الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الأوّل
الجغرافية والتاريخ
1 -
الجغرافية
(1)
المغرب الأقصى أبعد أجزاء المغرب عن بلدان المشرق، فهو نهايته الواقعة على المحيط الأطلسى غربا والبحر المتوسط شمالا، وتحدّه الجزائر شرقا والصحراء الكبرى جنوبا، وسطحه فى الجملة جبلى إذ تمتد فيه سلسلتان من الجبال تتصلان جيولوجيا بجبال الألب الأوربية، وهما تمتدان فيه من الغرب إلى الشرق، وأولاهما شمالية، ويتفرغ منها فى الشمال الغربى فرع جبال الريف الذى يتخذ شكل قوس يحتضن الساحل الشمالى من مدينة سبتة جنوبى جبل طارق إلى مدينة مليلة غربى مصب نهر الملوية. ويمتد فرع محاذ له يسمى أطلس التل، بينه وبين سلسلة جبال الأطلس الصحراوى هضبة وتكثر فى هذا السطح الجبلى أنهار ونهيرات وسهول. وسلسلة الجبال فى الأطلس الصحراوى شديدة الارتفاع وتتميز بكثرة المنحدرات الوعرة، وتتفرع منها سلسلة جبال صغيرة يسميها ابن خلدون جبال درن، وكثير من جبال الأطلس الصحراوى تكسوه الغابات وتتوجه الثلوج.
ولكى نتصور المغرب الأقصى جغرافيا ينبغى أن نعرض مناطقه، وأول ما يلقانا منها فى الشمال الغربى منطقة الهبط، وتنتهى شمالا على مضيق جبل طارق وشرقا على البحر المتوسط وغربا على المحيط الأطلسى، ومن أهم مدنها سبتة وطنجة شمالا وتطوان على البحر المتوسط شرقا وأصيلا على المحيط الأطلسى غربا ومنطقة أزغار جنوبا، ويبلغ طول الهبط نحو مائة ميل وعرضها نحو ثمانين ميلا، وتكثر فيها المجارى والنهيرات المائية وأرضها خصبة جدا ووافرة الإنتاج، وسهولها وجبالها مأهولة بالسكان. ولعب سكانها دورا مهما فى الدفاع عن غرناطة وإقليمها حين ظلت قرنين ونصفا تقاوم نصارى الإسبان الشماليين، وخاصة سكان جبل ودراس البواسل، وقد ظلوا يتداولون قصصا كثيرة فى عبارات نثرية وقصائد شعرية عن
(1) انظر فى جغرافية المغرب الأقصى كتابات أبى عبيد البكرى والإدريسى (انظر جغرافية الجزائر) وجغرافية الوطن العربى للدكتور محمد محمود الصياد وصورة الأرض لابن حوقل وملامح المغرب العربى للدكتورين محمد عبد المنعم الشرقاوى ومحمد محمود الصياد وكتاب وصف إفريقيا للحسن الوزان طبع جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
بطولات بطل شعبى من أبطالهم يسمى «هلولا» وبطولته فى المغرب الأقصى تماثل البطولات التى تحكى فى فرنسا عن بطلهم رولان فى ملحمته المشهورة، وحرى بنا أن تكون لنا ملحمة مماثلة عن «هلولا» . وجنوبى هذه المنطقة على المحيط منطقة أزغار، وهى سهل خصب وتكثر بها المدن والقرى والسكان، وتمتد على المحيط نحو ثمانين ميلا ومن مدنها القصر الكبير وميناء العرائش، ولكثرة زروعها تموّن مدينة فاس، ويؤلف شبابها زهرة الجيش الفاسى. وإلى الجنوب منها منطقة فاس، وهى مدينة متحضرة من قديم أو بعبارة أدق منذ بناها إدريس مؤسس الدولة الإدريسية سنة 192 هـ/807 م وخطت فى الحضارة خطوات واسعة منذ الدولة المرينية، وهى تتوسط سهلا خصبا أتاح لسكان منطقتها معيشة طيبة لكثرة حقولها وبساتينها ومن مدنها مكناس وتنتج أرضها مختلف الفواكه والثمار، ومن مدنها أيضا سلا وهى ميناء على المحيط ونشأت بجانبها مدينة الرباط، ومدن كل هذه المنطقة تتميز بحضارة رفيعة. وجنوبى هذه المنطقة منطقة تامسنة وهى منطقة غنية وبها كثير من المدن والقرى، تعدّ بالعشرات. وتنتهى فى الجنوب بجبال أطلس التل، ومن أهم مدنها أنفة وخلفتها حديثا الدار البيضاء، وكانت أنفة مزدانة بجوامع وفنادق جميلة، وهى ميناء على المحيط فى وسط سهل كثير الزروع والحبوب. وإلى الجنوب منها منطقة دكالة، وكان أهلها فى العصور الوسطى متأخرين لا يعرفون طرق الزراعة وغرس البساتين ومن أهم مدنها آسفى. وتليها على المحيط منطقة حاحة وتعد امتدادا لمنطقة مراكش الداخلية، وهى منطقة وعرة مليئة بالغابات والجبال والأودية المائية الصغيرة وتزدحم بالسكان، وأكثر مدنها القديمة أصبحت أطلالا، وتنتهى هذه المنطقة عند الأطلس الصحراوى. وتليها إلى الجنوب على المحيط منطقة السوس آخر المناطق الغربية للمغرب الأقصى، وتقع وراء الأطلس الصحراوى جنوبا، ويكثر فيها النخيل، ومن أهم مدنها أغادير عند نهاية جبال الأطلس وقرب مصب نهر السوس، ومنها أيضا ماسة على المحيط وتيوت فى الشمال، وأرض هذه المنطقة خصبة وتنتج كمية وافرة من الحبوب والفاكهة وخاصة من التين والعنب.
ونعود إلى أقصى الشمال على البحر المتوسط، فنلتقى بمنطقة الريف متأخمة لمنطقة الهبط، وتمتد شرقا نحو مائة وأربعين ميلا حتى نهر النكور وجنوبا نحو أربعين ميلا حتى الجبال التى تحاذى نهر الورغة الواقع فى منطقة فاس، وهى منطقة مليئة بالجبال والغابات شديدة البرودة، وبها كثير من أشجار البرتقال والتين، ولكن القمح قليل. وليس فى الجبال سوى مدن قليلة، وأكثر السكان فى مدن الساحل صيادون وملاحون، وتنتج الجبال أو كثير منها الأعناب والزيتون والتين والكتان والسفرجل والليمون. وإلى الشرق على البحر المتوسط من هذه المنطقة منطقة غارت، وتبدأ من نهر النيكور وتنتهى عند مصب نهر الملوية، وتمتد جنوبا حتى محاذاة جبال منطقة الحوز شرقى فاس وطولها نحو خمسين ميلا فى أربعين ميلا عرضا، وهى منطقة
شديدة الجفاف قليلة السكان وأهم مدنها مليلة على البحر المتوسط. وإلى الجنوب من إقليم غارت إقليم الحوز وهو يمتد شرقى منطقة فاس فى نحو مائة وتسعين ميلا طولا ومائة وأربعين ميلا عرضا ويشتمل على كثير من السهول والجبال الصحراوية أو جبال أطلس، ومن أهم مدنها تازه وهى تعد ثالثة المدن فى ولاية فاس من حيث الحضارة والثقافة، ولها أراض خصبة شديدة الاتساع، والحياة مزدهرة فى كثير من مدن وجبال هذه المنطقة. وجنوبى الحوز منطقة تادلة، وتشمل الإقليم من جنوبى نهر العبيد إلى نهر أم الربيع فى الشمال، ولأهلها مهارة فى دبغ الجلود ونسج الصوف، وأكثر السكان بالمدن والجبال فى رخاء ومن مدنها تفزة وأفزة. وغربى هذه المنطقة منطقة هسكورة وتبدأ من التلال الغربية فى دكّالة وتمتد شرقى منطقة مراكش وتتجه إلى الجنوب، ويعنى سكانها بصناعة الجلود لكثرة المعز بديارهم وأيضا محصول الزيت، ومن مدنها المدينة وتاغوداست وتغطى بعض جبالها الثلوج على مدار السنة. وإلى الجنوب منها منطقة جزولة شرقى السوس وغربى منطقة الدرعة، وتوجد بهاعدة مناجم للنحاس والحديد، أهلت السكان لصناعة كثير من الأوعية ويزرعون الشعير وعندهم الكثير من الماشية. وإلى الشرق من هذه المنطقة منطقة الدرعة وتمتد جنوبا إلى مسافة مائتين وخمسين ميلا. أما السكان فيقيمون فى حوض نهرها وتمتد فيه حدائق النخيل. وفى الجنوب الشرقى من منطقة هسكورة منطقة سجلماسة، وتمتد على طول نهر زيز، وتتغلغل جنوبا إلى مسافة مائة وعشرين ميلا حتى حدود الصحراء، وأهل مدينة سجلماسة أغنياء لتبادلهم التجارة مع بلاد السودان، وتكثر بمنطقتها التمور.
ولعل فى كل ما قدمت ما يصور من بعض الوجوه أن جغرافية المغرب الأقصى معقدة لكثرة مناطقه واتساع أقاليمه التى تبلغ نحو خمسمائة ألف كيلومتر مربع، وجباله فى الشمال وفى أطلس التل والأطلس عالية علوا شاهقا، وهو علو هيأ من جهة لتكوّن الثلج على قممها وذراها الشامخة، كما هيأ من جهة ثانية لكثرة نزول الأمطار بها، وهى تنزل بها منذ شهر أكتوبر وتغزر فى الشتاء. وكثرة الجبال على سطحها هيأها لأن تكثر فيها الأنهار والنهيرات والمجارى المائية، ومعظمها تجرى طوال العام، ومن أهمها نهر الملوية، وينبع من منطقة فاس ويجرى إلى الشمال الشرقى ويصب فى البحر المتوسط شرقى مليلة، ونهر سبو ويجرى من الشرق إلى الغرب ويصب فى المحيط الأطلسى مخترقا منطقة فاس وحوضه يعد أغنى أحواض المغرب الأقصى وأكثرها سكانا، ويبلغ إنتاجه أربعين فى المائة من إنتاج المغرب الأقصى، ونهر أم الربيع وينبع من منطقة الحوز، ويتجه جنوبا ثم غربا حتى المحيط ويغذى مناطق تادلة وتامسنة ودكّالة، ونهر تنسيفت ويتجه من الشرق إلى الغرب ويخترق منطقتى مراكش وحاحة، ونهر السوس ويتجه إلى الغرب مخترقا شمالى جزولة والسوس ويصب فى المحيط بقرب أغادير.
والمغرب الأقصى كما يعتمد على الأنهار يعتمد على الأمطار، وعلى الرغم من كثرة الجبال
على سطحه الأجزاء المهيّأة للزراعة كثيرة، وهى أولا سهول ساحلية على البحر المتوسط والمحيط الأطلسى، والأولى محدودة المساحة وكأنها فى بعض الأنحاء أشرطة ضيقة، والثانية أكثر اتساعا، ويتراوح عرضها بين ثلاثين وتسعين كيلو مترا. وتبعد الموانى على المحيط عن مصبات الأنهار لكثرة ما تحمل من الرواسب. وثانيا سهول نهرية وهى سهول كونتها الأنهار بكثرة ما حملت من الرواسب، مثل سهول الأنهار المذكورة آنفا. وهى تصلح لإنتاج جميع الغلات الزراعية وغرس الأشجار وإقامة الحدائق والبساتين. وثالثا سفوح منحدرات الجبال. ورابعا تربة الأطلس التلى وبه سهول واسعة لزراعة الحبوب وغرس الأشجار. ولاختلاف الطقس بين الوديان والسهول والجبال ومنحدراتها تلقاك فى المغرب مختلف أشجار الفواكه والنّقل، ويكثر النخيل فى المناطق الجنوبية. والمناخ فى جملته معتدل على السواحل وأحواض الأنهار إلا ما قد يميز بعض الجبال من البرودة الشديدة حتى لتتوجها الثلوج طول العام.
2 -
التاريخ (1) القديم
تاريخ المغرب الأقصى موغل فى العصور السحيقة، وأخذ يتراءى على صفحات التاريخ مع ارتياد الفينيقيين لسواحل إفريقيا الشمالية أو بعبارة أخرى لسواحل البلاد المغربية منذ القرن التاسع قبل الميلاد وقبله وبعده للبحث عن مواقع غنية بطيبات الخيرات والسلع يرسون بها سفنهم ليتبادلوا مع أهلها وجوه التبادل التجارى المختلفة. وكانوا شعبا ملاحيّا متحضرا يحترف التجارة، وظلوا طويلا يحاولون التعرف على المواقع الملائمة لهم فى الساحل الإفريقى الشمالى: وبمرور الزمن ومع كثرة البحث أعجبهم موقع بالقرب من مدينة تونس الحالية أقاموا فيه مدينة قرطاجة، وسكنتها منهم جالية فينيقية كبيرة، أقامت بها دولة ظلت قرونا طويلة، وأخذوا يبحثون لتجارتهم عن أماكن أخرى صالحة لتبادل السلع، واختاروا فى الجزائر بونة وجيجل وإسكيكدة وبجاية وشرشال، ونشروا فيها جميعا حضارتهم الفينيقية، وعلموهم غرس الأشجار وبعض شئون الزراعة والرى، ونقلوا إليهم من موطنهم القديم فى الشام حول صور فى لبنان بعض أشجار الفاكهة والنقل. واتسعوا فى اتخاذ المواقع على سواحل البحر المتوسط الغربية لتكون مراكز لتجارتهم الواسعة، فاتخذوا موقعا على الساحل الجنوبى الشرقى لإسبانيا سمّوه «قرطاجنة» واتخذوا موقعا مماثلا فى الجنوب الغربى لإسبانيا سموه «قادس» ونما الموقعان وأصبحا مدينتين فينيقيتين كبيرتين، وكان طبيعيا أن يبحثوا عن مواقع مماثلة فى سواحل
(1) انظر فى التاريخ القديم للمغرب الأقصى كتاب تاريخ المغرب الكبير-الجزء الأول لمحمد على دبوز- (طبع القاهرة) وكتاب مدنية المغرب العربى للأستاذ أحمد صقر.
المغرب الأقصى، وأعجبهم موقع غربى مصب نهر الملوية سموه «روسادير» وهو نفس موقع مليلة الحالية وهو فى صدر خليج يساعد على رسو السفن فيه، وكأنما اختاروه للاتصال عن طريقه بسلع منطقة فاس الغنية. واختاروا فى آخر ساحل المغرب الأقصى الشمالى موقعا مطلا على المحيط الأطلسى ويطل من الشمال الشرقى على مضيق جبل طارق، سموه «طنجة» والسهل من ورائها خصب ومتسع ووافر الغلات. وكما مدوا ذراعهم شمالا فى إسبانيا إلى «قادس» مدوه جنوبا فى المغرب الأقصى إلى أصيلا نحو سبعين ميلا من طنجة، وهى فى نفس إقليمها الخصب. وفى كل المواقع التى أقام الفينيقيون لهم فيها مدنا بالساحل المغربى جميعه استقرت حضارتهم الفينيقية قرونا وأجيالا متعاقبة منذ القرن الثامن قبل الميلاد على الأقل وفى القرون التالية. وكانوا شعبا عريقا فى الحضارة لا فى شئون الملاحة البحرية وبناء السفن فحسب، بل أيضا فى كثير من شئون الزراعة والصناعة: صناعة الزجاج الملون وغيره، وبثوا ذلك كله بين كثيرين من سكان المغرب، ولا بد أن بثوا بينهم أبجديتهم التى وضعوها على هدى الأبجدية الهير وغليفية المصرية، بعد أن أدخلوا فيها غير قليل من التعديل بحيث صارت أساس الأبجديات العالمية، وتعلم بعض المغاربة أبجديتهم ولغتهم، ومعروف أنها لغة سامية. والتقى دين الفينيقيين الوثنى بدين المغاربة الوثنى فى كل مكان، وكان سكان المغرب الأقصى-مثل بقية سكان المغرب والفينيقيين-يعبدون الشمس والقمر، ويعتقدون بوجود أرواح مقدسة فى بعض الأشجار والأحجار والطير والحيوان.
ولا نبالغ إذا قلنا إن الفينيقيين فى عصرهم الممتد قرونا نقلوا المغرب الأقصى وغيره من البلدان المغربية من حياة البداوة إلى حياة جديدة من التحضر، فقد تعلم المغاربة على أيديهم كثيرا من شئون التجارة وزراعة الحبوب والبقول والخضر وغرس بساتين الفواكه وأشجار الزيتون وتربية المواشى وصناعة السفن واستخراج المعادن من الحديد والنحاس وغيرهما وصنع الأوانى وحلىّ الزينة وحياكة الملابس والدباغة، وعرفوا منهم-فيما يظن-صناعة العطور والعقاقير.
ومن المراكز التى أسسها الفينيقيون لتجارتهم مراكز فى شمالى صقلية من أهمها بالرم، وتبعهم اليونان-فيما بعد-وأسسوا لهم مراكز فى شرقى صقلية بمسينا وسرقوسة وقطانية، وكان ذلك فى نشوب الحرب بالقرن السادس قبل الميلاد بين الشعبين أو الفئتين، وظلت طويلا بينهما دون أن ترجح كفة إحداهما رجحانا نهائيا ومنذ أواسط القرن الثالث قبل الميلاد تتدخل روما وتحاول إزالة القرطاجيين الفينيقيين من صقلية ومن الساحل الإفريقى ونشبت الحرب بين الفئتين لمدة نحو مائة وعشرين عاما (264 - 146 ق. م) ويكتب النصر أخيرا لروما وجيشها، فيقضى على قرطاجة قضاء مبرما، ويهدم مبانها الشاهقة، ويبنى بجوارها قرطاجة جديدة، وتستولى روما على كل ما كان بيد القرطاجيين الفينيقيين من بلدان وأقاليم فى إفريقية
التونسية والبلاد المغربية، وبذلك تبعتهم نوميديا بما تشمله من الصحارى فى غربى الجزائر وشرقى المغرب الأقصى حتى نهر الملوية وإلى الجنوب حتى سجلماسة ويقال إن قائدا رومانيا بناها وسماها سيجيللوم ماسة، وحرّف الاسم مع الزمن إلى سجلماسة، وبنى قواد آخرون مدنا فى نوميديا الجزائرية على نحو ما صورنا ذلك فى حديثنا عن تاريخها القديم.
وكما مدت روما ولاءها على المدن الجزائرية الفينيقية مدّته أيضا على مدن الفينيقيين فى المغرب الأقصى: مليلة وطنجة وأصيلا، وكان حكامها من البربر سكانها يتخذون عاصمة لهم طنجة. وكان المغرب الأقصى شرقى نهر الملوية يسمى موريتانيا الغربية، أما موريتانيا الشرقية فكانت تتداخل مع نوميديا. وربما كان أهم حاكم قديم لموريتانيا الغربية هو بوكوس الأول، وإليه أصهر يوغورطة حاكم نوميديا، ودخل يوغورطة فى حروب مع الرومان فأعانهم فى القبض عليه سنة 106 قبل الميلاد فخلفه ابنه بوكوس الثانى حتى سنة 33 قبل الميلاد. واستولى عليها الرومان بعده، وفى سنة 17 قبل الميلاد جعلوا عليها بويا الثانى صاحب نوميديا، وخلفه عليها ابنه بطليموس حتى سنة 40 للميلاد، ثم جثم الرومان على المغرب جميعه. ونرى الرومان ينشئون فى المغرب الأقصى مدنا على ساحل البحر المتوسط مثل سبتة القريبة من جبل طارق وكانوا يسمونها «سيفيتاس» واتخذوها مقرا لحكومتهم الرومانية فى المغرب الأقصى، فهى متحضرة من قديم، وعمالها مهرة فى صناعة النحاس والشمعدانات، وخارجها بساتين وحدائق بديعة. ولم يكتف الرومان بما كان على المحيط للفينيقيين من مدن مثل طنجة وأصيلا، فقد توغلوا على ساحله إلى موقع سلا وبنوا فيه مدينتها قرب نهر أبى الرقراق على مسافة ميلين من المحيط، بل توغلوا أكثر من ذلك إلى إقليم تامسنة، وبنوا على ساحل المحيط مدينة أنفة مدينة الدار البيضاء الآن، وهى فى سهل خصب صالح لزراعة كل أنواع الحبوب. وجاس الرومان خلال ديار المغرب الأقصى، بدليل أننا نجدهم يتفرجون على منطقة فاس وما بها من زروع مزدهرة، وأعجبهم بجوارها جبل زرهون الذى يمتد نحو الغرب ثلاثين ميلا ويمتد عرضه إلى عشرة أميال، وهو مغطى بأشجار الزيتون، وقد بنوا فوق قمته مدينة وليلى، والأرض حولها مزدانة بمزارع وبساتين بديعة، وكان الوالى الرومانى يقيم إما فى هذه المدينة وإما فى مدينة سبتة. وأرهق الرومان سكان المغرب الأقصى بكثير من العسف والضرائب الباهظة، وكانوا ينهبون خيرات الأرض من الحبوب والزيتون وعصيره. ولما اعتنقت روما الديانة المسيحية واتخذتها دينها الرسمى حاولت نشرها فى أرجاء إمبراطوريتها والبلاد المغربية، غير أن من اعتنقوها من المغرب الأقصى كانوا قلة شديدة فى المدن الساحلية، وأكثرهم كان من الجاليات الرومانية والأجنبية.
وظل البربر يقومون بفتن وثورات كثيرة فى أيام الرومان لكثرة مظالمهم وفداحة ما كانوا يفرضونه من الضرائب على الشعب البربرى وأبنائه، وأخذت دولتهم تضعف منذ القرن الثالث