الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فإنهم اتخذوا لهم كتابا يحذقون العربية. أما من عداهم فظل يتخذ التركية فى المعاملات الرسمية، وبدون ريب أضعف ذلك من شأن الكتابة الديوانية العربية التى كانت تلتفّ حولها طبقة من الكتاب الممتازين المتنافسين، وكل منهم يحاول الامتياز على زملائه فى براعته الأدبية، أما فى هذا العهد فلا تنافس، وحسب الكاتب أن يكتب بلغة مسجوعة لا تخلو من ضعف وركاكة أحيانا. ومن رسالة لكاتب يسمى محمدا القالى قدمها إلى محمد بكداش طالبا منه بعض العون، وفيها يقول (1):
وواضح ما يجرى فى الرسالة من التكلف الشديد، فالترك أهل الرتب العالية ولكن الصيغة لا تتم من حيث السجع فيضيف إليها قوله:«وهم أصل للرفعة والتشريف. ويطيل العبارة بعدها حتى يقع على سجعة: «للعباد» واستعصت عليه سجعة الراء بعدها فأطال العبارة حتى تمكن من إيرادها بقوله: «الأقطار» . وقد أكثر من ألقاب محمد بكداش وأوصافه وبالغ ما شاءت له المبالغة مع كثرة الأدعية. وكل ذلك تكلف وتمحل فى الرسالة، وكأنما أصبح من الصعب أن تعود إلى الرسالة الديوانية حيويتها ونضرتها القديمة.
3 -
الرسائل الشخصية
يبدو أنه لم يكن بالجزائر اهتمام مبكر بتسجيل الرسائل الشخصية، ولولا أن الإباضية
(1) تاريخ الجزائر الثقافى 2/ 196.
اهتموا بتدوين الرسائل الديوانية لحكام الدولة الرستمية لضاعت أو سقطت من يد الزمن وأول رسالة شخصية جزائرية مهمة وصلتنا عن الحقب الأولى رسالة أبى على ابن الربيب الحسن بن محمد التميمى التاهرتى الذى ترجم له ابن رشيق فى كتابه: «الأنموذج» وقال إنه تولى القضاء طويلا فى بلدته تاهرت وإنه توفى سنة 420 هـ/1030 م ولم يذكر الرسالة ولا أشار إليها، وإنما ذكرها ابن بسام فى كتابه الذخيرة، إذ قال فى ترجمة أبى المغيرة عبد الوهاب بن حزم: كتب إليه أبو على بن الربيب رقعة يقول فيها (1):
«إنّي فكّرت فى بلدكم أهل الأندلس، إذ كان قرارة كل فضل، ومقصد كل طرفة، ومورد كلّ تحفة، إن بارت تجارة أو صناعة فإليكم تجلب، وإن كسدت بضاعة فعندكم تنفق (2)، مع كثرة علمائه، ووفور أدبائه، وجلالة ملوكه، ومحبتهم للعلم وأهله، ورفعهم من رفعه أدبه، وكذلك سيرتهم فى رجال الحرب، يقدّمون من قدّمته شجاعته، وعظمت فى الحروب نكايته، فشجع عندكم بذلك الجبان، وأقدم الهيبان (3)، ونبه الخامل، وعلم الجاهل، ونطق العيىّ، وشعر البكىّ. . وتنافس الناس فى العلوم، ثم هم مع ذلك فى غاية التقصير، ونهاية التفريط من أجل أن علماء الأمصار دونوا فضائل أعيانهم، وقلّدوا الكتب مآثر أقطارهم وأخبار الملوك والأمراء، والكتاب والوزراء، والقضاة والعلماء، فأبقوا لهم ذكرا فى الغابرين، و (لسان (4) صدق فى الآخرين). وعلماؤكم مع استظهارهم على العلوم، كل امرئ منهم قائم فى ظله لا يبرح، وثابت على كعبه لا يتزحزح، يخاف إن صنّف، أن يعنّف، أو (تخطفه (5) الطّير أو تهوى به الرّيح فى مكان سحيق) لم يتعب أحد منهم نفسا فى [جمع] مفاخر [أهل] بلده ولم يستعمل نقسا (مدادا) فى فضائل ملوكه، ولا بلّ قلما بمناقب كتّابه ووزرائه، ولا سوّد قرطاسا بمحاسن قضاته وعلمائه. على أنه لو أطلق ما عقل الإغفال من لسانه، وبسط ما قبض الإهمال من بيانه، لوجد للقول مساغا، ولم تضق عليه المسالك هنالك.
ولكن همّ كل أحد منهم أن يطلب شأو (6) من تقدّمه من رؤساء العلماء، ليحوز قصب السّبق، ويفوز بقدح (7) ابن مقبل، ويأخذ بكظم (8) دغفل، ويصير شجّى فى حلق
(1) الذخيرة 1/ 133.
(2)
تنفق: تروج.
(3)
الهيبان: الهائب الخائف.
(4)
اقتباس من سورة الشعراء.
(5)
اقتباس من سورة الحج.
(6)
شأو: غاية.
(7)
ابن مقبل شاعر يتمثل بقدحه فى الفوز والظفر.
(8)
دغفل: نسابة كبير عند العرب، يأخذ بكظمه: يماثله فى علم النسب، وأصل الكلمة: يأخذ بكظمه الإمساك على ما عند المرء من العلم وغيره.
أبى العميثل (1)، فإذا أدرك بغيته، واخترمته-بعد-منيته، دفن علمه معه، ومات ذكره، وانقطع خبره. ومن قدّمنا ذكره من علماء الأمصار احتالوا لبقاء ذكرهم، فألّفوا دواوين يبقى لهم بها ذكر يتجدّد طول الأبد. فإن قلت إنه كان مثل ذلك من علمائكم، وألفوا كتبا لكنها لم تضل إلينا، فهذه دعوى لم يصحبها تحقيق، لأنه ليس بيننا وبينكم إلا روحة راكب، أو رحلة قارب، لو نفث (2) ببلدكم مصدور، لأسمع ببلدنا من فى القبور، فضلا عمّن فى الدور والقصور، وتلقّوا قوله بالقبول، كما تلقوا ديوان ابن عبد ربه منكم الذى سمّاه بالعقد (3). على أنه يلحقه فيه بعض اللّوم، إذ لم يجعل فضائل بلده واسطة (4) عقده، ومناقب ملوكه يتيمة سلكه، لكنه أكثر وطوّل، وأخطأ المفصل (5)، وأطال الهزّ بسيف غير مقصل (6)، وقعد به ما قعد بأصحابه من ترك ما يعنيهم، وإغفال ما يهمهم. فأرشد أخاك-أرشدك الله-إن كان عندك فى ذلك الجليّة، وبيدك فصل القضية، إن شاء الله».
وقد ذكرت الرسالة بتمامها لأدل على ما أصابه نثر الرسائل الشخصية من إحكام فى الصياغة، حتى ليقترب أسلوب الرسالة من أسلوب الجاحظ وما اشتهر به من المزاوجة وكثرة الترادف، فالعبارات تتقابل دون أن تتحد نهاياتها بأسجاع متعاقبة، وإن حدثت سجعة عفوا سرعان ما يعدل ابن الربيب عن مثيلة لها إلى التعادل والترادف فى العبارات. ونشعر بجانب ذلك أن الصياغة محكمة، فالألفاظ جزلة مصقولة، أحكم ترتيبها كما أحكم وضع الاقتباسين القرآنيين فيها، مع الإطراف فى الكنايات والاستعارات، كتعبيره فى تكاسل الأندلسيين عن الكتابة عن أعلام بلدهم، إذ يقول:«كل امرئ منهم قائم فى ظله لا يبرح، وثابت على كعبه لا يتزحزح» ويقول عمن أهمل الكتابة عن الكتاب والوزراء: إنه «لم يبلّ قلما بمناقبهم» يقصد أنه لم يغمس قلمه فى مداد للكتابة عنهم. ويترك الكناية إلى الاستعارة قائلا: «على أنه لو أطلق ما عقل الإغفال من لسانه، وبسط ما قبض الإهمال من بيانه» . ويستغل ثقافته فى التعبير عن الفوز والظفر، إذ يقول: وليستغل قصب السّبق، ويفوز بقدح ابن مقبل الذى تغنى فى شعره بفوزه، ويأخذ بكظم دغفل كأنما يساويه فى قدرته المشهورة بعلم الأنساب، ويصبح شجى وغصّة فى حلق أبى العميثل على نحو ما أصابه أبو تمام بغصة مريرة حين ردّ عليه ردّا مفحما. وتلطّف ابن الربيب لمخاطبه أبى المغيرة بن حزم الأندلسى حين قال له:
(1) أبو العميثل هو الذى تعرض لأبى تمام يقول له لماذا لا تقول من الشعر ما يفهم فقال له: وأنت لماذا لا تفهم ما يقال.
(2)
نفث: نفخ.
(3)
هو كتاب العقد الفريد المشهور.
(4)
واسطة العقد: الجوهرة الكبيرة فى وسط العقد.
(5)
المفصل: كل ملتقى عظمين فى الجسد ويضرب التعبير مثلا للخطإ الجسيم.
(6)
المقصل من السيوف: القاطع.
«لو نفث ببلدكم مصدور (مريض بصدره) لأسمع ببلدنا من فى القبور فضلا عمن فى الدور والقصور» . ثم أورد عليه إشكالا ربما كان هو السبب المهم فى الرسالة، ذلك أن ابن عبد ربه الأندلسى ألف كتابا أدبيا فى مجلدات سماه العقد الفريد، وهو مطبوع بمصر مرارا فى أربع مجلدات كبار، وفيه يعرض الثقافة الأدبية فى المشرق، ولم يعن فيه بالحديث عن أدباء بلده وشعرائه إلا ما كان من تمثله ببعض شعرهم وذكره للشاعر الأندلسى يحيى الغزال، أما بعد ذلك فالكتاب مشرقى خالص بما فيه من أخبار وشعر ونثر مما جعل الصاحب بن عباد حين اطلع عليه يقول:«هذه بضاعتنا ردّت إلينا» . وابن الربيب محق فى اعتراضه على كتاب العقد الفريد لابن عبد ربه، لأنه لم بعرض فضائل بلده وما أنتج من نثر وكتّاب وشعر وشعراء، غير أن ابن عبد ربه قصد بكتابه العقد إلى ذلك وأن يعرض على مواطنيه الأدب المشرقى. على أن ابن الربيب بالغ، فإن وراء ابن عبد ربه كثيرين من الأندلسيين عنوا بعرض أخبار ولاتهم وحكامهم، نذكر منهم عبد الملك بن حبيب المتوفى سنة 238 وفى كتابه تحدث عن تاريخ الأندلس حتى أيام معاصره: عبد الرحمن الأوسط، ولأحمد بن محمد الرازى المتوفى سنة 344 للهجرة كتاب أخبار ملوك الأندلس، ولابن القوطية المتوفى سنة 367 كتاب تاريخ افتتاح الأندلس يتحدث فيه من الفتح حتى نهاية أيام الأمير عبد الله سنة 300 وفى أخبار الفقهاء والقضاة والعلماء من كل صنف تلقانا كتب مثل كتاب الفقهاء لابن عبد البر أحمد بن محمد وتاريخ قضاة قرطبة للخشنى المتوفى سنة 361 ومن كتب الأطباء والصيادلة طبقات الأطباء والحكماء لابن جلجل المتوفى سنة 377 ومن كتب اللغويين كتاب طبقات النحويين واللغويين للزبيدى المتوفى سنة 379 ومن كتب العلماء الأندلسيين عامة تاريخ علماء الأندلس لابن الفرضى المتوفى سنة 403. فالأندلسيون لم يقصروا فى حق ملوكهم وعلمائهم كما تبادر إلى ظن ابن الربيب، وسيكثرون بعد زمن ابن الربيب من كتابة المجلدات الضخام فيهم وفى الشعراء كما نعرف مثلا عن المقتبس لأبى حيان والذخيرة لابن بسام.
ولا تسجّل كتب التراجم والأدب فى الحقب التالية رسائل شخصية جزائرية أدبية طريفة من طراز رسالة ابن الربيب، بل تظل مغفلة هذا النوع من الرسائل، ومن المؤكد أنها أخذت تزدان بالسجع منذ ازدانت به الرسائل الديوانية الحمادية، وكان مما عمل على ذلك أن الأندلس أخذت تلقى بطائفة من صفوة كتابها منذ القرن السابع الهجرى إلى بجاية وشقيقاتها من مدن الجزائر، وكان لبجاية منهم الحظ الأوفر، فقد نزلها واستوطنها-على الأقل فترة طويلة- غير كاتب منهم، وقد عرضنا فى غير هذا الموضع لمن نزلها من المتصوفة وكيف كان لهم تأثير كبير فى أهلها وفى شيوع الشعر الصوفى بينهم واستقرار كثير منه فى صدورهم وأفئدتهم. ونلاحظ نفس الملاحظة على من نزلها من كبار الكتاب الأندلسيين واستوطنها إلى آخر حياته أو أقام فيها شطرا كبيرا من حياته ثم رحل عنها إلى تونس، ومن يرجع إلى كتاب عنوان
الدراية للغبرينى الذى ترجم فيه للعلماء والأدباء ببجاية فى القرن السابع وشطر من القرن السادس يحسّ أن تراجم الكتاب مقسومة بين تراجم بجائية وتراجم أندلسية. وكان البجائيون أخذوا يتأتقون فى كتابتهم الأدبية واندمج ذوقهم فى الذوق الأندلسى الأنيق وأصبحنا بإزاء كتابة أنيقة عامة فى الرسائل الشخصية والديوانية، وحتى فى كتب التراجم كما نجد فى صدر كثير من تراجم الغبرينى فى كتابه عنوان الدراية، وفى التعريف بملوك الدولة الزيانية عند يحيى بن خلدون ومحمد بن عبد الله التنسى.
فإذا قلنا إن الرسائل الشخصية أخذت تطبع فى الجزائر-منذ القرن السادس الهجرى- بطوابع السجع، بل لقد كانت تضيف إلى ذلك حلى من المحسنات البديعية لم نكن مبالغين. ونمضى إلى العهد العثمانى وتظل للرسائل الشخصية هذه السمات مع ما يداخلها من التكلف، وكان أحمد المقّرى صاحب نفح الطيب راسل عبد الكريم الفكّون شيخ الإسلام بقسنطينة، وظل حكام الجزائر العثمانيون يعينونه أميرا للحج عن بلده والجزائر عامة، وكان المقرى أرسل إليه بمنظومة فى علم الكلام يتمنى أن يتلطف بصنع شرح لها، فردّ عليه برسالة أثبتها المقرى فى نفح الطيب قائلا فى ديباجتها إنها كتاب وافاه من عالم قسنطينة وصالحها وكبيرها وفقيهها، سلالة العلماء والأكابر، وارث المجد كابرا عن كابر، المؤلف العلامة الشيخ عبد الكريم الفكون حفظه الله. وبعد البسملة والصلاة على الرسول الكريم يقول الفكون (1):
(1) نفح الطيب 3/ 238 وانظر تعريف الخلف 2/ 132.
(2)
الجثو: الجلوس على الركبتين.