لا تتداخل فيه سلالات هذه العناصر الكثيرة فحسب، فإن القرصنة جلبت إليه كثيرا من العناصر الأوربية، ومرّ بنا أنها أخذت تتسع اتساعا شديدا منذ استطاع خير الدين وعروج أن يجعلا من البحر المتوسط فى القرن العاشر الهجرى بحرا عثمانيا، وكان النازحون المسلمون من إسبانيا يملئون قلوب البحارة الترك حماسة ليتسعوا ما استطاعوا بالقرصنة انتقاما من الإسبان والأوربيين، وكانوا يسحبونهم على وجوههم من البحر المتوسط بالآلاف إسبانا وفرنسيين وإيطاليين ويونانيين وكريتيين، وكان كثيرون منهم يعتنقون الإسلام وتردّ إليهم حرياتهم ويصبحون جزائريين دينا ولغة، ويندمجون فى أهل البلاد اندماجا تاما.
وواضح أن الجزائر دخلتها من قديم عناصر كثيرة إفريقية وآسيوية وأوربية بجانب سكانها الأصليين من البربر، وقد فتحتها وعاشت فيها أمم كثيرة: فينيقيون ورومان ووندال وبيزنطيون وعرب وترك، وقد أفادت منها جميعا فى نظمها وطرق معيشتها وزراعتها وصناعتها. وكان كل من ينزلها من هذه الأمم ويستوطنها لا يلبث أن ينفصل عن موطنه ويزايل صبغته الأولى ويذوب فى الجزائر لما تتميز به من قوة الشخصية والهويّة الراسخة.
2 -
المعيشة
(1)
كان أساس المعيشة فى الجزائر الزراعة ورعى الأنعام، وتأتى بعد ذلك الصناعات اليدوية والملاحة وما ارتبط دائما بها من الصيد فى البحر ومما تحولت إليه فى أواسط العصر من القرصنة. والإقليم يموج بطيبات الرزق، ونستطيع أن نتمثل ذلك بوقوفنا أولا عند النواحى الزراعية فى مدن الساحل الشمالى ثم فى المدن الداخلية وما وراءها من المدن الصحراوية. وإذا سرنا فى الساحل من الشرق إلى الغرب لقيتنا مدينة القالة، وكانت تسمى قديما مرسى الخزر، وتليها مدينة بونة ومرّ بنا أن القديس أو غسطين كان أسقفا لها فى عهد الرومان، وهى تقع وسط سهل زبرجدى بالقرب من مصب نهر سيبوز وبها صهاريج رومانية قديمة. وكان الرومان
(1) راجع فى المعيشة كتاب أبى عبيد البكرى: المسالك والممالك وابن حوقل بنفس العنوان (وصفة المغرب وأرض السودان ومصر-مقتبس من كتاب نزهة المشتاق) وكتاب الجغرافيا لابن سعيد بتحقيق إسماعيل العربى ومعجم البلدان لياقوت وتاريخ بنى زيان للتنسى تحقيق الأستاذ محمود بو عياد وكتاب وصف إفريقيا للحسن الوزان ترجمة د. عبد الرحمن حميدة (نشر جامعة الإمام محمد بن سعود) وكتاب الجزائر لأحمد توفيق المدنى.
يسمونها هيبون ثم أصبحت بونة العربية. وسميت فيما بعد عنابة لكثرة ثمر العناب بها ويجفّف ويصدّر، ويقول ابن حوقل: إنها ذات أسواق حسنة، والأرض المحيطة بها ذات تربة خصبة، وتنتج القمح والشعير والكتان والفواكه والعسل بكثرة، ويقول الحسن الوزان:«الأرض المزروعة خارجها تبلغ أربعين ميلا طولا وخمسة وعشرين ميلا عرضا، وكل الأراضى ممتازة لزراعة القمح، ويملك أهلها من قبيلة مرداس العربية أعداد كبيرة من الأبقار والثيران والأغنام» . وإلى الغرب منها ميناء جيجل وأرضها وعرة، كما يقول الحسن الوزان غير صالحة إلا لزراعة الشعير والكتان والقنب، وبها كثير من شجر الجوز والتين. وغربها بجاية وكانت أكبر ميناء فى الساحل الجزائرى، ويقول الإدريسى: الحنطة والشعير موجودان فيها بكثرة والتين وسائر الفواكه. وإلى الغرب منها مدينة الجزائر، وهى ثغر رومانى جدّد بناءه بنو مزغنة، ثم زيرى بن مناد سنة 356 للهجرة ويقول الحسن الوزان:«حولها الكثير من البساتين والأراضى المزروعة بأشجار مثمرة ويمر بجوارها من الجانب الشرقى نهر نصبت عليه طواحين، وسهول منطقتها جميلة جدا ولا سيما سهل المتيجة ويبلغ طوله حوالى خمسة وأربعين ميلا بعرض مقداره ستة وثلاثون ميلا حيث ينمو قمح وفير للغاية من أجود الأنواع» . وغربيها مدينة شرشال وهى ميناء فينيقى رومانى ويقول الإدريسى: بها مياه جارية وآبار عذبة وفواكه حسنة كثيرة وسفرجل كبير الجرم ذو أعناق كأعناق القرع الصغار وبها كروم وبعض أشجار التين. ويقول الحسن الوزان إنها كانت قد هجرت فى أعقاب الحروب بين ملوك تلمسان وفاس وظلت خاوية خلال مدة تقارب ثلاثمائة عام حتى سقوط غرناطة بأيدى النصارى فى عام 897 هـ/1492 م فقصدها كثير من الغرناطيين (الأندلسيين المسلمين) فأعادوا بناء قلعتها وقسم كبير من منازلها وزرعوا أراضيها. وإلى غربيها مدينة تنيس، وهى ميناء فينيقى قديم، ويقول الإدريسى: بها من الفواكه كل طويفة ومن السفرجل الطيب المعنق ما يفوق الوصف فى صفته وكبره وحسنه، ويقول الحسن الوزان تنتج أرضها الكثير من القمح والكثير من العسل. وكانت قد خرّبت فأعاد إليها مهاجرو الأندلس الغرناطيون العمران والزراعة مثل أختها شرشال. وغربيها مدينة وهران ويقول الإدريسى:«على مقربة منها نهر عليه بساتين وجنات، وبها فواكه كثيرة وأهلها فى خصب، والعسل بها موجود وكذلك السمن والزبدة والبقر والغنم فيها رخيصة وبالثمن اليسير» . وكانت وهران قرية صغيرة حتى إذا كانت الهجرة الأندلسية نزلها كثيرون من الغرناطيين وأسسوا وهران الحديثة.
وإذا تركنا مدن الساحل الشمالى إلى ما وراءه وسرنا فيه من الشرق إلى الغرب لقيتنا قالمة جنوبى بونة أو عنابة وهى مدينة فينيقية قديمة، ويقول الأستاذ أحمد توفيق المدنى إنها اشتهرت بتربية نوع من البقر يعد من أجمل أنواع البقر الموجود فى الجزائر، وبه صفات لا توجد فى غيره، ويذكر أنه يوجد بقربها حمام بديع يدعى حمام المسخوطين وبه مياه معدنية تفور من
عشرة عيون شديدة الحرارة وهى تتراوح بين 94 و 98 درجة، ولها قيمة طبية عالية». ونلتقى بعدها بمدينة نقاوس ويقول الحسن الوزان إنه يمر بجوارها نهر تقع مزارع التين والجوز على ضفافه، ويشتهر تين المنطقة بأنه أفضل أنواع التين وينقل منها إلى قسنطينة، وحول نقاوس سهول جيدة صالحة لزراعة القمح. وتلقانا مدينة قسنطينة وهى مدينة فينيقية رومية، جدد بناءها الإمبراطور قسطنطين فنسبت إليه، وهى-كما يقول الأستاذ المدنى-أم المدن بالناحية الشرقية الجزائرية، وكانت تتبع صاحب القيروان وتونس، وكان ينزل بها نائبه، وكانت لذلك مركزا كبيرا للإدارة، ويقول الحسن الوزان: جميع الأراضى الزراعية الواقعة حول المدينة طيبة وخصبة ويبلغ محصولها ثلاثين ضعفا لما بذر فيها، وتوجد بساتين جميلة جدا فى السهل على طول النهر الذى يمر بأسفلها وبجوارها نبعان: نبع ساخن ونبع بارد بجانبه بناء من الرخام. وعلى بعد 50 كيلو مترا منها مدينة ميلة وهى مدينة رومانية، ويقول الحسن الوزان إن منطقتها ذات إنتاج غزير من التفاح والكمثرى والثمار الأخرى. وغربيها جنوبا مدينة المسيلة (المحمدية) وهى مدينة رومانية وسهولها مشهورة بإنتاج القمح والشعير والفواكه، كما تشتهر بتربية الحيوانات: البقر والغنم والخيل، وبنهرها سمك صغير مزدان بخطوط حمراء، ويقول الإدريسى إنه لم ير فى المعمورة سمكا على صفته. وإلى الشرق منها طبنة عاصمة الزاب الأعلى شرقى شط الحضنة المالح وتقع على نهير يسقى بساتينها وزروعها وحقول الحنطة والكتان ومختلف أنواع الفواكه. وشمالى طبنة والمسيلة مدينة سطيف وهى مدينة رومانية وتتوسط منطقة من أغنى مناطق الجزائر الزراعية. وإلى الجنوب من قسنطينة باغاية وبجوارها نهر يسقى بساتينها وحقولها الواسعة المنتجة للحبوب من القمح والشعير، وسكانها إباضيون انحازوا إليها بعد سقوط تاهرت فى آخر القرن الثالث الميلادى. وإلى الجنوب شرقا من باغاية تبسّة، وتشتهر بكثرة الفواكه وبالجوز، وينوّه أبو عبيد البكرى بكبر حجمه وطيبه. وإلى الجنوب الغربى منها مدينة بسكرة وتقع فى أشهر الواحات الجزائرية، وكان الرومان يسمونها فيسيكرا وكان بها قديما أسقفية، وعلى مقربة منها استشهد عقبة بن نافع وأصحابه كما مر بنا فى الفصل الماضى ويكثر بها النخل والزيتون ومختلف الثمار ويشيد البكرى بآبارها الكثيرة. وإذا اتجهنا إلى الشمال الغربى التقينا بتاهرت عاصمة الدولة الرستمية الإباضية، وهى على سفح جبل يسمى جزول وكان يجرى بجوارها نهر يروى زروعها وبساتينها التى وصفها البكرى بقوله:«فيها جميع الثمار وسفرجلها يفوق سفرجل الآفاق حسنا وطعما ومشمّا» وينوه الإدريسى بمزارعها وحقولها وما اشتهرت به من تربية الأنعام والخيل، ويقول إنها وافرة العسل والسمن. وإلى الشمال منها مدينة مليانة وهى مدينة رومانية قديمة تشرف على نهر شلف وحولها بساتين زاخرة بالفواكه وقرى عامرة ومزارع واسعة، ويقول الإدريسى عنها: حسنة البقعة كريمة المزارع وتقع على نهر يسقى مزارعها وحدائقها وجناتها ولها أرحاء على نهرها». وعلى بعد
مائة وأربعة وسبعين كيلو مترا من وهران تقع مدينة تلمسان الكبيرة بين جبال تزدان بالخضرة والخمائل النضرة وسهول مكتظة بالزروع والبساتين الخلابة، يقول ابن حوقل فيها: مدينة لطيفة قديمة ولها أنهار جارية وعليها أرحية وفيها فواكه كثيرة وغلاتها عظيمة ومزارعها كثيرة، ويقول الحسن الوزان:«توجد فى خارج تلمسان عدة كور بديعة بها منازل غاية فى الأناقة، ومن عادة سكان المدينة قضاء الصيف فيها حيث ينعمون بأكبر متعة، فلهم فيها بساتين فاخرة تنتج أعنابا من كل الألوان وذات نكهة رائعة، وكرزا من كل نوع تبلغ وفرته حدا لم أر له مثيلا فى أى مكان آخر، وتينا شديد الحلاوة أسود اللون كبير الحجم يجفّف ليؤكل فى الشتاء، ودرّاقا، وجوزا ولوزا وبطيخا وخيارا وثمارا أخرى مختلفة» وعلى نهرها العديد من طواحين القمح. وإذا توغلنا جنوبى تاهرت لقيتنا واحة الأغواط بنخيلها الكثير، وإلى الجنوب منها منطقة ميزاب ومدنها وأهمها غرداية ويكثر بها النخيل والحدائق والبساتين، ومن ورائها ست قرى وافرة النخيل والفواكه، وأهلها جميعا إباضيون وكان آباؤهم حين قضى على الدولة الرستمية فى تاهرت انسحبت كثرة منهم إلى ورقلة (ورجلان) فى الجنوب الشرقى من الجزائر، ولما غادروها إلى بلاد ميزاب بقيت منهم بقية قليلة وحل محلهم فى تلك الواحة كثير من الزنوج. وشرقى بلاد ميزاب وادى سوف وهو بلاد واحات شاسعة تمتد من أراضى ميزاب إلى أراضى الجريد فى تونس، وتنتج واحاته تمرا بديعا. وطبيعى أن تغطى الهضاب الصحراوية الكثيرة فى جنوبى الجزائر أثناء الربيع أعشاب ونباتات، ويتنقل البدو فيها لرعى أغنامهم وإبلهم، وينقسمون إلى بدو أو رعاة شبه مقيمين إذ يقل ظعنهم وهم المجاورون لتخوم جبال أطلس والجبل التلى، وبدو أو رعاة رحّل وهم المتنقلون فى الهضاب والصحارى، وهم جميعا يمدون مدن الجزائر بكثير من قطعان مواشيهم.
ومن قديم تعنى مدن الجزائر بالصناعات اليدوية كالحدادة والنجارة والحياكة واستخراج المعادن وتصنيعها وخاصة الحديد، وكانت بونة (عنابة) تشتهر بمصانعه، ومنها الرصاص والزنك فى جبال الونشريس ونواحى سطيف، وكان ببجاية دار صناعة كبرى لإنشاء الأساطيل والسفن وكانت تلك الدار تستمد الخشب من أوديتها وجبالها، كما كان بها معدن الحديد اللازم لتلك الصناعة وكان الزفت والقطران البالغا الجودة يجلبان إليها من أقاليمها كما يقول الإدريسى، وكان بها من الصناعات طرائف كثيرة، واشتهر ميناء دليس غربى بجاية بأن أكثر سكانه- كما يقول الحسن الوزان-من الصباغين لكثرة ما فيها من الينابيع والجداول ومثلها فى ذلك ضاحية تلمسان المسماة مدينة عباد. ويتوقف الحسن الوزان مرارا عند بعض المدن ليقول إن كثيرين-أو الكثرة-من سكانها صناع، ويذكر عن صناع تلمسان أنهم يحيون حياة هادئة ممتعة وينعمون بأوقات لراحتهم ويلبسون ثيابا لائقة وقليل منهم الذين يضعون عمامة على الرأس، فيستخدمون قلنسوة دون ثنيات ويلبسون أحذية تصعد حتى أواسط سيقانهم، وكانت
تلمسان تشتهر بصناعة الجلد، ويقول ابن سعيد الأندلسى:«منها تحمل ألجم الخيل والسروج وما يتبع ذلك» مما يدل على ما كان بها من مصنع للحديد.
وكانت تنتشر فى أنحاء الجزائر المنسوجات الكتانية والصوفية والقطنية والحريرية، واشتهرت بونة (عنابة) بمنسوجاتها الكتانية، ويقول الحسن الوزان إن أكثر سكان وهران من الصناع والحاكة. ولما سكن الأندلسيون الغرناطيون فى هجرتهم الكبرى إلى الجزائر مدينة شرشال نهضوا فيها بصناعة الحرير إذ وجدوا بجوارها كمية لا تحصى من أشجار التوت الأبيض والأسود فربوا فيها دود القز، واتسع إنتاجهم من المنسوجات الحريرية. ويذكر الحسن الوزان كثرة ما بمدينة قسنطينة من الأقمشة الصوفية المصنوعة محليا وكذلك الكتانية، ويقول الحسن الوزان: فى مدينة ميلة عدد كبير من الصناع ولا سيما الذين يعملون فى نسج الأقمشة من الصوف التى تصنع منها أغطية الأسرّة. ويطيل الحسن الوزان فى تلمسان من وصف أكسية الصوف والجلد والقطن ووصف المعاطف. وقد اشتهرت نساء المدن الجزائرية بصناعة التطريز على الأقمشة الحريرية والجلدية، وتحتفظ المتاحف الجزائرية بمجموعات منها لا تزال أسلاكها الذهبية والحريرية والقطنية تومض كأنما وضعت عليها بالأمس.
ويكثر الحسن الوزان وغيره من المتحدثين عن المدن الجزائرية عن كثرة من بها من الصناع والحاكة، وقلما يذكرون ما يقومون به من الصناعات والحياكات، ويذكر الوزان عن أهل مليانة أنهم جميعا من الصناع ومن الحاكة ومن الخراطين الذين يصنعون أوانى جميلة من الخشب. وكان أهل الجزائر يصنعون بجانبها أوانى جميلة من الخزف الملون والجص المجزّع، ولا بد أن تفننوا طويلا فى صناعة الحلى إرضاء للمرأة، وبالمثل فى صناعة أحذيتها وأحذية الرجال. وكانت معاصر الزيتون منتشرة فى بلدان كثيرة، وكان الزيت لذلك يصدر بكثرة من الجزائر. ولا بد أن صناعة الورق من الكتان كانت منتشرة وخاصة فى المدن الكبرى وفاء بحاجة العلماء والطلاب وبما انبثّ فى الجزائر من نهضة علمية وأدبية واسعة.
ومنذ القرون الإسلامية الأولى تشاد فى الجزائر المنشآت العمرانية، ولا يشاد بناء مفرد أو أبنية مفردة فحسب بل تشاد مدن بمساجدها وقصورها وفنادقها وحماماتها ومارستاناتها فقد بنى فيها الخليفة العبيدى المهدى سنة 313 مدينة المحمدية أو المسيلة. وبنى زيرى الصنهاجى والى الجزائر من قبل الخليفة العبيدى المنصور «أشير» إلى الشمال الشرقى من تاهرت، وبنى ابنه بلكين مدينة الجزائر ومدينة مليانة جنوبى شرشال ومدينة المدية إلى الجنوب الشرقى منها، وبنى حماد بن زيرى قلعة ضخمة شمالى المسيلة عاصمة لدولته وجدّد الناصر الحمادى مدينة بجاية وأحضر لها العمال والمهندسين ومواد البناء واتخذها عاصمة للدولة. وكل حاكم منهم كان يعنى بإنشاء قصور كثيرة فى عاصمته على نحو ما نقرأ فى دولة بنى زيان ملوك تلمسان،
وبخاصة فى تاريخ عبد الرحمن أبى تاشفين (718 - 737 هـ) فقد كان مولعا بتشييد القصور- كما يقول يحيى بن خلدون-مستظهرا على ذلك بآلاف عديدة من فعلة الأسارى الأجانب وغيرهم من نجارين وبناءين ومبلّطين للخزف وزوّاقين، وشاد قصورا عدة: دار الملك ودار السرور وأبا فهر وغيرها والصهريج الأعظم الذى لا يزال موجودا-كما يقول الأستاذ محمود أبو عياد-غربى المدينة. وإذا كان بناء ثلاث قصور استلزم آلافا من العمال فما بالنا بمن بنوا مدنا بقصورها ومساجدها وكل منشآتها العمرانية. وكل هذه القصور والمدن استلزمت صناعات كثيرة من نجارة وحدادة ونقاشة وقدرة على استخدام الفسيفساء (الموزايكو) فى الحيطان والسقوف والأروقة مع رسوم مختلفة من الرياحين والأزهار، ونضرب مثلا لروعة العمارة فى مدن الجزائر بقول الحسن الوزان عن مدينة بجاية المبنية فوق سفح جبل شديد الارتفاع على ساحل البحر المتوسط إنها تمتد من حيث العرض على خاصرة الجبل امتدادا كبيرا خارقا للعادة، وسائر بيوتها جميلة، وهى مجهّزة بالجوامع بشكل طيب وبالمدارس التى يكثر فيها الطلاب وكذلك أساتذة الشريعة والعلوم، كما تحوى أيضا زوايا للمتعبدين المسلمين، وحمامات وفنادق ومارستانات وكلها عمارات حسنة البنيان وأسواقها جميلة حسنة التنسيق، وتقوم المدينة كلها على تلال صغيرة حتى إنه ليتعذر السير بضع خطوات بدون صعود أو نزول. وإلى جانب الجبل-أو جانبها-توجد قلعة كبيرة ذات جدران متينة، وتزدان بالكثير من الفسيفساء وبالجص المجزّع وبالأخشاب المحفورة بالنقوش التى تعلوها رسومات عجيبة بلون أزرق سماوى، حتى لتساوى هذه الأشغال الفنية من حيث القيمة أكثر من البنيان ذاته». وإنما نقلنا هذا النص الطويل لندل بوضوح على ارتقاء صناعة المدن والقصور فى الجزائر وكيف أنه رافقها ارتقاء فى الحفر والنقش والزينة بالفسيفساء والرسومات العجيبة باللون الأزرق البهيج، وقد خلبت بروعتها وحسنها لبّ الحسن الوزان كما خلبه جمال البيوت وعمارتها وعمارة جميع المؤسسات وحتى الأسواق. وكل ذلك إنما نهض به فى بجاية وغيرها من مدن الجزائر أيد بالغة المهارة فى العمارة وكل ما يتصل بها من زخرف وزينة.
وهيّأ هذا الإنتاج الصناعى الوافر وما سبقه من الإنتاج الزراعى القطر الجزائرى لأن تصبح موانيه أسواقا عالمية، فكانت تصدر منتجاتها شمالا إلى الغرب وشرقا إلى تركيا والشام ومصر، ومنذ عصر الفينيقيين كانت قوافلها تعبر فلوات الصحراء الكبرى إلى السودان الأوسط والغربى محملة بالسلع الجزائرية من المنسوجات على اختلاف أنواعها صوفية وكتانية وقطنية ومن النقل جوزا وغير جوز ومن الزيتون والزيت ومن السروج واللبود والمفاتيح وأقفال الحديد، وتعود محملة بالعاج وريش النعام والتّبر والجلود والرقيق السودانى. ونستطيع تصور الحركة التجارية ومدى نشاطها إذا رجعنا إلى ما كتبه الحسن الوزان وغيره عنها فى الموانى والمدن الكبرى، فمن ذلك ما يقوله عن ميناء القالة، وكانت تعرف باسم مرسى الخزر: «إن أهلها يقومون
بتجارة طيبة لأنهم يستمدون من جبلهم الكثير من الشمع ولديهم كمية كبيرة من الجلود ويقايضون هذه المنتجات بالسلع التى يجلبها الجنويون (تجار جنوة) الذين يترددون على مينائهم». ويقول الوزان عن أهل بونة إنهم يبيعون كمية كبيرة من أقمشتهم الكتانية، ويقول عن أهل سكيكدة إن سكانها يزاولون التجارة بكثرة مع الجنوبين فيقدمون لهم القمح ويأخذون منهم بالمقابل أقمشة ومنتجات أوربية أخرى. ويذكر عن ميناء جيجل غربيّها أنه يوجد به الكثير من شجر الجوز والتين وتنقل ثمار هذا الشجر إلى تونس. وكانت بجاية سوقا تجاريا كبرى، وفيها يقول الإدريسى:«السفن إليها مقلعة، ولها القوافل متجهة، والأمتعة إليها بحرا وجوا مجلوبة، والبضائع بها نافقة، وأهلها يجالسون تجار المغرب الأقصى وتجار الصحراء، وبها تباع البضائع بالأموال المقنطرة» . ومن أجل هذه الحركة التجارية الواسعة فيها عقدت الدول البحرية الأوربية مع بجاية فى عصر الدولة الحمادية قديما معاهدات تجارية. ويقول الإدريسى عن ميناء تينس: «به فواكه وخصب وإقلاع وحطّ، وبه الحنطة وسائر الحبوب تخرج منه إلى كل الآفاق فى المراكب» . وكان ميناء وهران سوقا كبيرة. ويقول الوزان: كانت وهران مقصد التجار القطالونيين (الإسبان) والجنوبين (الطليان) ولا زال فيها-لعصره فى القرن العاشر الهجرى-بيت يدعى بيت الجنوبين لأنهم كانوا يسكنون فيه. وكانت قسنطينة فى الداخل مركزا تجاريا كبيرا، ويقول الوزان:«فيها عدد كبير من الباعة الذين يزاولون تجارة الأقمشة الصوفية المصنوعة محليا، ويصدر بعض التجار الزيت والحرير وكذلك الأقمشة الكتانية، ويباع كل ذلك بالمقايضة مقابل التمور والعبيد. ويجتمع أهل قسنطينة مرتين فى العام فى قافلة تجارية، ونظرا لكثرة تعرضهم لهجمات الأعراب يصطحبون معهم بعض رماة البنادق من الأتراك الذين ينالون أجرا طيبا على ذلك. ولا يدفع تجار قسنطينة رسم دخول إلى تونس (إذ كانت جزءا من مملكتها) ولكنهم يدفعون عند خروجهم من قسنطينة مقدار اثنين ونصف بالمائة من قيمة بضائعهم» . ويقول الحسن الوزان عن تجار تلمسان إن متجرهم إنما هو الرحلة إلى السودان وجلب منتجاته، وبها كما يقول بضعة فنادق من بينها اثنان لسكن التجار البنادقة والجنوبين.
ولإتمام بيان وجوه المعيشة والكسب فى الجزائر كان كثير من سكان المدن الشمالية الساحلية يشغلون أنفسهم بصيد السمك والحيتان من البحر المتوسط ويقول الحسن الوزان عن أهل دليس إنهم يصيدون بالشباك الكثير منه وينطبق ذلك على أهل الموانى الشمالية جميعا. واشتهرت مدينة القالة المسماة قديما بمرسى الخزر بكثرة ما بساحلها من المرجان، وهو شجر فى البحر لين أبيض اللون، وإذا ضربه الهواء احمرّ وصلب، ويقول الحسن الوزان: ليس لأحد من أهل القالة الحق فى صيده أو التقاطه من الساحل حين تقذف به الأمواج إلى البر لأن سلطان تونس أعطى هذا الساحل بالتأجير إلى أهل جنوة الإيطاليين. وهو تصرف مخطئ لأن ذلك