الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
والهجران وقد تهدم منه ركن الصبر الجميل؟ . وإن قال لها ضارعا إنّي صادق الحب والوفا قالت له: مت فى هجرانى متيما بى عاشقا، وحار لأنه لم يجد خلاصا من شقائه بحبها ولا طريقا إلى وصالها، ويعود إلى نفسه قائلا: حسبى أن أحظى بطيف خيالها فى الحلم، ما دامت لا تسمح بوصلها كرما وعطفا على العاشق الولهان. وغزليات الشيخ أبى القاسم- كما رأينا-سلسة عذبة. وهى غزليات حب عذرى عفيف نقى سام، فى لغة سهلة وموسيقى وافرة حلوة.
2 -
شعراء النقد العنيف والشكوى من الزمن
أخذ الشباب السودانى الطامح فى الربع الأول من القرن الحاضر يشعر شعورا عميقا بالآلام التى تعيشها أمته وأثقالها، واقترن ذلك فى نفسه بيأس من أن تتحقق آماله، وبذلك اجتمع عليه الإحساس بمرارة حياته، والإحساس بمرارة حياة أمته، أما مرارة حياته فقد عبر عنها الشاعر السودانى بشكوى طويلة من الزمن، وأما مرارة حياة أمته فقد عبر عنها بنقد صارخ صوّر فيه قعودها عن المطالبة بحقوقها، وهو تارة يعرض على الشباب مجد آبائه الأولين لعله يحاكيهم ويسترد شيئا من مجدهم، وتارة ثانية يعرض عليه عيوبه الاجتماعية والأخلاقية كى يتخلّص منها ويسترد كرامته ومكانته الخليقة به، وممن يتردد على لسانهم اللونان من النقد والشكوى من الزمن محمود أنيس المولود سنة 1893 للميلاد، إذ ينشد فى حفل للمولد النبوى سنة 1340 هـ/1922 م قوله فى مدحة نبوية (1):
زرع الجفاء بنا وأثمر غرسه
…
فتنافر الأبناء والآباء
وتفاخرت بالموبقات صغارنا
…
وشيوخنا فهزا بنا الأعداء
وتسايلت منا النفوس حزينة
…
جرحى ونال جميعنا الإعياء
واها على الإسلام ماذا نابه
…
وهو الشفاء وما سواه شفاء
وهو يقول إن الجفاء غرس بيننا جميعا وتنافرنا حتى لقد تنافر الأبناء والآباء، وأعجب العجب أن يفاخر الشباب والشيوخ باقتراف المحرمات مما جعل الأعداء تهزأ بنا هزءا شديدا، وإننا ليشملنا حزن بالغ حتى لكأننا جرحى، بل لقد نالنا جميعا الإعياء، فوا حسرتا على الإسلام ماذا أصابه، وهو الشفاء والبلسم لكل النفوس. وعلى نفس هذه القيثارة يقول عبد الرحمن شوقى فى ذكرى الهجرة بالسنة التالية (2):
(1) شعراء السودان ص 325.
(2)
تقثات اليراع ص 184 وشعراء السودان ص 204 وراجع حديث الدكتور الشوش عن الشاعر فى كتابه الشعر الحديث فى السودان.
تبيت على الهمّ الممضّ نفوسنا
…
وتمشى على جمر من الذل أضرما
ننام وملء العين همّ وحسرة
…
وأعيننا حزنا تفيض لنا دما
فيا ليت شعرى هل أرى النيل جاريا
…
طليقا كدمعى إذ يسيل معندما (1)
وهل سأرى يوما عن الغاب أسده
…
تذود إذا ما الليل فى الغاب أظلما
وهل يرتجى الإصلاح والشعب نائم
…
وهل يبلغ الآمال من كان نائما
ولم لا أرى ما بيننا غير صامت
…
وقد آن للأحجار أن تتكلّما
ونفس عبد الرحمن شوقى ونفوس أمثاله من أبناء وطنه تبيت مسهدة على هم مؤلم غاية الألم، وكأنما إذا مشت تمشى على جمر مشتعل من الذل، وإذا ناموا ينامون وعيونهم ملأى بالهموم والحسرات على وطنهم مكتظة حزنا لا بالدموع ولكن بدماء القلوب والأفئدة. ويتساءل هل سيرى أهل النيل طلقاء من الأسر، والنيل يجرى محملا بذهب الطّمى الأحمر كعادته، وهل سيذود أسد الغاب عن عرينه الذى خيّم عليه الظلام. وغمره اليأس، فالشعب نائم، والنائم لا يبلغ أملا من آماله، ويعجب لصمت من حوله من أهل السودان بينما توشك الأحجار الخرساء على النطق بآمال الشعب وأمانيه. ويصرخ فى قصيدة ثانية (2):
مضى زمان وقلبى ممتل ألما
…
وفى فؤادى أسى كالنار مضطرما
حزنا على أمة بالنيل نائمة
…
تشكو الأوار وأخشى أن تموت ظما
فقد مر به زمان طويل وقلبه مكتظ بالألم وفؤاده ملئ بلواعج أسى مشتعل كالنار الحامية حزنا على أمته النائمة فى وديان النيل تشكو حرارة العطش ولهبه المتقد، ويشفق لها الشاعر شفقة حزينة إذ يخشى عليها من الموت ظمأ والماء مدّ أيديها وتحت أبصارها. ومثل هذا النقد العنيف كثير فى الشعر السودانى وسنترجم فيه للشيخ عبد الله محمد عمر البناء بعد قليل. ويقول الشيخ حسيب داعيا عناصر الأمة السودانية إلى وقف ما بينها من تناحر شديد (3):
الاتحاد هو الحياة وإنما
…
موت الشعوب تفرّق الأفراد
كم أمة نهضت به فتمتّعت
…
بحياتها من بعد ما استعباد
ولكم ترى من قوّة وممالك
…
نزل الشقاق بها لشرّ مهاد
تلك الشعوب تروم جمع شتاتها
…
وهنا نبيع الجمع بالآحاد
إنّي سئمت النّصح غير مؤثّر
…
وعتاب قوم فى سنات رقاد
وهو يدعو قومه السودانيين إلى الاتحاد، ويقول إن الشعوب لا تحيا بدونه إذ بدونه تفقد حياتها وتموت إلى الأبد، وكم من أمة نهضت بالاتحاد فاستمتعت بحياتها لتخلصها من نير
(1) معندما: دما أحمر.
(2)
نفثات البراع ص 187 وشعراء السودان ص 204.
(3)
شعراء السودان ص 123 وانظر ترجمته عند الدكتور الشوش فى كتابه الشعر الحديث فى السودان ص 115.
الاستعباد، وكم من ممالك حدث بين أهلها الشقاق فوقعت فى شر أعمالها، ولذلك تعمل جميع الشعوب على الاتحاد الدائم بين أبنائها، بينما نحن ننقسم ونتفرق. ولقد سئمت تقديم نصحى لأمتى إذ أراه غير مؤثر، وكأنى أنصح وأعاتب قوما نياما. ويقول شاكيا من الزمن وهمومه وتناوبها له همّا من وراءهم (1):
ألف الهموم برغم وألفنه
…
فغدا بواد والسّرور بوادى
لا تستقرّ ركابه فى بلدة
…
حتى ينادى بالرحيل منادى
وكأننى كرة ودهرى لاعب
…
يرمى بها الحدثان باستبداد
ليصيبها بى بل بها ليصيبنى
…
والدهر أرمى لاعب ومعاد
لكنه مهما ارتقى لا يرتقى
…
لينال من صبرى بذا الإسآد (2)
إن شاب رأسى بالخطوب فلم يشب
…
عزمى الفتىّ ولا ذكىّ فؤادى
وكان الشيخ حسيب قد وظّف كاتبا فى المحاكم الشرعية، وكان رؤساؤه ينقلونه من محكمة إلى أخرى فى أنحاء السودان. وهو يقول إنه أصبح-منذ توظف-تربا للهموم يألفها وتألفه، وفارقه السرور، وكأنما غدا بواد والسرور بواد آخر. ويشكو من كثرة تنقلاته فى وظيفته، فلا يكاد يستقر فى بلدة حتى يؤمر بمبارحتها إلى بلدة أخرى، وكأنما أصبح كرة يلعب بها الزمان، ويرمى بالنوائب والأحداث ليصيبها بى، بل ليصيبنى بها، والدهر أرمى لاعب ومعاد، ولكنه مهما صنع ومهما رمانى ليلا أو نهارا فلن ينال من صبرى، وحتى لو شاب رأسى لما ينزل بى من خطوب فلن يشيب عزمى القوى ولا فؤادى الذكى. وله قصيدة يشكو فيها من مرتبه الضئيل ساخرا، وفيها يقول مخاطبا لمرتبه (3):
أمرتبى مالى أرا
…
ك قصرت عن نيل المراد
أشكوك أم أشكو إلي
…
ك نوازل المحن الشّداد
الجيب خال أبيض
…
وبياضه عين السّواد
إن رمت صبرا عزّنى
…
وأمضّنى طول السّهاد (4)
أو رمت قرضا ردّنى
…
عنه الحياء من العباد
أو هكذا حظّ الألى
…
طلبوا المعالى بالمداد
وهو يذكر لمرتبه أنه لا يكفيه لنيل المراد المطلوب، ولا يدرى أيشكوه أم يشكو إليه ما ينزل به من المحن الصعاب، فجيبه خال أبيض لبيس فيه أى نقود وهو بياض فى الظاهر لكنه فى حقيقته أشد من السواد، وإن طلبت صبرا عزنى ولم أستطعه، أو فكرت فى قرض ردّنى
(1) شعراء السودان ص 124.
(2)
الإسآد: السير ليلا ويريد نزول الهموم به.
(3)
شعراء السودان ص 118.
(4)
عزنى: قهرنى. أمضنى: آلمنى.