المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌4 -محمد على والسودان-عهد إسماعيل - تاريخ الأدب العربي لشوقي ضيف - جـ ١٠

[شوقي ضيف]

فهرس الكتاب

- ‌مقدّمة

- ‌1 - [الجزائر]

- ‌2 - [المغرب الأقصى]

- ‌3 - [موريتانيا]

- ‌4 - [السودان]

- ‌القسم الأولالجزائر

- ‌الفصل الأوّلالجغرافية والتاريخ

- ‌1 -الجغرافية

- ‌3 -الفتح والولاة-الأغالبة-الإباضية-تلمسان

- ‌(ب) الأغالبة

- ‌(ج) الإباضيون

- ‌(د) تلمسان

- ‌4 -الدولة العبيدية-الدولة الصنهاجية-بنو حماد

- ‌(أ) الدولة العبيدية

- ‌(ج) بنو حماد

- ‌5 -دولة الموحدين-الدولة الحفصية-بنو عبد الواد

- ‌الفصل الثّانىالمجتمع الجزائرى

- ‌2 -المعيشة

- ‌(أ) الثراء

- ‌(ب) الرّفة

- ‌(ج) الموسيقى

- ‌4 -الدين-المالكية والحنفية-الإباضية-المعتزلة

- ‌(أ) الدين

- ‌(د) المعتزلة

- ‌الفصل الثالثالثقافة

- ‌1 -الحركة العلمية

- ‌(أ) فاتحون ناشرون للإسلام ومعلمون

- ‌(ب) دور العلم:‌‌ الكتاتيب-‌‌المساجد-المدارس-الزوايا-المكتبات

- ‌ الكتاتيب

- ‌المساجد

- ‌المدارس

- ‌الزوايا

- ‌المكتبات

- ‌(ج) نمو الحركة العلمية

- ‌5 -التاريخ

- ‌الفصل الرّابعنشاط الشعر والشعراء

- ‌2 -كثرة الشعراء

- ‌3 -شعراء المديح

- ‌ عبد الكريم النهشلى

- ‌ ابن خميس

- ‌ الشهاب بن الخلوف

- ‌ محمد القوجيلى

- ‌4 -شعراء الفخر والهجاء

- ‌(أ) شعراء الفخر

- ‌(ب) شعراء الهجاء

- ‌ بكر بن حماد التاهرتى

- ‌ سعيد المنداسى

- ‌5 -الشعراء والشعر التعليمى

- ‌ عبد الرحمن الأخضرى

- ‌الفصل الخامسطوائف من الشعراء

- ‌1 -شعراء الغزل

- ‌ ابن على

- ‌2 -شعراء وصف الطبيعة

- ‌ عبد الله بن محمد الجراوى

- ‌3 -شعراء الرثاء

- ‌4 -شعراء الزهد والتصوف

- ‌(أ) شعراء الزهد

- ‌(ب) شعراء التصوف

- ‌ إبراهيم التازى

- ‌5 -شعراء المدائح النبوية

- ‌الفصل السّادسالنثر وكتّابه

- ‌1 -الخطب والوصايا

- ‌2 -الرسائل الديوانية

- ‌3 -الرسائل الشخصية

- ‌4 -المقامات

- ‌5 -كبار الكتاب

- ‌[(ب)] الوهرانى

- ‌القسم الثانىالمغرب الأقصى

- ‌الفصل الأوّلالجغرافية والتاريخ

- ‌1 -الجغرافية

- ‌3 -الفتح والولاة-ثورة الصفرية-بنو مدرار-الأدارسة-بعد الأدارسة والمدراريين

- ‌(ب) ثورة الصفرية

- ‌(د) الأدارسة

- ‌4 -المرابطون-الموحدون-بنومرين

- ‌(أ) المرابطون

- ‌(ب) الموحدون

- ‌5 -السعديون-الطرق الصوفية-العلويون

- ‌(أ) السعديون

- ‌(ج) العلويون

- ‌الفصل الثّانىالمجتمع المغربى

- ‌1 -عناصر السكان

- ‌2 -المعيشة

- ‌3 -الثراء-الرّفة-الموسيقى-المرأة

- ‌(أ) الثراء

- ‌(ب) الرّفة

- ‌(ج) الموسيقى

- ‌(د) المرأة

- ‌4 -المالكية-الصفرية-المعتزلة-الظاهرية

- ‌(أ) المالكية

- ‌(ب) الصفرية

- ‌(ج) المعتزلة

- ‌(د) الظاهرية

- ‌5 -الزهاد-المتصوفة

- ‌(أ) الزهاد

- ‌(ب) المتصوفة

- ‌الفصل الثالثالثقافة

- ‌1 -الحركة العلمية

- ‌(أ) فاتحون ناشرون للإسلام ومعلمون

- ‌ الكتاتيب

- ‌(ب) دور العلم: الكتاتيب-المساجد-المدارس-الزوايا-المكتبات

- ‌المساجد

- ‌المدارس

- ‌الزوايا

- ‌المكتبات

- ‌(ج) نمو الحركة العلمية

- ‌2 -علوم الأوائل

- ‌3 -علوم اللغة والنحو والعروض والبلاغة

- ‌5 -التاريخ

- ‌الفصل الرّابعنشاط الشعر والشعراء

- ‌1 -تعرب المغرب الأقصى-كثرة الشعراء

- ‌(أ) تعرب المغرب الأقصى

- ‌(ب) كثرة الشعراء

- ‌2 -شعراء الموشحات والأزجال

- ‌(أ) شعراء الموشحات

- ‌ ابن غرلة

- ‌ ابن الصباغ

- ‌ ابن زاكور

- ‌(ب) شعراء الأزجال

- ‌ابن عمير

- ‌3 -شعراء المديح

- ‌ ابن زنباع

- ‌ ابن حبوس

- ‌الجراوى

- ‌ ابن عبد المنان

- ‌الهوزالى

- ‌الدغوغى

- ‌البوعنانى

- ‌4 -شعراء الفخر والهجاء

- ‌(أ) الفخر

- ‌ الشاذلى

- ‌(ب) الهجاء

- ‌5 -الشعراء والشعر التعليمى

- ‌ عبد العزيز الملزوزى

- ‌ابن الونان

- ‌الفصل الخامسطوائف من الشعراء

- ‌1 -شعراء الغزل

- ‌ أبو الربيع الموحدى

- ‌ عمر السلمى

- ‌2 -شعراء الوصف

- ‌3 -شعراء الرثاء

- ‌ ابن شعيب الجزنائى

- ‌4 -شعراء الزهد والتصوف

- ‌(أ) شعراء الزهد

- ‌(ب) شعراء التصوف

- ‌ ابن المحلى

- ‌5 -شعراء المدائح النبوية

- ‌ميمون بن خبازة

- ‌ مالك بن المرحل

- ‌الفصل السادسالنثر وكتّابه

- ‌1 -الخطب والمواعظ

- ‌2 -الرسائل الديوانية

- ‌3 -الرسائل الشخصية

- ‌4 -المقامات والرحلات

- ‌(أ) المقامات

- ‌(ب) الرحلات

- ‌ رحلة ابن رشيد

- ‌ رحلة العياشى

- ‌ رحلة ابن ناصر

- ‌5 -كبار الكتّاب

- ‌(أ) القاضى عياض

- ‌القسم الثالثموريتانيا

- ‌الفصل الأوّلالجغرافية والتاريخ

- ‌1 -الجغرافية

- ‌2 -التاريخ

- ‌الفصل الثّانىالمجتمع والثقافة

- ‌1 -المجتمع

- ‌(أ) صنهاجة وقبائل المعقل العربية

- ‌(ب) الزروع والمراعى

- ‌(ج) التجارة

- ‌(د) حياة يدوية

- ‌2 -الثقافة

- ‌(أ) نشاط دينى تعليمى كبير

- ‌(ب) التعليم والطلاب والشيوخ

- ‌(ج) أمهات الكتب والمتون والشروح المتداولة

- ‌(د) أعلام العلماء فى موريتانيا

- ‌(هـ) القراء والمفسرون والمحدثون والفقهاء

- ‌(و) أعلام النحاة والمتكلمين

- ‌الفصل الثالثنشاط الشعر والشعراء

- ‌1 -تعرّب موريتانيا

- ‌2 -شعراء المديح

- ‌ ابن رازكة

- ‌3 -شعراء الفخر والهجاء

- ‌(أ) شعراء الفخر

- ‌ المختار بن بون

- ‌(ب) شعراء الهجاء

- ‌4 -شعراء الرثاء

- ‌الفصل الرّابعطوائف من الشعراء

- ‌1 -شعراء الغزل

- ‌ الأحول الحسنى

- ‌ يقوى الفاضلى

- ‌2 -شعراء التصوف

- ‌ المختار الكنتى

- ‌الشيخ سيديّا

- ‌3 -شعراء المدائح النبوية

- ‌ محمد بن محمد العلوى

- ‌4 -الشعراء والشعر التعليمى

- ‌القسم الرابعالسودان

- ‌الفصل الأوّلالجغرافية والتاريخ

- ‌1 -الجغرافية

- ‌2 -التاريخ

- ‌3 -(ج) دولة الفونج

- ‌4 -محمد على والسودان-عهد إسماعيل

- ‌5 -حركة المهدى-خليفته عبد الله التعايشى

- ‌الفصل الثّانىالمجتمع السودانى-الثقافة

- ‌(أ) نزعة صوفية عامة

- ‌(ب) المرأة ومكانتها فى التصوف

- ‌(ج) التصوف والتربية الخلقية والدينية

- ‌(د) طرق صوفية جديدة

- ‌(هـ) دعوة المهدى ومبادئها الستة

- ‌2 -الثقافة

- ‌(أ) كتاتيب-زوايا-مساجد

- ‌(ب) حركة علمية نشيطة فى عهد الفونج

- ‌(ج) سودانيون أزهريون وعلماء مصريون

- ‌(د) التعليم المدنى الحديث وتوقفه

- ‌(هـ) إنشاء معهد دينى وعودة التعليم المدنى الحديث

- ‌الفصل الثالثنشاط الشعر والشعراء

- ‌2 -شعراء المديح

- ‌ الشيخ حسين زهراء

- ‌ الشيخ محمد عمر البناء

- ‌3 -شعراء الفخر والحماسة

- ‌ الشيخ يحيى السلاوى السودانى

- ‌ عثمان هاشم

- ‌4 -شعراء الرثاء

- ‌(أ) رثاء الأفراد

- ‌ الشيخ محمد سعيد العباسى

- ‌(ب) رثاء المدن

- ‌الفصل الرّابعطوائف من الشعراء

- ‌1 -شعراء الغزل العفيف

- ‌2 -شعراء النقد العنيف والشكوى من الزمن

- ‌الشيخ عبد الله البناء

- ‌ صالح عبد القادر

- ‌3 -شعراء التصوف

- ‌4 -شعراء المدائح النبوية

- ‌ الشيخ عمر الأزهرى

- ‌ الشيخ عبد الله عبد الرحمن

الفصل: ‌4 -محمد على والسودان-عهد إسماعيل

وأصبح ملوك الفونج-منذ هذا التاريخ-ألعوبة فى أيدى الوزراء من الهمج، وكانوا جماعة أو قبيلا واضحا فى سنار: وكان منهم الوزير الأول لبادى أبى شلوخ ثم لابنه ناصر وهو الشيخ محمد أبو لكيلك، أما جماعته وهم الهمج فيقال إنهم من الجعليين الذين كانوا ينزلون شمالى قبائل العبدلاب، ويقال بل هم من أهل النوبة الذين أسكنهم الملك بادى أبو دقن فى قرى حول سنار وجعل منهم جنده وحرسه الخاص. والأصل الذى انحدر منه الشيخ محمد أبو لكيلك يرجع إلى جعلىّ، تزرّج من نساء الأبواب. وقد مكنته مجموعة أخواله الأبواب من الاحتفاظ بإدارة الحكم وتدبيره. وعزل الملك ناصر وتولى أخوه إسماعيل، وتوفى الشيخ محمد أبو لكيلك وتولى المشيخة بادى ود رجب، وبدأ التنافس سريعا فى جماعة الهمج، إذ أخذ غير واحد يستعين بمجموعته أو عشيرته ليستولى على الحكم، وكثرت الانقسامات والحروب الأهلية فى الدولة إلى أن دخلت جيوش محمد على السودان سنة 1236 هـ/1820 م بقيادة ابنه إسماعيل كامل.

‌4 -

محمد على والسودان-عهد إسماعيل

(أ) محمد على (1) والسوادان

ترجع بعض المغريات التى جعلت محمد على يفكر فى فتح السودان إلى ما سمعه عن شبابه من الإخلاص والطاعة وشدة البأس، فتمنى لو أتيحت لجيشه كتيبه أو كتائب سودانية بدلا ممن فيه من الترك والأرنؤوط والألبان. ومن أهم المغريات أن المماليك الذين اضطهدهم فى مصر وأوقع بهم فى مذبحة القلعة المشهورة فرّ كثيرون منهم إلى السودان وخشى أن يكوّنوا دولة هناك تحمل السلاح ضده، فرأى أن يتعقبهم ويقضى عليهم قبل استفحال أمرهم. فأصدر قرارا إلى محمد بك لا ظوغلى بتجهيز الحملة، فجمع جيشا من المغاربة والأتراك والأرنؤوط والألبان وعربان البوادى، ورحّل الجيش إلى حلفا وعيّن محمد على ابنه الثالث إسماعيل كامل قائدا له وعين معه مساعدين من كبار القواد. وسار الجيش فى أرض النوبة، وطلب إلى قبائل الشائقية تسليم خيولهم وأسلحتهم فأبوا وقالوا إنهم يدفعون ضريبة أو إتاوة فقط ولكن لا يدفعون خيولهم واسلحتهم التى نشئوا يحملونها. وصمم إسماعيل كامل على حربهم، وعلى الرغم من بسالتهم لم يستطيعوا الصمود لرصاص المدافع، فاستسلمت طائفة منهم وطائفة ولّت وجوهها

(1) انظر مخطوطة كاتب الشونة: تاريخ السلطنة السنارية والإدارة المصرية، والسودان عبر القرون للدكتور مكى شبيكة، وعصر محمد على لعبد الرحمن الرافعى، وتاريخ السودان القديم والحديث لنعوم شقير، ودائرة المعارف الإسلامية.

ص: 624

إلى مدينة شندى وفيها سلموا له، وطمأنهم وأخذ فى استمالتهم حتى ارتضوا أن ينضموا إلى جيشه. وكان المماليك قد انسحبوا إلى شندى وآثر عدد منهم التسليم لإسماعيل كامل، وفرت طائفة منهم إلى كردفان ومنها اتجهوا إلى ليبيا، ولم يسمع عنهم بعد ذلك خبر. وطائفة اتجهت شرقا نحو الحجاز، وانقطعت أخبارها. وسلّم له الشائقية وحكام دنقلة وبربر وشندى والجعليين. وواصل إسماعيل كامل زحفه حتى نزل فى مقر أم درمان الحالية، وفيها وفد عليه أمير العبدلاّب وسلّم له فى أوائل رمضان سنة 1236 هـ/1821 م وهرب منه بعض الناس ولقيه آخرون أعطاهم الأمان لأنفسهم وكساهم، وزحف إلى الجنوب، وكان يهدى كل من لقيه من الحكام كسوة وسيفا، ولقيه ملك الفونج فأمنه وكساه ودخل مدينة سنار فى الثانى عشر من رمضان. وبدون ريب كانت دولة سنار دولة عظيمة أدّت للإسلام والعروبة خدمات جليلة لمدة ثلاثة قرون ورثاها بعض الشعراء.

وكان إسماعيل كامل قائد الجيش وهو فى دنقله قد أعدّ حملة بقيادة محمد بك الدفتردار لفتح كردفان ولم يقبل حاكمها التسليم، والتقى بجيش الدفتردار عند مدينة الأبيض ولم تصنع شيئا السيوف والحراب إزاء الأسلحة النارية، واستسلمت إمارة كردفان. واستقر إسماعيل كامل فى سنار، وأخذ يرسل بالسرايا وتأتيه بالغنائم والأسرى. وزار إبراهيم باشا أخاه إسماعيل كامل فى سنار ليعدّ العدة معه لإرسال السودانيين إلى أبيه، وعاد سريعا. وفرض إسماعيل كامل ضرائب فادحة على السودانيين فغضبوا غضبا شديدا فاضطر إلى تخفيضها. وأحسّ بوخامة مناخ سنار فنزل واد مدنى وبنى بها ثكنات للجيش ومكاتب للحكومة، وصمم إسماعيل- بعد غيابه عن القاهرة مدة سنتين-أن يعود إليها، ومر فى عودته بنمر ملك شندى والجعليين، وطلب منه أن يقدم إليه من الأنعام والنقود ما يبلغ نحو عشرين ألف جنيه، وهو مبلغ تقصر عنه موارده أو هو مبلغ باهظ، فلما راجعه قسا عليه، فصمم نمر على الانتقام وأمر بوضع قصب جاف حول خيمته وأشعله وإسماعيل كامل نائم، فمات بالاختناق سنة 1239 هـ/1823 م. وأعقبت ذلك حملات انتقامية للدفتردار قتل فيها آلاف غير من أسروا. وعين محمد على لإدارة السودان عثمان بك ونزل فى مكان الخرطوم الآن واتبع سياسة التنكيل بالسودانيين وما ذنبهم؟ ولكنه كان قصير النظر مثل الدفتردار، وتوفى سريعا. وعين محمد على خورشيد أغا حاكما لإقليم سنار، وكان عليه أن يرجع الثقة للحكومة وأن يعيد إلى السودان من فرّ إلى الحبشة ملتجئا ونجح فى تحقيق الغايتين، واتبع فى سنار سياسة عمرانية رشيدة، ورأى أن تبنى الزراعة فى السودان على الرى المستديم مثل مصر وطلب عمالا منها يجيدون صناعة السواقى وطلب عمالا آخرين لحفر الترع، واستحضر من مصر أغراس بعض الأشجار المثمرة وشجع زراعة النيلة وقصب السكر، وطلب كباشا من مصر لتحسين سلالة الضأن فى السودان. ورقّى خورشيد إلى رتبة الميرميران ومنح لقب باشا. وبعد اثنى عشر عاما من حكمه

ص: 625

عاد إلى مصر وحزن السودانيون لعودته إذ عرفوا فيه الحاكم العادل الذى أنساهم سنين الدفتردار الدموية ويقول كاتب الشونة عن عودته: «تجهز بكامل ما لديه ونزل بالمراكب فصعب ذلك على الأهالى جميعا وصاروا عند وداعه يتباكون بالدموع» . وخلفه أحمد باشا أبو ودان وكان عهده استمرارا لعهد خورشيد وفيه يقول كاتب الشونة: «ضبط الحكومة أشد ضبط من غير إهمال ولا تفريط، وأبطل ما كان من تعدى العساكر على الفلاحين فى تسخيرهم فى الأشغال وتسخير بهائمهم. . وبذلك ارتاحت الأهالى وزادت العمارة وكثر الخير وخصبت الأراضى ورخصت الأسعار حتى صار أردب الذرة بخمسة قروش وصارت أيامه أحسن من أيام سلفه، وإن كانت أيام سلفه أيضا حسنة فى نفسها» . وتوفى أحمد باشا أبو ودان، فرأى محمد على تقسيم السودان إلى مديريات وترجع كل مديرية رأسا إلى مصر، ويتعاون المديرون فى المصالح المشتركة، وطلب إلى الحكومة العثمانية أن تضم مينائى مصوع وسواكن إلى السودان وأجابته إلى طلبه. ومنذ ولاية ابنه إسماعيل كامل كانت ترسل له جماعات ممن يؤسرون من السودانيين فى الجبال لضمها إلى الجيش. وتبين خطأ هذه السياسة إذ كان كثيرون منهم يموتون فى الطريق أو فى معسكرات مصر. وانتظمت الإدارة منذ ولاية خورشيد بما أخذ به هو ومن جاء بعده من سياسة عمرانية قويمة وتحسين الرى والزراعة وزيادة الإنتاج الحيوانى وجلب العمال المهرة من مصر لصناعة السواقى وحفر الترع.

وخلف عباس الأول بن طوسون جده محمد على سنة 1848 وفى عهده أنشئت القنصليات فى الخرطوم، ومع أنه أغلق فى مصر بعض المدارس أمر بفتح مدرسة كبيرة فى السودان وعين رفاعة الطهطاوى ناظرا لها. غير أن سعيدا حين خلفه أغلق هذه المدرسة، وفى عهده أبطلت تجارة الرقيق السودانى نهائيا وزار السودان وأمر بإصلاح الأداة الحكومية فى جمع الضرائب وخفّفها، ورأى أن تبقى كتائب الجند فى السودان وأن لا تسلط على الناس وأن يقف جمعها للضرائب، وأمر بتنظيم المدن والشوارع وتشجيع السودانيين على إنشاء الحدائق فى منازلهم.

(ب) عهد إسماعيل (1)(1863 - 1879 م)

كان أول ما عمله إسماعيل تعيين موسى باشا حمدى حكمدارا للسودان وبذلك أعاد للحكم هناك نظام المركزية أيام خورشيد، وأشرك العنصر السودانى فى الحكم فعين الشيخ أحمد أبو سن كبير قبيلة الشكرية مديرا للخرطوم وسنار وظل فى وظيفته إلى أن توفى بعد عشر سنوات وأظهر قدرة ممتازة برهنت على كفاءة السودانيين الإدارية، وطالبه إسماعيل بمعاملة السكان بالعدل والعمل على ازدياد العمران فى السودان وتوسيع نطاق تجارته، وأنشئت فى السودان

(1) انظر فى السودان لعهد إسماعيل كتاب السودان عبر القرون لمكى شبيكة وعصر إسماعيل لعبد الرحمن الرافعى وتاريخ السودان القديم والحديث لنعوم شقير.

ص: 626

زمن حكمدارية موسى حمدى خمس مدارس فى عواصم المديريات: بربر والخرطوم والأبيض وكسلا ودنقلة. وقد أمدت هذه المدارس النظامية الإدارة السودانية بحاجتها من الكتاب والمحاسبين وعمال التلغراف وأحدثت نهضة فى الثقافة والأدب بعد أن كان العلم مقصورا على خلاوى القرآن ومجالس العلوم الشرعية. وأمر إسماعيل بالإنفاق على المساجد وكتاتيب القرآن وفرض رواتب شهرية لها. وعين إسماعيل جعفر مظهر حكمدارا للسودان وكان على معرفة واسعة بالعلوم الدينية والأدبية فكان يجتمع عنده العلماء والأدباء للحوار والمناقشة وشاع فى أيامه الشغف بالعلم والأدب، وأخذ بعض الشعراء ينظمون قصائد كانت تنشر فى الوقائع المصرية، وأمر إسماعيل بالتوسع فى نطاق السودان: فى دارفور وبحر الغزال وخط الاستواء. وتطورت الظروف فى بحر الغزال وعيّن الزبير السودانى مديرا له، وساءت العلاقات بينه وبين الزريقات فحاربهم وانتصر عليهم سنة 1290 هـ/1874 م وفرّ مشايخهم إلى سلطان دارفور فنازله الزبير وقتل فى إحدى المعارك، ودخل الزبير عاصمته: الفاشر سنة 1292 هـ/1876 م وضمت دارفور إلى السودان، وكان ذلك من الزبير عملا جليلا.

أما خط الإستواء فقد ارتبط مصيره بإنجليزيين أحدهما مكتشف مهم هو صموئيل بيكر مكتشف بحيرة ألبرت الاستوائية، والثانى ضابط إنجليزى هو غوردون، وكان صموئيل بيكر زار مصر فى أوائل سنة 1280 هـ/1869 م بمعية ولى عهد المملكة الإنجليزية، فتعرف عليه إسماعيل واختاره للقيام بحملة على خط الاستواء وضمه لمصر، وارتضى ذلك صموئيل بكير وحرّر معه عقد لمدة أربع سنوات براتب سنوى يبلغ نحو عشرة آلاف جنيه. وهى إحدى غلطات إسماعيل الكبرى أن يعهد إلى إنجليزى بفتح منطقة خط الاستواء ظانا أنه سيخدم مضر، وأسرّ صموئيل بيكر فى نفسه أن يخدم بلاده بجعل منطقة خط الاستواء مستعمرة بريطانية لو استطاع، ووضع نصيب عينية تأليب السودانيين على مصر والمصريين، وأنفقت الحملة ثمانمائة ألف من الجنيهات، ولم تتم عملية الفتح والضم كما كان مظنونا، وكل ما جنته مصر من الحملة طوال أربع سنوات تأسيس ثلاث محطات هناك فى غندوكرو وفاتيكو وفويرا ورفع أعلام مصرية عليها. وانتهى عقد بيكر وعاد إلى بلاده، وبدلا من أن يعهد إسماعيل إلى مصرى أو سودانى بإتمام الفتح قدم إليه وزيره نوبار ضابطا إنجليزيا تعرف عليه فى السفارة الإنجليزية بالآستانة هو غوردون الذى خدم دولته فى حروب القرم وفى الصين، فارتضاه إسماعيل ليتمم ما بدأه صموئيل بيكر فى منطقة خط الاستواء، فنجح هناك فى تأسيس مجموعة من المحطات العسكرية، وكان سياسيا ماكرا فجذب قلوب الناس إليه، واضطر للدخول فى مناوشات مع أوغندة والبلدان المجاورة، وأحسّ بالإرهاق فعاد إلى مصر مصمما على عدم العودة إلى السودان، غير أن إسماعيل أقنعه بإكمال مهمته، فوعده برجوعه بعد زيارته لبلاده.

وكانت مصر استولت على سواكن ومصوع ودخلت كل المنطقة الشرقية فى السودان،

ص: 627