الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
5 -
دولة الموحدين-الدولة الحفصية-بنو عبد الواد
(أ) دولة (1) الموحدين
لم يلبث عبد المؤمن بن على خليفة الموحدين بالمغرب الأقصى أن دخل بجاية سنة 547 هـ/1152 م واصطحب يحيى معه إلى عاصمته مراكش، واتسع فى إكرامه. وبذلك انتهت دولة بنى حماد فى الجزائر، وكان حكامها يأخذون بأسباب من الحضارة، وكانوا بصيرين بشئون الحكم، وعاملوا رعاياهم معاملة حسنة، وأحدثوا فى القلعة وبجاية عاصمتيهما نهضة فى الآداب والعلوم والتحضر بلغت شأوا عظيما، وعنوا بالصناعة والزراعة والتجارة مع إفريقيا والسودان فى الجنوب ومع أوربا فى الشمال، وكان أسطولهم التجارى يمخر عباب البحر المتوسط إلى مدن إيطاليا والأندلس، وأقاموا له ببجاية دار صناعة بحرية كبرى تمده بالسفن، وقد عقدوا مع الدول البحرية الأوربية معاهدات تجارية. وبدون ريب كان لهجرة الأعراب البدو من بنى هلال واكتساحهم للزاب بإبلهم وخيلهم ورجلهم فى القرن الخامس الهجرى أثر غير قليل فى إفساد الزاب، وحدثت الطامة فى القرن السادس الهجرى إذ أخذوا يتقدمون إلى الأطلس التلى وجبال البابور وامتدوا شرقا حتى سهول بونة (عنابة) وأصبح بنو حماد وبجاية فى حاجة إلى من ينقذهم، وأنقذهم عبد المؤمن خليفة الموحدين فى مراكش. وكان يعرف خطورة الهلاليين على البلاد، فأدار معهم معركة حاسمة بالقرب من سطيف جنوبى بجاية ومزقهم تمزيقا وطارد فلولهم حتى تبسة جنوبى باغاية. وتعد هذه المعركة نهاية المعارك الكبرى للهلاليين فى الجزائر، وأخذوا بعدها يتأقلمون ويتغرّبون أو يصبحون جزءا من الشعب المغربى، وانتفع بهم عبد المؤمن فى حروبه بالأندلس وكذلك ابنه يوسف وحفيده يعقوب وخاصة فى معركة الأرك المشهورة. وكان نورمان صقلية قد استولوا على المهدية سنة 543 وبالمثل على طرابلس وطلب أهلهما من عبد المؤمن النجدة، فسار سنة 553 بجيش ضخم وأسطول كبير إليهم، وقلم فى الجزائر وإفريقية التونسية أظفار الأمراء المستبدين بالبلاد، وحاصر المهدية ثم طرابلس برا وبحرا سنة 555 هـ/1160 م وفر النورمان خاسئين مدحورين، ويطبق فى الإقليمين التونسى والجزائرى ما اتخذه فى المغرب من التراتيب المخزنية فى إدارة الحكم، وظلت قائمة إلى نهاية الدولة الحفصية. وتظل الجزائر هادئة فى عهده وعهد ابنه يوسف الذى خلفه سنة 558 هـ/1162 م وتوفى يوسف ويخلفه ابنه يعقوب
(1) انظر فى دولة الموحدين البيان المغرب لابن عذارى وكتاب المعجب للمراكشى والجزء الرابع من تاريخ ابن خلدون وكتاب المن بالإمامة لابن صاحب الصلاة وتاريخ الدولتين الموحدية والحفصية للزركشى وتاريخ الجزائر فى القديم والحديث لمبارك الميلى وعصر المرابطين والموحدين لمحمد عبد الله عنان.
سنة 580 هـ/1184 م. وفى عهده ثار عليه بنو غانيّة ولاة المرابطين فى جزيرة ميورقة، ونزل منهم على وأخوه فى الجزائر والإقليم التونسى يحاولان أن يقيما فيهما دولة لمقاومة دولة الموحدين بالمغرب الأقصى ويعدا جيشا لحربهم. وأحدث على قلاقل كثيرة فى الساحل الجزائرى بين بجاية ومليانة وكذلك فى الساحل التونسى، فخرج إليه يعقوب بجيش جرار سنة 583 وظل طوال مسيرته إليه فى بلدان الجزائر وتونس يبنى المساجد كما يبنى المستشفيات، وعلى بن غانية يفر أمامه إلى أن لقى مصرعه، وعاد يعقوب إلى عاصمته. وخلف على فى شغبه على الموحدين أخوه يحيى وظل يستعين بالعصابات الهلالية، ومرة ينتصر ومرة ينهزم حتى توفى فى برية تلمسان سنة 631.
(ب) الدولة (1) الحفصية بتونس
فى هذه الأثناء قامت الدولة الحفصية، وكان مؤسسها أبو زكريا بن عبد الواحد بن يحيى بن أبى حفص واليا للموحدين على إفريقية التونسية، واستطاع أن يخضع الجزائر، أو بعبارة أدق أن يضمها إلى ولايته، إذ كانت دولة الموحدين قد ضعفت ضعفا شديدا، فاستقام له حكم البلدين حكما رشيدا يقوم على نشر العدل والأمن فى البلاد، وحين نشأت الدولة المرينية ظلت تعلن البيعة والولاء له حتى وفاته سنة 647 هـ/1258 م وكذلك لابنه محمد، وكان التتار قد قضوا على الخلافة العباسية فى بغداد سنة 656 هـ/1258 م وأصبح المسلمون بدون خلافة، فانتسب إلى عمر بن الخطاب رضى الله عنه، وعمل بعض أتباعه على أن تبايعه مكة بالخلافة وبايعته، وتسمى باسم أمير المؤمنين وتلقب بلقب المستنصر بالله، وكان عهده فى الجزائر شرقا وغربا-كعهد أبيه-عهد رخاء واستقرار إلى وفاته سنة 675 هـ/1258 م. وقامت منافسات على الحكم بين أبنائه واقتتلوا وأخذ حكم الدولة ينحسر عن غربى الجزائر كما أخذ المرينيون يتخلصون من الولاء لهم، واقتحم الجزائر أبو يحيى أخو السلطان يوسف بن يعقوب المرينى سنة 701 هـ/1301 م ودخل بجاية وخرّب بستانها المسمّى بالبديع وعاد أدراجه. وانتهى من حينئذ حكم الدولة الحفصية بالجزائر، فلم تعد تمد سلطانها على تاهرت وشرشال ومدينة الجزائر، إذ تراجع حكمها-حتى نهاية أيامها فى القرن العاشر الهجرى-إلى بجاية وسطيف وبسكرة وقسنطينة والزاب. وفى الأكثر كانت تفرض تلمسان فى عهد بنى زيان سلطانها على الجزائر الغربية وأحيانا كان يفرضه عليها بنو مرين وقلما كانت تفرضه الدولة الحفصية. وحاول الخليفة الحفصى أبو عصيدة تلافى هذه الخصومة سريعا، فأرسل فى سنة 703 وفدا
(1) انظر فى الدولة الحفصية البيان المغرب لابن عذارى وتاريخ ابن خلدون والاستقصاء لأخبار دول المغرب الأقصى للسلاوى وتاريخ الدولتين الموحدية والحفصية للزركشى والأدلة البينة النورانية فى مفاخر الدولة الحفصية لابن الشماع والفارسية فى مبادى الدولة الحفصية لابن قنفذ وتاريخ الجزائر فى القديم والحديث لمبارك بن محمد الميلى.
إلى السلطان المرينى لتحسين العلاقات بينهما، وتحسنت وتعددت بينهما السفارات. وأخذت الدولة الحفصية تزداد ضعفا فى النصف الأول من القرن الثامن الهجرى، مما جعل السلطان المرينى أبا الحسن يجتاح تلمسان والجزائر ويدخل تونس سنة 748 هـ/1347 م ويظل بها سنتين، ويعلم بثورة أبى عنان ابنه عليه فى المغرب الأقصى فيعود إلى بلاده. وتعود للحفصيين دولتهم فى طرابلس وتونس والجزائر الشرقية حتى بجاية، ويحاول أبو عنان-بعد توليه الحكم-الاستيلاء من جديد على تونس ويكتسح الجزائر سنة 753 هـ/1352 م ويوجه إلى تونس حملة بحرية لمعاونة القوات البرية. ويستولى عليها لمدة شهرين، إذ يضطر إلى مبارحتها لثورة قبيلة رياح عليه ويهدم حصونها فى الزاب، ويعود إلى فاس عاصمته. وتستعيد الدولة الحفصية مدنها فى الجزائر الشرقية وتتحسن العلاقات بينها وبين الدولة المرينية. وتعود إليها قوتها فى عهد السلطان الحفصى أبى فارس عبد العزيز فيعدّ سنة 827 هـ/1423 م جيشا جرارا يفتح به غربى الجزائر وتلمسان حتى إذا اقترب من فاس يريد غزوها أرسل إليه صاحبها أبو سعيد عثمان المرينى رسالة يقول فيها:«إن البلاد بلادكم والسلطنة سلطنتكم وجميع ما تأمروننا به نمتثله» وكانت الرعية شكت من ظلمه فأمره أبو فارس بالعدل الذى لا تصلح حياة الرعية بدونه، وعاد إلى عاصمته تونس. ويتولى الحكم بعده حفيده أبو عمرو عثمان سنة 838 هـ/1434 م وامتد حكمه إلى خمسة وخمسين عاما نعمت فيها تونس والجزائر الشرقية بالأمن والعدل والرخاء، وثارت عليه تلمسان فاستردّ ولاءها لدولته وهو خاتمة الخلفاء الحفصيين المهمين، وتوفى سنة 893 هـ/1487 م وأخذت الدولة بعده فى التدهور وأخذت تستقل عنها بعض البلاد فى إقليم الجزائر الشرقية.
(ج) بنو عبد (1) الواد بتلمسان
لم نفصل القول حتى الآن عن تلمسان، وكان بنو زناتة يسيطرون عليها، ومر بنا أن الأدارسة استولوا عليها، وأن الفاطميين أخضعوها لهم بعدهم، وانحسرت عنهم دولتهم، أو ثاروا عليها، مما جعل صنهاجة بزعامة بلكين تغزوهم سنة 368 للهجرة ويثأرون لأنفسهم بزعامة زيرى بن عطية سنة 389 وتهزمهم صنهاجة سنة 395 وتظل زناتة مسيطرة على تلمسان إلى أن يستولى عليها يوسف بن تاشفين المؤسس الحقيقى لدولة المرابطين بمراكش سنة 474 هـ/1081 م وتظل تابعة للمرابطين إلى انتهاء دولتهم، وتتبع بعدهم دولة الموحدين. وقرّبوا منهم بنى عبد الواد الزناتيين. وفى سنة 627 هـ/1229 م ولوا منهم جابر بن يوسف
(1) انظر فى بنى عبد الواد أو بنى زيان كتاب تاريخ بنى زيان ملوك تلمسان لمحمد بن عبد الله التنسى تحقيق د. محمود بو عياد وكتاب بغية الرواد فى ذكر الملوك من بنى عبد الواد ليحيى بن خلدون تحقيق د. عبد الحميد حاجيات وكتاب الاستقصاء لأخبار دول المغرب الأقصى للسلاوى وتاريخ ابن خلدون وكتاب أبو حمو موسى الزيانى للدكتور عبد الحميد حاجيات وتاريخ الجزائر فى القديم والحديث لمبارك بن محمد الميلى
على تلمسان فأخذ يعمل على الاستقلال ببلده عن الموحدين، غير أنه توفى سريعا، وخلفه بعض أفراد من أسرته، وصارت سنة 633 هـ/1236 م إلى يغمراسن فأعلن استقلاله عن الموحدين، ونصّب نفسه أميرا للمسلمين، وسيّر إليه أبو زكريا الحفصى أمير إفريقية التونسية والجزائر الشرقية جنده فأعلن له الولاء، وعاد بجنده. وزحف إليه السعيد الموحدى سنة 646 هـ/1248 م وانتصر عليه يغمراسن. ونشبت بينه وبين قبيلة المعقل وغيرها من القبائل الصحراوية حروب كثيرة، وجعل بينه وبينها قبيلة بنى عامر لتدرأ خطرها، وواقع مرارا بعض أعمال تلمسان فى غربى الجزائر، وتوفى سنة 681 هـ/1282 م بعد أن ثبّت فى تلمسان دعائم الملك لأبنائه. وخلفه ابنه أبو سعيد عثمان، وقد وسّع أطراف مملكته فى غربى الجزائر حتى جبال ونشريس ومدينة المدية فى الأطلس التلى جنوبى مدينة الجزائر ومدينة تنس على الساحل غربى شرشال. وغزا تلمسان لعهده سلطان الدولة المرينية يوسف خمس مرات هزم فى أربع منها وفى الخامسة حاصر تلمسان سنة 698 هـ/1298 م وظل محاصرا لها ثمانى سنوات وثلاثة أشهر، ومات أبو سعيد فى الحصار كمدا سنة 703 هـ/1303 م وأعقبه ابنه أبو زيان وتوفى كمدا مثله سنة 707 هـ/1307 م وفى نفس السنة توفى السلطان المرينى يوسف وفكّ المرينيون الحصار عن تلمسان، وكان وليها أبو حمو موسى الأول فاشتغل بتثبيت ملكه وغزا غربى الجزائر واستولى على مليانة ومدينة الجزائر وسهل متيجة جنوبيها وكاد يستولى على بجاية وقسنطينة واغتيل سنة 718 هـ/1318 م وخلفه ابنه أبو تاشفين، وكان مولعا بتشييد القصور ونزل قسنطينة وأفسد الزرع، واستولى على بجاية من الدولة الحفصية مما جعل سلطانها يطلب العون من بنى مرين أصهاره فتشفّع له سلطانهم أبو الحسن، فرد أبو تاشفين رسله إليه أسوأ رد. فحاصر تلمسان، وبنى أمامها مدينة غربيها لسكناه سماها المنصورة وضيّق عليها الحصار وشدّ الخناق سنتين حتى دخلها عنوة سنة 737 هـ وقاتل أبو تاشفين وأبناؤه دونها وقتلوا جميعا، وبذلك انتهت دولة بنى عبد الواد الأولى بتلمسان بعد أن حكمتها مائة عام ونيفا.
وأخد أبو الحسن المرينى يستولى على بعض البلدان فى غربى الجزائر. وفى سنة 748 عين ابنه أبا عنان على تلمسان وما صار إليه من بلدان الجزائر، وزحف شرقا إلى تونس واستولى عليها من السلطان الحفصى وظل بها ما يقرب من سنتين، وعصته القبائل العربية فى تونس ونازلته وهزمته، وجاءته أخبار بأن أبا عنان ابنه غادر تلمسان إلى فاس العاصمة ودعا لنفسه فيها فبارح تونس سريعا إلى فاس، وفى هذه الأثناء انتهز أميران من الأسرة الزيانية الفرصة هما: أبو سعيد وأبو ثابت واستوليا على تلمسان سنة 749 واشتركا فى حكمها، حتى إذا كانت سنة 753 نازلهما السلطان المرينى أبو عنان واستولى منهما على تلمسان، ونرى الشاب الزيانى أبا حمو موسى الثانى يفر إلى تونس ويكرمه سلطانها ووزيره ابن تافراكين. وفى سنة 760 هـ/1358 م جهّز أبو حمو موسى الثانى جيشا من تونس والجزائر وفتح تلمسان وأخرج
منها المرينيين وأعادها إلى أسرته. ولم تتسمّ الدولة حينئذ دولة بنى عبد الواد، بل تسمت باسم دولة بنى زيان نسبة إلى أحد الجدود الأولين، وهو أبو يغمراسن مؤسس الدولة الأولى ودبّر أبو حمو أمور الدولة تدبيرا سديدا ونهض بتلمسان نهضة علمية وأدبية، وكان شاعرا، واتخذ هو وخلفاؤه لقب أمير المؤمنين واصطنعوا بها لها نظاما شبيها بنظم الخلافة فى الشرق فصّل القول فيه الحسن الوزان فى كتابه وصف إفريقيا قائلا إنهم اتخذوا مراسم دقيقة إذ قسموا الإدارة قسمين إدارة عسكرية وإدارة مدنية، وعلى رأس الأولى القائد، وعلى رأس الثانية الكاتب الأول، ومن ورائهما خازن المال أو الصراف الذى يأمر بصرفه إلى مناصب ووظائف عديدة. وتوفى أبو حمو موسى الثانى سنة 791 وتنازع أبناؤه وتقاتلوا فى سبيل الاستيلاء على الحكم، ومن أهمهم أبو زيان استولى على مقاليد الحكم سنة 796 وكان عالما شاعرا وتهادى مع السلطان المملوكى برقوق وقتل سنة 801 هـ/1398 م بيد أخيه أبى محمد عبد الله وحكم تلمسان حتى سنة 804 وخلفه أخوه أبو عبد الله محمد المعروف بابن خولة إلى سنة 813 هـ/1410 م وأخذ يكثر فى الأسرة القتل والخلع، وتتدخل الدولة الحفصية لنصرة الأخ على أخيه أو القريب عما أو غير عم على القريب. وفى سنة 827 استولى السلطان أبو فارس الحفصى على تلمسان، واتسع من حينئذ تدخل الدولة الحفصية فى تولية حكام الدولة الزيانية، وقد ولّى عليها أبو فارس الحفصى أبا مالك عبد الواحد وقتل سنة 833 وتولاها أحمد العاقل ابن أبى حمو ويتولاها المتوكل بعده سنة 866 هـ/1461 م وثار عليه محمد بن غالية وقضى على ثورته وتاريخ وفاته شديد الغموض.
وأخذت دولة بنى زيان بتلمسان وغربى الجزائر تتدهور سريعا منذ نهاية القرن التاسع الهجرى، وبالمثل تدهورت الدولة الحفصية فى شرقى الجزائر وتونس وطرابلس، وكان فرديناند ملك إسبانيا قد أخرج العرب من غرناطة آخر قلعة بالأندلس، فنزلوا سواحل الجزائر وتونس وطرابلس، فرأى أن يستأنف الحروب الصليبية بتعقبهم فى تلك السواحل، وأطمعه أنه لم يجد للدولة الزيانية ولا للدولة الحفصية أسطولا يحمى ثغورهما على البحر المتوسط، واستولى فى الساحل الغربى للجزائر على المرسى الكبير إلى الشمال الغربى من وهران سنة 910 هـ/1505 م وعلى وهران سنة 914 هـ/1509 م وأيضا على مستغانم ومدينة الجزائر إلى الشرق من وهران، واستولى فى الساحل الشرقى للجزائر التابع للدولة الحفصية على بجاية سنة 917 هـ/1511 م وأيضا على ثغرى جيجل وعنابة، وكأنما أصبح الساحل الجزائرى جميعه غربا وشرقا فى قبضته، إذ أهمل التلمسانيون والحفصيون الرباطات والمحارس الساحلية التى أكثر الأسلاف من إقامتها على البحر المتوسط حماية للبلاد من قراصنة الغرب.
6 -
العهد (1) العثمانى
وفى هذه الأثناء كان يجوب البحر المتوسط بطلان تركيان من رجال البحر هما عروج وخير الدين (بربروس) وكانا قد تطوعا بنقل الأندلسيين المطرودين من غرناطة وإقليمها إلى سواحل البلاد المغربية، وغضبا غضبا شديدا لاستيلاء النصارى الإسبان على سواحل الجزائر الإسلامية والبلدان المغربية وصمما على إنقاذها منهم، واتفقا مع الخليفة أبى عبد الله الحفصى أن يتخذا جزيرة جربة فى تونس قاعدة لضرب الأسطول الإسبانى وتحرير الساحل الجزائرى. ولم يلبثا أن استوليا من الإسبان على مدينة الجزائر سنة 922 هـ/1516 م وأخذا يديران منها معارك حامية مع الإسبان، اشترك معهم فيها الجزائريون والأندلسيون المهاجرون الموتورون من فرديناند والإسبان، وحميت المعارك وأخذت بعض الموانى الساحلية تسقط فى حجر البطلين، وتوفى عروج قبل الأوان، ومضى خير الدين فى حملاته، ورأى-بثاقب نظره- أنه لا يستطيع إقامة ملك تركى مستقل بالجزائر، فأرسل إلى السلطان العثمانى بولائه له هو وفتوحاته فى الساحل الجزائرى، وقبل منه ذلك، وسماه:«بايلاريك» أى أمير الأمراء، وأمده بجند وأسطول، وبذلك دخل الأتراك الحرب ضد الإسبان المعتدين، واستطاع خير الدين (بربروس) حتى سنة 942 هـ/1536 م أن يحرر الساحل الشرقى والغربى من الجزائر ما عدا المرسى الكبير ووهران، ودمّر الأسطول الإسبانى فى مواقع عديدة. وبذلك وقف هذه الحرب الإسبانية الصليبية، وأنقذ الإسلام فى إفريقيا، وأسس بقوة السلاح-فى الجزائر-دولة إسلامية عثمانية. وظلت الملحمة الحربية دائرة فى الجزائر بين النصرانية تمثلها إسبانيا والإسلام يمثله الترك. ويخلف خير الدين (بربروس) ابنه حسن، وتمنحه الدولة العثمانية لقب بايلاريك مثل أبيه، وكان على شاكلته بطلا مقداما. وشنّ شارل الخامس ملك إسبانيا سنة 948 هـ/1541 م حملة بحرية على مدينة الجزائر ظل يستعد لها طويلا، وما إن ألم أسطوله بها حتى سحق سحقا أمام المدينة، وغنم البايلاريك حسن والجزائريون والأندلسيون المهاجرون كل ما كان بالأسطول من سلاح وآلات وعدد. واستولى البايلاريك حسن على المرسى الكبير وهدمه، كما استولى عنوة على كل المواضع التى كان يحتلّها الإسبان هناك ما عدا وهران، فقد بقيت فى يد الإسبان حتى سنة 1119 هـ/1707 م إذ استطاع القائد أوزن حسن فى عهد الباشا محمد بكداش فتحها وطرد الإسبان منها، وعادت إليهم سنة 1144 هـ/1732 م إلى أن طردوا
(1) انظر فى العهد العثمانى بالجزائر كتاب الجزائر لأحمد توفيق المدنى وكتاب تاريخ الجزائر لعبد الرحمن الجيلالى وكتاب تاريخ الجزائر الثقافى من القرن العاشر إلى القرن الرابع عشر الهجرى للدكتور أبى القاسم سعد الله ومادة الجزائر فى دائرة المعارف الإسلامية.
منها نهائيا فى عهد الباي محمد الكبير سنة 1205 هـ/1791 م. وفى عهد البايلاريك حسن عاد الإسبان بعد هزيمة شارل الخامس بقيادة الكونت دالكادوت سنة 965 هـ/1557 م وأداروا معركة عند مدينة مستغانم شرقى المرسى الكبير وسرعان ما اندحروا وقتل قائدهم وفروا إلى البحر وما وراءه، وهو ما حدث للأسطول الدانماركى سنة 1184 هـ/1770 م ولحملة أدريلى الإسبانية آخر القرن الثانى عشر الهجرى.
ويذكر للبايلاريك حسن بن خير الدين أنه بسط الحكم التركى أو العثمانى على الجزائر جميعها على الساحل والجبل التلى والداخل، وكان ملوك تلمسان الزناتيون يناورونه-كما ناوروا أباه خير الدين-فتارة معه وتارة مع الإسبان، وسئم أهلها من هذا الصنيع، وأفتى مجلس علماء تلمسان بخلع الحسن آخر ملوكهم سنة 962 فالتجأ إلى إسبانيا وبها قضى نحبه، وأظلّ الحكم العثمانى تلمسان منذ هذا التاريخ مثل أخواتها من المدن الجزائرية. وكانت تحدث أحيانا مناوشات حربية بين الجزائر والدولة العلوية فى المغرب الأقصى، ولعل أهمها ما حدث زمن إسماعيل العلوى فى سنتى 1102 هـ/1691 م و 1114 هـ/1703 م إذ باءت بالإخفاق الذريع محاولاته فى نزع إقليم تلمسان من الجزائر العثمانية.
وقد وضع البايلاريك خير الدين للجزائر العثمانية ناموس الحكم وقوانينه ورتب الدواوين وقدّر الرواتب، وخلّف حامية عسكرية عثمانية من الانكشارية، وهم جند الدولة العثمانية الذين كانت تعنى بتربيتهم تربية عسكرية إسلامية، وكانوا من الأناضول أو من رعاياها. وفى الأكثرية كانوا من سباياها فى أوربا، وكان على كل مائة منهم رئيسا يسمى الداى. وخطب الخطباء فى بلدان الجزائر باسم السلطان العثمانى وضربت السكة باسمه، وتولى أربعة بلقب البايلاريك (أمير الأمراء) حتى سنة 995 هـ/1587 م، وكانوا أشبه بحكام مستقلين يديرون شئون البلاد مع الاعتراف بسيادة السلطان العثمانى الأعظم، وحاولوا الحد من سلطان الانكشارية بتكوين فرق مجندة من العرب، وخاصة من قبائل التل وزواوة. . وأقلق استقلالهم الدولة العثمانية فى الآستانة، فرأت أن يتحول الحكم فى الجزائر من البايلاريك إلى الباشا وظل عهد الباشوات حتى سنة 1069 هـ/1659 م وكان الباشا يولّى لمدة ثلاث سنوات، وقد تجبره الانكشارية ورؤساؤها إلى العودة قبل ذلك، مما جعل مددهم قصيرة وحاولوا لذلك جمع ثروات طائلة، وثار عليهم الأغوات من قادة الانكشارية فاستولوا على أزمة الحكم ولم يعد للباشوات إلا بعض المهام التشريفية حتى سنة 1081 هـ/1671 م واختل الأمن فى هذا العهد، واغتيل الأغوات جميعا، واغتصب السلطة رؤساء الانكشارية المعروفين باسم الدايات حتى الاحتلال الفرنسى سنة 1245 هـ/1830 م واختفت الباشوات فلم يعد الباب العالى العثمانى يولى منهم أحدا، إذ أصبح الداى الذى ينتخبه رؤساء الانكشارية الحاكم المطلق فى الجزائر،
وكانوا يولونه ويخلعونه وفقا لأهوائهم، ويستجيب لهم الباب العالى، وبلغوا حتى الاحتلال الفرنسى ثمانية وعشرين دايا، اغتيل نصفهم. وأخذ الحكم يفسد، وزاد فى فساده أن القرصنة التى كانت مصدر دخل كبير للدولة فى القرنين السادس عشر الميلادى والسابع عشر ضعفت وتضاءلت لسيطرة الدول الأوربية العظمى على البحر المتوسط، وعوّض ذلك الدايات بكثرة السلب والنهب من الجزائريين مما أدى إلى فساد الحكم العثمانى فى هذا العهد-وخاصة فى أواخره-فسادا شديدا. وكانت سلطة الداى-كما قلنا-مطلقة، وكان يعاونه فى الحكم مجلس يعرف بالديوان لا يقطع أمرا دون مشورته، وهو أشبه بمجلس وزراء، وكان يتألف من ستة: الأغا وهو القائد الأعلى للقوات البرية، ووكيل الخرج وهو وزير البحرية ويشرف على القرصنة، والقبودان وهو القائد للأسطول وجند البحر، والخزنجى وهو وزير المالية، وخوجة الخول وهو جابى الضرائب وشيخ المدينة المشرف على القضاء والشرطة، والباش كاتب وهو رئيس الديوان ومعهم بعض كبار رجال الدين ونقيب الأشراف. وبجانب هذا الديوان أو المجلس مجلس الديوان العسكرى ويتألف من رؤساء الجنود، ومجلس الرياس البحرى ويتألف من قواد البحر، وكان لهذين المجلسين نفوذ كبير. وكان هناك مجلس أعلى للقضاء يرأسه القاضى الحنفى، وكان فى أول الأمر يأتى من الآستانة مع الوالى، ويعاونه فى المجلس قضاة مذهبى الحنفية والمالكية. وكانت تعرض على المجلس بعض أحكام القضاة مما يستوجب إعادة النظر، وهو أشبه بمجلس استئناف شرعى. وكانت الجزائر مقسمة إلى ثلاث ولايات كبرى: ولاية قسنطينة فى الشرق، وولاية تيطرى فى الوسط وعاصمتها مدينة المدية، وولاية غربية وكانت عاصمتها مدينة مزونة ثم معسكر منذ سنة 1122 هـ/1710 م ثم وهران منذ سنة 1207 هـ/1792 م وقسمت هذه الولايات-أو كما كانت تسمى البكويات نسبة إلى البك حاكمها من قبل البايلاريك أو الباشا أو الأغا أو الداى، وكان لكل بك سلطة واسعة فى ولايته. وكانت صلته بالحاكم العثمانى فى مدينة الجزائر تنحصر فى شيئين أساسيين هما: جباية الأموال فى ولايته وأداؤها للخزينة العامة، وجمع الجند الذين ينبغى أن يرسل بهم للخدمة فى الجيش، وكانوا جندا معاونا يعاونون فى الأزمات تحت قيادة الضباط العثمانيين. وكانت بالجزائر قبائل كثيرة فى الأطلس التلى ووراءه وبالمثل فى الأطلس الصحراوى ووراءه فى الصحراء الجنوبية، وكانت هذه القبائل قسمين: قسما تتفاوت تبعيته للداى أو للعثمانيين قوة وضعفا ويدفع العشور وضريبته تسمى لازمة، وقسما مواليا للدولة معفى من الضرائب ما عدا الرسوم القانونية، وتسمى قبائله باسم قبائل المخزن، وكانت تمد الدولة العثمانية فى الجزائر بالمحاربين وجباة الضرائب وموظفى الشرطة المحافظين على الأرض فى البلاد. ودعموا دائما شيوخ القبائل، فكانوا يقطعونهم الأراضى ويمدونهم، -إذا شاءوا-بالحاميات العسكرية،
وفرضوا على أنفسهم تجلة علماء الدين، وأشركوا بعض كبارهم فى ديوان الحكم، كما مرّ بنا، وبالمثل كانوا يجلّون المتصوفة ويحمون طرقهم ويطلبون منهم البركات والعون على الرعية.
وكان العثمانيون طوال حكمهم للجزائر يستأثرون بكل مناصب الدولة، مع أنهم دخلوها بطلب من أهلها لعونهم ضد الغزو الإسبانى، وهم إخوانهم فى الدين، والعدو عدو لدينهم معا، فكان ينبغى أن يطبقوا تعاليم الإسلام وأن يوثقوا الأخوة بينهم وبين الجزائريين وأن يشاوروهم فى الحكم وأن يفسحوا لهم فى تولى مناصب الدولة الرفيعة. ونعجب إذ نراهم يعاملون الجزائريين معاملة المنتصر للمهزوم. وكثيرون من القوة الانكشارية ورؤسائها تزوجوا من جزائريات، ومع الزمن نشأت طبقة من الأبناء آباؤهم عثمانيون وأمهاتهم جزائريات، وكان العثمانيون يسمونهم كراغلة جمعا لكرغلى، وجعلوهم أدنى منهم مرتبة فلا يولون منصبا رفيعا من مناصب الدولة، فضلا عن منصب الداى الحاكم للبلاد باستثناء البايلاريك حسن بن خير الدين، فقد كانت أمه جزائرية. وفى أواسط القرن الحادى عشر الهجرى (السابع عشر الميلادى) تمرد الكراغلة فقبضوا على رؤسائهم ونكّلوا بهم، وبذلك أوصدوا الأبواب فى وجوههم، فلم يتولوا المناصب العليا فى الدولة مثلهم فى ذلك مثل الجزائريين. وكان الجزائريون يثورون أحيانا على العثمانيين، غير أن لهب الثورة كان ينطفئ سريعا، ومن أهم ثوراتهم ثورة زواوة سنة 1158 هـ/1745 م بسبب ضرائب جديدة فرضت عليها وظلت الثورة نحو عام وقضى عليها حين جنّدت لها الدولة جيشا جرارا.
وكانت الجزائر قد منيت-منذ أواخر القرن الحادى عشر الهجرى (السابع عشر الميلادى) بعهد الدايات وفى عهدهم أخذت تشيع الرشوة ويشيع الظلم واغتصاب الجنود الانكشاريين من المواطنين الأموال عسفا دون أى مراعاة لدين أو خلق. وظل الدايات بعيدين عن الشعب الجزائرى لا يعرفون لغته ولا عاداته وتقاليده وطرق معيشته، ولم يحاول أحد منهم أن يجعل حكم الجزائر وراثيا فى أبنائه كما فعل بايات تونس وباشوات طرابلس، ولو حدث ذلك لأصبح الحكم العثمانى فى الجزائر شيئا فشيئا وطنيا على نحو ما حدث فى تونس وطرابلس. وما نصل إلى أواخر القرن الثانى عشر الهجرى (الثامن عشر الميلادى) حتى يهبط الدخل العام للدولة بسبب ضعف القرصنة كما أسلفنا وما تجبى الدولة منها من أموال. ولم تكن القرصنة فى نظر الجزائريين والترك لصوصية بحرية كما قد يظن، بل كانت فريضة جهاد إزاء دار الحرب الأوربية النصرانية، وظلت موردا مهما للجزائر منذ القرن العاشر إلى القرن الثانى عشر. وكان القراصنة الجزائريون والترك والمهاجرون من الأندلس يغيرون على سواحل إسبانيا وجنوب فرنسا وإيطاليا ويعودون بغنائم وأموال وافرة. ومنذ أواسط القرن الثانى عشر الهجرى (السابع عشر الميلادى) كانت تقاومهم أساطيل إنجلترا وفرنسا، غير أن الدول والإمارات الأوربية الصغيرة مثل السويد والدانمارك وهولندة ونابولى ظلت طويلا تدفع لدولة الجزائر العثمانية إتاوة سنوية نظير ضمان
قراصنتها لسلامة رعاياها، وكان القراصنة يجلبون إلى الجزائر مئات بل آلافا من الأسرى الأوربيين المسيحيين، وكثيرا ما كانت تكتظ موانى الساحل الجزائرى بأفواج منهم، وكانوا يعاملون-حسب تعاليم الإسلام-معاملة كريمة ويؤدون شعائرهم الدينية فى حرية تامة، فى الوقت الذى كانت فيه إسبانيا تخير الأندلسيين فيها بين التنصر أو الموت، راكلة بأقدامها حقوقهم الإنسانية المشروعة. واعتنق كثيرون من هؤلاء الأسرى الدين الحنيف، وآثروا البقاء فى الجزائر ولم يقبلوا الرجوع إلى أوطانهم وبلدانهم الأوربية.
وبينما كانت الجزائر العثمانية تعانى من أزمة اقتصادية خانقة فى أواخر القرن الثانى عشر الهجرى وأوائل الثالث عشر (أواخر القرن الثامن عشر الميلادى) بسبب تضاؤل موارد القرصنة إذا شركتان يهوديتان ليهودى يسمى نفتالى تسيطران على اقتصاد البلاد وتمتصان خيراتها منذ سنة 1195 هـ/1780 م وما يزال سخط الجماهير والانكشارية العسكرية يزداد على هذا الرجل حتى إذا كانت سنة 1220 هـ/1805 م ثاروا عليه وعلى اليهود ثورة عنيفة فقتلوه مع كثيرين من إخوانه فى الدين. وفى سنة 1232 هـ/1816 م حطم الداى على خوجه النفوذ التركى باعتماده على الجند الزواوى الجزائرى الوطنى، وبذلك أخذت الحكومة العثمانية فى الجزائر شكلا وطنيا كان له فرحة عميقة فى نفوس الجماهير، ولم تبق للعثمانيين فى الجزائر إلا سلطة اسمية، وتوفى على خوجة سنة 1234 هـ/1818 م. وولى الجزائر بعده وزيره حسين دايا، وفى هذه السنة اتخذ مؤتمر لا شابيل قرارا بإلغاء القرصنة، وذهب إلى الجزائر وفد إنجليزى فرنسى لإقناع الداى بإلغائها نهائيا، غير أنه أصرّ على إبقائها مع كل دولة لا تؤدّى للجزائر إتاوة لسلامة سفنها ورعاياها. وكانت الشركتان اليهوديتان المذكورتان آنفا مدينتين للداى والجزائر بنحو مليونين ونصف من الفرنكات، وكانتا تدينان فرنسا بنحو سبعة ملايين لصفقات من القمح اشترتها، وقررت فى سنة 1235 هـ/1819 م أن تدفع للشركتين مبلغ أربعة ملايين ونصف، وكان الداى أبلغها ما له على الشركتين من دين حتى تحتفظ عندها بدينه عليهما، ولم تعره التفاتا مما أثار غضبه، وفى استقبال الداى لرجال السلك السياسى بأبريل سنة 1243 هـ/1927 م تحاور مع القنصل الفرنسى ويقال إنه أثار حفيظته فصاح به مشيرا بمروحة فى يده مسّها طرفه وطرده. وعدّت فرنسا تلك إهانة وطلبت من الداى اعتذارا علنيا، فلم يعتذر. وفى يونية من هذه السنة أعلنت الحرب على الجزائر وحاصرتها لمدة ثلاث سنوات وأخذت فى الإعداد لحملة عسكرية، وفى مارس سنة 1830 هـ/1245 م قال شارل العاشر ملك فرنسا فى خطاب العرش: إنه سيقوم بعمل لترضية الشرف الفرنسى فيه فائدة للمسيحية، وكأنه عدّ حربه للجزائر حربا دينية بين المسيحية والإسلام. وفى آخر مايو سنة 1830 م أقلع وزير الحرب الفرنسى دى بورمون بأسطول حربى ضخم أرسى بسيدى فرج بالقرب من مدينة الجزائر، ودارت معارك ضارية لمدة شهر اضطر الداى بعدها إلى الاستسلام فى الخامس من
شهر يوليه وأجبر هو والانكشارية على الرحيل عن البلاد. وبذلك انتهت مدة العثمانيين فى الجزائر بعد أن استمرت أكثر من ثلاثمائة عام وبدأ الاحتلال الفرنسى الآثم وظل الجزائريون يجاهدون الفرنسيين جهادا عنيفا أبلوا فيه بلاء عظيما تحت راية البطل المغوار الأمير عبد القادر حتى سنة 1264 هـ/1847 م ولم تسقط الراية من أيدى المجاهدين فقد تسلمتها لالا فاطمة فى شرقى الجزائر سنة 1274 هـ/1857 م وحملها سى سليمان وبيته من عشيرة سيدى شيخ لمدة عشرين عاما منذ سنة 1281 هـ/1864 م كما حملها مقرانى وأخوه فى منطقة قسنطينة لمدة عامين. وهذه الحركات التحررية جميعها مكانها فى صحف تاريخ الأدب الجزائرى فى العصر الحديث.