الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
نشاوى من الفرحة بهذا النصر لا من خمر ذاقوها، ولكن من نصر تفوق نشوته نشوة الخمر فرحا وسرورا. ويقول:
فبشراكم بهذا الفتح نور
…
وبشراكم بما منّ الغفور
به زادت مآثركم علوّا
…
وقد عظمت به لكم الأجور
ألا يا أهل سبتة قد أتاكم
…
بسيف الله سلطان وقور
إذا ما جاء سبتة فى عشىّ
…
تزفّ له إذا كان البكور
ووهران تنادى كل يوم
…
متى يأتى الإمام متى يزور
فيهزمكم ويقتلكم ويسبى
…
وسيف الحق فى يده ينور (1)
وهو يبشر المولى إسماعيل بأن هذا الفتح نور منّ عليكم به الله الغفور فزاد مآثركم وأمجادكم سموا، وعظم لكم به الأجر والثواب، وكانت سبتة لما تفتح، فشعر بها تهبّ فى وجه الإسبان مهددة لهم بالمولى إسماعيل وما يحمل من سيف الله الذى لا يفلّ أبدا، وكأنما حين يأتيها مساء تزفّ إليه بكورا منكلا بالمحتلين لها من الإسبان وبالمثل وهران وكانوا قد استولوا عليها، تناديه صباح مساء كي يهزمهم ويقتلهم بسيف الله الذى لا يزال يضيء فى يده، ويختم قصيدته بقوله:
أيا مولاى قم وانهض وشمّر
…
لأندلس فأنت لها الأمير
وجاهدهم وحاربهم وفرّق
…
جموعهم فربّكم النّصير
ولا يمنع بفضل الله منها
…
كما قد قيل برّ أو بحور
بقرطبة تنال المجد طرّا
…
ويأتى العزّ والملك الكبير
وتصور هذه الأبيات مدى طموح البوعنانى حين رأى فتوح المولى إسماعيل تتوالى فيحثه لا على أخذ سبتة ووهران فحسب، بل أيضا على استرداد الأندلس حيث ينال العز والمجد طرا بعودة قرطبة إلى حمى العرب والعروبة.
4 -
شعراء الفخر والهجاء
(أ) الفخر
الفخر من أغراض الشعر العربى القديمة منذ الجاهلية، وقد ظل حيّا فيه على توالى العصور، والشاعر يفخر فيه بشمائله الرفيعة الفردية من المروءة والكرم والوفاء وما يماثل ذلك وبعصبيته القبلية والقومية وبشجاعته وبسالته الحربية. ونراه على ألسنة شعراء المغرب الأقصى منذ ابن زنباع
(1) ينور: يضيء وينير.
فى عصر المرابطين، وهو يفتخر فى بعض غزله لصاحبته بأنه يمنىّ من حمير وأنهم سيأخذون منها بثأره ويصور لها بأسهم فى الحرب. ويأخذ الفخر عند شاعر الموحدين: ابن حبّوس شكل نصائح يوصى بها الشعراء بل معاصريه جميعا أن يتمثّلوها ليصونوا بها مروءتهم، ويتخذوها شعارات ترسم لهم مثالية خلقية كريمة من مثل قوله (1):
رد الطّرق حتى توافى النّميرا
…
فربّ عسير أتاح اليسيرا (2)
وأرسل قلوصك طورا شمالا
…
وطورا جنوبا وطورا دبورا (3)
وطر حيث أنت قوىّ الجنا
…
ح لا عذر عندك أن لا تطيرا
ولا تقعنّ وأنت السّلي
…
م حيث تضاهى المهيض الكسيرا
وذو العجز يرضع ثديا حدورا
…
وذو العزم يرضع ثديا درورا (4)
وأول شعار رسمه للشخص كى يحصل على ما يريد مهما يكن عسيرا صعبا أن يتحمّل شرب الماء العكر حتى يصل إلى ما يريد من الماء العذب الصافى وشعار ثان أن يرسل ناقته شمالا وجنوبا وفى كل اتجاه حتى يتحقق له أمله، فلا بد له من العناء ولا بد له من الضرب على أبواب الآمال حتى تنفتح على مصاريعها، ولا بد له من الطيران بعيدا فى آفاق الدنيا حتى يقع على ما يتمناه، وعيب أن تكون أجنحته قوية ولا يطير شأن المهيض الكسير، فالآمال إنما تؤخذ مغالبة وعزما مضطرما، وكأنما العاجز فى الدنيا يرضع ثديا شحيحا، بينما القادر المملوء إرادة وعزيمة يرضع ثديا دارّا له بكل ما يريده من دنياه. ويقول القاضى أبو حفص عمر بن عمر السّلمى المتوفى سنة 604 للهجرة (5):
نهانى حلمى فلا أظلم
…
وعزّ مكانى فلا أظلم
ولا بدّ من حاسد قلبه
…
بنور مآثرنا مظلم
رحمت حسودى على أنه
…
يقاسى العذاب وما يرحم
هجانا افتراء ولسنا كما
…
يقول ولكن كما يعلم
والقطعة ردّ بها على بعض من آذاه بهجائه، وكان كبير النفس، فردّ عليه بما يتفق مع شخصيته وسمو نفسه، فقال إن مروءته وحلمه يمنعانه من أن يظلم أحدا وإن ما له من سمو المكانة يمنع أن يتعرض شخص له بظلم أو هجاء، ولا يسلم مثله من حاسد يحسده على مآثره ومكارمه، وإنه ليرحم حاسديه لما يقاسون من عذاب الحسد وما يصيبهم به من الكمد، ويقول إن حاسده يهجوه افتراء. وضمّن ذلك سخرية لاذعة إذ قال إنه ليس كما يقول حاسده
(1) النبوغ المغربى 3/ 717 والوافى 1/ 111.
(2)
الطرق: الماء العكر. النمير: الماء الصافى.
(3)
الدبور: ريح تهب من الغرب. القلوص: الناقة.
(4)
حدورا: شحيحا.
(5)
النبوغ المغربى 3/ 718.
ولكنه كما يعلم من منزلته الرفيعة. ويقول أبو العباس أحمد بن على المليانى رئيس ديوان الإنشاء فى عهد السلطان أبى يعقوب المرينى (1):
العزّ ما ضربت عليه قبابى
…
والفضل ما اشتملت عليه ثيابى
والزّهر ما أهداه غصن يراعتى
…
والمسك ما أهداه نقس كتابى (2)
والمجد يمنع أن يزاحم موردى
…
والعزم يأبى أن يضام جنابى
وإذا حمدت صنيعة جازيتها
…
بجميل شكرى أو جزيل ثوابى
وإذا عقدت مودّة أجريتها
…
مجرى طعامى من دمى وشرابى
وإذا طلبت من الفراقد والسّها
…
ثأرا فأوشك أن أنال طلابى
وهو فخر يصور نفسا نبيلة إلى أقصى حد، نفسا تستشعر العز كأنما ضرب الشاعر عليه قبابه فأصبح ملازما له لا يغادره، ومثله الفضل الجاثم فى ثيابه، أما الزهر وشذاه فما تكتبه يراعته أو قلمه من الشعر، وأما المسك وعطره فما يكتبه من رسائله البليغة، وإن المجد ليقف حائلا لمن يريد أن يزاحمه فى مورده العذب، ويأبى العزم أن يصاب جنابه بأى ضيم وإذا قدم له شخص صنيعة أو جميلا جازاه بشكره أو بثوابه الجزيل، وإذا عقد مودة لشخص جرت فى دمه مجرى طعامه وشرابه. وهى صورة بديعة. وإذا طلب من الكواكب ثأرا نال مطلبه سريعا. ويقول أبو على اليوسى الدلائى المتوفى سنة 1102 للهجرة (3):
إنا أناس لست تبصرنا
…
نتحيّن الطّعم التى تزرى (4)
يعرى الفتى ويجوع وهو يرى
…
متجمّلا بالصّبر والبشر
والحرّة الشمّاء ربّتما
…
جاعت ولم ترضع على أجر (5)
والحرّ ليس حياته بسوى
…
عزّ الجناب ورفعة القدر
لا بالطعام ولا الشراب ولا
…
استلقائه بأرائك وثر (6)
فهو من قوم لا يتحينون المطاعم التى تزرى بمن يطعمها، وإن الفتى منهم ليعرى ويجوع ومع عريه وجوعه يرى مزدانا بالصبر متحليا بالبشر، ومثله الحرة ترى شمّاء متسامية وتجوع ولا تأكل بثدييها فذلك موت زؤام، والحر مثلها يستشعر العزة ورفعة القدر فهما متاعه من دنياه لا الطعام ولا الشراب ولا المقاعد الوثيرة. ولعمر (7) الفاسى المتوفى سنة 1188 هـ/ 1775 م:
(1) النبوغ المغربى 3/ 42.
(2)
نقس: مداد.
(3)
النبوغ 3/ 167.
(4)
الطعم جمع طعمة: ما يطعم.
(5)
الشماء: المترفعة المتسامية.
(6)
أرائك وثر: مقاعد مترقة.
(7)
النبوغ المغربى 3/ 49 والحياة الأدبية فى المغرب للدكتور محمد الأخضر ص 311.