المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌3 -الرسائل الشخصية - تاريخ الأدب العربي لشوقي ضيف - جـ ١٠

[شوقي ضيف]

فهرس الكتاب

- ‌مقدّمة

- ‌1 - [الجزائر]

- ‌2 - [المغرب الأقصى]

- ‌3 - [موريتانيا]

- ‌4 - [السودان]

- ‌القسم الأولالجزائر

- ‌الفصل الأوّلالجغرافية والتاريخ

- ‌1 -الجغرافية

- ‌3 -الفتح والولاة-الأغالبة-الإباضية-تلمسان

- ‌(ب) الأغالبة

- ‌(ج) الإباضيون

- ‌(د) تلمسان

- ‌4 -الدولة العبيدية-الدولة الصنهاجية-بنو حماد

- ‌(أ) الدولة العبيدية

- ‌(ج) بنو حماد

- ‌5 -دولة الموحدين-الدولة الحفصية-بنو عبد الواد

- ‌الفصل الثّانىالمجتمع الجزائرى

- ‌2 -المعيشة

- ‌(أ) الثراء

- ‌(ب) الرّفة

- ‌(ج) الموسيقى

- ‌4 -الدين-المالكية والحنفية-الإباضية-المعتزلة

- ‌(أ) الدين

- ‌(د) المعتزلة

- ‌الفصل الثالثالثقافة

- ‌1 -الحركة العلمية

- ‌(أ) فاتحون ناشرون للإسلام ومعلمون

- ‌(ب) دور العلم:‌‌ الكتاتيب-‌‌المساجد-المدارس-الزوايا-المكتبات

- ‌ الكتاتيب

- ‌المساجد

- ‌المدارس

- ‌الزوايا

- ‌المكتبات

- ‌(ج) نمو الحركة العلمية

- ‌5 -التاريخ

- ‌الفصل الرّابعنشاط الشعر والشعراء

- ‌2 -كثرة الشعراء

- ‌3 -شعراء المديح

- ‌ عبد الكريم النهشلى

- ‌ ابن خميس

- ‌ الشهاب بن الخلوف

- ‌ محمد القوجيلى

- ‌4 -شعراء الفخر والهجاء

- ‌(أ) شعراء الفخر

- ‌(ب) شعراء الهجاء

- ‌ بكر بن حماد التاهرتى

- ‌ سعيد المنداسى

- ‌5 -الشعراء والشعر التعليمى

- ‌ عبد الرحمن الأخضرى

- ‌الفصل الخامسطوائف من الشعراء

- ‌1 -شعراء الغزل

- ‌ ابن على

- ‌2 -شعراء وصف الطبيعة

- ‌ عبد الله بن محمد الجراوى

- ‌3 -شعراء الرثاء

- ‌4 -شعراء الزهد والتصوف

- ‌(أ) شعراء الزهد

- ‌(ب) شعراء التصوف

- ‌ إبراهيم التازى

- ‌5 -شعراء المدائح النبوية

- ‌الفصل السّادسالنثر وكتّابه

- ‌1 -الخطب والوصايا

- ‌2 -الرسائل الديوانية

- ‌3 -الرسائل الشخصية

- ‌4 -المقامات

- ‌5 -كبار الكتاب

- ‌[(ب)] الوهرانى

- ‌القسم الثانىالمغرب الأقصى

- ‌الفصل الأوّلالجغرافية والتاريخ

- ‌1 -الجغرافية

- ‌3 -الفتح والولاة-ثورة الصفرية-بنو مدرار-الأدارسة-بعد الأدارسة والمدراريين

- ‌(ب) ثورة الصفرية

- ‌(د) الأدارسة

- ‌4 -المرابطون-الموحدون-بنومرين

- ‌(أ) المرابطون

- ‌(ب) الموحدون

- ‌5 -السعديون-الطرق الصوفية-العلويون

- ‌(أ) السعديون

- ‌(ج) العلويون

- ‌الفصل الثّانىالمجتمع المغربى

- ‌1 -عناصر السكان

- ‌2 -المعيشة

- ‌3 -الثراء-الرّفة-الموسيقى-المرأة

- ‌(أ) الثراء

- ‌(ب) الرّفة

- ‌(ج) الموسيقى

- ‌(د) المرأة

- ‌4 -المالكية-الصفرية-المعتزلة-الظاهرية

- ‌(أ) المالكية

- ‌(ب) الصفرية

- ‌(ج) المعتزلة

- ‌(د) الظاهرية

- ‌5 -الزهاد-المتصوفة

- ‌(أ) الزهاد

- ‌(ب) المتصوفة

- ‌الفصل الثالثالثقافة

- ‌1 -الحركة العلمية

- ‌(أ) فاتحون ناشرون للإسلام ومعلمون

- ‌ الكتاتيب

- ‌(ب) دور العلم: الكتاتيب-المساجد-المدارس-الزوايا-المكتبات

- ‌المساجد

- ‌المدارس

- ‌الزوايا

- ‌المكتبات

- ‌(ج) نمو الحركة العلمية

- ‌2 -علوم الأوائل

- ‌3 -علوم اللغة والنحو والعروض والبلاغة

- ‌5 -التاريخ

- ‌الفصل الرّابعنشاط الشعر والشعراء

- ‌1 -تعرب المغرب الأقصى-كثرة الشعراء

- ‌(أ) تعرب المغرب الأقصى

- ‌(ب) كثرة الشعراء

- ‌2 -شعراء الموشحات والأزجال

- ‌(أ) شعراء الموشحات

- ‌ ابن غرلة

- ‌ ابن الصباغ

- ‌ ابن زاكور

- ‌(ب) شعراء الأزجال

- ‌ابن عمير

- ‌3 -شعراء المديح

- ‌ ابن زنباع

- ‌ ابن حبوس

- ‌الجراوى

- ‌ ابن عبد المنان

- ‌الهوزالى

- ‌الدغوغى

- ‌البوعنانى

- ‌4 -شعراء الفخر والهجاء

- ‌(أ) الفخر

- ‌ الشاذلى

- ‌(ب) الهجاء

- ‌5 -الشعراء والشعر التعليمى

- ‌ عبد العزيز الملزوزى

- ‌ابن الونان

- ‌الفصل الخامسطوائف من الشعراء

- ‌1 -شعراء الغزل

- ‌ أبو الربيع الموحدى

- ‌ عمر السلمى

- ‌2 -شعراء الوصف

- ‌3 -شعراء الرثاء

- ‌ ابن شعيب الجزنائى

- ‌4 -شعراء الزهد والتصوف

- ‌(أ) شعراء الزهد

- ‌(ب) شعراء التصوف

- ‌ ابن المحلى

- ‌5 -شعراء المدائح النبوية

- ‌ميمون بن خبازة

- ‌ مالك بن المرحل

- ‌الفصل السادسالنثر وكتّابه

- ‌1 -الخطب والمواعظ

- ‌2 -الرسائل الديوانية

- ‌3 -الرسائل الشخصية

- ‌4 -المقامات والرحلات

- ‌(أ) المقامات

- ‌(ب) الرحلات

- ‌ رحلة ابن رشيد

- ‌ رحلة العياشى

- ‌ رحلة ابن ناصر

- ‌5 -كبار الكتّاب

- ‌(أ) القاضى عياض

- ‌القسم الثالثموريتانيا

- ‌الفصل الأوّلالجغرافية والتاريخ

- ‌1 -الجغرافية

- ‌2 -التاريخ

- ‌الفصل الثّانىالمجتمع والثقافة

- ‌1 -المجتمع

- ‌(أ) صنهاجة وقبائل المعقل العربية

- ‌(ب) الزروع والمراعى

- ‌(ج) التجارة

- ‌(د) حياة يدوية

- ‌2 -الثقافة

- ‌(أ) نشاط دينى تعليمى كبير

- ‌(ب) التعليم والطلاب والشيوخ

- ‌(ج) أمهات الكتب والمتون والشروح المتداولة

- ‌(د) أعلام العلماء فى موريتانيا

- ‌(هـ) القراء والمفسرون والمحدثون والفقهاء

- ‌(و) أعلام النحاة والمتكلمين

- ‌الفصل الثالثنشاط الشعر والشعراء

- ‌1 -تعرّب موريتانيا

- ‌2 -شعراء المديح

- ‌ ابن رازكة

- ‌3 -شعراء الفخر والهجاء

- ‌(أ) شعراء الفخر

- ‌ المختار بن بون

- ‌(ب) شعراء الهجاء

- ‌4 -شعراء الرثاء

- ‌الفصل الرّابعطوائف من الشعراء

- ‌1 -شعراء الغزل

- ‌ الأحول الحسنى

- ‌ يقوى الفاضلى

- ‌2 -شعراء التصوف

- ‌ المختار الكنتى

- ‌الشيخ سيديّا

- ‌3 -شعراء المدائح النبوية

- ‌ محمد بن محمد العلوى

- ‌4 -الشعراء والشعر التعليمى

- ‌القسم الرابعالسودان

- ‌الفصل الأوّلالجغرافية والتاريخ

- ‌1 -الجغرافية

- ‌2 -التاريخ

- ‌3 -(ج) دولة الفونج

- ‌4 -محمد على والسودان-عهد إسماعيل

- ‌5 -حركة المهدى-خليفته عبد الله التعايشى

- ‌الفصل الثّانىالمجتمع السودانى-الثقافة

- ‌(أ) نزعة صوفية عامة

- ‌(ب) المرأة ومكانتها فى التصوف

- ‌(ج) التصوف والتربية الخلقية والدينية

- ‌(د) طرق صوفية جديدة

- ‌(هـ) دعوة المهدى ومبادئها الستة

- ‌2 -الثقافة

- ‌(أ) كتاتيب-زوايا-مساجد

- ‌(ب) حركة علمية نشيطة فى عهد الفونج

- ‌(ج) سودانيون أزهريون وعلماء مصريون

- ‌(د) التعليم المدنى الحديث وتوقفه

- ‌(هـ) إنشاء معهد دينى وعودة التعليم المدنى الحديث

- ‌الفصل الثالثنشاط الشعر والشعراء

- ‌2 -شعراء المديح

- ‌ الشيخ حسين زهراء

- ‌ الشيخ محمد عمر البناء

- ‌3 -شعراء الفخر والحماسة

- ‌ الشيخ يحيى السلاوى السودانى

- ‌ عثمان هاشم

- ‌4 -شعراء الرثاء

- ‌(أ) رثاء الأفراد

- ‌ الشيخ محمد سعيد العباسى

- ‌(ب) رثاء المدن

- ‌الفصل الرّابعطوائف من الشعراء

- ‌1 -شعراء الغزل العفيف

- ‌2 -شعراء النقد العنيف والشكوى من الزمن

- ‌الشيخ عبد الله البناء

- ‌ صالح عبد القادر

- ‌3 -شعراء التصوف

- ‌4 -شعراء المدائح النبوية

- ‌ الشيخ عمر الأزهرى

- ‌ الشيخ عبد الله عبد الرحمن

الفصل: ‌3 -الرسائل الشخصية

فإنهم اتخذوا لهم كتابا يحذقون العربية. أما من عداهم فظل يتخذ التركية فى المعاملات الرسمية، وبدون ريب أضعف ذلك من شأن الكتابة الديوانية العربية التى كانت تلتفّ حولها طبقة من الكتاب الممتازين المتنافسين، وكل منهم يحاول الامتياز على زملائه فى براعته الأدبية، أما فى هذا العهد فلا تنافس، وحسب الكاتب أن يكتب بلغة مسجوعة لا تخلو من ضعف وركاكة أحيانا. ومن رسالة لكاتب يسمى محمدا القالى قدمها إلى محمد بكداش طالبا منه بعض العون، وفيها يقول (1):

«جلّ الله تعالى مالك الملك ومقيم قسطاس العدل بما أراده من إعزاز السادات الترك، جمع سبحانه وتعالى بهم كلمة الدين الحنيف، وآثرهم بهذا الملك الكبير وهذا العز المنيف، وشرفهم بما وهبهم من الرتب العالية وهم أصل للرفعة والتشريف، وخصهم بمكارم الأخلاق ونزاهة الأقدار، وجعلهم بهذا القطر رحمة للعباد، وأخمد بشوكتهم نار الفتنة والعناد، فسلكت بهم السّبل وأمنت بهم البلاد، لطفا منه سبحانه بهذه الأقطار، نسأل الله أن يبقى جنابهم السعيد عاليا على كل جناب، وأن يخلّد الملك فيهم على مرور الدهور وانقضاء الأعمار. . وبعد فإن الله تعالى منّ على المسلمين بسيدنا مولانا سلطان الملوك والأكابر، المخصوص بأفضل الشمائل والمآثر، الإمام العادل، السلطان الفاضل، العالم العامل، صلاح الدنيا والدين، سلطان الإسلام والمسلمين، الذى أطلعه الله فى سماء الجلالة بدرا، ورفع له فى درجات الأمراء قدرا، وأجرى له على ألسنة الخلق ثناء جميلا وذكرا، فأصبح الدين مبتهجا بكريم دولته، وجناب الكفر مهتضما بعظيم صولته» .

وواضح ما يجرى فى الرسالة من التكلف الشديد، فالترك أهل الرتب العالية ولكن الصيغة لا تتم من حيث السجع فيضيف إليها قوله:«وهم أصل للرفعة والتشريف. ويطيل العبارة بعدها حتى يقع على سجعة: «للعباد» واستعصت عليه سجعة الراء بعدها فأطال العبارة حتى تمكن من إيرادها بقوله: «الأقطار» . وقد أكثر من ألقاب محمد بكداش وأوصافه وبالغ ما شاءت له المبالغة مع كثرة الأدعية. وكل ذلك تكلف وتمحل فى الرسالة، وكأنما أصبح من الصعب أن تعود إلى الرسالة الديوانية حيويتها ونضرتها القديمة.

‌3 -

الرسائل الشخصية

يبدو أنه لم يكن بالجزائر اهتمام مبكر بتسجيل الرسائل الشخصية، ولولا أن الإباضية

(1) تاريخ الجزائر الثقافى 2/ 196.

ص: 232

اهتموا بتدوين الرسائل الديوانية لحكام الدولة الرستمية لضاعت أو سقطت من يد الزمن وأول رسالة شخصية جزائرية مهمة وصلتنا عن الحقب الأولى رسالة أبى على ابن الربيب الحسن بن محمد التميمى التاهرتى الذى ترجم له ابن رشيق فى كتابه: «الأنموذج» وقال إنه تولى القضاء طويلا فى بلدته تاهرت وإنه توفى سنة 420 هـ/1030 م ولم يذكر الرسالة ولا أشار إليها، وإنما ذكرها ابن بسام فى كتابه الذخيرة، إذ قال فى ترجمة أبى المغيرة عبد الوهاب بن حزم: كتب إليه أبو على بن الربيب رقعة يقول فيها (1):

«إنّي فكّرت فى بلدكم أهل الأندلس، إذ كان قرارة كل فضل، ومقصد كل طرفة، ومورد كلّ تحفة، إن بارت تجارة أو صناعة فإليكم تجلب، وإن كسدت بضاعة فعندكم تنفق (2)، مع كثرة علمائه، ووفور أدبائه، وجلالة ملوكه، ومحبتهم للعلم وأهله، ورفعهم من رفعه أدبه، وكذلك سيرتهم فى رجال الحرب، يقدّمون من قدّمته شجاعته، وعظمت فى الحروب نكايته، فشجع عندكم بذلك الجبان، وأقدم الهيبان (3)، ونبه الخامل، وعلم الجاهل، ونطق العيىّ، وشعر البكىّ. . وتنافس الناس فى العلوم، ثم هم مع ذلك فى غاية التقصير، ونهاية التفريط من أجل أن علماء الأمصار دونوا فضائل أعيانهم، وقلّدوا الكتب مآثر أقطارهم وأخبار الملوك والأمراء، والكتاب والوزراء، والقضاة والعلماء، فأبقوا لهم ذكرا فى الغابرين، و (لسان (4) صدق فى الآخرين). وعلماؤكم مع استظهارهم على العلوم، كل امرئ منهم قائم فى ظله لا يبرح، وثابت على كعبه لا يتزحزح، يخاف إن صنّف، أن يعنّف، أو (تخطفه (5) الطّير أو تهوى به الرّيح فى مكان سحيق) لم يتعب أحد منهم نفسا فى [جمع] مفاخر [أهل] بلده ولم يستعمل نقسا (مدادا) فى فضائل ملوكه، ولا بلّ قلما بمناقب كتّابه ووزرائه، ولا سوّد قرطاسا بمحاسن قضاته وعلمائه. على أنه لو أطلق ما عقل الإغفال من لسانه، وبسط ما قبض الإهمال من بيانه، لوجد للقول مساغا، ولم تضق عليه المسالك هنالك.

ولكن همّ كل أحد منهم أن يطلب شأو (6) من تقدّمه من رؤساء العلماء، ليحوز قصب السّبق، ويفوز بقدح (7) ابن مقبل، ويأخذ بكظم (8) دغفل، ويصير شجّى فى حلق

(1) الذخيرة 1/ 133.

(2)

تنفق: تروج.

(3)

الهيبان: الهائب الخائف.

(4)

اقتباس من سورة الشعراء.

(5)

اقتباس من سورة الحج.

(6)

شأو: غاية.

(7)

ابن مقبل شاعر يتمثل بقدحه فى الفوز والظفر.

(8)

دغفل: نسابة كبير عند العرب، يأخذ بكظمه: يماثله فى علم النسب، وأصل الكلمة: يأخذ بكظمه الإمساك على ما عند المرء من العلم وغيره.

ص: 233

أبى العميثل (1)، فإذا أدرك بغيته، واخترمته-بعد-منيته، دفن علمه معه، ومات ذكره، وانقطع خبره. ومن قدّمنا ذكره من علماء الأمصار احتالوا لبقاء ذكرهم، فألّفوا دواوين يبقى لهم بها ذكر يتجدّد طول الأبد. فإن قلت إنه كان مثل ذلك من علمائكم، وألفوا كتبا لكنها لم تضل إلينا، فهذه دعوى لم يصحبها تحقيق، لأنه ليس بيننا وبينكم إلا روحة راكب، أو رحلة قارب، لو نفث (2) ببلدكم مصدور، لأسمع ببلدنا من فى القبور، فضلا عمّن فى الدور والقصور، وتلقّوا قوله بالقبول، كما تلقوا ديوان ابن عبد ربه منكم الذى سمّاه بالعقد (3). على أنه يلحقه فيه بعض اللّوم، إذ لم يجعل فضائل بلده واسطة (4) عقده، ومناقب ملوكه يتيمة سلكه، لكنه أكثر وطوّل، وأخطأ المفصل (5)، وأطال الهزّ بسيف غير مقصل (6)، وقعد به ما قعد بأصحابه من ترك ما يعنيهم، وإغفال ما يهمهم. فأرشد أخاك-أرشدك الله-إن كان عندك فى ذلك الجليّة، وبيدك فصل القضية، إن شاء الله».

وقد ذكرت الرسالة بتمامها لأدل على ما أصابه نثر الرسائل الشخصية من إحكام فى الصياغة، حتى ليقترب أسلوب الرسالة من أسلوب الجاحظ وما اشتهر به من المزاوجة وكثرة الترادف، فالعبارات تتقابل دون أن تتحد نهاياتها بأسجاع متعاقبة، وإن حدثت سجعة عفوا سرعان ما يعدل ابن الربيب عن مثيلة لها إلى التعادل والترادف فى العبارات. ونشعر بجانب ذلك أن الصياغة محكمة، فالألفاظ جزلة مصقولة، أحكم ترتيبها كما أحكم وضع الاقتباسين القرآنيين فيها، مع الإطراف فى الكنايات والاستعارات، كتعبيره فى تكاسل الأندلسيين عن الكتابة عن أعلام بلدهم، إذ يقول:«كل امرئ منهم قائم فى ظله لا يبرح، وثابت على كعبه لا يتزحزح» ويقول عمن أهمل الكتابة عن الكتاب والوزراء: إنه «لم يبلّ قلما بمناقبهم» يقصد أنه لم يغمس قلمه فى مداد للكتابة عنهم. ويترك الكناية إلى الاستعارة قائلا: «على أنه لو أطلق ما عقل الإغفال من لسانه، وبسط ما قبض الإهمال من بيانه» . ويستغل ثقافته فى التعبير عن الفوز والظفر، إذ يقول: وليستغل قصب السّبق، ويفوز بقدح ابن مقبل الذى تغنى فى شعره بفوزه، ويأخذ بكظم دغفل كأنما يساويه فى قدرته المشهورة بعلم الأنساب، ويصبح شجى وغصّة فى حلق أبى العميثل على نحو ما أصابه أبو تمام بغصة مريرة حين ردّ عليه ردّا مفحما. وتلطّف ابن الربيب لمخاطبه أبى المغيرة بن حزم الأندلسى حين قال له:

(1) أبو العميثل هو الذى تعرض لأبى تمام يقول له لماذا لا تقول من الشعر ما يفهم فقال له: وأنت لماذا لا تفهم ما يقال.

(2)

نفث: نفخ.

(3)

هو كتاب العقد الفريد المشهور.

(4)

واسطة العقد: الجوهرة الكبيرة فى وسط العقد.

(5)

المفصل: كل ملتقى عظمين فى الجسد ويضرب التعبير مثلا للخطإ الجسيم.

(6)

المقصل من السيوف: القاطع.

ص: 234

«لو نفث ببلدكم مصدور (مريض بصدره) لأسمع ببلدنا من فى القبور فضلا عمن فى الدور والقصور» . ثم أورد عليه إشكالا ربما كان هو السبب المهم فى الرسالة، ذلك أن ابن عبد ربه الأندلسى ألف كتابا أدبيا فى مجلدات سماه العقد الفريد، وهو مطبوع بمصر مرارا فى أربع مجلدات كبار، وفيه يعرض الثقافة الأدبية فى المشرق، ولم يعن فيه بالحديث عن أدباء بلده وشعرائه إلا ما كان من تمثله ببعض شعرهم وذكره للشاعر الأندلسى يحيى الغزال، أما بعد ذلك فالكتاب مشرقى خالص بما فيه من أخبار وشعر ونثر مما جعل الصاحب بن عباد حين اطلع عليه يقول:«هذه بضاعتنا ردّت إلينا» . وابن الربيب محق فى اعتراضه على كتاب العقد الفريد لابن عبد ربه، لأنه لم بعرض فضائل بلده وما أنتج من نثر وكتّاب وشعر وشعراء، غير أن ابن عبد ربه قصد بكتابه العقد إلى ذلك وأن يعرض على مواطنيه الأدب المشرقى. على أن ابن الربيب بالغ، فإن وراء ابن عبد ربه كثيرين من الأندلسيين عنوا بعرض أخبار ولاتهم وحكامهم، نذكر منهم عبد الملك بن حبيب المتوفى سنة 238 وفى كتابه تحدث عن تاريخ الأندلس حتى أيام معاصره: عبد الرحمن الأوسط، ولأحمد بن محمد الرازى المتوفى سنة 344 للهجرة كتاب أخبار ملوك الأندلس، ولابن القوطية المتوفى سنة 367 كتاب تاريخ افتتاح الأندلس يتحدث فيه من الفتح حتى نهاية أيام الأمير عبد الله سنة 300 وفى أخبار الفقهاء والقضاة والعلماء من كل صنف تلقانا كتب مثل كتاب الفقهاء لابن عبد البر أحمد بن محمد وتاريخ قضاة قرطبة للخشنى المتوفى سنة 361 ومن كتب الأطباء والصيادلة طبقات الأطباء والحكماء لابن جلجل المتوفى سنة 377 ومن كتب اللغويين كتاب طبقات النحويين واللغويين للزبيدى المتوفى سنة 379 ومن كتب العلماء الأندلسيين عامة تاريخ علماء الأندلس لابن الفرضى المتوفى سنة 403. فالأندلسيون لم يقصروا فى حق ملوكهم وعلمائهم كما تبادر إلى ظن ابن الربيب، وسيكثرون بعد زمن ابن الربيب من كتابة المجلدات الضخام فيهم وفى الشعراء كما نعرف مثلا عن المقتبس لأبى حيان والذخيرة لابن بسام.

ولا تسجّل كتب التراجم والأدب فى الحقب التالية رسائل شخصية جزائرية أدبية طريفة من طراز رسالة ابن الربيب، بل تظل مغفلة هذا النوع من الرسائل، ومن المؤكد أنها أخذت تزدان بالسجع منذ ازدانت به الرسائل الديوانية الحمادية، وكان مما عمل على ذلك أن الأندلس أخذت تلقى بطائفة من صفوة كتابها منذ القرن السابع الهجرى إلى بجاية وشقيقاتها من مدن الجزائر، وكان لبجاية منهم الحظ الأوفر، فقد نزلها واستوطنها-على الأقل فترة طويلة- غير كاتب منهم، وقد عرضنا فى غير هذا الموضع لمن نزلها من المتصوفة وكيف كان لهم تأثير كبير فى أهلها وفى شيوع الشعر الصوفى بينهم واستقرار كثير منه فى صدورهم وأفئدتهم. ونلاحظ نفس الملاحظة على من نزلها من كبار الكتاب الأندلسيين واستوطنها إلى آخر حياته أو أقام فيها شطرا كبيرا من حياته ثم رحل عنها إلى تونس، ومن يرجع إلى كتاب عنوان

ص: 235

الدراية للغبرينى الذى ترجم فيه للعلماء والأدباء ببجاية فى القرن السابع وشطر من القرن السادس يحسّ أن تراجم الكتاب مقسومة بين تراجم بجائية وتراجم أندلسية. وكان البجائيون أخذوا يتأتقون فى كتابتهم الأدبية واندمج ذوقهم فى الذوق الأندلسى الأنيق وأصبحنا بإزاء كتابة أنيقة عامة فى الرسائل الشخصية والديوانية، وحتى فى كتب التراجم كما نجد فى صدر كثير من تراجم الغبرينى فى كتابه عنوان الدراية، وفى التعريف بملوك الدولة الزيانية عند يحيى بن خلدون ومحمد بن عبد الله التنسى.

فإذا قلنا إن الرسائل الشخصية أخذت تطبع فى الجزائر-منذ القرن السادس الهجرى- بطوابع السجع، بل لقد كانت تضيف إلى ذلك حلى من المحسنات البديعية لم نكن مبالغين. ونمضى إلى العهد العثمانى وتظل للرسائل الشخصية هذه السمات مع ما يداخلها من التكلف، وكان أحمد المقّرى صاحب نفح الطيب راسل عبد الكريم الفكّون شيخ الإسلام بقسنطينة، وظل حكام الجزائر العثمانيون يعينونه أميرا للحج عن بلده والجزائر عامة، وكان المقرى أرسل إليه بمنظومة فى علم الكلام يتمنى أن يتلطف بصنع شرح لها، فردّ عليه برسالة أثبتها المقرى فى نفح الطيب قائلا فى ديباجتها إنها كتاب وافاه من عالم قسنطينة وصالحها وكبيرها وفقيهها، سلالة العلماء والأكابر، وارث المجد كابرا عن كابر، المؤلف العلامة الشيخ عبد الكريم الفكون حفظه الله. وبعد البسملة والصلاة على الرسول الكريم يقول الفكون (1):

«إنّي أحمد الله إليك وأصلى على نبيه سيدنا محمد، ولا أريد إلا صالح الدعاء وطلبه منكم، فإنى أحوج الناس إليه، وأشدهم فى ظنى إلحاحا عليه، لما تحققت من أحوال نفسى الأمّارة، واستبطنت من دخيلاتها المثابرة على حب الدنيا الغرّارة، كأنما عميت عن الأهوال التى أشابت رءوس الأطفال، وقطعت أعناق كمّل الرجال، فتراها فى لجج هواها خائضة، وفى ميدان شهوائها راكضة، طغت فى غيّها وما لانت، وجمحت فما انقادت ولا استقامت. . . والله أسأل حسن الألطاف، والسّتر عما ارتكبناه من التعدى والإسراف، وأن يجعلنا من أهل الحمى العظيم، وممن يحشر تحت لواء خلاصته الكريم: سندنا سيدنا ومولانا وشفيعنا النبى الرءوف الرحيم. . وقد اتصل بيدى جوابكم، أطال الله فى العلم بقاءكم، فرأيت من عذوبة ألفاظكم وبلاغة خطابكم، ما يذهل من العلماء فحولها، وينيلها لدى الجثوّ (2) لسماعه سؤلها ومأمولها. . وقد ذيّلتموه بأبيات أنا أقل من أن أوصف بمثلها، على أنى غير قائم بفرضها ونفلها، فالله تعالى يمدكم بمعونته، ويجعلكم من أهل مناجاته بحضرته. . وظنّنا لكم أن نجعل على منظومتكم الكلامية يعنى: «إضاءة الدجنّة» تقييدا

(1) نفح الطيب 3/ 238 وانظر تعريف الخلف 2/ 132.

(2)

الجثو: الجلوس على الركبتين.

ص: 236