الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أبيدوا عن آخرهم، وأصبحوا عبرة وموعظة لكل معتد أثيم، وحلقت فوق جثثهم النسور وانقضّت عليها انقضاضا. ويقول مفاخرا بشيمه الرفيعة وأجداده (1):
ألقى بصبرى حسام الحادثات ولى
…
عزم أصدّ به ما قد يلاقينى
ولا أتوق لحال لا تلائمها
…
حالى ولا منزل اللذّات يلهينى
ولست أرضى من الدنيا وإن عظمت
…
إلا الذى بجميل الذكر يرضينى
وكيف أقبل أسباب الهوان ولى
…
آباء صدق من الغرّ الميامين (2)
النازلين على حكم العلا أبدا
…
من زيّنوا الكون منهم أىّ تزيين
من كل أروع فى أكتاده لبد
…
كالليث، واللّيث لا يغضى على هون (3)
والعباسى يقول إنه يتدرع أو يتسلّح بصبر أمام جسام الحادثات فلا تنال منه، ويصد بعزمه القوى ما يلقاه من خطوب، ولا يتشوق لحال لا تتفق وحاله، ومنزل اللذات لا يلهيه، بل يكف نفسه عنه، ولا يرضيه من دنياه إلا الذكر الجميل والعمل الحميد ولا يقبل هوانا وكيف يقبل هوانا أو ضيما، وآباؤه آباء صدق من المشهورين ميمونى النقيبة الذين لا ينزلون أبدا إلا على حكم العلا وقد ازدان بهم الكون زينة رفيعة، من كل شجاع على كاهله لبد كأنه ليث حقيقى، والليث لا يغمض عينه ولا يستطيع الصبر على هوان وضيم. وحرىّ بنا أن نترجم الآن ليحيى السلاوى السودانى وعثمان هاشم.
الشيخ يحيى (4) السلاوى السودانى
ولد
الشيخ يحيى السلاوى السودانى
بالخرطوم حوالى سنة 1262 هـ/1846 م وهو ابن عبد الغنى السلاوى قاضى دنقلة الذى مر فى شعراء المديح أنه كان من شعراء المهدى وذكرنا له أبياتا من قصيدة فى مديحه هناك، وكان ابنه يحيى شاعرا مثله، ونراه حين نشبت ثورة عرابى بمصر سنة 1298 هـ/1881 م يطلب من مدير دنقلة ترحيله إلى مصر، ويرفض طلبه، فيبرق إلى محمد رءوف باشا حاكم السودان البيتين التاليين:
مولاى عزّ ترحّلى
…
وغدوت مقصوص الجناح
فأرش جناحى مثلما
…
عوّدتنيه ولا جناح
فأبرق رءوف باشا إلى مدير دنقلة بترحيله على نفقة الحكومة إلى مصر، وبمجرد أن نزلها اندمج فى الثورة، وعرف أحمد عرابى أنه شاعر فطلب إليه أن ينظم قصيدة لطبعها ونشرها
(1) شعراء السودان ص 293 ونفثات اليراع ص 139 وكتاب محمد سعيد العباسى ص 129 وما بعدها وانظر ديوانه.
(2)
الغر: المشاهير. الميامين: المباركين.
(3)
أكتاده جمع كتد: مجتمع الكتفين.
(4)
انظر فى ترجمة يحيى السلاوى وقصيدته نفثات اليراع ص 83 وشعراء الوطنية فى السودان ص 28، 299.
فى أرجاء مصر. ويقول محمد عبد الرحيم فى ترجمته له بكتابه نفثات اليراع إنه نظم-تلبية لعرابى-قصيدة يائية من تسعة وتسعين بيتا عثرنا على طائفة من أبياتها، وبلغ من اهتمام عرابى والشعب المصرى بها أن طبعت بماء الذهب وبيعت فى شوارع القاهرة، وكان ثمن النسخة منها جنيها ذهبا، وبلغ ما عثر عليه محمد عبد الرحيم منها خمسة وأربعين بيتا وهى أشبه بمنشور ثورى وهو يستهلها بقوله:
شغل العدا بتشتّت الأحزاب
…
والله ناصرنا بسيف عرابى
والقطر فيه من الرجال كفاءة
…
للحادثات فهم أولو الألباب
وحميّة الإسلام تقضى بالوفا
…
حتما على كلّ امرئ أوّاب (1)
ومحبّة الوطن العزيز تحثّهم
…
والفلج إذن باتّباع صواب
والمشركون خواسر فى سعيهم
…
هزموا وقد نكصوا على الأعقاب (2)
والشيخ يحيى يقول إن الإنجليز شغلوا بتشتت جندهم، وسماهم الأحزاب أسوة بغزوة كفار قريش والعرب المسماة غزوة الأحزاب، ويقول إن الله ناصرنا بسيف الحق: سيف أحمد عرابى، والقطر ملئ برجال أكفاء لهؤلاء الأعداء، وهم مملوءون حمية للإسلام، تأمر كل مسلم أواب متبتل لربه بالوفاء لدينه الحنيف والدفاع عنه بالروح، وأيضا مملوءون محبة للوطن تحثهم على الدفاع عنه وهو دفاع سينتهى إلى النصر المبين، وقد نصرنا فعلا فى بعض المواقع، وهو إذن وبشرى بالنصر التام وإن الإنجليز لخاسرون فى حربهم إذ هزموا ورجعوا ناكصين على أعقابهم. ويمضى قائلا:
هيّا بنا يا أهل مصر إلى الرّضا
…
والفوز فى العقبى بغير حساب
أنتم أولو الهمم التى بسهامها
…
كم من عدوّ آب شرّ إياب
لا تشغلنّكم الحياة فإنها
…
ذلّ لمن يرضى بهتك جناب
ولقد نرى إخواننا فى حالة
…
تحتاج للأعوان والأصحاب
وهو يهيب بأهل مصر أن يؤيدوا عرابى ويشتركوا فى حرب الإنجليز طلبا للفوز فى الآخرة ويقول إنكم أولو الهمم المصممة، وما أكثر ما نكلتم بأعداء بلدكم حتى آبوا شر مآب، ولا تشغلنكم الحياة عن واجبكم فى الدفاع المستميت عن بلدكم، وإنه لذل لأى أمة ما مثله ذل أن ترضى بهتك العدو لأى ناحية من نواحيها، وإن إخواننا من الجنود وقادتهم لفى حاجة إلى العون المادى والحربى، ويذكر بعض الشخصيات التى ناصرت عرابى وأمدته بعون قيم.
(1) أواب هنا: متبتل إلى ربه.
(2)
نكصوا على الأعقاب: رجعوا عما كانوا اعتزموه.