المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

استولى على بجاية سنة 547، فإذا هو لا يصل إلى - تاريخ الأدب العربي لشوقي ضيف - جـ ١٠

[شوقي ضيف]

فهرس الكتاب

- ‌مقدّمة

- ‌1 - [الجزائر]

- ‌2 - [المغرب الأقصى]

- ‌3 - [موريتانيا]

- ‌4 - [السودان]

- ‌القسم الأولالجزائر

- ‌الفصل الأوّلالجغرافية والتاريخ

- ‌1 -الجغرافية

- ‌3 -الفتح والولاة-الأغالبة-الإباضية-تلمسان

- ‌(ب) الأغالبة

- ‌(ج) الإباضيون

- ‌(د) تلمسان

- ‌4 -الدولة العبيدية-الدولة الصنهاجية-بنو حماد

- ‌(أ) الدولة العبيدية

- ‌(ج) بنو حماد

- ‌5 -دولة الموحدين-الدولة الحفصية-بنو عبد الواد

- ‌الفصل الثّانىالمجتمع الجزائرى

- ‌2 -المعيشة

- ‌(أ) الثراء

- ‌(ب) الرّفة

- ‌(ج) الموسيقى

- ‌4 -الدين-المالكية والحنفية-الإباضية-المعتزلة

- ‌(أ) الدين

- ‌(د) المعتزلة

- ‌الفصل الثالثالثقافة

- ‌1 -الحركة العلمية

- ‌(أ) فاتحون ناشرون للإسلام ومعلمون

- ‌(ب) دور العلم:‌‌ الكتاتيب-‌‌المساجد-المدارس-الزوايا-المكتبات

- ‌ الكتاتيب

- ‌المساجد

- ‌المدارس

- ‌الزوايا

- ‌المكتبات

- ‌(ج) نمو الحركة العلمية

- ‌5 -التاريخ

- ‌الفصل الرّابعنشاط الشعر والشعراء

- ‌2 -كثرة الشعراء

- ‌3 -شعراء المديح

- ‌ عبد الكريم النهشلى

- ‌ ابن خميس

- ‌ الشهاب بن الخلوف

- ‌ محمد القوجيلى

- ‌4 -شعراء الفخر والهجاء

- ‌(أ) شعراء الفخر

- ‌(ب) شعراء الهجاء

- ‌ بكر بن حماد التاهرتى

- ‌ سعيد المنداسى

- ‌5 -الشعراء والشعر التعليمى

- ‌ عبد الرحمن الأخضرى

- ‌الفصل الخامسطوائف من الشعراء

- ‌1 -شعراء الغزل

- ‌ ابن على

- ‌2 -شعراء وصف الطبيعة

- ‌ عبد الله بن محمد الجراوى

- ‌3 -شعراء الرثاء

- ‌4 -شعراء الزهد والتصوف

- ‌(أ) شعراء الزهد

- ‌(ب) شعراء التصوف

- ‌ إبراهيم التازى

- ‌5 -شعراء المدائح النبوية

- ‌الفصل السّادسالنثر وكتّابه

- ‌1 -الخطب والوصايا

- ‌2 -الرسائل الديوانية

- ‌3 -الرسائل الشخصية

- ‌4 -المقامات

- ‌5 -كبار الكتاب

- ‌[(ب)] الوهرانى

- ‌القسم الثانىالمغرب الأقصى

- ‌الفصل الأوّلالجغرافية والتاريخ

- ‌1 -الجغرافية

- ‌3 -الفتح والولاة-ثورة الصفرية-بنو مدرار-الأدارسة-بعد الأدارسة والمدراريين

- ‌(ب) ثورة الصفرية

- ‌(د) الأدارسة

- ‌4 -المرابطون-الموحدون-بنومرين

- ‌(أ) المرابطون

- ‌(ب) الموحدون

- ‌5 -السعديون-الطرق الصوفية-العلويون

- ‌(أ) السعديون

- ‌(ج) العلويون

- ‌الفصل الثّانىالمجتمع المغربى

- ‌1 -عناصر السكان

- ‌2 -المعيشة

- ‌3 -الثراء-الرّفة-الموسيقى-المرأة

- ‌(أ) الثراء

- ‌(ب) الرّفة

- ‌(ج) الموسيقى

- ‌(د) المرأة

- ‌4 -المالكية-الصفرية-المعتزلة-الظاهرية

- ‌(أ) المالكية

- ‌(ب) الصفرية

- ‌(ج) المعتزلة

- ‌(د) الظاهرية

- ‌5 -الزهاد-المتصوفة

- ‌(أ) الزهاد

- ‌(ب) المتصوفة

- ‌الفصل الثالثالثقافة

- ‌1 -الحركة العلمية

- ‌(أ) فاتحون ناشرون للإسلام ومعلمون

- ‌ الكتاتيب

- ‌(ب) دور العلم: الكتاتيب-المساجد-المدارس-الزوايا-المكتبات

- ‌المساجد

- ‌المدارس

- ‌الزوايا

- ‌المكتبات

- ‌(ج) نمو الحركة العلمية

- ‌2 -علوم الأوائل

- ‌3 -علوم اللغة والنحو والعروض والبلاغة

- ‌5 -التاريخ

- ‌الفصل الرّابعنشاط الشعر والشعراء

- ‌1 -تعرب المغرب الأقصى-كثرة الشعراء

- ‌(أ) تعرب المغرب الأقصى

- ‌(ب) كثرة الشعراء

- ‌2 -شعراء الموشحات والأزجال

- ‌(أ) شعراء الموشحات

- ‌ ابن غرلة

- ‌ ابن الصباغ

- ‌ ابن زاكور

- ‌(ب) شعراء الأزجال

- ‌ابن عمير

- ‌3 -شعراء المديح

- ‌ ابن زنباع

- ‌ ابن حبوس

- ‌الجراوى

- ‌ ابن عبد المنان

- ‌الهوزالى

- ‌الدغوغى

- ‌البوعنانى

- ‌4 -شعراء الفخر والهجاء

- ‌(أ) الفخر

- ‌ الشاذلى

- ‌(ب) الهجاء

- ‌5 -الشعراء والشعر التعليمى

- ‌ عبد العزيز الملزوزى

- ‌ابن الونان

- ‌الفصل الخامسطوائف من الشعراء

- ‌1 -شعراء الغزل

- ‌ أبو الربيع الموحدى

- ‌ عمر السلمى

- ‌2 -شعراء الوصف

- ‌3 -شعراء الرثاء

- ‌ ابن شعيب الجزنائى

- ‌4 -شعراء الزهد والتصوف

- ‌(أ) شعراء الزهد

- ‌(ب) شعراء التصوف

- ‌ ابن المحلى

- ‌5 -شعراء المدائح النبوية

- ‌ميمون بن خبازة

- ‌ مالك بن المرحل

- ‌الفصل السادسالنثر وكتّابه

- ‌1 -الخطب والمواعظ

- ‌2 -الرسائل الديوانية

- ‌3 -الرسائل الشخصية

- ‌4 -المقامات والرحلات

- ‌(أ) المقامات

- ‌(ب) الرحلات

- ‌ رحلة ابن رشيد

- ‌ رحلة العياشى

- ‌ رحلة ابن ناصر

- ‌5 -كبار الكتّاب

- ‌(أ) القاضى عياض

- ‌القسم الثالثموريتانيا

- ‌الفصل الأوّلالجغرافية والتاريخ

- ‌1 -الجغرافية

- ‌2 -التاريخ

- ‌الفصل الثّانىالمجتمع والثقافة

- ‌1 -المجتمع

- ‌(أ) صنهاجة وقبائل المعقل العربية

- ‌(ب) الزروع والمراعى

- ‌(ج) التجارة

- ‌(د) حياة يدوية

- ‌2 -الثقافة

- ‌(أ) نشاط دينى تعليمى كبير

- ‌(ب) التعليم والطلاب والشيوخ

- ‌(ج) أمهات الكتب والمتون والشروح المتداولة

- ‌(د) أعلام العلماء فى موريتانيا

- ‌(هـ) القراء والمفسرون والمحدثون والفقهاء

- ‌(و) أعلام النحاة والمتكلمين

- ‌الفصل الثالثنشاط الشعر والشعراء

- ‌1 -تعرّب موريتانيا

- ‌2 -شعراء المديح

- ‌ ابن رازكة

- ‌3 -شعراء الفخر والهجاء

- ‌(أ) شعراء الفخر

- ‌ المختار بن بون

- ‌(ب) شعراء الهجاء

- ‌4 -شعراء الرثاء

- ‌الفصل الرّابعطوائف من الشعراء

- ‌1 -شعراء الغزل

- ‌ الأحول الحسنى

- ‌ يقوى الفاضلى

- ‌2 -شعراء التصوف

- ‌ المختار الكنتى

- ‌الشيخ سيديّا

- ‌3 -شعراء المدائح النبوية

- ‌ محمد بن محمد العلوى

- ‌4 -الشعراء والشعر التعليمى

- ‌القسم الرابعالسودان

- ‌الفصل الأوّلالجغرافية والتاريخ

- ‌1 -الجغرافية

- ‌2 -التاريخ

- ‌3 -(ج) دولة الفونج

- ‌4 -محمد على والسودان-عهد إسماعيل

- ‌5 -حركة المهدى-خليفته عبد الله التعايشى

- ‌الفصل الثّانىالمجتمع السودانى-الثقافة

- ‌(أ) نزعة صوفية عامة

- ‌(ب) المرأة ومكانتها فى التصوف

- ‌(ج) التصوف والتربية الخلقية والدينية

- ‌(د) طرق صوفية جديدة

- ‌(هـ) دعوة المهدى ومبادئها الستة

- ‌2 -الثقافة

- ‌(أ) كتاتيب-زوايا-مساجد

- ‌(ب) حركة علمية نشيطة فى عهد الفونج

- ‌(ج) سودانيون أزهريون وعلماء مصريون

- ‌(د) التعليم المدنى الحديث وتوقفه

- ‌(هـ) إنشاء معهد دينى وعودة التعليم المدنى الحديث

- ‌الفصل الثالثنشاط الشعر والشعراء

- ‌2 -شعراء المديح

- ‌ الشيخ حسين زهراء

- ‌ الشيخ محمد عمر البناء

- ‌3 -شعراء الفخر والحماسة

- ‌ الشيخ يحيى السلاوى السودانى

- ‌ عثمان هاشم

- ‌4 -شعراء الرثاء

- ‌(أ) رثاء الأفراد

- ‌ الشيخ محمد سعيد العباسى

- ‌(ب) رثاء المدن

- ‌الفصل الرّابعطوائف من الشعراء

- ‌1 -شعراء الغزل العفيف

- ‌2 -شعراء النقد العنيف والشكوى من الزمن

- ‌الشيخ عبد الله البناء

- ‌ صالح عبد القادر

- ‌3 -شعراء التصوف

- ‌4 -شعراء المدائح النبوية

- ‌ الشيخ عمر الأزهرى

- ‌ الشيخ عبد الله عبد الرحمن

الفصل: استولى على بجاية سنة 547، فإذا هو لا يصل إلى

استولى على بجاية سنة 547، فإذا هو لا يصل إلى سنة 555 هـ/1160 م؟ ؟ ؟ ؟ ى حر؟ ؟ ؟ ؟ القالمى هذه الرسالة كما يقول فى نهايتها حتى يكون قد قلّم أظفار أعراب اهلالية فى المغرب الأوسط، وانسحبت منهم عشيرة المحمدية كما انسحبت قبيلة جشم وانضمتا إلى جيشه وختط لهما منازل فى الديار المغربية. وجاءته قبائل الأثبج وزغبة معلنة طاعتها. واندمج الأعراب الذين عاشوا قرنا كاملا فى المغرب الأوسط وتونس وبعض ديار المغرب يسلبون وينهبون، اندمجوا فى البربر وأصبحوا شعبا واحدا بفضل هذه الحركة المباركة لعبد المؤمن كما يقول القالمى. ورسالته لذلك بجانب أنها وثيقة أدبية تعدّ وثيقة تاريخية فى غاية الأهمية.

[(ب)] الوهرانى

(1)

هو أبو عبد الله محمد بن محرز الوهرانى، منشؤه ومرياه فى وهران الواقعة على البحر المتوسط غربى مدينة الجزائر، وكانت فيها-مثل بقية بلدان الجزائر-حركة علمية وأدبية أنتجت غير فقيه وأديب. وتفتحت موهبة الوهرانى الأدبية مبكرة، ورأى-بعد نضجه وشهرته بالأدب-أن يرحل إلى مصر لعل أدبه يروج فيها، فرحل إليها فى عهد السلطان صلاح الدين، ولقى وزيره الكاتب المشهور القاضى الفاضل ومن حوله من نبهاء الكتاب، وأحسّ أن بضاعته لا تروج عنده، فانصرف عنه وعن الكتابة الأدبية الجادة إلى الكتابة الأدبية الهزلية. وعرف القاضى الفاضل فيه قدرته على الخطابة، وكان كثير النزول بالشام مع صلاح الدين فى حروبه للصليبيين ويبدو أنه استدعاه هناك-أو لعله هو الذى رحل إليها-فعمل على تعيينه خطيبا فى جامع داريا بضواحى دمشق، وظل فى تلك الوظيفة حتى توفى سنة 575 هـ/1180 م. ويقول ابن خلكان أنه لما علم قصوره عن طبقة القاضى الفاضل عدل عن طريق الجد وسلك طريق الهزل وعمل المنامات والرسائل المشهورة به والمنسوبة إليه، وهى كثيرة الوجود بأيدى الناس، وفيها دلالة على خفة روحه ورقة حاشيته وكمال ظرفه، ولو لم يكن له فيها إلا المنام الكبير لكفاه، فإنه أتى فيه بكل حلاوة، ولولا طوله لذكرته».

والمنام الذى يشيد به ابن خلكان فى نحو أربعين صفحة من القطع الكبير ضمنه رسالة يرد بها على بعض أصحابه متماجنا بما ساقه من ألقابه العلمية والأدبية ومن كلام هزلى غلبه النوم فى أثنائه، فرأى فى حلمه أن القيامة قامت وأن مناديا ينادى الناس هلموا إلى العرض على الله ويلبيه كثيرون بين قدماء ومعاصرين منهم الملوك والحكام والسلاطين والأدباء والشعراء والعلماء من العرب والعجم والفسّاق والصلحاء، وهو دائما يهذى ويهزل فى لقاء كل من يلم به أو يمر

(1) انظر ترجمة الوهرانى عند ابن خلكان 4/ 385 وتعريف الخلف 2/ 494. وحقق أعماله وطبعها فى القاهرة إبراهيم شعلان ومحمد نعش باسم: منامات الوهرانى ومقاماته ورسائله نشر دار الكاتب العربى للطباعة والنشر.

ص: 245

عليه. ويرى بعض عظماء أمة محمد صلى الله عليه وسلم، كما يرى مالك خازن النار ويحاوره، ويرى الرسول مقبلا فى موكب عظيم من المقام المحمود يؤم مورد الحوض الذى يسقى منه أمته. يقول (1):

«لما انتهى إلى شاطئ المشرعة (2) تقدمت إليه الصوفية من كل مكان وفى أيديهم الأمشاط وأخلّة الأسنان، وقدموها بين يديه، فقال: صلّى الله عليه، من هؤلاء؟ فقيل له: قوم من أمتك غلب العجز والكسل على طباعهم، فتركوا المعايش وانقطعوا إلى المساجد، يأكلون وينامون فقال: فبماذا كانوا ينفعون الناس ويعينون بنى آدم؟ فقيل له: والله ولا بشئ البتة، ولا كانوا إلا كمثل شجر (3) الخروع فى البستان، يشرب الماء ويضيق المكان» .

وهو نقد مغربى مبكر للصوفية وما يحملون من أمشاط لشعرهم وخلال لأسنانهم ولا عمل لهم ينفعون به الأمة، إلا ما كان من البطالة والكسل والتمويه على العامة بما يؤدون لهم من أطعمة وأكسية متظاهرين بالعبادة والنسك فى المساجد. وعلى نحو هذا النقد للصوفية ينقد كثيرين من معاصريه علماء وغير علماء كما ينقد كثيرين من القدماء ومواقفهم من على بن أبى طالب فى حرب صفين ومن الحسين فى مقتله بكربلاء، بينما نراه ينوّه بالأيوبيين: أسد الدين شيركوه وأخيه أيوب وابنه صلاح الدين، ولعله كان يحاول بذلك أن يتقرب من دولتهم. وربما كانت مقامته البغدادية الجادة أروع من هذا المنام الهزلى، وهو يستهلها بقوله (4):

«لما تعذرت مآربى، واضطربت مغاربى، ألقيت حبلى على غاربى (5)، وجعلت مذهّبات الشعر بضاعتى، ومن أخلاف الأدب وضاعتى، فما مررت بأمير إلا حللت ساحته، واستمطرت راحته، ولا وزير إلا قرعت بابه، وطلبت ثوابه، ولا بقاض إلا أخذت سيبه (6)، وأفرغت جيبه، فتقلبت بى الأعصار، وتقاذفتنى الأمصار، حتى قربت من العراق وسئمت من الفراق، فقصدت مدينة السلام (7)، لأقضى حجّة الإسلام، فدخلتها بعد مقاساة الضرّ، ومكابدة العيش المر. . وتاقت نفسى إلى محادثة العقلاء، واشتاقت إلى معاشرة الفضلاء، فدلّنى بعض السادة الموالى، إلى دكّان الشيخ أبى المعالى، فقال هو بستان الأدب، وديوان العرب، يرجع إلى رأى مصيب، ويضرب فى كل علم بنصيب، فقصدت قصده، حتى جلست عنده، فحين نظر إلى، ورأى أثر السفر علىّ، بدأنى بالسلام، وبسطنى بالكلام، وقال: من أى البلاد خرجت وعن أيها درجت! فقلت: من المغرب الأقصى. . وقال كيف معرفتك بدهرك؟

(1) انظر منامات الوهرانى ومقاماته ورسائله 49.

(2)

المشرعة: المورد.

(3)

شجر ورقه كورق التين ثمره مر.

(4)

مقامات الوهرانى ومقاماته ص 1.

(5)

الغارب: الكاهل: ألقى حبله على غاربه: ذهب حيث شاء.

(6)

سيبه: عطاءه.

(7)

مدينة السلام: بغداد.

ص: 246

ومن تركته وراء ظهرك». وسأله عن دولة الملثمين ثم عن دولة الموحدين قائلا: ما تقول فى عبد المؤمن (أول ملوك الموحدين) وأولاده، وسيرته فى بلاده؟ فقلت: مؤيد من السماء، مسلّط على من فوق الماء، خضع له ذوو التيجان، وخدمه الإنس والجان، ولو أن للقلم لسانا، وللورقة إنسانا (1)، لتألمت، وتظلمت، ولأنشدتك فى الملا (2) قول الشيخ أبى العلا (3):

جلوا صارما وتلوا باطلا

وقالوا صدقنا فقلنا نعم (4)

ولكن السكوت عن هذا أنجح، ومسالمة الأفاعى أصلح»

وأول المقامة شبيه بمقامات الحريرى وبديع الزمان فى تصوير حيلهم على الناس واستخراجهم لدراهمهم ودنانيرهم. ولكنها لا تلبث أن تتحول إلى حديث عن الدول المعاصرة ورجالها، وصاحب الدكان يسأل وهو يجيب، وقد سأله بعد الملثمين والموحدين من ملوك المغرب الأقصى عن حاكم صقلية النورماندى، وعن الدولة الفاطمية وزوال الحكم منها فى مصر إلى الدولة الأيوبية. ويشيد بغير أمير منها وخاصة صلاح الدين واستقدامه لأبيه وأهله ونقله الخلافة بمصر من الفاطميين إلى بنى العباس ببغداد، ويمتدح المستضيء الخليفة حينئذ وبعض وزرائه وصاحب ديوانه. ولعل أسلوبه اتضح من خلال ما ذكرته من هذه المقامة، إذ يتميز سجعه بالقصر مما يشيع فيه عذوبة بديعة، وقد مزج مديحه لعبد المؤمن بنقد لاذع لحكمه وأنه يقوم على البطش والقهر الشديد. وتلك طريقته العامة فى رسائله الكثيرة، إذ يخلط السم بالعسل، وقد تصبح سما خالصا. وله أكثر من ثلاثين رسالة موجهة إلى القاضى الفاضل وغيره من رجال الدولة محملة بكثير من هذه السموم. ويدل منامه الكبير ومقاماته ورسائله على ثقافة واسعة، وحياته وتحليل أعماله خليقان بدراسة مفصّلة.

(ج) أبو الفضل (5) بن محشرة

هو أبو الفضل جعفر بن محمد بن على القيسى المشهور باسم ابن محشرة، من أهل مدينة بجاية، كان أبوه قاضيا بها وعنى بتربيته علميا وأدبيا، مما جعل الغبرينى ينعته فى عنوان الدراية بأنه الفقيه الجليل العالم الصدر النبيل النبيه الذكى السنّىّ القدر الكاتب البارع. وينعته عبد الواحد المراكشى فى كتابه:«المعجب» : ببراعة الكتابة وسعة الرواية وغزارة الحفظ وذكاء النفس. ويقول الغبرينى: «استدعاه الخليفة يوسف بن عبد المؤمن (558 - 580 هـ) إلى حاضرتهم بمراكش وكان يجله لحسن سمته وروائه ووقاره، وفى المعجب أنه كان يخدم أبا القاسم القالمى

(1) إنسانا: إنسان عين.

(2)

الملأ: الجماعة.

(3)

أبى العلا: أبى العلاء المعرى.

(4)

جلوا صارما: صقلوا سيفا وشحذوه.

(5)

انظر فى ابن محشرة عنوان الدراية ص 53 والمعجب للمراكشى ص 317، 338 ومجموع رسائل موحدية ص 149 - 228.

ص: 247

إلى أن مات، فكتب للخليفة يوسف بن عبد المؤمن مكانه، وقد يدل ذلك على أن القالمى- لا الخليفة يوسف-هو الذى استدعاه-ربما لمعرفته المظنونة بأبيه القاضى مواطنه أو لمعرفته بفضله. ويقول الغبرينى إنه ولد سنة 540 هـ/1145 م أو قبلها بقليل، وتوفى سنة 598 هـ/1201 م غير أن المراكشى فى المعجب يقول إنه كتب للخليفة يعقوب الموحدى بعد كتابته لأبيه يوسف، ولم يزل كاتبا له إلى أن توفى. ويقول أيضا إنه كتب ليعقوب بعد وفاته أبو عبد الله بن عياش، وفى التكملة (1) أن يعقوب استكتب ابن عياش فى سنة 586 هـ/1140 م وكأن هذه هى السنة التى توفى فيها ابن محشرة لا سنة 598 كما توهم الغبرينى.

ولابن محشرة فى مجموع رسائل موحدية تسع رسائل: رسالة على لسان الخليفة يوسف الموحدى سنة 576 هـ/1180 م وثمان على لسان الخليفة يعقوب الموحدى تبدأ فى سنة 580 وهى السنة التى توفى فيها أبوه واستولى على صولجان الحكم، والرسالة الأولى موجهة من الخليفة يوسف الموحدى إلى الطلبة والموحدين والشيوخ والأعيان والكافّة بقرطبة يخبرهم فيها بأنه قام بحركة مباركة فى سنة 575 إلى إفريقية التونسية استولى فيها على قفصة جنوبى تونس وقضى على ثائر بها وأنه اجتمع إلى سادة قبائل رياح وشيوخها فى تلك الرحلة وأنه أغراهم بارتحال قبائلهم إلى الأندلس لجهاد نصارى الإسبان مذكرا لهم بجهاد آبائهم فى الفتوح الإسلامية، وأنهم لبّوا دعوته، يقول ابن محشرة على لسانه (2):

«جمع أشياخ العرب وأعيانهم والمشار إليهم من رؤسائهم ووجوههم وكبرائهم من جميع قبائل رياح (الهلالية) فذكّروا بحقوق هذا الأمر العظيم وآلائه الجزيلة ومننه الجسام، ونبّهوا إلى ما كان لسلفهم من العرب من كريم السوابق فى أول الإسلام، وعرّفوا أن الغرض منهم إنما هو غزو الروم الذين بجزيرة الأندلس، فقد طال استشراؤهم (3)، وأملى الله لهم فزاد عليه اجتراؤهم. وندبوا إلى أن ينفروا إلى ذلك بقضّهم وقضيضهم (4)، نفرة من انبتّ (5) عن الوطن، ونبذ علق المسكن والسكن، وإن كانت هذه البلاد هى التربة التى مسّت أولا جلودهم، وقضوا فيها من الشباب عهودهم، فالذى ينتقلون إليه من الرّباط فى سبيل الله يجمع لهم الخير فى الدين والدنيا، والشرف بالكون فى عداد كلمة الله العليا. . وذاكرنا الجماعة المذكورة فى ذلك ذكرى أفضت إلى قلوبهم، وخلصت إلى نفوسهم، وتغلغلت (6) فى بواطنهم، فتحركت إلى ذلك حفائظهم (7)، ومارت (8) لنصر دين الله عزائمهم. . وقد سالت بهم

(1) التكملة (طبع مدريد) رقم 952.

(2)

مجموع رسائل موحدية ص 152 وما بعدها.

(3)

استشراؤهم: اشتداد شرهم وتفاقمه.

(4)

بقضهم وقضيضهم: بجميعهم ينقض آخرهم على أولهم ويندفع.

(5)

انبت: انقطع، وفى الأصل: أبنت.

(6)

تغلغلت: تعمقت، وفى الأصل: تقلقلت.

(7)

حفائظ جمع حفيظة: الحمية والغضب.

(8)

مارت: تحركت، وفى الأصل: ثارت.

ص: 248

الأباطح (1)، وامتلأت بجموعهم الموامى (2) الفسائح. . وإن جموعهم لتكاثر الحصى (3)، وتعادّ (4) الدّبى، وتملأ الغيطان (5) والرّبى».

ولغة الرسالة جزلة مختارة، اختارها كاتب حاذق يعرف كيف يسوّى من اللغة أساليب تروق القارئ بسجعها ورصانة ألفاظها عامدا فى أحيان كثيرة إلى تأكيد معنى العبارة التى يوردها بجملة أو جمل ترادفها، فتزيدها إيضاحا وبيانا كقوله فى أواخر ما اقتبس من رسالته:«وذاكرنا الجماعة المذكورة فى ذلك ذكرى أفضت إلى قلوبهم، وخلصت إلى نفوسهم، وتغلغلت فى بواطنهم، فتحركت إلى ذلك حفائظهم، ومارت لنصر دين الله عزائمهم» . والرسالة وثيقة تاريخية مهمة لأنها ترينا سياسة الموحدين الحصيفة، إذ لم يكتفوا بأن يستشعر أعراب الجزائر وإفريقية التونسية الولاء لهم فحسب، فقد رأوا أن ينقلوا جماهير غفيرة منهم إلى الأندلس للاستعانة بهم فى الحرب الدائرة هناك بين دولة الموحدين ونصارى الأندلس وكان لهم أثر كبير فى رجحان كفة الموحدين على أولئك النصارى فى وقائعهم معهم، واستنّ تلك السنة الخليفة يعقوب الموحدى مثل أبيه يوسف، وبذلك انتصر فى موقعة الأرك المشهورة سنة 591 هـ/1194 م. ولم تفض هذه السياسة إلى انتصار الموحدين فى الأندلس لعهد يوسف ويعقوب فقط فقد أفضت أيضا إلى كفّ أيدى الأعراب عن العبث لمدة قرن فى بلاد المغرب وخاصة فى الجزائر. وآخر رسالة لابن محشرة احتفظ بها مجموع رسائل موحدية كتبها- كما مر بنا-سنة 586 على لسان يعقوب الموحدى إلى الطلبة-الموحدين-الأعيان والأشياخ والكافة بسبتة يخبرهم فيها بغزوة جيشه لابن الريق النصرانى فى غربى الأندلس وتنكيله بمن معه واستيلائه على حصن عظيم من حصونهم يسمى طرّش. وهو يستهل الرسالة بقوله (6):

«الحمد لله الذى أرغم لهذا الأمر العزيز شمّ المعاطس (7)، وألان بأيده قباح (8) الجامح الشامس، وأخضع لعزّته وسطوته كل جيد متطاول، وأخشع كل لحظ مشاوس (9)، وحكم بظهور أمره، واستيلاء غلبته وقهره على ما توقّل (10) فى الشّمّ الشوامخ وتوغّل فى البيد البسابس (11) ويسّر له من الفتوح الخارقة للعادة، المقودة بزمامى البركة والسعادة، ما تجاوز (12)

(1) الأباطح جمع أبطح: المكان المتسع يمر به السيل ويترك فيه التراب والحصى.

(2)

الموامى جمع موماة: المفازة الواسعة، وفى الأصل: المواهى.

(3)

الحصى: صغار الحجارة، وفى الأصل: الحصر.

(4)

تعاد: تفاخر فى كثرة العدد، والدّبى: الجراد وفى الأصل: معاد الرّبى.

(5)

الغيطان جمع غيط: المطمئن الواسع من الأرض. الربى جمع ربوة: ما ارتفع من الأرض.

(6)

مجموع رسائل موحدية ص 218.

(7)

المعاطس جمع معطس: الأنف والمراد بشم المعاطس الأعداء المستعلون.

(8)

قباح: عضد. الشامس: الجامح المستعصى.

(9)

مشاوس: متكبر.

(10)

توقل: صعّد.

(11)

البسابس: القفر الخالية.

(12)

تجاوز: زاد عن.

ص: 249

تقدير المقدّر وقياس القائس، والصلاة على محمد نبيّه المصطفى، ورسوله الأكرم المجتبى، المختار من أشرف المحاتد (1) وأطيب المغارس، المسكت بفرقانه المعجز، وبيانه الموجز، كلّ نافس، والماحى بنور نبوته الخاتمة للملل، وشريعته الناسخة للأديان والنحل، مظلمات الغياهب (2) ومدلهمات الحنادس».

وابن محشرة فى هذا التحميد وما تلاه من الصلاة على الرسول الكريم يختار حرف السين لسجعاته فيهما، وبدءا من السجعة الرابعة أخذ يطيل السجعة لتتوازن العبارات أو التعبيرات داخلها بحيث تتشابك ألفاظها وتتعانق فى سجعات داخلية، ليدل على مدى قدرته فى السجع وصياغته، وهو يضيف إلى ذلك عناية واضحة بالتصوير كما فى قوله «ألان بأيده قباح أو عضد الجامح الشامس» وتتوالى كتابات وتصاوير مختلفة كقوله عن الرسول إنه من أطيب المغارس ومحا بنور نبوته مظلمات الغياهب ومدلهمات الحنادس. ويقول-على لسان يعقوب-إن صاحب قشتالة المسيحى فى الشمال حين علم بهذا الجيش سارع إلى إعلان تمسكه بعهده مع الموحدين وأنه مستعد من أجلهم لمحاربة أهل ملته، فأمضى له يعقوب السلم. وبالمثل سارع صاحب ليون يطلب تجديد مهادنته، وهادنه يعقوب ليفرغ لابن الريق النصرانى فى الغرب. ويصف ابن محشرة انتساف الجيش لزروعه فى شنترين وإحراقه وتخريبه لمنازله وربوعه، ويصور استيلاء جنوده على قلعة طرّش المنيعة، بقوله (3):

«نهدوا (4) إلى قلعة للأعداء تسمى «طرّش» على هضبة منيفة (5) المراقب، مسامية للكواكب، قد انقطعت حافاتها، وبعدت قذفاتها (6) من كل الأرجاء والجوانب، ولعظمها ومكانها من نفوسهم أشبّوها (7) بالبناء الشامخ وحصّنوها، وألقوا بها جموعهم المؤتشبة (8) ووثقوا بها على حفظ نفوسهم وأموالهم وائتمنوها، واعتدوها (9) قفل بلادهم، فخانتهم- بحمد الله-آمالهم التى أمّلوها (10)، وكذبتهم ظنونهم التى ظنوها. ولقد كانت من المنعة بحيث لا ترام، ولا يهتضم (11) المتوقل فيها ولا يستضام، ولا تثبت لمحاربها-لوعورة مراقيها (12) وجوانبها-الأقدام. لولا سعود هذا الأمر (13) الذى تؤيده الأقدار وتنجده الأيام، والحمد لله

(1) المحاتد جمع محتد: الأصل.

(2)

الغياهب جمع غيهب والحنادس جمع حندس وهما الظلمة.

(3)

انظر مجموع رسائل موحدية ص 223.

(4)

نهد: نهض.

(5)

منيفة المراقب: عالية مواضع المراقبة.

(6)

قذفات جمع قذفة: جانب بعيد.

(7)

أشبوها هنا: حموها.

(8)

المؤتشبة: الملتفة.

(9)

اعتدوها: عدوها وفى الأصل: اعتدوا.

(10)

بعد أملوها كلمة زائدة: «فى استقصائه» : حذفت.

(11)

يهتضم المتوقل: يقهر المقيم فيها. يستضام: يظلم.

(12)

مراقيها: أماكن الصعود فيها وفى الأصل: مراقبها.

(13)

هذا الأمر: هذه الدعوة دعوة الموحدين.

ص: 250

على ذلك حمدا تستنجز به المنن وتستدام، لا ربّ سواه. فنازلها الموحدون-أعزهم الله- أصدق نزال، وصالوا على كفرتهم أعظم صيال (1). . وعند ما عضّتهم الحرب الضروس (2) بنابها (3)، وجرّعتهم أكؤس مرّها (4) وصابها. . رغموا (5) فى أن يخرجوا بحشاشتهم، ومن معهم من نسائهم وذرياتهم، ويفرجوا للموحدين-أعزّهم الله-عن كل ما اشتمل عليه حصنهم من أموالهم وأقواتهم».

والسجع مرصوف بإحكام والكلمات منتخبة بدقة والصور تتوالى بكثرة، فقد ائتمنوا هذا الحصن وعدوه قفل بلادهم، فخانتهم آمالهم وكذبتهم ظنونهم، بفضل دعوة الموحدين التى تؤبدها الأقدار وتنجدها الأيام، وعضّتهم الحروب الضروس بنابها وجرّعتهم أكؤس مرها وصابها، فولّوا على وجوههم خاسئين مدحورين إلى غير مآب.

(1) فى الأصل: مصال.

(2)

الضروس: العضوض المهلكة. .

(3)

فى الأصل: بها.

(4)

فى الأصل: مقرها.

(5)

فى الأصل: رغبوا.

ص: 251