الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وهو يصلى ويسلم على الرسول بدر الوجود الذى أنار الله به أرجاء كونه، ويدعو الله أن يصلى عليه ما دام الكون قائما وما دامت الأعراض تتعلق بموجوداته. وينوه بالإسلام وأنه دين حنيف محا به الماحى (من أسماء الرسول) آثار الخسران والديانات الباطلة، وقد قرب الله لمن والاه الجنان وأذاق أعداءه العاصين نيرانه، ولو كان الكون إنسانا لكان عينه المبصرة، أو لو كان عينا لكان إنسانها الذى ترى به الدنيا. ويلخص فى البيت الأخير فكرة الحقيقة المحمدية وأنه مبدأ الوجود ونوره وكل نور فى السموات والأرض مستمد من سراجه، فهو منبع كل نور. ويقول:
ما سدّ باب كريم دون قارعه
…
فاقرع تجد باب مولى الأنعم انفرجا
وارغب إلى ربّك الأعلى ليجعلنا
…
ممّن على النهج نهج المصطفى درجا (1)
نهج الذى أنزل الله الكتاب هدى
…
لنا عليه ولم يجعل له عوجا (2)
منه استفاد النّبيّون النبوّة إذ
…
مما له ما لهم منها قد اختلجا (3)
ألا طربت ألا إنّي طربت إلى
…
من حبّه مع لحمى والدّم امتزجا
من للنبيين من للرّسل أين لهم
…
من قاب قوسين معراج كما عرجا (4)
وهو يقول اقرع باب الربّ الكريم المنعم تجده قد انفتح، وادعه أن يجعلنا ممن سار على نهج المصطفى وكتابه الذى أنزله الله عليه ولم يجعل له عوجا ولا التواء، ويقول متمثلا فكرة الحقيقة المحمدية إنه مبدأ الأنبياء، منه استفادوا نبوتهم التى خالجتهم فى نفوسهم. ويذكر أن حب الرسول امتزج بلحمه ودمه، ويقول إنه ليس للأنبياء والرسل معراجه الذى خصّه الله به. ويشير إلى ما جاء فى سورة النجم:{فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى} .
محمد (5) بن محمد العلوى
يقول الشنقيطى عنه: «برع فى عنفوانه فى العلوم وصرف همته إلى نظم الشعر، وبلغ صيته فى قطره مبلغا لم يبلغه أحد ممن عاصره» . ولما بلغ نحو الثلاثين من عمره عزم على الحج، ومر بمراكش ومدح سلطانها عبد الرحمن العلوى (1834 - 1859 م) واحتفى به، ثم توجه إلى الحرمين الشريفين فبدأ بالزيارة ثم قضى حجه، وفى طريقه من مكة إلى جدة توفى، يقول الشنقيطى: كان حيا بعد سنة 1250 هـ/1835 م ويقول الدكتور محمد المختار
(1) درج: مشى وسار.
(2)
عوجا: التواء وانحرافا واختلافا.
(3)
اختلج فى النفس: اضطربت به، ومنه الخوالج.
(4)
قاب: قدر. عرج: صعد.
(5)
انظر فى ترجمة
محمد بن محمد العلوى
الشنقيطى ص 47 والشعر والشعراء فى موريتانيا ص 51 وفى مواضع متعددة.
إنه توفى سنة 1272 هـ/1856 م ويذكر الشنقيطى أن ديوانه مجلد ضخم، وكان مدّاحا بارعا للرسول صلى الله عليه وسلم، وفى إحدى مدائحه يقول:
وجّهت وجهى إلى خير الورى وأرى
…
لنفسى الفوز بالمطلوب والظّفرا
وجهت وجهى إلى مغنى الفقير ألا
…
إنّي لمعروفه من أفقر الفقرا
وجّهت وجهى لذى الخلق العظيم وذى ال
…
مجد الصميم عديم الشّكل والنّظرا
وجهت وجهى لمحمود المقام ومق
…
صود الأنام إذا الخطب الجليل عرا
من آيه وكفى القرآن معجزة
…
ما كان من خارق فى بدئه ظهرا
يكفيك أن إله العرش صوّره
…
كما يشاء ومنه صوّر الصّورا
ويبدو أنه نظم القصيدة حين عزم على الحج والزيارة أو لعله كتبها فى طريقه إلى الزيارة، وهو يقول: وجهت وجهى إلى خير البشرية، وفى ذلك فوزى وظفرى بكل ما أطلب إذ وجهت وجهى إلى مغنى الفقير روحيا، وإنّي لمن أفقر الفقراء إلى معروفه. إنه صاحب الخلق الرفيع والمجد المؤثل عديم النظير، صاحب المقام المحمود والمقصود فى نوازل الخطوب، ومن معجزاته الباهرة القرآن، المعجزة الخارقة. وصور الشاعر فى البيت الأخير صورة وجوده المادى الحقيقى التى صوره الله فيها صورة رفيعة، وصورة وجوده المعنوى الذى صوّر الله منه صور الموجودات، وهو وجود يسبق خلق الكون وموجوداته. ويقوله فى مدحة مولدية:
إنسان عين الكون غرّة وجهه
…
حاوى التفرّد بالمقام الأرفع
باب الإله ومصطفاه لسرّه
…
وسراج حجّته الذى لم يقشع (1)
من خصّه بحلى الكمال إلهه
…
والكون واقع أمره لم يوقع
يا مولد الهادى لشهرك نفحة
…
أرج الزمان بنشرها المتضوّع (2)
أكرم بمولد ذى الختام بيومه
…
وبشهره وبعامه والموضع
وهو يقول إن محمدا صلى الله عليه وسلم إنسان عين الكون وغرّة جبينه المشرقة صاحب المقام الأرفع الفريد عند ربه، باب رضاه وغفرانه ومصطفاه لسره ورسالته وسراج شريعته الذى لم تنحسر أضواؤه أبدا، وقد خصه بالكمال الأسمى قبل حدوث الكون وخلقه. والشاعر بذلك يشير إلى حقيقته المحمدية الأزلية التى خلقت قبل خلق الكون ووجوده. ويقول إن لشهر مولده نفحة روحية، تعطر الزمان بشذاها الفائح، فما أكرم مولد خاتم الرسل، وما أعظم شهره وعامه وموضع مولده.
(1) يقشع هنا: تنحسر أضواؤه.
(2)
أرج الزمان: تعطّر. نشرها: شذاها الطيب. المتضوع: الشديد الرائحة.
محمد (1) بن حنبل
يقول الشنقيطى فى ترجمته: «كان محمد هذا من العلماء الأعلام، واشتهر فى اللغة. وكان نحويا وله اليد الطولى فى البيان. وكان حريصا على طلب العلم، يقال إنه مكث سبع سنوات منقطعا لطلب اللغة» وأنشد الشنقيطى له قصيدة فى مديح الشيخ سيديّا حضّ فيها على طلب العلم ومدارسته حضّا شديدا، وله قصيدة يزرى فيها بأهل الجهل ومقصورة مدح بها الشيخ سيديّا عارض بها مقصورة أبى صفوان الأسدى وما تصور من حيوانات الصحراء وطيرها وما تحمل من ألفاظ بدوية آبدة مما يدل على ثقافته الأدبية واللغوية الواسعة، وأنشد له الدكتور محمد المختار نبوية طويلة فى نحو مائة وثمانين بيتا، وهى نبوية رائعة، توفى سنة 1302 هـ/1885 م ومن قوله فيها مستمدا من فكرة الحقيقة المحمدية الأزلية:
طه الصّراط المستقيم محمد
…
تاج الخلائق سيد الأبرار
أصل الوجود وحليه وعتاده
…
ومفيض بحر الجود والأنوار
نور السراج وكلّ نجم طالع
…
من نوره والشمس والأقمار
والحور والولدان فى غرفاتها
…
والدرّ والياقوت والأزهار
والعرش والكرسىّ والألواح والأ
…
قلام والأفهام والأبصار
والمسك فى فاراته والندّ فى
…
أحقاقه والروض ذى الأنوار (2)
وهو يقول إن طه هو محمد الصراط المستقيم الذى لا ينحرف أبدا تاج الخلائق سيد النسّاك. ويأخذ ابن حنبل فى ذكر حقيقته الأزلية، فهو أصل الوجود وزينته وعدّته، ومفيض غيث كرمه وأضواء أنواره إنه أصل كل نور فى السراج وفى النجوم والكواكب والشمس والأقمار، وأصل كل جمال فى حور الجنان وغلمانها وفى اللؤلؤ والياقوت والأزهار، وأصل كل وجود فى العالم العلوى من عرش وكرسىّ وألواح وأقلام وفى العالم السفلى من أفهام وأبصار وهو طيب المسك فى أوعيته وطيب النّدّ فى حقاقه وشذا الأزهار فى روضها المونق. ويستمر ابن حنبل فى نفس الفكرة قائلا:
وبه نجا فى الفلك نوح وأهله
…
ونجا الخليل من التهاب النّار
وأقام آدم فى الجنان وزوجه
…
وبنوهما فى البدو والأمصار
وبيمنه قبل الإله متابه
…
من بعد مكر الخادع الغرّار (3)
(1) انظر فى ترجمة ابن حنبل الحسنى وأشعاره الشنقيطى ص 311 والشعر والشعراء فى موريتانيا ص 178 وفى مواضع مختلفة.
(2)
فارات المسك: أوعيته.
(3)
الخادع الغرار: إبليس.